|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
خيري الذهبي والرواية المتعددة الأصوات رواية: (لو لم يكن اسمها فاطمة) نموذجا ـــ د.عادل الفريجات لا تحتاج رواية: "لو لم يكن اسمها فاطمة" لخيري الذهبي، إلى تأمل نقدي كبير، ليصنفها الناقد في نطاق لون سردي بعينه، فهي رواية أصوات متعددة بجدارة. وبعيداً عن جفاف المصطلح، نسارع إلى القول: إنها رواية ينمي أحداثها شخصيات متعددة، فينظر إليها كل منها بمنظاره، وتتعدد فيها ردود الأفعال إزاء الأحداث والأفكار والمواقف، في الوقت الذي يختفي فيه الروائي وراء الأفعال والأقوال في غيرية واضحة. ففي هذه الرواية يمد خيري الذهبي خطوطه السردية تدريجياً، ملقياً الضوء على ماضي شخصياته شيئاً فشيئاً، جاعلاً البطولة تتوزع على أكثر من واحد، وإن كان صوت (فاطمة شاكر) زوجة ركني البندقدار ــ مدير المال في سورية، في العام 1943، ووالدة المخرج السينمائي سلمان، هو الأكثر حضوراً بين أصوات هذه الرواية المتعددة الأصوات. إن تاريخ هذا النوع من الروايات المسماة (البوليفونية) ليس بعيداً، فقد عد (باختين) (ديستويفسكي) مؤسساً للرواية المتعددة الأصوات، ذاكراً من مزايا هذه الروايات ثلاثة عناصر، هي: 1 ــ اللاتجانس 2 ــ والحوار والمنولوج 3 ــ والتعدد الصوتي. وفي الوقت الذي عدت فيه روايات الرسائل إرهاصاً لهذه الروايات، كانت رواية فلوبير "مدام بوفاري: خير مثال ناضج عليها، في مضمار الأدب الغربي. أما في محيطنا العربي فقد أصدر الدكتور محمد نجيب التلاوي كتاباً كاملاً في هذا النوع من الروايات سماه: "وجهة نظر في روايات الأصوات العربية" (دمشق 2000). وفيه وقف عند عشر روايات مصرية تنتمي إلى هذا اللون، نذكر منها مثلاً: رواية الرجل الذي فقد ظله لفتحي غانم، ورواية ميرامار لنجيب محفوظ، وأصوات لسليمان فياض، والسنيورة لخيري الشلبي، والحرب في بر مصر ليوسف القعيد. ويذكر الناقد العراقي فاضل ثامر من الروايات العربية الأخرى المتعددة الأصوات: "ألف عام من الحنين" لرشيد بو جدرة، وخمسة أصوات، لغائب طعمة فرمان، "والوكر" لعبد الرحمن الربيعي، وثلاثية عبد الخالق الركابي "من يفتح باب الطلسم"، "الراووق" و"قبل أن يحلق الباشا". (انظر المقموع والمسكوت عنه في السرد العربي بيروت 2004 ص 29 ـ 30). وينتهي (ثامر) في دراسته إلى جدول يقارن فيه ما بين البنية السردية المونولوجية (أحادية الصوت)، والبنية السردية البوليفونية (متعددة الأصوات). وأهمها أن البنية السردية الثانية تميل إلى شيء من التفكك والتراخي غير المنضبط، وأنها تكشف عن تعدد في الأساليب واللغات الغيرية، وتخلو من العناصر الشعرية والغنائية، وتميل إلى الخلق الموضوعي لتعميق شعرية السرد، وتكرس إشكالية العلاقة مع الجماعة، وأنها تشجع صعود العناصر الملحمية والدرامية في السرد، وتميل إلى التوزع إلى محاور متباعدة قلما تلتقي، وأن الأزمنة فيها لا تسير وفق نسق خطي محدد، وأن البنية المكانية فيها غير محددة، وإنما تكون متبدلة ومتنوعة وغير مستقرة. (المقموع والمسكوت عنه)، لثامر ص 47). وتأتي رواية الذهبي التي ندرسها هنا، لتنضاف إلى تلك الروايات العربية التي مر ذكرها. شخصيات الرواية: إن أبرز الشخصيات في رواية خيري الذهبي، والتي صدرت في مصر بين مجموعة روايات الهلال في العام (2005)، هي: ــ فاطمة شاكر: وهي أقواها، لأنها استأثرت بالقسم الأكبر من مساحة السرد. ــ ركني البندقدار: وهو زوج فاطمة تلك ومدير المال في المنطقة الشرقية في سورية في العام 1943. ــ المخرج سلمان ابن فاطمة وركني، وهو الذي ذهب إلى (دير الزور) لتصوير فيلم سينمائي يحيي فيه مدينة ميتة من مدن تلك المنطقة، بعد أن درس الإخراج السينمائي في موسكو. ــ معاوية: وهو الموظف الكبير في وزارة الثقافة بدمشق والذي أحب فاطمة زوجة ركني، رغم كهولتها وفارق السن بينهما، وقد شجع موهبتها، وعينها موظفة في وزارته. ــ القائد الفرنسي فيليب أوغستان قائد حامية البادية ومعلم الرسم لفاطمة فيما بعد. ــ المسيو غسان الذي بدا صديقاً قديماً لفاطمة وركني، وقد ظهر ظهوراً مفاجئاً ليقدم للمخرج سلمان سيناريو بعنوان المدينة الميتة، وهو سيناريو كتب بأكثر من خط، وحررته أكثر من يد. وبدا، على نحو من الأنحاء، كأنه مذكرات خاصة بفاطمة وركني، إضافة إلى شخص ثالث، عمل به تنقيحاً وتصحيحاً، هو المسيو غسان على الأرجح. ــ الصحفي الفرنسي (دينارد) الذي كان يعمل مع حكومة فيشي التي تعاونت مع الألمان بعد سقوط باريس على أيديهم. وقد جاء من فرنسا إلى سوريا في زمن الانتداب ليحقق في سقوط طائرة ألمانية متجهة من حلب إلى العراق، بدا في لحظة من اللحظات أن فاطمة قد أسقطتها ببارودة كانت تحملها. وقد مثل المخرج سلمان دور شهريار في "ألف ليلة وليلة" فهو الشخصية المروي لها. وهو دون ريب شخصية خيالية مثلت جسراً لنقل الأحداث للمتلقي. الأحداث والبنية السردية: فبعد أن يصف خيري الذهبي صاعقة حلت في المدينة الميتة، حيث سلمان ومساعده المصور يوسف، ينقل الأحداث إلى غرفة مدير الناحية. وفي هذه الغرفة يفاجأ سلمان بوجود لوحة فوق الباب تصور غزالاً مطارداً يلجأ إلى بركة ماء محوطة بالشجر... وفجأة وفي هذه اللحظة التي أحس فيها بالأمان، تتكشف الأشجار عن صيادين، وقد صوبوا بنادقهم عليه لقتله... وكانت هذه اللوحة موقعة باسم الفنانة (فاطمة شاكر) زوجة مدير المال في العام 1943. وفي حوار بين سلمان ويوسف يقول يوسف لسلمان: "إنها أمك". وعلى مأدبة مدير الناحية المقامة على شرف سلمان، نفاجأ بدخول رجل يدعى (المسيو غسان) الذي يتعرف على سلمان ويدعوه إلى بيته. وهناك يقدم له مخطوطاً لسيناريو بدئي للفيلم الذي أتى سلمان لتصويره عن المدينة الميتة. ويكون عنوانه "المدينة الميتة" بالذات. وهنا تبدأ عملية التشويق تأخذ أبعادها.. فغسان هذا يختفي، تاركاً سلمان يقرأ ما كتب عن والدته في هذا السيناريو، والدته التي سميت بأكثر من اسم، فهي تارة فاطمة "حول يا غنام حول" وتارة "فاطمة السنغال"، وتارة "فاطمة أو غستان"، وتارة فاطمة بلو مبرغ... ثم يقرأ ما كتبه والده في هذا المخطوط، ثم ما كتبه شخص ثالث، وربما رابع، حول مسيرة حياة والدته فاطمة، ومصير والده ركني، وتفاصيل أخرى كثيرة مثلت الملاط الذي يتكفل بلحم الأجزاء والعناصر لتصبح بناء... وفي هذا المخطوط المتعدد الخطوط والكاتبين نستمع إلى صوت آخر غريب، هو صوت القائد العسكري لحامية الهجانة في البادية السورية (فيليب أوغستان)، وهو الذي علم فاطمة فن الرسم، وإلى صوت للصحفي (دينارد) الذي جاء ليحقق في مقتل الضابط الألماني الطيار (بلو مبرغ)، بعد أن حامت الشكوك بأن قاتلة هذا الضابط هي (فاطمة)، التي صحبت زوجها في رحلة لصيد الغزلان. وكانا قد ركبا سيارة القائد الفرنسي فيليب المعدة لمثل هذه المهمة دون إذن منه. وقد كان لكل نسبة نسبت إليها فاطمة قصة، فهي حين تكون فاطمة "حول يا غنام حول"، تجسد معنى الأمومة التي عاينها سلمان في صغره، بما فيها من ذكريات الشجار مع الابنة نجوى، ومع الزوج ركني، الذي كانت فاطمة قد رفضت الزواج منه، ثم قبلت به... ولكنه كان زواجاً غريباً، مكللاً بالشجار اليومي، لاختلاف التكوين والأمزجة بين الطرفين، ولهذا انجرفت فاطمة إلى ما هو مستنكر في علاقتها مع (معاوية) الموظف المتنفذ في وزارة الثقافة، ولعلها خانت زوجها معه، في أثناء رحلة قامت بها إلى باريس.. بيد أن وجه فاطمة الإيجابي، يظهر بوضوح حين رفضت تحرشات الجنود السنغال بها، ذات يوم، واعتكفت في بيتها، وأقسمت ألا تخرج منه إلا بعد خروج الفرنسيين والجنود السنغال، الذين كانوا يخدمون في الجيش الفرنسي، وهو في سورية. وقد أثار هذا الموقف الصحافة المحلية والعربية والأجنبية، فتناقلته تلك الصحف، وقد التقطت صورة لوجه فاطمة، فصار اسمها على كل لسان. بيد أن حل التجحيش، الذي جيء به كي لا تحنث فاطمة بقسمها، لم يكن مقنعاً في نظري، فقد ارتأى أحد الشيوخ أن يهدم جدار بيت فاطمة، ليتم خروجها من بيت الجيران، وهكذا خرجت، فمثل هذا الحل لا يليق في نظري بموقف وطني حاولت فاطمة تجسيده، بل هو يكاد يذهب إلى حد السخرية بالموقف، وبصاحبته التي قبلت الخروج بهذه الطريقة... وكم تمنيت أن يأتي الروائي بحل آخر أكثر انسجاماً مع مواقف فاطمة الوطنية، هذه المرأة التي كثر تشبيه الروائي لها بجان دارك ــ البطلة القديسة، التي عملت عملاً بطولياً نحو وطنها فرنسا، فقد ساعدت الملك شارل، وردت الإنكليز عن حصار أورليان، فقبض عليها وأحرقت في روان في العام (1431). والغريب أيضاً أن هذه المرأة، التي أقسمت ذاك القسم، قبلت أن تتعلم الرسم من القائد الفرنسي (فيليب أوغستان)، بل قبلت أن يصورها حاسرة الوجه، بعد أن مانعت كثيراً من أن تظهر سافرة، انسياقاً مع مفاهيم نصف القرن العشرين الذي عاشت فيه. وفي كل ما تقدم تظهر بنية الرواية المتعددة الأصوات التي تميل إلى التفكك والتراخي غير المنضبط، وإلى تكريس علاقة إشكالية مع الجماعة كما مر من قبل. وربما لمثل هذه الأشياء أقفل الكاتب روايته على فاطمة، وهي في الحرم، تقوم بفريضة الحج مستغفرة ربها، من ماضيها، كاتبة إلى (معاوية) رسالة تقول فيها: "إن الله أراد لها أن تعيش حلاوة التوبة كما عاشت حلاوة المعصية". وتطلب إليه ألا يرد على رسالتها بعد أن عرفت فيه الغدر والخداع والتنقل في حبه من امرأة إلى أخرى ــ (الرواية ص 184). وهذه النهاية تذكرنا بنهاية رواية عبد السلام العجيلي "أجملهن" (بيروت 2001). ففيها نرى البطلة (سوزان) قد اختارت الحياة الرهبانية في دير الراهبات الكرمليات في مايرلنغ بالنمسا، بعد مغامرات عشقية مع حبيبها المحامي السوري (سعيد)، وأرسلت له رسالة تعتذر عن عدم قبولها الزواج منه بسبب خيارها الأخير . وفي الوقت الذي كان يرهص العجيلي إلى مصير سوزان في روايته المذكورة، لم نجد أية إشارة في رواية الذهبي إلى أن (فاطمة) التي نزعت غطاء شعرها، وصارت تقابل الرجال، وتتعلم الرسم، وتخرج في رحلات صيد في البادية مع زوجها، ستنتهي مجاورة في (الحرم)، طالبة الغفران، ومجربة حلاوة التوبة، بعد أن جربت حلاوة المعصية. أما الفصل الأخير من هذه الرواية، وقد اتخذ الرقم (19)، فكان بعنوان (تقارير) وفيه يحاول خيري الذهبي أن يكسر التشخيص بإيراد تقارير سرية حول مقتل الضابط الألماني، فيسوق أربعة تقارير لانعرف مصدرها حول موت هذا الطيار الأول يشير إلى اختفائه بشكل غامض، والثاني يشير إلى الهجوم عليه في قاعدة النيرب الجوية، والثالث يشير إلى أن الطيارة (ميسر شميث) أقلعت دون إذن من سلطات المطار، ولم تحدد وجهتها. والرابع يطلب إلى قوى الدفاع الجوي في مطارات السلمية والنيرب والقلعة وتدمر والرحبة وزلابيا والقامشلي بإطلاق النار على هذه الطيارة دون تحذير.. وبعد هذه التقارير يطالعنا توقيع (المسيو غسان) الذي قدم المخطوط البدئي لسيناريو فيلم المدينة الميتة لسلمان. وهو سيناريو مفتعل في نظرنا الغرض منه كتابة قصة فاطمة وركني ومن لف لفهما. ويبدو أن السيناريو لم يكن وحده مخترعاً من خيال الكاتب، بل كانت جل شخصيات الرواية من بنات الخيال، وإن كان لها جذور في الواقع، والدليل أن سلمان المخرج الذي كان يقرأ في غرفة ذات ستائر سميكة، لا يعبر منها الضوء إلا قليلاً، كان يهتف ليسمعه غسان، فلا يجاب لذلك، ويهتف ليسمعه مدير الناحية، ولكن لا جواب، وكذلك يفعل بشأن زميله يوسف ولا جواب.. وهكذا عيى جواباً الباعة وسائقوا السيارات والزبائن والأطفال وكل شيء، لذا ترك سلمان المدينة الميتة واتجه نحو المدن التي تعج بالناس، بعد أن اخفق في تحقيق مشروعه. (الرواية ص 189). فنحن إذن في حلم أو ما يشبه الحلم. لقد سلك خيري الذهبي طرقاً عدة لإقامة بنائه الفني، دامجاً الحلم بالواقع، والذاتي بالموضوعي، والداخلي بالخارجي، على نحو حواري بين ذلك كله. فهو أولاً يجري الحديث بوصفه مذكرات لفاطمة، ثم يجريه بوصفه مذكرات لركني، ثم يجريه على لسان شخص ثالث، قد يكون المسيو غسان أو غيره، جاعلاً من سلمان شخصية منفعلة بالأحداث، ثم سرعان ما يوقظ سلمان ليكون فاعلاً بالأحداث، ويبدل موقعه إلى شخصية إيجابية، فيحاور ما يقرأ متسائلاً عن سلوك أمه، في حالة من الصراع والاحتدام، وفرت حداً جيداً من التشويق. ثم في موقف رابع يعود إلى موقع الراوي العالم بكل شيء، فيصف حال سلمان وكأنه يراه من الخلف. ففي صفحة واحدة، هي الصفحة (54)، نستمع إلى صوت فاطمة من خلال المخطوط المزعوم، فثمة رسالة جاءت إليها تقول: قررت الوزارة شراء خمس لوحات من لوحاتها. ثم نطالع صوت الراوي العالم بكل شيء مبدلاً حديث الأنا بحديث الهو، في لعبة بالضمائر تتسق مع سمات الرواية المتعددة الأصوات، يعلن أن: "سلمان المخرج لا يقرأ بحياد، ليس في حياد فقط" بل في اهتمام قارئ يتابع حبكة يريد أن يعرف أن أمه القديسة... وضبط نفسه يعض على شفته بغيظ". ثم في نجوى خاصة يدخل الكاتب إلى عقل سلمان ليقول له: "ماذا يا سلمان هل حاكمتها؟ هل أدنتها ثم قررت الغفران لها؟ من أعطاك هذه الحقوق..؟ الرجل طلب منك أن تتعامل مع مادة أدبية لصياغة سيناريو منها... أين مهنيتك التي دربت عليها؟ أين دراستك للشخصيات وعمقها وكثافة روحها ومحاولة الوصول إلى النموذج الحي منها؟ ".ثم ما يدريك أن هذه مذكرات فاطمة أمك... لم لا يكون نصاً أدبياً من وضع غسان نفسه استفاد من شخوص عرفها وبعض أحداث يعرفها، وبعض إشاعات سمعها، ليصنع من هذا كله نصاً أدبياً؟ أليس هذا هو الأدب؟ أليس بعض الحقيقة مضخمة بمضخم الخيال هي الأدب (والتصويب مني)؟ أكان هاملت شكسبير، هو هاملت الواقع؟ ما مدى الاختلاف؟ ما مدى الصلة بين الجذر الواقعي والجذر الأدبي؟ هذه المشكلة الأزلية. لا تقع في عاميتك في محاولة. قراءة الواقع من خلال النص الأدبي. النص الأدبي يحاكم من خلال نصيته، أدبيته، مصداقيته الفنية، أليست هذه الأوليات التي تعلمتها في دراستك؟ (الرواية ص 55). ثم يعود الروائي، ليقول على لسان رواية عن سلمان، وقد انتقل من الداخل إلى الخارج: "أغمض عينيه (أي سلمان) في ألم. ما له ولهذا الامتحان؟ ولم يكون قدره تحديداً هو إما الوقوف على الرصيف يتفرج على الآخرين يبدعون وينجزون، وإما أن يكون الموضوع المطلوب إنجازه هو الحديث عن غراميات أمه؟ ولكن من قال إن هذه الأوراق هي قصة غراميات؟ أليس من المعقول أنها قصة عذابها بالتحديد (الرواية ص 56). وهكذا استطاع خيري الذهبي من خلال تبديل جواده السردي أن يشد قارئه إلى ما يسوقه من أحداث وأفكار وتأملات. ولكنه من وجه آخر لم يوفق في أن يبرز بوضوح ما سبق أن أرهص به في بعض مقدماته، فهو يقول عن المخرج سلمان: "أنت ابن الهلنستية الجديدة" (الرواية ص 52) ولكننا لم نلق في سياق الرواية ما يشير إلى أن سلمان جسد هذه البنوة بقوة، على الرغم من تعاونه مع المحطة الفرنسية لإنتاج فيلم عن المدن الميتة التي تجسدت فيها الثقافة الهلنستية، فهو جسدياً ابن لأبوين عربيين، وهو، ثقافياً، دارس للإخراج السينمائي في موسكو، ثم إن مشروعه في هذه الرواية لم نشهد له تحقيقاً، وما تقدم لا يدخل في باب تفاعل الثقافتين الغربية والشرقية. وعليه فلا يمكننا أن ندرج هذه الرواية بين الروايات التي عالجت علاقة الشرق والغرب في زماننا، كرواية عصفور من الشرق لتوفيق الحكيم، ورواية قنديل أم هاشم ليحيى حقي، أو أديب لطه حسين، وموسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح. بيد أن ملمحاً آخر في الرواية يقربها من تلك الروايات، ويتمثل بعلاقة فاطمة بفيليب الفرنسي، فقد تعلمت الرسم على يدي هذا الغازي المستعمر، الذي ينتمي إلى أصول إسبانية، وإن كان يحمل الجنسية الفرنسية. بيد أن هذا الملمح لم يتم التركيز عليه، كما لم يتم التركيز على قولة سلمان أنه ابن الهلنستية الجديدة، وعدم إنماء هذه البذرة الملقاة في أرض الرواية، لا يدين الروائي، فكثيرة هي الروايات التي تراوح بين أخذ وترك. ولكن السؤال هاهنا يتمثل بالآتي: هل كان إخفاق مشروع التعاون ما بين المحطة الفرنسية من جهة والمخرج سلمان من جهة أخرى، صورة عن إخفاق الهلنستية الجديدة التي تتمثل بنزوع للسيطرة من الغرب على الشرق، ونزوع لرفض تلك السيطرة من الشرق للغرب؟ إنه سؤال توحي به السطور من بعيد بعيد، ولا تعلنه بوضوح البتة. ويقو ي هذا الإيحاء أن الضابط الفرنسي فيليب عاد إلى بلاده مقعداً. لقد تمتع خيري الذهبي بعين لاقطة تلاحق الصورة كاملة، وتتابع الحركة حتى منتهاها. وهذا سر من أسرار الوصف الموفق الذي يضع المتلقي في جو الحدث بقوة. والمثال على ما نذهب إليه وصف الكاتب لتنازع قطعة اللحم ما بين مدير الناحية وأمين الشعبة، يقول خيري: "ترك مدير الناحية قطعة اللحم، فارتدت تصفع أمين الشعبة، ولكن أمين الشعبة وقد رأى عمود الشاورما تفهم موقف مدير الناحية، فرمى القطعة جانباً، واندفع إلى عمود الشاورما فيمن اندفع" (الرواية ص 36). وكذلك وفق الذهبي في وصفه للمخرج سلمان الذي يحاول نمذجة الناس، فهذا عنده مشروع راسكو لنيكوف، وهذه المرأة ليست إلا آنا كارنينا، وهذه الصديقة غادة الكاميليا. كان لا يستطيع رؤية الناس إلا من خلال نماذج أدبية رآها في السينما. (الرواية ص 16). وتقو دنا العبارات السابقة إلى ما حفلت به هذه الرواية من إشارات ثقافية تدل على ثقافة الكاتب من جهة، وقد تدخل في باب التناص من زاوية من الزوايا، من جهة أخرى، فأبو الشيما عنده يشبه زوربا بطل رواية الكاتب اليوناني (كازنتزاكي)، وهوميروس هو من تحدث عن الآلهة القرمة والمحبة للحم، وإله التوراة إله شره للحم ولرائحة الدم، والوقار الذي استقبل به سلمان من أمين الشعبة يذكر بقناع قيصر كما قرأ مرة عن نابليون. والطعام الشهي هو طعام ساتيريوكوني، وفاطمة شاكر تشبه (غريتا غاربو) بطلة فيلم جان دارك. يضاف إلى ذلك استشهاد الكاتب بمقوله الصوفي المعروفة "شدة القرب حجاب". وفي هذه الإشارات يسجل الناقد للمبدع تحقيق لذة المعرفة ومتعة الثقافة، بعد أن اجتهد لينجز متعة الوهم التي يقتضيها الأثر الفني السردي أولاً. وتذكرنا لغة الروائي في بعض مقاطعها بلغة الروايات المتعددة الأصوات، فقد سمح خيري الذهبي للعامية أن تتسلل إلى ثنايا روايته. وكان ذلك على لسان ركني البندقدار في بعض مذكراته المزعومة، يقول الكاتب على لسان ركني: "لو ما كان اسمها فاطمة.. بس لو كان اسمها أي اسم غيرها الاسم.. قديش كانت مشاكلي أقل وتعبي أقل وحياتي أريح.. لو ما كان اسمها فاطمة وما كان الها هالعيون القاسية الجارحة المكرسحة... يا الله من سنين من يوم ما شفت فيلم جان دارك بسينما راديو، من يوم ما تطلعت علي بهالعيون القاسية الباردة.. بحس ركبي دابو وقلبي صار مي" (الرواية ص 72). وفي وسع المرء أن يرى في هذه العامية شكلاً من أشكال اللاتجانس اللغوي الذي يعد سمة من سمات الرواية المتعددة الأصوات" فالتعددية اللغوية في تلك الروايات تكمن في تجاوزها للقيد المعجمي المحدود، وفي ارتباطها بالواقع التاريخي والإيديولوجي" (وجهة نظر في روايات الأصوات العربية، لمحمد نجيب التلاوي، دمشق 2000 ص 62). بيد أن لغة الكاتب الفصيحة قد شابها بعض الهنات وفق معيار آخر، فارتطمت ببعض الأخطاء النحوية والإملائية، كما جاء في الصفحات (148 و156 و161 و 183). وربما سقطت بعض العبارات من السياق، فأربك سقوطها سياق النص وشوش المعنى، كما في الصفحة (159) وغيرها. وربما وقعت هذه الأشياء بسبب كون الرواية طبعت في مصر ولم يتسن للكاتب المقيم بدمشق أن يراجع ويدقق التجارب الأولى لطباعتها. ومهما يكن من أمر، فإن الروائي الذي تدبر لحم أجزاء روايته المتباعدة، قد أقام بناء لعمل سردي سائغ، بث من خلاله رؤى فكرية وفنية وآمن بها، وزينها بإشارات ثقافية وفنية حسنة، معملاً خياله الخصب ليربط بين الأحداث، محققاً شرطي الإيهام والتشويق اللذين لابد منهما في أية رواية ناجحة. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |