مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 438 تشرين الأول 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 
محمد الحريري الشاعر الكوني والقومي ـــ أ.د.حسين جمعة

محمد الحريري الشاعر الكوني والقومي ـــ أ.د.حسين جمعة

رحل الشاعر محمد الحريري عن الحياة الدنيا في (27/ 8/ 1980م) عن عمر قارب (58) سنة؛ وكان قد ولد في مدينة حماة سنة (1922م)......

ويبدو من خلال شعره وما رواه عدد من أصدقائه أنه تلظى بحياة الضنك والشقاء، لم يفرح صغيراً ولا كبيراً. وكان قد تلقى تعليمه بمدارس حماه، ثم انتقل إلى جامعة دمشق فحاز الإجازة في اللغة العربية؛ وما لبث أن غدا معلماً في مدارس دمشق وثانوياتها، فخبر مهنة التعليم وأدرك فضائل العلم والمعلم فغنى لهما بشعر يفيض سلاسة وعذوبة وجمالاً (فضائل المعلم ـ 116 ـ 118)؛ ثم أجرى الحق والخير على يد المعلم في قصيدته بعنوان (المعلم) ومنها قوله: (118 ـ 120)

يدك الوضيئة إنها ريحانُ

 

 

فاغرس يديك يعربد البستانُ

واسق القلوب من الغرائد سَلْسلاً

 

 

من فيضه قد تخجل الغدران

فاكتب معلِّمُ وامحُ واكتب أرضنا

 

 

حتى يقبل كفَّك الرَّجَفان

مجد العلوم ولن أعدد فضلها

 

 

إن الدُّنى أحجارها عرفان

وظهرت موهبته الشعرية مبكراً ونشر غير قليل من أشعاره وأبحاثه منذ أواخر الثلاثينيات من القرن العشرين في الدوريات العربية والمحلية؛ كما في مجلة (التمدُّن الإسلامي) و(المعلم العربي) إذا تركنا مساهماته العديدة في الصحف... لهذا تشرف اتحاد الكتاب العرب بأن يكون عضواً في جمعية الشعر لديه.

ولما كانت مكانة محمد الحريري الشعرية تنبثق من غزارة معانيه، وغنى موضوعاته وتنوعها، قديماً وحديثاً، وهي تنداح فواحة في إبداعه الجميل الذي سلك الفطرة والموهبة. وهو  سواء في هذا النظام، إن كان في شعر التفعيلة أم الشعر العمودي التقليدي... أقول: لما كان ذلك كذلك قام اتحاد الكتاب العرب بطباعة ديوانه عام (1985م) الذي جمعه أخوه (يوسف) وقدم له الشاعر شوقي بغدادي؛ الذي عرف بصداقته المتواصلة للشاعر الحريري؛ لازمه وأخلص له حياً وميتاً، وروى عنه أحداثاً وذكريات شتى، ولا سيما تلك المتعلقة بطباعة الشعر. فالشاعر الحريري كان معدماً مدقعاً، يصرف ما يأتيه في وجوه الحياة التي ارتضاها لنفسه، ولا سيما حين أقبل على ملذات الحياة بكل نهم وحب... فما إن يأت المال إلى يده حتى يَفرَّ منها إلى ما صبا إليه، فلم يبق عنده ما ينشر به الديوان على الرغم من أن طباعته آنذاك لا تزيد على (ثماني مئة) ليرة، ولكنه لا يملك منها ليرة واحدة كما أفاد به الشاعر شوقي بغدادي في مقدمة الديوان (ص3). وإذا كان الصديق يلح مرة بعد مرة على الحريري ليطبع شعره، فإن الاعتذار كان معروفاً كما يبينه الحوار الآتي بينهما: ((وما دمت أكثرهم إلحاحاً عليَّ في جمع الشعر ونشره فتسلَّم هذه المهمة بعد موتي؛ وتحمل صعوباتها وحدك، وفُكَ معميَّات هذه الأوراق إذا كنت منجماً قادراً على فك الألغاز)) (المقدمة: ص4).

ويخبرنا الصديق الوفي أن أوراقه كانت عجيبة غريبة، سواء تلك التي نشرت في الصحف أم ما زالت مخطوطة، إذ إن معظم ما نشر لديه لم يَرَ النور؛ إما بسبب تهرؤ الأوراق، أو سقوط أطراف منها، أو امحاء بعض مفرداتها وإما بسبب تداخل عجيب في الكتابة، فضلاً عن فقدان أقسام منها...

ولكن المهم أن هناك شعراً قد جُمع، وهو ما تبقى من الشاعر محمد الحريري؛ وهو يدل على أنه شاعر كوني وإنساني من نمط رفيع في إنسانيته، فضلاً عن أنه كان شاعراً وجدانياً طريفاً، جعل الحياة همّه الأول  ـ كما أشرنا إليه ـ فعبَّ من النشوات ما استطاع، كما في قصيدته (طريق الإثم ـ ص 63).

ومهما يكن من هذا الشأن فقد احتفى برؤية شمولية للكون والطبيعة والإنسان، ورأى أن قضايا الشعوب واحدة ونضالها مشترك من أجل الحياة الحرة الكريمة... وكذلك هو شاعر وطني قومي، علماً بأنه جعل نضال وطنه وأمته جزءاً لا يتجزأ من النضال الإنساني، وربط بينهما استنهاضاً للحرية والمروءة والكرامة... وكذلك تناول موضوعات وأغراضاً شتى، يمكن أن تكون مدار دراسات مستفيضة ما يجعلني أكثف القول في الاتجاهين السابقين، وسأعرض لهما بشكل مركز، باعتبارهما السبب الأصيل في اختيار مقتطفات من أشعاره للكتاب الشهري.

1ــ الشاعر الكوني، الإنساني:

يكاد شعر الحريري يكون صورة موازية لتطلعاته وحياته برمتها، فهو يعبر عن تكوينه النفسي، وهمومه الاجتماعية، وطموحاته الفكرية.

ولعل أبرز تلك التطلعات ما يرتبط بالرؤى الكونية التي أثارها من حولنا، وربطها بالنزوع الإنساني؛ فلا عجب بعد هذا أن يرى العالم كله يعيش في غرفة واحدة. وبهذا فإنه قد سبق إلى تأسيس مفهوم القرية الكونية التي تعرف اليوم؛ إثر انتشار الفضائيات والتقنيات الحديثة... ومما قاله في قصيدته (العالم في غرفة واحدة): (ص32)

يا أخي ما بيننا

 

 

جدران بلّورٍ ستُحْطَمْ

معصمي المبتور يغنيه

 

 

اتصالاً منك مِعْصَم

فإذا نحن فؤاد

 

 

ولسان يتكلم

في حنايا غرفة

 

 

واحدة نلهو وننعم

فالقصيدة تخبر عن ذاتها في إطار الغاية والوظيفة التي تؤديها في عالم يموج بالظلم والفوضى.

ومن ثم فهو يقف جنباً إلى جنب مع المناضلين الأحرار في العالم، كما نجده في خطابه للشاعر المناضل شاعر الكادحين (لوركا) ومنه: (ص19)

املأ السلَّة لوركا

من يواقيت السَّحَرْ

وانشر الدُّرَّ علينا

إننا بشَرْ

فالشاعر يتحدث عن رحلة شوق يسعى من خلالها إلى إدراك الأمن والسعادة، في عالم تتهدده الأخطار من كل اتجاه، أخطار لا تأتي إلا بالغمّ، والهم والألم.

ومن ثمة فلا غرو بعد هذا أن يقف مع المستضعفين المقهورين في أفريقيا، لأنهم يتطلعون إلى الاستقلال والحرية... وحين يعرض لهذا لا يغيب عن باله أن يربط النزوع إلى الحرية في أفريقيا بالنزوع إليها في آسيا، وغيرها، ويعبر عن ذلك في إطار الرؤية الكونية الإنسانية الشمولية، ومنها: (ص23-24)

إن أفريقيا وآسيا لسيل

 

 

يستبيح الذُّرا ويطوي السهولا

طوفان الحرية الفذ يطغى

 

 

كيف تلقى يا مستبد السيولا؟!

ومن المفيد أن نشير إلى ابتداء البيت الأول ـ هنا ـ بجملة اسمية مؤكدة بحرف (إن) ليعطي المضمون قوة الحصول الحتمية، على اعتبار حدوث الواقعة والتنبؤ بما يجري في المستقبل.

ولعل من أهم صفات الشاعر الكوني المناضل أنه يتميز برؤية إنسانية للواقع والمستقبل، وهي رؤية تستشعر الناس بأنهم أمة واحدة، يؤلمه ما يؤلمهم، ويفرحه ما يفرحهم؛ لأنه يرى أنه لا فرق بينهم على تميز ألوانهم وأجناسهم... فهو لا يرى فرقاً بينهم إلا في درجة ما يقومون به من أفعال؛ وأكثر هذه الأفعال بؤساً وظلماً تلك التي تتصف بالإثم والشر، على اعتبار أن مخيلة أصحابها صارت مخيلة شريرة، ما يستوجب مجابهتهم... ولهذا كان محمد الحريري مهموماً بزوال الشر والآثام من العالم، ويتمنى أن يتحول إلى واحة للخير؛ وأرض للمحبة والوئام، كما نقرؤه في قصيدته (حب على سفينة نوح ـ ص104-105)، أو في قصيدته (الخبر الكبير) ومنها: (ص28).

ويمرُّ العالم كله

بخوابي الشر المطروحة

يركلها بالأقدام المنتصرة

ويبقى منها قطعة

يعرضها في مُتحَف بؤس الإنسان

ومن يتأمل في هذا المقطع يدرك مدى الأسى الذي اكتنزت به نفس الشاعر؛ فهو مقطع يستند إلى مفهوم الاستبطان الذي يسكن مكونات النفس البشرية. ثم يوظف عناصر هذا الاستبطان في إطار من الحكمة البالغة لتنفير البشرية من الشر، ونتائجه.

فقطعة واحدة من خوابي الشر تفرقت حتى أصابت كل إنسان بشظاياها، فقلعت من نفسه كل ألوان المحبة والم2ودة والصدق والإخاء والنبل و... وساد مكانها أنماط من الكذب والغش والنفاق والخداع والكره والحقد و... ثم مارسها الإنسان الشرير مع أقرب المقربين إليه... ومن هنا نفهم لماذا يصر محمد الحريري على الإشارة إلى التحولات النفسية التي تدور في خلده عندما تتعلق به امرأة ما. فهو يحذر محبوبته من آثار الشر الذي ورثه من قطعة الخوابي تلك في قصيدته (شَرِّي ينتظرك) ومنها: (ص30)

مُرِّي بروحي مُرِّي

 

 

يقود خطوك سِرِّي

وقد طاب دربك إلا

 

 

إذا تيقّظ شرّي

وتحذري الشر حتى

 

 

لا تسقطي في المَمَرّ

فإن سقطت سيُبنى

 

 

عليك أثقل قَبْر

فالقصيدة برمتها تجسد النزوع القيمي الأخلاقي الإنساني الذي يشتاق إليه؛ ويصبو إلى تحقيقه في عالم امتلأ بالشر والخبث والخداع و... فهو يحذر صاحبته من السقوط في مصائده الشيطانية على اعتبار أن ما فُطر عليه من نبل الصفات الكريمة يغلب الشر الذي لصق به. وبهذا يؤكد شعره فضائل الخير التي اكتنزت بها نفسه، وهي الفضائل التي شرعت تبعده عن الانغماس في الملذات ليصل إلى مصاف التوبة التي نشدها مرة بعد مرة، بيد أنه ظل دونها.. كما في قصيدته (مولد الرسول) ومنها قوله: (127)

فداؤك يا خير البرية أنفس

 

 

تحوّط مثواك الطهور بمسجد

وهبت لنا القرآن خير مقوّم

 

 

إذا ما اتبعناه وأعظم مرشد

كتاب حوى في دفتيه هداية

 

 

لأعمى ونوراً للضليل المشرد

إن المنحى التاريخي الإنساني والأخلاقي ـ وفي صميم التحليل لسياق القصيدة ـ يؤكد أن عمل الخير باقٍ على امتداد الزمان، مهما كانت قدرة الشر على التأثير والتحول من لون إلى آخر.

ولعل قصيدته (السكين) تعدُّ من أهم القصائد في الشعر العربي، باعتبار ما ترمز إليه من قضايا كثيرة اجتماعياً وإنسانياً، إذ تشير إلى جوانب من الحياة قديمها وحديثها، فتنقل متلقيها إلى مقامات مثيرة في الفرح والحزن، والانتصار والانكسار؛ والسعادة والشقاء، و... وهي تضعنا في قلب عدد من المآسي التي أتقنها أفراد جبلوا على الشر، ومنها قوله: (ص46)

ويصفو على الأضلاع ماء صداقة

 

 

بكل صبابات القلوب يشعشع

وتأبى لها الإمراع سكين غَدْرةٍ

 

 

مَحزَّتها بين الصديقين تمرع

وكم بسمةٍ تهفو على الثغر حلوة

 

 

إذا واجهتها شَفْرة تتمزَّع

وهذه القصيدة تستجيب لكتلة من القيم والأعراف والعادات التي نشأ عليها المجتمع، ما جعله يعرض لعدد منها بأسلوب رمزي مثير وجذاب من أجل بيان نتائجها البشعة على أفراد ذلك المجتمع، إذ كان حريصاً على تجنب التقرير والمباشرة.

وكل من يتحدث عن القضايا الاجتماعية ذات البعد الإنساني والكوني لا يمكنه أن يتغافل عن ذكر المحتاجين والجوعى، ولا يمكنه أن ينسى الفقراء والمحرومين أنّى كانوا صغاراً أو كباراً... هذا ما عبَّر عنه في قصيدته (الجوع على حصانه النازي ـ ص86-88) وهو ما انتهى إليه بوصفه الرائع لذلك البائع المعدم (بائع الأسكا)، الذي لم يعرض له شاعر آخر فيما أعرف؛ ومنه قوله: (ص97)

راح يغفو بعدما طاف طويلاً

 

 

قُرب صندوق خَوى إلا قليلا

هو طفل، كومَةٌ مجهولة

 

 

صبَّها الفقر ضياعاً وذهولا

ضَمَّ خدّيه رصيف ناعم

 

 

ذاق من وقع الخطى عبئاً ثقيلا

راقدٌ والشمس تكوي رأسه

 

 

بعد ظِلّ ظنَّه يبقى ظليلا

وخطى الناس حوالي جسمه



 

قد تنال الجسم لو غالت قليلا

فالصورة التي يرسمها الشاعر لهذا البائس الفقير المدقع تبرز لنا عمق رؤيته الإنسانية في الوقت الذي تعد صورة فنية متقنة في موازاتها لحياة (بائع الأسكا) الذي أهمله الزمن، ومزَّقه على طريق الأمل، وهو يبحث عن لقمة العيش. فالزمن بُعد فنيّ يندمج في البعد المكاني ليكوِّن روحاً واحدة تشي بها المفردات... ومن ثم تعبر عن مفهوم الشاعر وفكره وهو يرسم صورة البائع وقد حضر بصورته المزرية حضوراً مباشراً ولا سيما حين صار الرصيف أكثر نعومة من خد ذلك البائع علماً بأن الزمن في الأدب هو "الزمن الإنساني... هو خاص، شخصي، ذاتي، أو كما يقال: نفسي"([1])...

فالشاعر الحريري يحس بعظمة الظلم الطبقي الاجتماعي الذي نال من هذا الطفل وأمثاله على مرّ الزمن؛ فجعله يسقط على الرصيف تعباً وجوعاً، دون أن يشعر بثقل الأقدام التي ترتمي حوله... فالتراكيب تجسد العلاقات الزمانية والمكانية والاجتماعية لتأخذ دلالاتها المثيرة، ما يوحي بأن الشاعر أجاد في صهر تلك العلاقات، لتصبح مدركاً واحداً.

وأكتفي من هذا الاتجاه بما عرضت له في هذا الحقل الدلالي لأنتقل إلى الحديث عن النزوع الوطني القومي الذي يتكامل ويتفاعل مع النزوعي الكوني عند الشاعر، وهو ما نشير إليه فيما يأتي.

2 ـ الشاعر الوطني والقومي:

تبين لنا مما تقدم أن الشاعر محمد الحريري لم يفرّق بين أفراد البشر في تطلعهم إلى الحياة الحرة الكريمة، وجعل قضاياهم الاجتماعية والسياسية والفكرية والاقتصادية قضية الإنسان أينما كان موطنه، وجنسه، ولونه... لذا كان من وجه أولى أن يتوجه في رؤيته إلى أبناء وطنه وأمته، باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من رؤيته الكونية، وإن أكسبها خصوصية التراث والثقافة، والانتماء... وإذا كانت معرفة اللغات توحد الشعوب وتقرِّب فيما بين ثقافاتهم فإن اللغة العربية، بكل ما تشتمل عليه من سمات جامعة، توحد الأمة التي تنطق بها، وتعزز الانتماء إلى هويتها. لهذا عَمُرَ وجدان الحريري بحب الوطن والأمة لغة وتراثاً وآمالاً، وتمنى لهما التطور والتقدم والازدهار في كل مجال من مجالات الحياة... وما آلمه أكثر مما يقع لأبناء جلدته من الهموم والأوجاع، ما فرض عليه أن يطوف في شعره على جناح الزمن وهو يتخيل بلاده العربية مسلوبة الإرادة والقوة، متخلفة متراجعة علمياً وفكرياً وتقنياً وإدارياً لم يرَ فيها ما يفرحه على الرغم من كر الليل والنهار؛ مع طلوع كل شمس وغيابها... بل إنه يرى أن الظلم والقهر، والشقاء والبؤس قد عشش في جنبات أوطانه، ولشدَّ ما أدمى قلبه أنه رأى الشعراء لا يفعلون شيئاً، فطالبهم في قصيدته (إصبع الشعراء) أن يكونوا طليعة الحركة النضالية في التحرر والبناء؛ ومما قاله فيها: (ص 57)

هي إصبعي

من آهة التعساء قد ضُفرت

وجَمْر الثائرين

الظُّفْر منها تاج ألماس

جلاه منجم الفن الثمين

لم يَزْهُ رأس الفاتحين بمثل

ظُفْرك، إصبعي، لم يزه رأس الفاتحين.

هي إصبعي، هي إصبع الشعراء

لكن إن دعتها صَرْخةٌ من أمتي

ترجو لو انضمت على وَتَر الزنادْ

كأصابعٍ أخرى تشارك في الجهادْ

فالشاعر يحس بأن بؤرة الآلام والآهات والأحزان قد سيجت حياته؛ وجرت دماً ملتاعاً في عروقه... ولكنه لم يقع في التشاؤم المطلق، فذهب إلى أن هذه الأحزان ستولد فرحاً عظيماً، ولابد من أن تنمو زهرة الياسمين في القدس، وأن تعم فرحة الأطفال في كل ذرة من الأرض العربية، وسينشد الرجال أهازيجهم انتصاراً وشوقاً إلى الحرية في الزمن الجديد للعالم، على اعتبار أن تجليات الزمن المستقبلي ـ لديه ـ تتعطش إلى العدل والحرية؛ وسنزهو بهزيمة الظلم والاستعباد.

ولهذا يقول في قصيدته (هدية إلى العالم) ومنها: (ص 48):

إنَّ بلادي مَرَّةً لم تبتسمْ

وأنت تمضي وتجيء

برأسك المكوَّرةْ

ما دام قسم من بني البشَرْ

قد طرحوا على ضلوع أمتي الحجَرْ

وحجبوا عن مقلتيها الشمس والقَمَرْ

وحرَّضوا الذئاب من بعيدْ

أن ينهشوا من لحمها الوريدْ

وقسماً يا أيُّها المسافر

هيا انتظر هُنيهة

لابد أن تمتد يدٌ

تهديك من عروقها ابتسامْ

ليغتدي علامة للنصرْ

فيرقص الأطفالْ

ويهزج الرجالْ

ويومها تكون في رأس السنةْ

من دهرنا الجديدْ

في خير عيدْ.

ومن يتأمل هذا النص يدرك مدى قدرة الشاعر على إكساب النضال الوطني والقومي بعداً إنسانياً، ولاسيما حين جعل نضال الشعوب درساً تفيد منه حركة التحرر القومية، فهو يبث الوعي الذاتي والاجتماعي والسياسي من أجل الخلاص، والانفلات من قيد العبودية. فالهاجس الذي يميز إحساس شاعرنا بأن هناك أزمة من نوع ما في موقف الشعوب تجاه المستعمر الغريب وهذا ما دفعه إلى أن يتصدى لها، رافضاً استمرار الواقع المأزوم كما هو عليه. فإذا ما استمر هذا الواقع فإن بوصلة الكفاح سوف تنحرف عن مسارها السليم. وهو ما نستشعره أيضاً في قوله من قصيدة (أفريقيا الثائرة): (ص 24)

ليل أفريقيا صحت سَكْرة

 

 

النور فمزّق حجابك المسدولا

 

فنجوم الأهراس تهمي عقيقاً

 

 

سكْبُهُ المستحر يُذكي النيلا

ويفادي القدس الخضيبة دمعاً

 

 

يتوالى حتى تُردَّ همولا

فإذا كان الشاعر يحث قومه على النهوض لكي يتمثلوا منابع ماهية حركات النضال العالمية فقد شدَّد على إبراز ما يعانون منه، من مآسٍ وبؤس وشقاء، وقتل وفتك على يد المحتل، وكأنه يريد أن يفجر الفرح من بين يدي المأساة؛ فكل جريح، أو قتيل ترتمي عليه الأبصار يجب أن يولّد الغضب والحقد على الجاني ولعل هذا ما عبر عنه في قصيدة (الإطار العربي الدامي)، ومنها: (ص 143)

وتزايلت مُتَع الحياة فلن يُرى

 

 

ثَغْرٌ إلى بسماته ينقاد

فالنيل دمع، والفرات مناحةٌُ

 

 

والغوطتان تأَوُّهٌ وحِداد

هل عاود (التاتار) غزوهم؟ وهل

 

 

دُهْم الرؤوس من السيوف حصاد

فالقتل عُرْس، والتشفِّي فرحة

 

 

والزينةُ الأشلاءُ والأجسادُ

فأي مكان في ديار العروبة لا يختلف عن أخيه في انتشار القتل والخوف، والقلق والاضطراب، حتى غدت المآسي طقوساً يعيشها الناس؛ ما جعله يحس بالآلام التي تعاني منها بغداد إثر طوفان دهمها، فمزج بينه وبين طوفان الاستعمار الإنكليزي فقال: (ص 82)

يا ترى، دجلة أم الدم يجري

 

 

فوق بغداد أم تلاطم عُمْري

أم مآسٍ قد موَّجتها مآسٍ

 

 

فارتدَتْ للخفاء أمواج بحر؟

لست أدري؛ ما الطّافيان أَنَهْرٌ

 

 

صبَّهُ الإنكليز أم ماءُ نَهْر؟

فأجيبي يا شمس إنك أَدْرَى

 

 

بشباب يقتات ظُلْمة قبر

فالقصيدة كلها وثيقة فنية وفكرية تستفز المشاعر والأفكار لتستنهض الهمم إلى آفاق الحركة الثورية العارمة؛ فهي تحرضها على التخلص من آثار الظلم والقهر والاستعباد. فمن ملأت الحرية نفسه، وحَرَص على مروءته كانت الإرادة الصلبة مركبه، وإيمانه سلاحه؛ والمستقبل الحر المنشود أمله... ما يعني أن الشاعر قد أراد للطوفان أن يغسل النفوس من خوفها وترددها، لتغسل عار الذل والاستعباد.

ومن ثمة فهو يرى إذلال الحكام والملوك لأبناء جلدتهم أدهى وأَمرَّ من ظلم المستعمر الخارجي، فالظلم من ذوي القرابة أشد مضاضة؛ وإشاعة الجهل والفقر أكثر تضييعاً للأوطان... فالسرقة والنهب الذي يمارسه الحكام يزيد الكآبة والإحباط والشقاء في النفوس التي تمرض بعلة ذاتية داخلية... ولهذا يتجه في شعره إلى مكافحة الفاسدين من الملوك والحكام الذين نهبوا البلاد وأذلوا العباد، ولا سيما في قصيدته (اليقظة الكبرى) ومنها: (ص 32).

فيا حَيْرَة المنهوب بُزَّت حياته

 

 

بأيدي ذوي بُعْدٍ وأَيدي ذوي قُرْبى

ولكنه، والشعب أغلَب فيضُهُ،



 

سيصحو على الأيدي فيحطمها ضَرْبا

أُخيَّةُ، ما نهجي الظلام وإنما

 

 

نصبت لعيني الشمس في منهجي نصبا

ألا أطلقي قيد الحبائل واسكبي

 

 

على ضحكة الأزهار وجنتك الغضبى

وفي ضوء ذلك نرى أن ديوانه مملوء بالقصائد التي عالجت عدداً من القضايا الوطنية والقومية؛ ولاسيما تلك القصائد التي دارت حول رثاء الأبطال والقادة والسادة مثل رثاء (شفيق جبري/ 273) و(الطيار عزة بزّة ـ 280) و(وصفي قرنفلي / 294) و... علماً بأن القسم الخاص بالوطنيات (137 ـ 168) يعدُّ صورة دقيقة ومعبرة عن تطلعه إلى الحرية والكرامة.

ومهما قيل في هذا الشأن فإنه يبقى دون ما عرض له في ديوانه، وكذلك بقية الموضوعات والأغراض الشعرية من غزل ومدح ورثاء؛ ووصايا (ص 128) ومعارضات بديعة، كمعارضته لرائية بدوي الجبل المشهورة (ص 76).

أما استدعاؤه للتراث الأدبي والفكري ولشخصياته التاريخية فهو سمة بارزة في أشعاره، وهي تحتاج إلى دراسة منفردة ـ أيضاً ـ. ومن بين تلك الشخصيات القديمة والحديثة (ابن عساكر/ 137) و(ابن رشيق/ 140) (وأبو سَلمى/ 91) و(أحمد الصافي النجفي/ 122) وغيرهم كثير... أما حديثه عن مولد الرسول الكريم (ص 123) فهو استدعاء للمجد والفضائل، واستنهاض للأمة بسيرته العطرة، فضلاً عن كونها شكلاً من توبة الشاعر لما فرَّط بين جنبيه. وكذلك كان استدعاؤه للنبي يوسف (عليه السلام) وحكايته مع امرأة عزيز مصر صورة من التناص القرآني المثير؛ ولا يقل إثارة عنها ما تناوله في قصيدة (حب على سفينة نوح/ 104 ـ 105)...

ولعل ما يميز ديوانه كثرة الغزل الوجودي الذي يمزج الصورة الحسية بالصور المعنوية البديعة؛ في وصف رومانسي طريف... (انظر قسم الغزل في الديوان)

ومن ثم فإذا  كان شاعرنا معنياً بالقضايا المثيولوجية الاجتماعية فإنه كان معنياً أيضاً بوصف الأماكن والطبيعة، وهو وصف أكسبه بعداً إنسانياً مثيراً؛ كما نجده في قصيدته (الطبيعة الحالمة) ومنها: (ص 383)

إن الطبيعة تحت الليل قد تعبت

 

 

مما تعانَق فينان وفينان

ومن تَنهُّدِ وديانٍ قد اضطجعت

 

 

تحت الذُّرى، والذرى حثٌّ وإمعان

تحنو بشوق على الوديان تحضنها

 

 

حتى تندَّت بدَفْق النهر وديان

فصعَّدت شهقات راح ينقلها

 

 

حفيف دوحٍ على الأنسام خجلان

ولا يمكن للمرء أن ينسى الإطار الفكاهي الطريف الذي دبَّج به قصيدته (حديث سرير/ 43)، فهي تظهر براعته في الوصف الساخر الذي أجراه على لسان ذلك السرير، ومنه: (ص 43)

في ضلوعي أيها الإنسان (م) نم واحلم وثرثرْ

وتقلَّب مستعيداً قصة (م) اليوم المكرر

أنا عانقتك قبل الأمّ مذ أهللت تزفرْ

حينما كنا صغيرين ودنيا الحب أصغر

وكبرنا غير أني كنت من دنياك أكبر

هكذا كان ديوان الحريري صورة وافية لعصارة فكر؛ واتقاد مشاعر، عبَّر فيه عن تجربته التي عاش فيها فقيراً معوزاً... فقد حوى الديوان ـ الذي بلغ (386) صفحة ـ مساهمة شاعرنا الجادة في مجال الشعر الذي جعله رسالته الأولى، وقيثارته التي غَنَّى بها كل ما جال في خلده، وتحركت فيه مشاعره؛ إذ كانت روح الشاعر تسكن في كل قصيدة من قصائده ويمثلها بلغة شعرية تنبض بالهم الفردي والجماعي، على اعتبار أن كتابة الشاعر لشعره إنما تجسد مسار تجربة خاصة وعالية المستوى. وكان الشاعر حريصاً على بلاغة الإيصال والتوصيل دون إفراط أو تفريط ما يجعل الشعر رسالة ذات دلائل مثيرة وهو ما عرض له في قصيدة (الشاعر): (ص 50).

إن مات الزهرُ

لا يحييه إلا الشعرْ

إن جفَّ النبعْ

وأطل على النبع الشاعرْ

وروى بيتاً

لأعاد إلى الدفق الهادرْ

نبعاً ميتا

وسَرَت من شفتي شاعرْ

بعض عبارة

لا نشدَّ الوتر المقطوعْ

وأعاد النغم المسجوعْ

للقيثاره.

وفي ضوء ما تقدم من شعره التقليدي العمودي، أو من شعر التفعيلة ندرك أن العناصر الفنية البنائية لكل قصيدة تميزت بالسلاسة والوضوح؛ والدقة والعذوبة ليرتقي فيها إلى مقام الحكمة التي تؤكد ذاتها في الأفهام وهي تصل إلى معناها النهائي. وحين كان يلجأ إلى شعر التفعيلة كان حريصاً على توليد الصور وإرساء الانسجام فيما بينها... أما حين يلجأ إلى الشعر العمودي فلم يكن هذا منه حنيناً للقديم، ولكنه يعتمده باعتباره تجربة فنية إبداعية تأصلت في الذات الإبداعية التي استجابت له وللموضوع الذي يعالجه... ومن ثم فالمفردات تنتظم بعمل فني جمالي دقيق في تمثيل المواقف والحالات المتعددة؛ فاللغة هي واقع فني يعبر عن الذوات الإنسانية وغيرها؛ في الوقت الذي يؤدي وظائف انفعالية تحقق ملامح اللغة الشعرية كما انتهى إليه (رومان جاكبسون)([2]).

وهذا يعني أن المعنى الحقيقي يظل شاهداً، وبارزاً في الإطار الفني البنائي الجمالي الموازي للواقع الذي عاش فيه الشاعر محمد الحريري. وقد برزت ثقافته  المتنوعة والثرية في صميم الموضوعات والأغراض التي عرض لها؛ وفي إطار الانزياح اللغوي والنحوي والبلاغي والتصويري الذي يكثف التحول الدلالي في سياق تلك الموضوعات والأغراض.

ولا ينسينا هذا التصور ما اعتمده الشاعر من أسلوب السرد الحكائي الذي اعتمد عليه في بعض قصائده... ما حقق لدينا التدرج في المتعة واللذة والرغبة في متابعة النص حتى نهايته... وكان في ذلك كله يصر على توافق الإيقاع وانسجامه وتناسقه مع مخارج حروف الكلمة وبنيتها، ما قدّم لشعره جمالية متميزة على الرغم من غزارة المعاني التي طاف بها، وحقق لها الإبداع المثير.

ولهذا كله فنحن نقدم اختياراتنا من شعر محمد الحريري للقراء الأعزاء، لعله يفتح لهم باب الدراسة لقضايا كثيرة ألمّ بها.

وأن ليس للإنسان إلا ما سعى



(