مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 438 تشرين الأول 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

الكاتب الكبير وليد إخلاصي ـــ عبد الناصر حسو

لو عدت إلى الدراسة لما درست في كلية بعيدة عن الكيمياء والميكروسكوب‏

أنا أكثر محترفي الكتابة هواية... وأكثر الهواة احترافاً‏

استقبل الثقافات ليس بحيادية، إنما بانسجام كامل وفق نزعتي التجريبية‏

جوهر التقدم العلمي في أوروبا يعود إلى أنموذجين: اكتشاف الصفر.. والمغامرات الجغرافية‏

لعلماء العرب‏

يعد الكاتب وليد إخلاصي، أحد أبرز الأسماء اللامعة في سماء الثقافة العربية، فقد تجاوز حدود المحلية والعربية، ورغم ذلك، فهو متواضع في تعامله مع الآخر ومتحدث من الطراز الجميل، ويجد المرء متعة تشوبها نكهة كوميدية في أحاديثه، فيترك أثراً في الذاكرة. يكتب الرواية والمسرحية والدراسات النقدية منذ أكثر من أربعين عاماً، ويهتم كثيراً بالإبداع السامي والراقي، دون الاهتمام بالربح والخسارة.‏

كتب العديد من الروايات والنصوص المسرحية، ومؤخراً ضمت أعماله المسرحية في مجلدات كبيرة، ويعد هذا بحد ذاته تكريماً له ولأعماله، فضلاً عن تكريمه في العديد من المهرجانات والأنشطة الثقافية، ومن أعماله المسرحية: الصراط، صرعة العندليب، التبادل، طفولة جثة، الليلة العلمية، سهرة ديمقراطية، إطلاق النار من الخلف، هذا النهر المجنون، فرح شرقي، مقام إبراهيم وصفية، وأديب ومأساة العصر، حدث في يوم المسرح، من يقتل الأرملة، أنشودة الحديقة، كيف تصعد دون أن تقع، رسالة التحقيق والتحقق، العشاء الأخير، كتب أكثر من أربعين مسرحية.‏

في هذا الحوار يلقي الكاتب إضاءة على جانب من آرائه في الثقافة والفن والحياة، وبنفس الوقت يكشف جانباً من حياته الشخصية والعلمية، إذ يعتبر أن دراسته العلمية (الهندسة الزراعية)، فتحت له آفاقاً واسعة في الكتابة الإبداعية. وفي ما يلي نص الحوار:‏

? أنت مهندس زراعي قبل أن تكون أديباً، هذا يعني أن فعل الكتابة الإبداعية لديك هو فعل واعي، لماذا اخترت الأدب بديلاً عن الزراعة؟‏

?? في البداية، درست في الجامعة، نتيجة مصادفة عبثية لها علاقة بالنباتات، دون الاهتمام بقسم الحيوان.. كان مخططاً لي أن أكون طبيباً، ودرجاتي في الشهادة الثانوية تسمح لي بذلك، لكن حادثة وقعت أمامي، فعرضت عن دراسة الطب، كان أول نافذة على الطب له علاقة بالموت، قررت بعدها دراسة الزراعة في مصر لأسباب ترتبط بأخي الكبير الذي كان في مصر، كان من المفترض أن أدرس في كلية لها علاقة بالآداب أو علم الاجتماع أو علم النفس... هذا النوع من الدراسة كان مرفوضاً من قبل والدي الذي كان يراهن على مستقبلي العلمي، أي دراسة أخرى يعتبرها ذو مسيرة الحياة المعاصرة.‏

قررت أن أسجل في كلية الزراعة، وكنت مقتنعاً أنني سأرسب فيها، وهذا ما يبرر لي السماح بالانتقال إلى كلية الآداب وأختار عندها ما أشاء. لكن حدث عكس ما توقعت، فنجحت، ولم يعد لدي الحجة في أن أغير الفرع أو أن لا أتابع دراستي في الزراعة، لذلك تابعت طريقي، إلا أنه بعد مرور سنة دراسية، تبين لي أن هذا النوع من الدراسة هو الذي أريد، وذلك لسببين:‏

1ًــ المناخ العلمي الذي وجدت فيه نفسي فجأة بخاصة التعامل مع الميكروسكوب والتجارب الكيميائية، فتحولت حياتي ومجريات تفكيري عبر هذين النوعين، ومنذ ذلك الحين أصبح لدي اعتقاد أن الكاتب الحقيقي، إذا لم يطل على المجتمع والعالم عبر الميكروسكوب والكيمياء، فهو كاتب غير حقيقي. لأن نافذة الميكروسكوب تدخل المرء إلى عالم الصغائر في الكون، أو إلى عالم اللامرئيات التي تشابه الظواهر الكبرى، فيعمق فيه حادثة الميكروسكوب شعور التقصي عن الحقائق بدقة تفوق الأشعار والكتب الأدبية.‏

2ًــ من جهة أخرى، فتحت المعادلات الكيميائية، المجال أمام ناظري لأفهم معنى التفاعل في الحياة، لذلك بعد أكثر من خمسين سنة في هذه الحالة العبثية التي قضيتها في الزراعة، أعترف أنني لو عدت ثانية إلى الدراسة، لما درست في كلية بعيدة عن الميكروسكوب والمعادلات الكيميائية..‏

بداياتي الأولى في الكتابة كانت في السن الثانية عشر، كنت آنذاك، أحلم أن يكون لي مكان بين رفاقي، لأنني كنت أشكو من ضآلة جسدي، وأريد أن أعوض ذلك بشيء، فانتابتني حمى القراءة، في محاولة لاكتساب ميزة بين رفاقي، وكان تقليد ما، أن أقرأ، وهي محاولة إضافية لتعزيز هذه المكانة.‏

معظم النصوص التي كتبتها في البداية، أتت منسجمة مع رغبة النقد من كل شيء من حولي، كان ذلك رغبة في التقرب من فتاة أعجب بها، لذا فأهداف الكتابة كانت لدي انتهازية، وليست لأغراض الخدمة أو الكشف عن الأشياء، أي ليست بالنوايا الطيبة، عندما أكرهت إلى دراسة الزراعة، بدأ الوعي العلمي يكشف واقع الكتابة التي أمارسها، وساهم في تحويلها إلى الوظيفة الأساسية لها، والتي بدأت معي إلى أمرين:‏

أولاً: الكشف عن موقع الإنسان في الحياة.‏

ثانياً: مساعدتي في قبول الحياة كعزاء يقدم لنفسي بأمل أن يقدم للناس أيضاً هذه العلاقة بين هوايتي التي هي الأدب، وبين إنتاج النص الذي لا يشبه نصوصاً أخرى، كما كنت أفعل في أيام اليفاعة، وما بين الدراسة التي تحولت إلى هواية أيضاً، فساندت الوحدة الأخرى. كنت أنظر إلى الميكروسكوب، أو التجربة الكيميائية، وبالطريقة نفسها أعمل في بناء قصة أو مسرحية، منذ ذلك الحين، وحتى الآن، لا أعرف إن كنت نتاج دراسة علمية أو نتاج بناء ثقافي منفتح على العالم، فهل أنا محترف أم هاوٍ؟ بكل صدق، لا أستطيع أن أقرر، أنا أكثر محترفي الكتابة هواية، وأكثر الهواة احترافاً.‏

? ألم تؤرقك هذه الثنائية، العلم/ الأدب، أو تضعك بين حدود الواقع والخيال؟‏

?? هذه النقطة مازالت مستحدثة في الدراسات والأبحاث، الفكر التجريبي تمتد أصوله إلى أبوة العالم، وأمومة الإبداع الثقافي، لا تستطيع أن تعزل عالم الفلك الذي يكشف أسرار الكون عن الروائي الذي يريد أيضاً أن يكتشف أسرار الكون الصغير، لذا فالكاتب لا يختلف عن العالم، لأنهما يشتركان في اكتشاف عالم ما بمنطق التجريب الذي يمكن تلخيصه بشيء بسيط هو عدم التسليم بما هو جاهز في كل المستويات من علم وثقافة..‏

يجب أن نمتحن الأمور السابقة قبل أن ننتسب إليها، أو نطورها، والذي نفتقد إليها في معظم الحياة العربية من سياسيين، ومثقفين وأدباء إلى موسيقيين، لذا نستطيع أن نأخذ الجانب الروحي، ونقول إن نزعة المغامرة في الإنسان وما حدث في تاريخ الحضارة الإنسانية هو في الحقيقة، نتائج لمجموعة المغامرات البشرية عبر التاريخ.‏

التجريب هو تقشير برتقالة الحقيقة للوصل إلى العمق، وهناك حمض الزمن بتفاعله مع كل ظواهر الحياة، يخلف أملاحاً تشبه الحراشف التي تغطي حقيقة الأمر، والفكر المجرب في مسيرة التجريب هو نزع تلك الحراشف.‏

? ما هو الدافع إلى الكتابة للمسرح في الستينات عند معظم أبناء جيلك، هل كانت الساحة الثقافية بحاجة إلى من يكتب للمسرح أم أن الكتابة للمسرح كانت مركز استقطاب الفنون البصرية والقولية؟‏

?? لا أعرف الدافع لدى ذلك الجيل، لكن سأتحدث عن تجربتي، ويمكن أن تكون المصادفة لعبت دوراً في ذلك.‏

في شبابي الأول، كنت أحلم أن أكون ممثلاً، ومثلت في المدرسة عدة أدوار في مسرحيات خاصة، اكتشفت حينذاك أنني غير قادر للتأثير على الآخرين بقدر ما للنصوص تأثير علي، فالنصوص التي كتبتها كانت هي المؤثرة، وتبين لي أن منجزي اللغوي أهم من منجزي البيولوجي، وتبين لي كذلك أن إنطاق الآخرين بالأفكار عن طريق اللغة لها تأثير كبير على الناس ــ كما يفعل إمام المسجد ــ أفضل بكثير من ممثلي المونودراما، معنى ذلك أن التعبير البشري بالصوت أكثر تأثيراً من التعبير بالكلام المكتوب، قد يكون هذا الموضوع هو أحد أسباب انجرافي للمسرح مع عدم نكران الدور العظيم الذي لعبته الترجمات المسرحية إلى العربية من الأدب اليوناني، وأدب شكسبير وراسين وموليير وتشيخوف وبريخت وغيرهم..‏

هذه النصوص هي التي أتيحت لنا للقراءة في شبابنا، فكنا نقرؤها، وكان لها مفعول أقوى من المعاهد المسرحية، لأنها كشفت عن شيء غير متوفر في الثقافة العربية، عندما يكون الشعر في الكتاب لا يرقى إلى مستوى المسرح المكتوب، يبدو أن الإنسان يميل إلى الحوار مع الآخر الذي يتمثل في المسرح، وكأنما هناك نزوع ديمقراطي عفوي.‏

? كانت الأحكام النقدية للظواهر المسرحية منذ قرن، أسهل مما هي عليه الآن، فتداخلت العلوم مع الفنون، وأنتج صورة مشوشة، لا تسمح لشخص مثلي أن يلقي أحكاماً، نحن مقبلون على أشد التعقيدات، والآن من الصعوبة بمكان أن نقارن بين كاتبين أو نصين، ورغم التوجهات نحو التجمع بين عناصر المجتمع الواحد، فقد زادت نسبة تكاثر الجزر المنعزلة، وهذه من عجائب الحياة المعاصرة، فازدادت نسبة التباعد، وسيطرت حالة انسحاب المرء إلى الداخل. ــ المتابع لكتاباتك، يلاحظ أنك ما زلت على حدود الثنائيات المتضادة، بين الشرق/ الغرب، التأثير الديني والعلماني، الماركسي والوجودي، السلطوي والديمقراطي، أي أنك نسيج هذه المؤثرات، ما السر في ذلك؟‏

?? ميزة الموسيقى الغربية، هي أنها تعددية الأصوات من ناحية التمازج والتناقض، لذلك فالموسيقى الغربية، احتلت مساحة كبيرة في العالم رغم أهمية الموسيقى الشرقية التي لم تلق قبولاً لها من قبل الآخر، السبب هو ضعف هذه التعددية داخل الموسيقى الشرقية، أو افتقادها لها، وهذا الأمر ينسحب على الحياة السياسية والإبداعية والثقافية والفكرية، عندما انظر إلى نفسي، أجد أن أحد مميزاتي الشخصية هو ليس في تعدديتي، وإن تزايدت نسبة التعددية مع الزمن في كتاباتي، لذلك أعترف، وأقول إنني قريب من أبي حيان التوحيدي، والجاحظ، ومن الفارابي وابن سينا، لكن هذه النظرية لم تمنع أن أكون أكثر قوة مع سوفوكليس وشكسبير وروسو.. أشعر أن داخلي أصبح ساحة لتلاقي كل الأطراف، وتساويهم عندي، كما يحدث لشخصية إسلامية عظيمة، تعادل الأهمية عند بوذا وكونفوشيوس ولاتشي.. هذا التناقض المتوافق رغم قدوم كل واحد من عالم مختلف، استقبله ليس بحيادية، إنما بانسجام كامل وفق نزعتي التجريبية.‏

? قلت ذات مرة، لم أجرؤ يوماً على الانتساب إلى تنظيم سياسي، كنت أخاف السيطرة الفكرية على عقلي من خلال التعاليم الحزبية، لم أستطع أن أشارك جماعياً في أي صراع، لكن جوهر المسرحية هو الصراع بين الأفراد والجماعات، كيف ترى ذلك؟‏

?? المشكلة أن البلد غير مسموح فيه للصراع الفردي، يجب أن تكون ضمن المجموعة حتى تسمع شكواك. لدي اعتقاد أن النص مؤهل أن يعبر عن أفكار الآخرين، ويصبح جميعاً دون استثناء الانضواء تحت لواء أفكار الآخرين الذي غلبت عليهم الشعبوية، التجمعات يقودها الصوت العالي والقوي، والأدب كحالة مضادة يصارع بصوت هادئ، هذا هو الفرق بين الفوضى والحضارة.‏

? تطرح مجموعة أفكار تتراوح بين شتى التيارات والمذاهب الفكرية، كيف تبني نصاً مسرحياً بحيث لا ينتمي إلى هذه التيارات والمذاهب الفكرية؟‏

?? لننطلق من فكرة طبيعية، وهي الغشاء السيموزي الذي يفصل بين وعائين، وعاء ملوحة التركيز فيه عالية، وآخر من الماء الصافي، فالذي يحصل أن الغشاء السيموزي يسمح بتسرب محتويات الوعائين، لينتهي الأمر أخيراً إلى التعادل بتركيز الأملاح في كلا الوعائين.‏

هذا هو حال الثقافة أيضاً، الكاتب كائن موجود على طرف الغشاء السيموزي في حياته، وفي الطرف الآخر هو مجموعة ما حدث وما سيحدث، ويتم التبادل بصورة مستمرة بين منهجه ولغته، وبين الثقافة الأخرى والإبداع الآخر.‏

نجد أن كاتباً ما في مرحلة ما، يصبح على صلة بالكتاب والمناهج الأخرى، هذه العملية نسميها المثاقفة، رغم العزلة الاجتماعية، هناك اختلاط ثقافي غير إرادي، وتكره عليه، فتجد نفسك ابن سوفوكليس، وجورج شحادة، وبيكت، وبرنارد شو.. إذا كررت النسخة فأنت لا تملك الموهبة، وإذا سمحت للمؤثرات أن تتفاعل لإنتاج شيء جديد، فأنت على طريق الإبداع.‏

? في كل عمل من أعمالك يلاحظ المرء دلالة من دلالات التجريب، ماذا يعني التجريب بالنسبة لك؟ وكيف يتم الوصول إلى الشكل المسرحي الملائم؟‏

?? أولاً هناك سوء، استخدام في المصطلح ليس في التجريب فقط، بل في كل المصطلحات السائدة في الوطن العربي، حتى أن هناك خطأ في مصطلح الإلحاد والإيمان، التجريب ليس مصطلحاً تضع هدفاً لتصل إليه، إنه شيء في كروزومات الإنسان، تتحكم فيه، فهو موجود كمفهوم منذ مغامرة العقل الأول، عندما كتب ابن طفيل كتابه "حي بن يقظان" دون أن يعرف مصطلح التجريب، كتب عن شخصية فطرية، الولد الذي ربته الغزالة، ثم ماتت الغزالة، وبدأ الولد يجرب أدواته العقلية في اكتشاف سر الموت (أكسير)، وأدى به إلى اكتشاف الوجود ومعنى الوجود والخالق.. إن أسلوبه في التفكير اهتدى إلى وجود الله.‏

المؤسف أن المغالين أحرقوا كل كتب ابن طفيل، لمحوا في كتابه أن الوصول إلى الحقيقة ليست بحاجة إلى وسيط، وهذا هو المنطق الطبيعي.‏

هذه الحالة، كانت في ثقافتنا، وقد تعززت أسس التجريب في القرون الأخيرة بدخول وسائط عملية، عندما زرع القس مندل البازلاء، وأجرى التجارب عليها، ووضع أسس علم الوراثة، كان في صلب التكوين الإنساني، ولا يمكن للعقل إلا أن يكون مجرباً..‏

أبرز الديانات في التاريخ، هي ديانة عبادة الموتى، وهذا سببه محاولة اكتشاف كيفية الحياة، وما بعدها. الوسائل فلسفية، والميل الإنساني وهو وراء كشف الحقيقة.‏

حضرت مهرجانات تجريبية، ضحكت من نفسي، أي تجريب هذا!، التجريب ليس مصطلحاً، والغريزة حالة متدنية، وغرائز العقل تتويج للعقل.‏

? تجولت في اتجاهات فكرية عديدة، وجربت أشكالاً عديدة ومواضيع شتى، إلا أنك تكتب مسرحياتك على النموذج الأرسطوطاليسي، هل يعني هذا افتقار الثقافة العربية إلى هذا النوع أم أن هناك أهداف أخرى.. رغم وجود مسرح آخر يختلف عن الأوروبي، مسرح الشرق الأقصى والأدنى..؟‏

?? يعود سبب تقدم العالم إلى أنموذجين اثنين، الأنموذج الأول: اكتشاف الصفر في الرياضيات، والثاني: المغامرات الجغرافية لعلماء العرب.‏

هذه كانت جوهر التقدم العلمي في أوروبا، عندما تأسست المدرسة "الرشدية" (نسبة إلى ابن رشد) في الكنائس والجامعات الأوروبية، لم يهتم أحد بأن هؤلاء جواسيس أم لا. نحن نمر الآن في عصر الأخذ أكثر من العطاء، ولما كان المسرح، ولما لم يكن المسرح في مشروع الثقافة مع العالم، بات من المؤكد أن نبحث عن طرق للتعلم منهم، لكن الخطأ الأساسي ليس في أخذنا من المسرح اليوناني، كان من الضروري أن نتعلم من مسرح الشرق الأقصى الذي أغفل من ثقافتنا بسبب المركزية الأوروبية، يجب أن لا يلقى اللوم علينا، بل إذ رفضنا التعلم نكون مسؤولين عن تقصيرنا. مثلاً هل سيوصف الرجل الذي أخذ علوم الكومبيوتر، أنه سلخ عن ثقافته، إذا حدث هذا، فالويل لنا.‏

? يعيب عليك بعض نقاد المسرح، غياب الأسلوب المميز في كافة أعمالك، ماذا تقول؟‏

?? من خلال متابعتي للنصوص المسرحية العربية، كان من الصعب تسمية أسلوب مميز إلا لقلة من الكتاب، قد أكون من غالبية هؤلاء الكتاب، وقد أكون من أقليتهم، إلا أن الناقد قد يمتلك أدوات الحكم على نص أكثر مما يملك صاحب النص نفسه.‏

? اختفى الأدب المسرحي من مشهدنا الثقافي والمسرحي تدريجياً في الآونة الأخيرة، وبات المخرج يعد النص الذي سيعرضه على الخشبة، معتمداً على الارتجال أحياناً، وأخرى يتكئ على نص كتبه هو بنفسه للعرض، وأحياناً أخرى يتكئ على نص مسرحي باسم الإعداد في أحسن الأحوال، حتى أن الفائز بجائز نوبل لهذا العام هارولد بنتر، قال إنه يكفي ما كتبه من نصوص مسرحية، لأن هناك الكثير منها، بنفس الوقت لا نجد كاتباً مسرحياً بين الجيل الشاب يحاول أن يكتب للمسرح، رغم وجود معاهد مسرحية، هل يعني أن الأدب المسرحي انتهى، أم أن المسرح أصبح حالة فنية نخبوية دون الاهتمام بالجوانب الفكرية والاجتماعية، كيف ترى ذلك؟‏

?? رغم تصديقي لما قلته، لكنني لا أعمل به، لأنه عندما تهاجمني فكرة مسرحية، وتشغل كياني، أفتح لها أبواب الورق، لقناعتي التامة بأنها قد لا تلقى فرصة في الظهور على الخشبة، كما يحدث للإنسان عندما يصاب بالحمى، من جهة أخرى، أعتقد أن العمل الدرامي، إن كان مسرحياً أو تلفزيونياً أو سينمائياً، سيبقى بقيمته، مهما كانت العوائق، لأن الفعل الدرامي ليس حاجة، إنما هو تعبير تلقائي عن توق الكاتب لكي يساهم في عملية الحوار الاجتماعي.‏

? للعنوان إشكاليات أساسية في العمل الأدبي والمسرحي، قد يختلف من الرواية إلى المسرحية، كيف تختار عناوين أعمالك، ومتى تختار، وما هي علاقة العنوان بالمتن؟‏

?? بشكل عام، العنوان أعلى درجات التركيز اللغوي للمضمون، يأتي العنوان عادة، نتيجة تشبع الكاتب بالفكرة الأساسية، فينبثق عنه لا إرادياً كلمات ما يوهم بأنه عنوان العمل الأدبي أو المسرحي، قد ينجح الكاتب في ذلك، وقد يفشل، لكن بالنسبة لي، وجدت نفسي في عناوين أعمالي الأدبية والمسرحية، قد وفقت على الأقل من وجهة نظري الشخصية.‏

النص هو السائل، والعنوان بذرات الأملاح التي تعبر عن درجة تركيز الفكرة في هذا السائل، مثلاً سأعطي أمثلة على عناوين بعض أعمالي "أنشودة الحياة" أجد أن الأنشودة هو ما ينشده الإنسان من آمال وطموحات، والحديقة هي المعادل الموضوعي للجنة في المفهوم الديني، ولا تصيب الأنشودة دائماً هدفها، لكنها تبقى دائماً حلماً يريد أن يحقق ذاته، هذا هو موضوع المسرحية. في مسرحية "الليلة نلعب" هي محاولة تصوير صراع الإنسان عبر التاريخ مع قوى الطبيعة،وقوى المجتمع، وقوى السماء، وقد وجدت نفسي في خلاصة العمل بعد كتابتي أن تصوير هذه الصراعات أشبه برغبتي في أن أعبر عن هذه اللعبة، فجاء الليلة نلعب. ومسرحية "الصراط" هي تلخيص للصراط المستقيم الموجود في العقيدة الدينية، وهو الحد الفاصل ما بين الجحيم وما بين النعيم، مأساة الإنسان المعاصر أنه قد كتب عليه أن يمشي بحذر على هذا الصراط، ولا يعرف متى سيقع في الطرف المكتوب له.‏

? هل تفكر بالعناصر المساعدة للعرض أثناء كتابة النص المسرحي، مثل الملاحظات الإخراجية والأزياء والإضاءة مع العلم أن الزمن والمكان من أساسيات بناء النص المسرحي.. أم تترك المهمة للمخرج الذي سيخرج النص؟‏

?? في بداية الكتابة لا أستطيع أن أنجز عملاً مسرحياً إلا بمعرفتي المسبقة بإحداثيات ما يجري، والأشخاص الذين يعبرون عنه، لذلك أتخيل الزمن والمكان، وعندما يكتب علي أن أشاهد نصاً لي على خشبة المسرح، يحكمني موقف واحد، هو أن أشاهد عمل المخرج قد تفوق على علمي الكتابي، وكأنه يعيد كتابة المسرحية بشكل جيد، إذا أوصلني المخرج إلى مرحلة التماهي بأن أكتب كما شاهدت، أكون كاتباً ناجحاً، لكن في كثير من أعمالي المسرحية أغادر الصالة بعد ربع ساعة من العرض..‏

أريد من المخرج أن يفجر نصي لا أن يعيد إلى نصي الذي كتبته كنسخة فوتوكوبي.. ولا أعتبر أن المخرج يشوه نصي، عندما يقدم المثير والمدهش، وجوانب اكتشافها هو بنفسه.‏

? هل استفدت من النقد المسرحي، وماذا أضاف هذا النقد إلى تجربتك المسرحية علماً أن ما تراه ليس نقداً مسرحياً، إنما هو نقد صحفي لا يتجاوز حدود التعريف بالعرض أو النص، يعتمد على الانطباع والذوق، ما هو دور النقد في تحسين صورة النص والعرض؟‏

?? طالما تملكتني الرغبة في أن أستفيد من الآراء عامة، النقد العقلاني المستند إلى أسس أخلاقية خاصة، فالنقد حالة ثقافية متطورة، لكن في مثل هذه الحال لم يتوفر لي بشكل كبير ولا بشكل دائم، وطالما أن النقد الآن هو الآراء المستعجلة أو الجاهزة، فإما أبحث عن نقطة أستفيد منها، لكن المشكلة في الإبداع المسرحي السوري، أن النص يتفوق على حالة النقد، والسبب هو التخلف العام الذي ينسحب على حالة النقد أكثر مما ينعكس على حالة الإبداع.‏

? الماضي بحماسه وشبابه يشكل مرحلة الحنين لدى معظم الكتاب، هل تحن إلى هذا الماضي؟‏

?? المراحل الأولى من الشباب، كانت الرغبة جامحة في تحقيق ذاتي الاجتماعية الغالبة، مع تقدم السن، بات حلمي يتركز على إبراز الذات الكلية، بما يخص المجتمع وبما يخص الأفكار الكونية الكبرى، وهذا تطور طبيعي، لأن بيولوجيا مراحل المراهقة، والإبداع، والحكمة، مختلفة عن بعضها، أتمنى أن أصل إلى مرحلة الحكمة قبل أن أفقد قوتي في مواجهة الحياة.‏

? هل تجد أن المرأة ضرورة في حياة الكاتب، وهل المرأة تدفع بالكاتب إلى الكتابة، ماذا تعني المرأة بالنسبة لك؟‏

?? أهم شيء يمكن أن يوصف به هذا الكون، هو بأنه ثنائي، ولا يمكن فهم أي حالة في هذا الكون مجتمعاً أو عائلة، إلا بوجود هذه الثنائية، ولا يمكن تفسيرها في بيولوجيا البشرية، إلا بوضع المرأة والرجل معاً، المرأة مساندة للإبداع حتى في حالة عدائها للإبداع، هكذا يمكن فهم الطرف الآخر من الأدب.‏

المرأة الكاتبة ينطبق عليها نفس القول، بشكل عام، وعبر تاريخي، أنظر إلى المرأة باحترام وتقدير بالرغم من جهالة وفساد قد يلحق بالمرأة، لكنني في نهاية المطاف أجد تفسيراً لنفسي في هذا الوجود عبر المرآة التي هي المرأة.‏

? هناك كتابة أولى، وثانية وأحياناً ثالثة لعمل إبداعي واحد، هل يتعلق الأمر بتغيير مقولة العمل أثناء الكتابة؟ وهل تحتفظ بالنسخ غير المنشورة؟‏

??أحياناً يعاد النص بشكل مغاير، وأخرى يحدث اختصار، أنا اختصر لأني وجدت نفسي نتيجة تأثير العلم، أن الاختصار في اللغة، هو البلاغة الحقيقية، لذلك في المرات التي أعيد فيها كتابة النص، هي عملية تقليم أكثر منها عملية إضافة، أما بالنسبة للكتابة الأولى والثانية، فلا أحتفظ بها أبداً.‏

? المسرح هو التربة الخصبة لحوار الثقافات بين الشعوب، والمسرح العربي بعد مرحلة التأسيس والتأصيل، هل يمكن أن يكون المسرح العربي جسراً يعتمد عليه في حوار الثقافات رغم تراجعه؟‏

?? يخيل إلي أنه من الصعب عزل الجنس الأدبي عن الآخر في تقصي مدى إمكانية التأثيرات في عملية المثاقفة، والسبب يعود إلى أن الكاتب، هو أكثر الكائنات تأثيراً بالرحم العالي، لأنه مهما بلغت خصوصيته البيئية، فهو ابن شرعي للإنسان أكثر من انتمائه إلى البيئة التي يعيش فيها، لكن تحقق هذه المقولة، عند استغراقها بارتباطه بالبيئة المحلية، كأنما يسخر مثاقفته لإغناء خصوصيته المنغلقة.‏

? ما هو العمل الذي قرأته، وتمنيت لو أنك كتبته؟‏

?? الأعمال التي قرأتها على كثرتها، أدهشتني كثيراً من أدب الآخرين، قد أوقفتني عن الكتابة لفترة، فقد كان إعجابي بها عاملاً على توقفي عن الكتابة، وطالما تساءلت عن مدى التراث الإنساني بما يحفل بمثل هذه الأعمال، فما دوري أنا في تجاوزها، ولا يكون عودتي إلى الكتابة في مثل هذه الحالات، إلا بعد حلول نعمة النسيان علي.‏

? تتزاحم المشاريع في رأس الكاتب عندما يتقدم به العمر، فيسرع في الكتابة، ويؤخر عملاً على حساب عمل آخر إيماناً منه بأن العمل الذي سينجزه هو عصارة تجربته الكتابية والحياتية، ما هو العمل الذي تود أن تكتبه قبل غيره في هذه المرحلة؟‏

?? إحدى مشاكلي الشخصية، هي أنني بحاجة إلى مئة سنة أخرى كي استكمل مشاريعي الأخرى، وحزني الحقيقي نابع عن إمكانيتي بأن هذه الفرصة لم تتوفر لي، لم أعرف في حياتي أن العقل لا يعمل مستجيباً لطموحاتي في أن أفعل شيئاً جديداً.‏

? إلى أي حد تستطيع أن تجدد الحياة التي تعيشها، وكيف؟‏

?? المشكلة، أنني لم أعش حياتي، وأعتقد أنني أعمل في الأدب الذي كان يشغلني دائماً، هو صناعة التجديد في الحياة، وكل ما أتمناه أن يعمل الآخرون ويضيفوا جديداً إلى هذه الحياة، لأنها ليست مهنة، ولا رأسمال ولا وصية، أن يكون سيرة حياة أي إنسان، إضافة جديدة لنفسي وللمقام، لذلك أنظر إلى الزبال الذي يتقن عمله، كما أنظر إلى المخترع والأديب نفس النظرة، هو إعطاء صيغة جديدة وغير مألوفة لمساعدة الآخرين.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244