|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
دعوني أتهكَّم: عفواً يا أمير شعراء المسابقات والفضائيات و(السوبر ستار) ـــ فواز حجو كثرت في حياتنا الألقاب المجانية التي تطلق جُزافاً، وفي الوقت الذي كُنّا نسخر فيه من ألقاب كثيرة ورثناها من العهود البائدة مثل (بيك، آغا، باشا، أفندي...) عدنا ثانية لتبادل الألقاب كما نتبادل الأنخاب، وهناك ألقاب كثيرة أطلقت على فنانين وأدباء وشعراء منذ عصر النهضة إلى العصر الراهن، مثل: كوكب الشرق، أمير الشعراء، أمير البزق، سلطان الطرب، ملكة الجمال، فنان الشعب، شاعر العصر، وبالمقابل سمعنا من الألقاب الطريفة في حياتنا ما لا حصر له مثل: ملك الفرّوج، فرّوج الملك، ملكة جمال البطاطا،... ومعذرة من فخامة البطاطا التي سجلت رقماً قياسياً في غلاء سعرها في هذه الأيام. وكما يقول الشاعر:
وإن مسابقة (أمير الشعراء) التي تناقلتها الفضائيات رصدتْ الأموالُ الطائلة لمن سيفوز بها في نهاية المطاف، فمن هو سعيد الحظ الذي سيجتاز الأدوار وصولاً إلى الدور النهائي، بعد التصفية التي ستغربل الشعراء، ثمَّ تنخلهم، ثمَّ تذريّهم، أو لنقل تَذْروهم في مهبِّ الريح، لتصل في نهاية الرحلة إلى اختيار شاعر تتوجَّه أميراً للشعراء، وليتربع على عرش الشعر أميراً لا منافس له. وأحبُّ أن أؤكّد أنني لستُ ضدّ المسابقات، وكلّ أشكال الحوافز التي تحرّك الوسط الثقافي الراكد، وتتركُ أثراً في الحركة الأدبية، على الصعيد المحلّي أولاً، وعلى الصعيد العربي ثانياً، ولا مانع أن يكون على الصعيد العالمي. ويمكن أن نقول إنّ المسابقات الأدبية، كانت وما زالت، قديماً وحديثاً، تفعل فعلها في حياتنا الأدبية، وقد كثرت المسابقات الشعرية التي تبثها الفضائيات العربية، وتظهر بين الفينة والأخرى مسابقة جديدة، تُرصد لها الجوائز المجزية التي تدفع بالمتسابقين إلى المشاركة رغبة بالفوز وسعياً وراء الشهرة، ويمكن أن نذكر عدداً من هذه المسابقات التي أعلن عنها، لا على سبيل الحصر، وإنما على سبيل التمثيل. مثل: (شاعر العرب)، (شاعر المليون)، (شاعر المملكة)... بالإضافة إلى مسابقة (أمير الشعراء). ويبدو أن السماء أصبحت تمطر مسابقات شعرية، وأننا مقبلون على نهضة شعرية مزدهرة، بعد ركود أسواق الشعر، وربما تشهد الأيام المقبلة هجرة كتّاب الدراما التلفزيونية إلى مملكة الشعر، بعد أن غادرها عدد غير قليل من الشعراء، طمعاً في جني أرباح كتابة المسلسلات التلفزيونية؟؟؟ ونفاجأ في الآونة الأخيرة أن لقب أمير الشعراء أو أمير الشعر يعود إلى الحياة ثانيةً بعد أن تمَّ الإجهاز عليه، وذلك من خلال المسابقة المُعلَن عنها عبرَ إحدى الفضائيات الخليجية (أبو ظبي) التي استنفرت لها بكلّ قدراتها وكوادرها، ورصدت لها جائزة مجزية يسيل لها لعاب المتنافسين. ورافقتها ضجّة إعلامية كبرى. وإن أهم اعتراض على هذه المسابقة يتمثل في منح لقب (أمير الشعراء) لأحد الشعراء المشاركين في تلك المسابقة!، وأحب أن أذكّر أن منح أحمد شوقي لقب (أمير الشعراء)، قوبل بالاستنكار، وصدر بهذا الصدد كتاب (شوقي أمير الشعراء... لماذا؟!) لفتحي سعيد، عام 1978م. وقد شاع في حياتنا الأدبية أيضاً لقب (شاعر جماهيري) وهذا اللقب لم يحظَ به إلا قِلَّة من الشعراء، نذكر منهم على سبيل المثال: (عمر أبو ريشة) و(نزار قباني) و(محمود درويش) وهؤلاء الشعراء الكبار كل واحد منهم أصبح مدرسة في تاريخ الشعر العربي المعاصر، وحققوا شهرة واسعة، وشهدت كل أمسية من أماسيهم حضوراً جماهيرياً يُعدّ بالآلاف، ومع ذلك لم يجرؤ أحد أن يطلق على أحدٍ منهم لقب (أمير الشعراء). ونحن بدورنا نسأل: هل تقبل فضائية (أبو ظبي) أن يُطلقَ لقب استثنائي فخم على أي فضائية أخرى يجعل منها (فضائية الفضائيات) أو (ملكة الفضائيات) وذلك على حساب الفضائيات العربية الأخرى. أظن أنها ترفض مثل هذا الإجراء كما نرفض نحن أن يُطلق على شاعر ما لقب (أمير الشعراء) وهذه الإمارة لا يقرُّ له بها كل الشعراء حتى الذين اشتركوا معه في هذه المسابقة. وأتساءلُ بكل صراحة وشفافية من خوّل هذه اللجنة، والقائمين على هذه المسابقة أن يمنحوا لقب (أمير الشعراء) لشاعر ما؟، وهل يحقّ لهم مثل ذلك؟، ومن الذي ينوب عن الشعراء العرب المعاصرين عامة في الإقرار بهذا الأمر؟، ثم أليس في ذلك غضاضة بحق الشعراء الذين نُصِّبَ عليهم أميرٌ رغم أنوفهم جميعاً (وطوبى لديمقراطية التصويت الفضائي)؟!. وإذا عدنا إلى شروط هذه المسابقة نجد بعضها مضحكاً إلى أبعد حد، وإليكم بيان ذلك: تشترط هذه المسابقة أن يكون عمر كل من يشارك فيها يتراوح بين 18 إلى 45 سنة، وأقول تعليقاً على هذين العمرين، كلّ واحد على حدة، وأبدأ بالرقم الأول الذي يخوّل من بلغ الثامنة عشرة من عمره أن يشارك فيها، لستُ ضدّ الشباب في مثل هذا العمر أن يشاركوا في هذه المسابقة أو غيرها، ويتنافسوا في تلك الميادين التي تخلق في نفوسهم روح الطموح والتنافس، وكأنني أرى أن القائمين على هذه المسابقة يريدون لها أن تكون (مسابقة شبابية) تشجيعاً للشباب على الإبداع والتنافس، ومَنْ غير الشباب يندفع بكلّ حماس في مضمار التنافس؟ ومع نبل هذه النية إلا أنني أشمُّ رائحة التغرير بالشباب للمشاركة، ولإعطاء هذه المسابقة زخماً، من أجل تحطيم أكبر الأرقام في المشاركة. وإنني أراهم يتسابقون في إجراء المسابقات، والدوافع كثيرة، والمسابقات ليست كلها مبرأة من الدوافع المشبوهة، وقد تكون ذات أهداف نبيلة، ولكنها تنحرف عن أهدافها، وليست دائماً النوايا الحسنة تترجم إلى أعمال حسنة. ورحم الله الشاعر عبد الله البردوني إذ يقول:
وقبل الانتقال إلى الرقم (45) نتساءل بشيء من الغرابة والتشكيك بصدق النوايا: هل حقاً تُقدِم هذه المسابقة على تتويج فتى في الثامنة عشرة من عمره أميراً للشعراء؟! أنا لا أشكّ فقط في ذلك بل....! وإذا افترضنا أنها فعلتها، فما المانع من أن تكون المسابقة عندئذٍ تحت عنوان (أمير الشعراء الشباب). كما هو الحال بالنسبة للمسابقات الأدبية المخصصة للشباب، ولا نذهب بعيداً إذا ذكرنا مسابقة (سعاد الصباح) لإبداع الشباب العربي، وقد خصصت للشباب في عنوانها وفي شرط العمر. ومع إيماني بالنبوغ الشعري في صفوف الشباب بدءاً من طرفة بن العبد وانتهاءً بأبي القاسم الشابي، إلا أنّ جعل المسابقة تسمح لابن الثامنة عشرة بالمشاركة يتنافى مع ضخامة وفخامة وجلالة لقب (أمير الشعراء) فأنا أقبل لهذا اللقب أن يطوق عنق ابن الخامسة والعشرين كطرفة والشابي إلا أنني لا أقبل في كل الأحوال أن يطوق عنق ابن الثامنة عشرة ويكفي أن أقول للتدليل على احترامي الكبير لسن الشباب في الإبداع الشعري إنني نشرتُ مقالةً بعنوان: (الإبداع لا يقاس بالأعمار) وعرضتُ فيها طائفة من الشعراء المبدعين الذين نبغوا في الشعر في سن مبكرة، وحققوا شهرة عظيمة تليق بمواهبهم الكبيرة. ويكفي
أن نقول: إن هذه المسابقة التي اشترطت أن يكون عمر المتسابق لا يزيد على ومع أن شروط المسابقة لم تستبعد الشعر الحر، إلا أن المشاركات الشعرية التي دخلت المسابقة، وقرأت في أمسياتها في أكثر من حلقة، أظهرت الغلبة للشعر العمودي، فصال الشعراء وجالوا من وراء المنابر التي استدعت إلقاء القصيدة العمودية اكثر من القصيدة الحرة، وكأن قصيدة التفعيلة ليست من (الشعر الفصيح) الذي اشترطته المسابقة، ولهذا نقول: أين وجود السياب ونازك بين أقرانهما من أمراء الشعر العمودي؟!. وبديهي أن لا نسأل عن وجود قصيدة النثر، إذا كانت قصيدة التفعيلة شبه مستبعدة. ولن نستغرب بعد ذلك إذا كان الجمهور هو الحكم الفعلي، وكلمة الفصل له في النهاية. وما أظنّ الجمهور يتفاعل مع قصيدة التفعيلة أو قصيدة النثر في مثل هذا الميدان!. وإن هذه المسابقات تترافق بضجيج إعلامي يجعلها في النهاية ذات غاية إعلامية كما يبدو، وهذا ما يفرّغُها من مضمونها، وينبو بها عن هدفها الأساسي. وكأن الأمر يهدف إلى (تصنيع نجم)، وإن تصنيع النجوم معروف في عالم الفن، الذي يلهث فيه الفنانون وراء النجومية، والأضواء المبهرة، فهل يمكن للإعلام أن يقوم بلعبة (تصنيع الشعراء)؟، ومن لم يكن ذا موهبة حقيقة، وتمكَّن بموهبته من تحقيق حضوره الباهي، هل يمكن أن يجعل منه الإعلام شاعراً يتصدّر المشهد الشعري بين عشية وضحاها؟، وإذا حدث ذلك على أرض الواقع، هل يستطيع الإعلام أن يضمن له حضوراً دائماً، ومكانة استراتيجية على خارطة الشعر؟... سؤال نطرحه ونتركه معلقاً للتاريخ! وحين أجد ضمن لجنة التحكيم اسم الفنان (غسان مسعود) الذي لمع اسمه في الدراما التلفزيونية، وقفز من دائرة المحلية ليصبح، بأحد أعماله الجديدة، فناناً عالمياً، أتساءلُ ما علاقة هذا الفنان بلجان التحكيم الأدبية التي تحكم على الشعراء، وتقيّم الشعر وتقوّمه؟!. وربما يقال: إن هذه اللجنة تشترط توفر جودة الإلقاء إلى جانب الشعر، وهذا ما جعل الفنان (غسان مسعود) ضمن هذه اللجنة، ليحكم على جودة الإلقاء أو الأداء، مع أنه لم يقتصر على هذا الجانب، ولا شكّ في أن مثل هذه اللجان لا تحتمل وجود عضو محكّم فيها إلا إذا كان شاعراً كبيراً أو ناقداً كبيراً. وإن وجود هذا الفنان النجم في اللجنة يؤكد فكرة النجومية التي تسعى إليها مثل هذه المسابقات، ولتزجّ في دائرتها عدداً من الشعراء، توهمهم في النهاية بأنهم أصبحوا نجوماً، ومن يستطيع أن يقنع هؤلاء الشعراء أنهم ليسوا نجوماً بعد أن يُنفض هذا (البازار)؟. وأظن أن كل شاعر من هؤلاء الشعراء الذين وصلوا إلى دور التصفية الذي ضمّ (35) شاعراً، لن يقبل أي واحد منهم بأقل من لقب أمير الشعراء، ومن يدري ربما ورّث كل واحد منهم إمارة الشعر لأولاده وأحفاده. وأظنُّ أن النرجسية ستبلغ في نفوسهم مبلغها، ولن يستطيع أحد أن يناقشهم في هذا المجد المزعوم الذي تربعوا على عرشه، وتناقلت أصداءه الفضائيات التي باءت بهذا الإثم. ومن خلال الأسماء التي ذُكرت ضمن لجنة التحكيم يبرز اسم الناقدين: (صلاح فضل) و(بعد الملك مرتاض) اللذين حققا حضوراً مرموقاً بين النقاد المعاصرين، وحسب قناعتي بأن هذين الناقدين كفء للتحكيم بشكل عام في مسابقات الشعر، أما وجودهما في مثل هذه المسابقة يجعلني ألومهما لوماً كبيراً على المشاركة التي أعدُّها ورطة حقيقية، لا أدري كيف رضيا أن يقعا في شراكها. وإن (موضة السوبر ستار) التي راجت مؤخراً، وطُبّقت بنجاح منقطع النظير على الفنانين الشباب، أصابت عدواها الشعراء ، فصاروا هم والفنانون سواء في هذا البلاء، ولكي يجعلوا من شاعر ما شاعراً مشهوراً لابدّ من تلميعه بالطريقة التي يتمُّ فيها تلميع الفنانين، ليقال عنه هذا ألمع شاعر أو هذا شاعر نجم. وما يعنينا في هذه المقارنة هو (التصويت) الذي يترافق مع برنامج هذه المسابقة، ونحن نعرف الغاية من هذا التصويت، وماذا يحقق من إيرادات مادية، قد تفوق أرباحها ما رُصد للجائزة من مبلغ مادي، وهذا التصويت أشبه بالإعلانات التي تبثها الفضائيات، وتكون مصدراً أساسياً في تمويلها. وإنني على يقين من أن القائمين على هذه المسابقات لولا التصويت لما أقدموا على رصد أي مبلغ للمشاركين في هذه المسابقة، فهي مسابقات مضمونة التكاليف سلفاً، ولن أقول إنها ستدرّ أرباحاً طائلةً على القائمين عليها، وإنما أقول: إذا كانت هذه المسابقات لوجه الله والشعر فليستبعدوا التصويت من شروطها!. وقد لوحظ على الشعراء المشاركين أنهم كانوا يستدرّون عطف الجمهور الذي سيصوت لهم، إلى حدّ الاستجداء والتوسل، وهذا لا يليق بكرامة الشعراء. ومثل هذا الاستجداء تقوم به المذيعات اللواتي يطلبن الاتصال من قبل المشاهدين للمشاركة في برامج المسابقات المتنوعة، وهذا ما دفع الفنان (ياسر العظمة) في إحدى مراياه إلى انتقاد هذه الظاهرة التي حوّلت التوسّل إلى تسوّل، وتصل إلى حدّ تقبيل الأيدي من أجل الاتصال، والغاية في النهاية أن يتصل الجمهور، وتبتزّ مثل هذه المسابقات أمواله التي تتحول إلى أرصدة القائمين على تلك المسابقات. وعلينا أن لا ننسى أن مثل هذا التصويت سابقاً ولاحقاً أخذ طابعاً إقليمياً أو قطرياً، ولن أستفيض في ذكر مسابقات (السوبر ستار) التي تكشّفت في النهاية عن إقليمية طاغية في التصويت، وقد شاهدنا كيف اتجه التصويت وجهة إقليمية حين قام أبناء كل قطر بالتصويت للفنان الذي ظهر من قطرهم، وآزروه بتصويتهم، وفرضوه فرضاً على المسابقة بكثرة الأصوات التي انهالت على الفضائية التي جعلت القرار الحاسم في الفوز للتصويت. والأمر لا يختلف في التصويت لمن سيفوز بلقب (أمير الشعراء). ويبدو أن هذه المسابقات الشعرية عبر الفضائيات قد أعادت إلى الحياة سوق عكاظ، وهذا السوق من نوع جديد، إنه سوق (حداثي جداً)، ولذلك فإنني أقترح أن يكون حفل التتويج في (الفضاء) لكي لا تشهد الأرض مثل هذه التظاهرة الفضائية، التي هي من منجزات الفضائيات. ولنفترض جدلاً أن الغاية من هذه المسابقة اكتشاف المواهب، وتسليط الضوء عليها، وبالتالي تشجيعها، وخلق الحوافز المادية والمعنوية لها. وإن مثل هذه المواهب إما أن تكون مغمورة ولم تنل حظها من الظهور، أو تكون قد حققت شيئاً من الحضور على نطاق ضيّق، وتأتي مثل هذه المسابقات لاكتشاف من لم يسبق اكتشافه، والدفع به إلى الواجهة سواء كان يستحق أم لا يستحق. وهذا يجعلنا نبارك كلّ محاولة جدّية لاكتشاف هذه المواهب بالحدود المنطقية التي لا تترافق مع محاولات استعراضية تنأى بالمسابقة عن هدفها النبيل . وكل دولة تمنح المبدعين، من خلال مؤسساتها الثقافية، الجوائزَ التقديريةَ والتشجيعيةَ، وهذه الجوائز تُمنَح للاختصاصات العلمية والأدبية والفنية، وتترافق أيضاً مع التغطية الإعلامية التي لابدَّ منها، على شرط أن لا تكون الغاية من هذه الجوائز غاية إعلامية. وهناك جوائز عالمية في الأدب مثل جائزة نوبل وغيرها، وقد قيل الكثير الكثير في هذه الجائزة على الرغم من شهرتها التي لا تضاهى، وقد سعى إليها عدد غير قليل من الأدباء العرب مثل: أدونيس الذي ترشح إليها أكثر من مرة ولم يحالفه الحظ كما حالف نجيب محفوظ من قبل، وهذا السعي الدؤوب ترافق بتهالك ولهاث وهوس لا يليق بالقامات الكبيرة التي تعملقت بأدبها. ومن لم يصنعه أدبه لا تصنعه المسابقات والجوائز والألقاب والأضواء والحفلات الاستعراضية والضجيج الإعلامي. وكم من أديب انطلق من بيئته المحليّة الضيقة، ووصل بشهرته إلى الآفاق العالمية، فصار علماً يشار له بالبنان، أو كما تقول الخنساء: (كأنه علمٌ في رأسه نار). والعَلَميَّةُ التي تسبق العالمية، هي شوط طويل، وقد يكون بعيد المنال، وهناك شعراء أعلام نالوا من الشهرة ما نالوا بعد أن حققوا حضوراً متميزاً، جعلهم في تاريخ الأدب أعلاماً لا يشكُّ في مكانتهم الأدبية، وتحدّثت عنهم كتب الأدب والمعاجم وبوأتهم مكانة تليق بهم، ونجد أمثالهم في كتاب (الأعلام) للزركلي. وتحولت هذه المسابقة إلى برنامج منوع (أدبي وفني وإعلامي) ولمزيد من الذيوع والانتشار أخذ يذاع في فضائية (أبو ظبي)، ويعاد بثه ثانية في يوم لاحق، ثم تذيعه فضائية (الإمارات) ثالثةً. وهذه المسابقة التي تنقلها فضائية (أبو ظبي) يترافق معها نقل مباشر إلى الإذاعة في إحدى محطاتها، وهذا يعني أن المسابقة تنقل بالصوت والصورة معاً زيادة في التغطية والانتشار. ويتخلل هذه المسابقة استضافة مطرب في كل أمسية تقام، وهذا ما يجعل الشعر يترافق مع الفن والطرب، لجعل المسابقة أكثر جاذبية وجماهيرية، ويبدو أن الشعر وحده غير كافٍ لجذب المشاهدين، وهذا ما يجعلهم يتوسلون بالطرب والغناء لتحقيق أكبر قدر ممكن من المتابعة من قبل الجمهور. ويتخلل هذه المسابقة، مسابقة أخرى أيضاً، وهي تتمثل في ذكر معلومات عن شاعر ما يُطلَب من الجمهور معرفة هذا الشاعر، وهذا أيضاً يخلق حالة من التفاعل والمتابعة من قبل الجمهور، وهو إجراء لا يخلو من الافتعال لجذب أكبر عدد ممكن من المتابعين. وفي هذه المسابقة لا يُكتفى بالتصويت عبر الرسائل القصيرة (SMS) وإنما يتمّ التصويت من قِبَل جمهور الصالة (جمهور شاطئ الراحة) الذي يحضر للمتابعة المباشرة، ومن غرائب هذا التصويت أنه في إحدى الحلقات صُوِّتَ لشاعر لم ينلْ رضا لجنة التحكيم كاملة، وهذا ما جعل الشاعر يفوز ويتأهل على الرغم من قرار لجنة التحكيم الذي لم يكن لصالحه، وبالمقابل هناك شاعر نال إعجاب كل أعضاء لجنة التحكيم، وكانت علامته ممتازة، إلا أن جمهور الصالة لم يصوّت لصالحه، فانخفضت نسبته إلى الحضيض، وخرج من المسابقة ليقال له: حظ أوفر. بعد أن حقق حضوراً مرموقاً لم يشكّ أحد في إمكانية تأهيله للدور النهائي. ونحن بالمقابل نقول للجنة التحكيم (تحكيم أوفر)، وذلك لأن قرار لجنة التحكيم ليس حاسماً ونهائياً، فهي لجنة تحكيم مع وقف التنفيذ، لأنّ التصويت الجماهيري يتدخل مرتين ليجهض قرار لجنة التحكيم، ويمكن أن نقول: إن قرار الجمهور هو الذي يرفع ويضع، وهو الحكم الحقيقي في هذه المسابقة التي أخذت طابعاً جماهيرياً استعراضياً أكثر من كونه طابعاً أدبياً نقدياً. وذلك لأن لجنة التحكيم يغلب على تعليقاتها الطابع الأكاديمي حيناً، وأحياناً أخرى تبدو أحكامها انطباعية وذوقية، وقلما نجد فيها أحكاماً نقدية رصينة. وإن كلمة (حظ أوفر) تجعلنا نتساءل عن دور الحظ في هذه المسابقة، التي يتدخل الحظ في أكثر من مفصل من مفاصلها، ويكفي أن نقول: أليس التصويت بحدّ ذاته (ضربة حظ)؟ وشتان بين شاعر محظوظ وشاعر موهوب. ومن طرائف هذه المسابقة أن نسمع فيها من قبل أحد الشعراء المتسابقين قوله العجيب، الذي يعاهد فيه الجمهور على أن تكون قصائده طنانة، وكاسحة كالجيش الجرار، فهل الطنين معيار لجودة الشعر؟!... أترك الإجابة للجنة التحكيم الموقّرة، وإذا كانت هذه اللجنة لا حول لها ولا قوة، فإننا نقول بالمقابل: لا حول ولا قوة إلا بالله. والجدير بالذكر أن أحد الشعراء المشاركين كان هندياً، وقد وصل إلى دور الـ (35) وتجاوزه، ونحن نقول كما قال: (بُهوت شكريا) لإتاحة الفرصة له للمشاركة في هذه المسابقة الميمونة! ولا شكَّ في أن هذه المسابقة سيفوز فيها شاعر واحد فقط، وينال لقب (أمير الشعراء)، ويعود بالتاج، أما بقية الشعراء سيعودون بـ (خُفَّي حُنين)، وشتان بين من يحظى بالتاج، وبين من يعود بالخفّ أو الخفّين. وصفت مسابقة (أمير الشعراء) بأنها أضخم مسابقة في تاريخ الشعر العربي، وهذه المسابقة تقيمها هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، وهذه المسابقة في دورتها الأولى، وقد شارك فيها أكثر من 5400 شاعر وشاعرة وقيل 5500 من 25 دولة عربية وإسلامية، ومن خلال هذه المشاركات اختيرت 300 قصيدة، و88 شاعراً مرشحاً، من قِبَل عشرة أدباء ونقاد مختصّين، في المرحلة البدائية من فرز القصائد، وبعد مداولات بين اللجنة والجهة المنظمة والمنتجة تمَّ اختيار 35 شاعراً للدخول في المسابقة للفوز بلقب أمير الشعراء، وقد قامت لجنة التحكيم باختيار هؤلاء الشعراء، وتلك القصائد، على أسس غير محدد أو معلنة، وإن أعضاء لجنة التحكيم هم: الدكتور المصري صلاح فضل، والدكتور الجزائري عبد الملك مرتاض، والدكتور الإماراتي علي بن تميم، والأديب والإعلامي السعودي نايف الرشدان، والفنان السوري غسان مسعود. وقد أقيمت حتى الآن خمس أمسيات شعرية، في كل أمسية يشارك سبعة شعراء إلى جانب بعض الشاعرات، ولا تكاد تخلو أمسية من مشاركة شاعرة ما وهذه الأمسيات الخمس تعد المرحلة الأولى من المسابقة وتسمى مرحلة الـ (35) مشاركاً، وخلال كل أمسية من هذه الأمسيات، كان يُرشَّح أربعة شعراء، يتم اختيارهم على النحو التالي: لجنة التحكيم تختار واحداً، وجمهور الصالة يختار واحداً، وجمهور المصوّتين من الخارج يختار اثنين، وبناء عليه فإن نصيب لجنة التحكيم ربع، مقابل ثلاثة أرباع للجمهور، وهذا ما يجعل الجمهور هو الحكم الحقيقي في هذه المسابقة وفي نهاية المرحلة الأولى يكون مجموع المرشحين (20) شاعراً، ينتقلون إلى المرحلة الثانية، التي يتم فيها توزيعهم إلى مجموعات جديدة، للمشاركة في أمسيات أخرى لاختيار من يقع عليه الاختيار للمرحلة الثالثة. وجوائز هذه المسابقة إضافة إلى منح لقب (أمير الشعراء) الذي يعدّ جائزة معنوية، يمنح الفائز الأول ميدالية ذهبية ومبلغ مليون درهم إماراتي، ويمنح الفائز الثاني ميدالية فضية ومبلغ خمسمئة ألف درهم، أما الفائز الثالث يمنح ميدالية برونزية ومبلغ ثلاثمئة ألف درهم، والفائز الرابع مبلغ مئتي ألف درهم. وقد تأهل إلى المرحلة الثانية من سورية الشاعران: محمد علاء عبد المولى (حمص) وياسر الأطرش (إدلب) وعلى الرغم من إشادة لجنة التحكيم بما قدماه من قصائد شعرية، إلا أنهما لم يُرَشِّحا من قبل اللجنة، وقد جاء ترشيحهما من قبل الجمهور الذي صوّت لهما عبر الرسائل القصيرة. ونختار من الرسائل التي صوّتت للمتسابقين: (عُمان بشمالها وجنوبها وشرقها وغربها مع الشاعرة هاجر البريكي)، (كل الشعب العُماني مع ابنتهم الشاعرة هاجر البريكي)، (كل القلوب تبايع هاجر البريكي على إمارة الشعر)، (أرشّح شاعرة النيلين روضة الحاج معجزة الشعر)، (أرشّح أميرة الشعراء روضة الحاج) وأحد المتسابقين صوّت لأحد الشعراء وناشد قبيلة عربية محددة أن تصوت له، كما أن عدداً من الرسائل القصيرة الواردة من الأردن تحديداً أخذت طابعاً قبلياً، أثناء تصويتها للشاعر الأردني (خالد أبو حمدية). (وينكم يا نشامى الأردن، وين دعمكم وترشيحكم لابنكم خالد أبو حمدية)، (رشّحوا يا نشامى معي هدى السعدي)، (بلاد المليون شاعر ترشح أبا شجّة أميراً للشعراء) والمقصود ببلاد المليون شاعر موريتانيا، (تستحق كرسي الإمارة، فأنت أمير وابن أمير). وكان المذيع في الأماسي الشعرية يجيد اللعب بالأعصاب إلى درجة أن الشاعر السوري محمد علاء عبد المولى قال له: (لقد دمَّرتنا نفسياً يا رجل) وقد صدرت عن بعض أعضاء لجنة التحكيم أحكام فضفاضة، لا تخلو من المبالغة، ونذكر على سبيل المثال قول أحدهم للشاعرة الإماراتية هدى السعدي (أنتِ شاعرة برتبة فيلسوفة) (والطريف في ذكِر كلمة فيلسوفة أن الكومبيوتر رفضها، ووضع تحتها خطاً أحمر إمعاناً في استنكاره لها). وبعد أن علّق د. فضل على قصيدة الشاعر الليبي صلاح الدين الغزال بقوله: (يبدو أن مشكلتك مع حبيبتك تتلخص في أن إجازتها يوم الأحد، وإجازتك يوم الجمعة) وضحك بعد تعليقه، فانزعج الشاعر الليبي وردَّ بقسوة على د. فضل، لأنه شعر بأن الدكتور يسخر منه، وهذا موقف من مواقف ردود الفعل الحادة التي أظهرت تشنج هذا الشاعر ومجابهته لأحد أعضاء لجنة التحكيم. وإن الشاعر الهندي المقيم في السعودية: (مشتاق حسين) نال استحسان لجنة التحكيم على قصيدته التي مدح فيها أحد أمراء الإمارات، وكانت تعليقات لجنة التحكيم لصالحه، باستثناء الأديب السعودي نايف الرشوان الذي صرح بأن قصيدته تفتقر إلى الشعرية كما نال هذا الشاعر استحسان الجمهور فصوّت له وتأهل للدور التالي، ولا يخلو تعليق لجنة التحكيم من المحاباة، وإذا عُرف السبب بطل العجب. وبما أن هذه المسابقة دورية، وفي كل دورة من دوراتها السنوية ستخرّج لنا أميراً للشعراء، فلابدّ أن نتساءل كم أمير ستفقّس لنا هذه المفرخة بعد عشرات السنين؟!.. هذا إذا استمرت بالطريقة التي بدأتها. وهذه المسابقة الدورية، التي تنافس فيها الشعراء للحصول على اللقب والكأس، مروراً بمراحل التصفية الأسبوعية، تذكرنا بتصفيات كأس العالم لكرة القدم، وذلك بتنافس أشبه بالتنافس الأولمبي، وهكذا تتحوّل مسابقات الشعر بالعدوى إلى مسابقات أولمبية دورية!. تكشّفت المسابقة عن إجراء عملي قيد التنفيذ في مرحلتها الأخيرة، وهذا الإجراء يشترط أن يقوم كل شاعر من الشعراء الستة الذين وصلوا إلى الدور النهائي بتقديم بضعة أبيات ارتجالية (4 ـ 6) لاختبار قدرة الشاعر على الارتجال، وهذا الإجراء يعيدنا إلى عصر الارتجال للشعر منذ العصر الجاهلي، وهذا ما يجعل الشعر يرتكس إلى الوراء ويصبح عملية ارتجالية، ومن خلالها تُختبر مقدرة الشاعر، بمعايير جاهلية أكل الدهر عليها وشرب، ونقول جدلاً: إذا لم يستطع الشاعر أن يرتجل في مثل هذه المواقف التي تحدّد فيها فكرة ما ويطلب من الشاعر أن يقول فيها بعض الأبيات ارتجالاً، فهل يعني هذا دلالة عجز إذا أرتج عليه ولم يفلح في هذه الورطة؟!. وفي الأمسية التاسعة التي سبقت الأمسية الأخيرة طُلب من الشعراء أن يكتبوا قصيدة يقوم كل شاعر فيها بوصف مشاركته في المسابقة، ويتحدث عن دوره ورأيه في تلك المسابقة، وما حدثَ بعد ذلك أن شاهدنا واستمعنا إلى أمسيةٍ بائسةٍ كانت في حقيقتها أسوأ الأماسي التي أقيمت منذ بدء المسابقة، والسبب في ذلك يعودُ إلى تحول المشاركات في الأمسية إلى حالة مزرية من المجاملة والمديح المجاني والنفاق الممجوج لأعضاء لجنة التحكيم من جهة وللقائمين على المسابقة من جهة أخرى ولدولة الإمارات التي احتضنت تلك المسابقة من جهة أخيرة، وناهيك عن الطرائق الفنية التي لجأ إليها الشعراء والتي صوّر فيها أحدهم دولة الإمارات بأنها البلد الحرام الذي جاء إليه الشعراء يحجون ويعتمرون ويؤدون مناسك الزيارة، وغير ذلك من الطرائق التي لا تخلو من الافتعال والمبالغة والتهويل لاستدرار عطف القائمين على المسابقة!. وهناك أكثر من مؤشّر لوجود المحاباة في هذه المسابقة، ومنها اختيار الشاعر الإماراتي (كريم معتوق) الذي لا يحق له الاشتراك في هذه المسابقة بسبب عمره الحقيقي الذي لا يخوّله دخول هذه المسابقة بناءً على شرط العمر، وذلك لأنه من مواليد 1959م، ويمكن العودة إلى (معجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين) للتأكيد من مواليده، فهو مرجع موثوق، وفيه نجد هذا الشاعر الإماراتي من مواليد الكويت. كما أن شعره بالمقارنة مع أقرانه لا يؤهله للمنافسة، ومع ذلك تجاوز دور الـ 35، وتأهل إلى المرحلة الثانية ثم الثالثة، ويبدو أن سبب ذلك، إضافة إلى أنه شاعر إماراتي، فهو المسؤول في فرع اتحاد كتاب وأدباء الإمارات في أبو ظبي. ومن خلال الأمسية التاسعة لم يُرشّح إلا هذا الشاعر الإماراتي الذي حظي بأعلى نسبةٍ من الدرجات من قبل لجنة التحكيم التي احتضنته منذ الأمسية الأولى إلى الأمسية ما قبل الأخيرة، ويبدو أن أسهمه مرتفعة وبات قاب قوسين أو أدنى من الفوز مع أنه لا يحقّ له المشاركة في هذه المسابقة إذا احتكمنا إلى شروطها المعلنة التي تحدّد عمر المتسابق الذي يحق له المشاركة!. وأخيراً نودُّ أن نطرح جملة تساؤلات تخصُّ هذه المسابقة: ــ هل مثل هذه المسابقات تعيد للشعر مكانته، وتعيدُ إلى الأذهان مقولة: (الشعر ديوان العرب)؟. ــ وهل هذه المسابقة حقّاً تحاول أن تمتّن الجسور بين الشعر والشعراء من جهة وجمهور المتلقين والمنابر الإعلامية من جهة ثانية؟!.. أنا أشكّ في ذلك!. ــ وهل هذه المسابقات تسهم في تطوير الشعر العربي؟ ــ وهل هذه المسابقات ظاهرة صحية في الوسط الأدبي الذي يشكو من كثير من الأمراض، ويعاني من كثير من الأزمات؟. ــ أليس في هذه المسابقات تكريس لبعض القيم المشكوك بنبلها، والتي قد تكون وبالاً على الأدب والشعر والذوق العام؟!. ــ إذا فازت شاعرة في هذه المسابقة، هل سيكون اللقب الذي ستفوز به (أميرة الشعراء والشاعرات)؟ ــ وفي الختام نقول: على من سترسو المناقصة في النهاية؟!.. وماذا تحمل لنا المرحلة الأخيرة من المفاجآت؟ هذا ما سننتظره في الأيام المقبلة. | ||||||||||