|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
التطبيقات البنيوية العربية في ميزان النقد ـــ د.أحمد علي محمد المقدمة: لم تكن فكرة هذا المبحث ناجمة في الأصل عن رغبة تريد مجاوزة النسق النقدي المعاصر، أعني ذلك الجهد الذي نسميه تطبيقاً نقدياً شكلت نواته من مجموعة محاولاتٍ لتطبيق منهج نقدي مأخوذٍ من الثقافة الغربية، كالبنيوية بمدارسها وتقييداتها المنهجية الشكلية والتكوينية وسائر مسمياتها الأخرى، وإنما تتصل فكرته بإجراء مراجعة نقدية حمت الحاجة إليها بعدما تضخمت الادعاءات التي تصف نفسها بالرؤيوية أو بالسبق النقدي الحداثوي الذي لا يكتسب مشروعيته من النصوص التي هي مادته في الأصل، وإنما بلغ الزعم عند بعض البنيويين العرب أن اللغة التي عملوا ضمن أنساقها في مدارس نصوص الأدب ميدان كشوفاتهم، ومسرح إنجازاتهم الإبداعية، وبكلمة أخرى أضحى النقد إعادةً لإنتاج النص الأدبي، وفضيلته ترتد إلى ذاته ولا شيء سوى ذلك، وأما النص الأدبي فهو مادة أولية قابلة للتشكيل بيد الناقد على الدوام، ومن هنا بدا النقد البنيوي أو الحداثي يوسع الهوة ليس بينه وبين النصوص التي يعالجها فحسب، وإنما أسهم في خلق مشكلة مركبة بين الأدب والمتلقي من جهة، وبين النقد والمتلقي من جهة ثانية، ومن هنا بدا النقد يفتقد مصداقيته ومن ثم يفتقد حضوره في الذاكرة الثقافية المعاصرة، لا بل بدا يفقد دوره الحيوي، وما الدعوة إلى النقد الثقافي اليوم إلا محاولة لبث الروح في النقد الأدبي الذي أخذ يلفظ أنفاسه الأخيرة أو أنه قد بلغ سن اليأس على حد تعبير عبد الله الغذامي. ولعل أزمة النقد ظهرت مع المحاولات الأولى للتطبيقات البنيوية، التي جاءت في النصف الثاني من القرن العشرين، وقد لمعت أسماء كثيرة في هذا المجال أذكر منها كمال أبا ديب ويمنى العيد وفهد عكام والغذامي وغيرهم، والواقع أن هؤلاء النقاد كانوا ممن درس الآداب في الغرب، وقد أظهروا حماسةً بالغة لتطبيق النهج البنيوي على النصوص العربية ولا سيما الموروثة منها، ويتفق هؤلاء الباحثون أيضاً بأن زادهم من المعرفة بسياقات النصوص العربية ضئيل، فدراستهم في الجامعات الغربية لم توفر لهم سبل الإطلاع على تفصيلات النصوص العربية ومن ثم إدراك خصوصيتها، فكانوا جميعاً قد تعاملوا مع النصوص على أنها تركيب لغوي ليس غير، أخضعوه للأداة المنهجية دون أدنى مراعاة لطوابع الخصوصية التي يوسم بها كل نص، مستفيدين من تقييدات النهج البنيوي الذي يقطع الصلة بين النص وظروفه الموضوعية والفنية وحتى التاريخية، كما يقطع الصلة بين النص وقائله. وبالطبع هذه الإمكانية وسعت مساحة الحرية النقدية من الجهة التي تدعو إلى التوسع بالتطبيق المنهجي أي تطبيق إجراءات الأداة على حساب المعرفة الحقيقية بطبيعة النص. فالبنيوية أتاحت لكثير من الباحثين إمكانية التحرك في مساحات خالية من المعرفة التي تحيط بالنصوص تماماً، ودعت الكثيرين منهم إلى التحلل من أية معرفة بأحوال اللغة؛ لأن الجهد قد تركز على البنية أو الوحدة اللغوية الصغرى التي لا يمكن أن تظهر خصوصية النظم الذي تأسس عليه منطق الحكم النقدي بطريق العالم الفذ أعني عبد القاهر الجرجاني. وبالتدريج أخذت الدعوة إلى التحديث النقدي تستأثر باهتمام الجامعات، وقاعات الدرس، وصار المدرسون يمتحون من ذلك الزاد الذي سمي بالتطبيقات النقدية البنيوية، واستأنس الكثيرون منهم بتلك التجارب التي غدت صوىً لكل من يريد أن ينهل من الجانب النقدي التطبيقي، وهذا ما دفع د. فهد عكام رحمه الله لإعداد كتاب جامعي لطلاب السنة الثالثة في قسم اللغة العربية يدرس فيه جملةً من النصوص الشعرية الأندلسية دراسة بنيوية، وكان سبقه إلى ذلك الميدان كمال أبو ديب الذي طبق البنيوية على نصوص جاهلية وغير جاهلية، وكذا يمنى العيد التي عرضت في كتابها (في معرفة النص) نماذج من نصوص تراثية كرسالة عمر بن الخطاب إلى الأشعري إذ قدمت تحليلاً بنيوياً لها، ثم ظهر كتاب الغذامي المسمى بـ (الخطيئة والتكفير)، وفيه يعبر الباحث عن رغبته في التحول من البنيوية إلى التفكيكية وقد آثر أن ينقلب مع بارت ودريدا اللذين تحولا أيضاً من البنيوية إلى التفكيك ليكون النقد العربي الحداثي قد سار خطوة بخطوة مع النقد العالمي، ليدل على حيويته وانتمائه إلى عصره. ولسوف أتناول ما اسعفني الوقت تلك المحاولات الأربع مثيراً الأسئلة حول النتائج التي خلصت إليها، ومن ثم تبيان مدى استفادة المتلقي من الجهد النقدي المبذول في تحليل تلك النصوص. 1ـ كمال أبو ديب (جدلية الخفاء والتجلي): قد يكون كتاب كمال أبي ديب الموسوم بـ "جدلية الخفاء والتجلي" من أبرز المؤلفات النقدية التطبيقية التي رمت إلى استكناه جواهر النصوص الشعرية القديمة بالأداة البنيوية الجارحة والقائمة أصلاً على استفزاز القارئ، ووصم الجهود النقدية الحديثة التي تناولت التراث الشعري بالقصور، وليس ذلك فحسب بل اتهم الكتاب الفهم النقدي العربي بالعجز وبسوء التمثل للتقيدات البنيوية عامةً، مما دفع المؤلف، وهو يعد القارئ بدراسة تطبيقية مثالية في مقدمة الكتاب إلى القول: إن البنيوية ليست فكراً وإنما هي أداةٌ منهجية تمكن بما توافر لها من إمكانيات بحثية أن تجلو حقيقة النص وتوضح علاقاته المتشابكة بسائر الأنساق الثقافية والفكرية، أو أنها طريقة في الرؤية ومنهج في معاينة الوجود. وبوصف البنيوية كما قال تثويراً جذرياً للفكر وعلاقته بالعالم، فإن إمكانية الإفادة منها تجوز حدود البحث الأدبي لتستحيل حركةً من أبرز حركات الفكر الحديث التي مكنت من رؤية العالم رؤيةً مختلفة، ولا سيما مع وجود مفاهيم كان من شأنها تغيير النظر إلى الكون والإنسان والفن، ويعني بذلك مفهوم التزامن والثنائيات الضدية والإصرار على العلاقات بين العناصر أو العلامات لا على العناصر أو العلامات نفسها. وسعى كمال أبو ديب كما زعم إلى جعل البنيوية منهجاً فاعلاً يمكن من خلاله اكتناه جدلية الخفاء والتجلي في النصوص التراثية أو في الظواهر الشعرية والوجود معاً، وكان يطمح إلى أكثر من ذلك حين أشار إلى أن منهجه يريد: "تغيير الفكر العربي في معاينة الثقافة والإنسان والشعر، ونقله من فكر تطغى عليه الجزئية والسطحية والشخصانية إلى فكر يترعرع في مناخ الرؤية المعقدة المتقصية الموضوعية الشمولية الجذرية في آن واحد: أي إلى فكر بنيوي لا يقنع بإدراك الظواهر المعزولة بل يطمح إلى تحديد المكونات الأساسية للظواهر في الثقافة والمجتمع والشعر"(1). ومؤدى ذلك أنه يقدم مشروعاً نقدياً نهضوياً متسماً بالرؤية العميقة الكلية المعقدة في محاولة للخروج من الأزمة النقدية التي تعنى بمعاينة الظواهر بصورة مبتسرة مجزأة موضعية، وبمعنى آخر يريد تغير الفكر العربي الذي وجده قائماً على النظرة الفردية أو الشخصانية ليكون فكراً بنيوياً كما قال، والخديعة في هذا الزعم تتمثل بأمرين اثنين: الأول: أن الباحث في صدر مؤلفه ينفي نفياً قاطعاً أن تكون البنيوية فكراً، وإنما هي أداة ومنهج للوصول إلى المعرفة. والواقع أن البنيوية ليست فكراً، وإنما نجمت عن مناخات فكرية محددة، لا بل إنها نشأت في مخاض فكري غربي يحدد أبو ديب بدايته بالقرن العشرين، وما من شك أن دعوته إلى إعادة البنيوية إلى حيز الفكر يفضي إلى شيء واحد وهو محاولة خلق مناخ فكري يتمخض عنه منهج بنيوي بسياقاته وملابساته الفكرية والاجتماعية والأدبية الغربية، وبتعبير آخر يدعو إلى التخلي عن جدلية التاريخ العربي للدخول في جدلية المعاصرة أو بالنهج الغربي لإدراك ما ينجم عن النصوص العربية من خفايا وتجليات، وهذا يستلزم أن نفهم نصوصنا العربية بأسلوب غربي محض، لأن العقل العربي ضل عن فهم ذاته بوسائله الخاصة، ولا مناص له من استعارة الأسلوب الغربي ليفهم ما نجم عنه من آثار، وهذا مؤدى الدعوى إلى فكر بنيوي سابق لمنهج بنيوي يحدد مكونات الثقافة والأدب بطريقة شمولية كلية معقدة كما أشار المؤلف. والآخر: أن العقل العربي لم يحسن تمثل المنهج البنيوي مما دعا المؤلف إلى إعلان الثورة عليه لتصحيح مساره، لذا كان كتابه يحمل تصوراً ثورياً تأسيسياً، وفي الوقت ذاته عبر عن نيته في رفض منجزات العقل العربي؛ لأنه متخبط ترقيعي، وهو من ثم عاجز عن إدراك الجدلية التي تشد المكونات الأساسية للثقافة والمجتمع، والخلاصة التي انتهى إليها يمكن إيجازها بما يأتي: أــ دراسة هاجس النزوع إلى الإبداع، في محاولة لتأسيس نظرية جديدة لبنية الموضوع الشعري، ومن ثم خلق إجراءات جديدة لمعاينة الثقافة بنيوياً. بمعنى آخر يريد المؤلف تميز الوجود العربي من خلال توصيف رحلة الفن مبتدئاً بالنص الشعري ليخلص إلى الثقافة والفكر والمجتمع. ب ــ محاولة تطوير الإيقاع الشعري، وذلك بالخروج الكلي على قوانين التراث، ليكون ذلك الصنيع مجالاً لرؤية تمكن من دراسة الظواهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في الحياة العربية. ج ــ الغوص وراء البنى العميقة القائمة على علاقات أو ثنائيات ضدية متعددة تيسر معاينة التاريخ العربي في شرائحه المختلفة، ورصد تحولات تلك البنى لتأسيس رؤية على المستوى السياسي خاصة لتبيان زيف الشعارات المطروحة في مسيرة الفكر العربي الذي بين أبو ديب من خلال مدارسة نصوص الشعر عجزها؛ لأنها لم تستطع تحويل علاقات النفي السلبي إلى علاقات نفي إيجابي أو علاقات إغناء وتكامل وتناغم. د ــ إن الرؤية البنيوية عند أبي ديب وسيلة لفهم القصيدة ومن ثم فهم العالم، ووعي العلاقات التي تنشأ عن مكونات الثقافة هو في الواقع وعي لمكونات البنية الاقتصادية والنفسية والاجتماعية. إن المحاور الأساسية التي شكلت نواة الرؤية البنيوية في كتاب أبي ديب تنطلق من مقولة فحواها: إن المنتج الإبداعي العربي مهما كان مستواه الفني ما هو إلا ترسبات ماضوية، ومشكلات مركبة، ونوازع دفينة وعلاقات مزيفة، وبنى متخلفة، وتصورات قاصرة، تعبر في مجموعها عن رحلة تيهٍ قطعها العقل العربي عبر عصوره في غفلة عن حاسة النقد الفاعل. ومشروعه الحداثوي الذي بشر به في هذا الكتاب والمعتمد على التحليل البنيوي، بمقدوره أن يكشف العلاقات الخبيئة التي انطوت عليها القصيدة العربية، ومن ثم معاينة العوالق السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتخلفة التي تجسدت بصورة مقنعة في هيكلية القصيدة، في محاولة لإنهاء مرحلة التخلف والعزلة والتيه، لبلوغ حال الانصهار والذوبان المعرفي بزاد الغرب الأدبي والثقافي والفكري لتستعيد الأمة دورها الحيوي وتلحق بركب الحضارة الإنسانية. إن ما لمحه أبو ديب من خلال معاينته رحلة الشعر العربي في أطوارها المختلفة مجرد شعارات مضادة للتحديث وللحرية والديمقراطية، وللسلطة السياسية كما يزعم أثر بالغ في كل ذلك "لأن السلطة (على حد تعبيره) لم تطرح منهجاً ناضجاً قادراً على تحويل علاقات النفي السلبي بين أطراف الثنائيات إلى علاقات نفي إيجابي"(2). هذه خلاصة المهاد النظري الذي جعله أبو ديب بين يدي كتابه "جدلية الخفاء والتجلي"، والسؤال المهم الآن كيف توصل إلى جملة الأهداف التي رسمها في تطبيقاته؟ تناول أبو ديب عدداً من النصوص الشعرية القديمة والحديثة، مركزاً على الجانب السيكلوجي في الصورة عند شعراء مختلفين أمثال النابغة وامرئ القيس والشريف الرضي وأدونيس ولوركا وخوان أنتونيو وشكسبير، ثم انتقل إلى دراسة البنية وفضاء القصيدة عند تميم بن أبي بن مقبل وأبي محجن الثقفي وعمر بن أبي ربيعة وغيرهم، والمهم في دراسته هذه الفصل الذي سماه "نحو منهج بنيوي في تحليل الشعر ــ دراسات بنيوية في شعر أبي نواس وأبي تمام"، وأراني معنياً بالوقوف عند هذا الفصل لأبين قصور الأداة النقدية المستخدمة في تحليل النصوص التراثية، وضعف الحكم النقدي الذي خلص إليه من خلال استقراء قاصر أو معلومة غير صائبة لغوية أكانت أم بلاغية. يعرض أبو ديب في الفصل الخامس من كتابه أربعة نصوص شعرية ثلاثة لأبي نواس وواحد لأبي تمام، دون أن يذكر دواعي ذلك الاختيار، وقد اكتفى بالقول إنه كان قد التقطها من شعر النواسي وأبي تمام بطريقة عابرة على حد تعبيره لاكتناه إمكانيات المنهج ليس غير(3)، ومعنى ذلك أن الباحث منذ بدء تطبيقه يعترف صراحة أنه لا يرعى خصوصية النصوص لا من قريب ولا من بعيد، وإنما يصب كامل اهتمامه على إجراءات المنهج البنيوي. بمعنى آخر يريد تجريب أداته المنهجية على عينة عشوائية من النصوص ليبين مهاراته البحثية، لا أن يبين ما تنطوي عليه النصوص من ملامح جمالية وفنية ولغوية. فهو إذن يريد أن ينحاز إلى المنهج لا إلى النص، من أجل ذلك تحلل من إجراء أدنى مقاربة يمكن أن تخلق ألفة بين النص والمنهج، لهذا نز المنهج وتعسف وكان الخاسر في هذه المعادلة النص الأدبي بلغته وظواهره التي بدت هامشية أو عصية على التحديد، أو أن المسائل الجوهرية فيه ظلت خارج إطار التحليل، وليس ذلك فحسب بل إن الحماسة المفرطة لتطبيق المنهج جعلت الباحث في حل من معرفة الظواهر الفنية واللغوية التي تتكون منها البنى النصية المدروسة، وآية ذلك ما نراه في دراسته قصيدة النواسي التي يقول فيها:
يقول أبو ديب: "تهدف هذه الدراسة إلى تحقيق غرضين: الأول متابعة تطوير منهج بنيوي في تحليل الشعر، والثاني إضاءة ملامح من بنية القصيدة عند أبي نواس بتطبيق المنهج البنيوي..."(4). وهو في غرضيه لم يرم تقديم حل نهائي لقضايا ذات طبيعة تاريخية إشكالية مثل حقيقة موقف أبي نواس من التراث الشعري باستعداء الطلل والتراث الأخلاقي والديني، وإنما أراد تقديم رؤية لمعاينة ذلك الموقف. ويحسب القارئ من خلال هذا التوصيف أن الباحث وإن كان لا يريد الخوض في غمار ما قيل عن موقف النواسي من الطلل؛ لأنه في واقع الأمر مستهين بكل ما هو معروف في هذا الصدد، إلا أنه سيقدم رؤية ما تسهم في فهم النص الذي أنتجه النواسي في حدود وعيه قضايا التجديد الشعري، ومن ثم إرساء منهج بنيوي يسعف على فهم النص وفهم الذات والثقافة والمجتمع وغير ذلك ما أفاض في شرحه في فاتحة كتابه. والغريب أن الباحث في تحليله لم يجز الإجراءات النقدية الكلاسيكية التي حفل بها النقد القديم، لا بل نراه يعول على مصطلحات القدماء دون فهمها على الوجه الصحيح، أو العودة إلى المصادر النقدية للتعرف على دلالاتها، مكتفياً باستعمال بعض المصطلحات البلاغية أو النقدية، ومن ثم زجها في سياقات مبهمة تنم عن اضطراب في التصور النقدي الصحيح، ومن ذلك وقوفه عند مصطلح التصريع الذي برز في مطلع النص الآنف حيث يقول: "يلاحظ أيضاً أن الحركتين منفصلتان انفصالاً يميزه مؤشر لغوي واضح، أو بالأحرى مؤشر تقني واضح وهو التصريع"(5). وفي معرض كلامه على التصريع يقف عند بيتين في النص: الأول مطلع القصيدة ليرى فيه تصريعاً عادياً، أي أنه رسم متبع تعاوره الشعراء في مختلف أزمنتهم، فلم يكن عنده علامة فارقة للنص المدروس. والآخر التصريع الذي سماه فريداً يعني التصريع الوارد في البيت السابع من القصيدة وهو قول أبي نواس:
ليقول: إن التصريع هنا: "ظاهرة نادرة في الشعر العربي"(6)، يريد أن تكرار التصريع في أثناء القصيدة أمر فريد في الشعر العربي، من أجل ذلك عده ظاهرة خاصة بهذا النص دون غيره ليبني على أساس ذلك التضاد اللغوي في النص مثل أن يبدأ بالتصريع ثم يجانبه وبعد ذلك يعود إليه ثم يتركه، ونحن نقبل هذا الاستنتاج إذا كانت صورة التصريع فريدة بالفعل، إلا أن الواقع يخالف ما انتهى إليه الباحث، لأن الشعراء كثيراً ما يعمدون إلى التصريع في أثناء القصيدة يقول ابن رشيق: "وسبب التصريع مبادرة الشاعر إلى القافية ليعلم في أول وهلة أنه أخذ في كلام موزون غير منثور، ولذلك وقع في أول الشعر، وربما صرع الشاعر في غير الابتداء، وذلك إذا خرج من قصة إلى قصة أو من وصف شيء إلى وصف شيء آخر، فيأتي حينئذ بالتصريع إخباراً بذلك وتنبيهاً عليه، وقد كثر استعمالهم هذا حتى صرعوا في غير موضع، وهو دليل على قوة الطبع وكثرة المادة إلا أنه إذا كثر في القصيدة دل على التكلف إلا من المتقدمين. قال امرؤ القيس:
فوالى بين ثلاثة أبيات مصرعة في القصيدة، وقال عنترة:
ونقف عند عبارة ابن رشيق وقد كثر استعمالهم هذا حتى صرعوا في غير موضع "بغية مقابلتها بقول أبي ديب: إن التصريع في البيت السابع من قصيدة النواسي ظاهرة فريدة في الشعر العربي، لندل على ضعف وسيلة الباحث في الاستقصاء، ومن ثم بطلان الحكم النقدي الذي أقامه على أساس تفرد النواسي في هذا الباب. وثمة شاهد آخر يدل على عسف الحكم النقدي عند أبي ديب، كما يدل على عدم معرفته بسياقات اللغة، وتخبطه في فهم المعاني الشعرية التي انطوت عليه النصوص التراثية وبخاصة النص الذي قام بمعالجته أعني قصيدة النواسي الآنفة، حيث يقول في معرض كلامه على الثنائيات الضدية في مطلع القصيدة: "انطلاقاً من التحليل البنيوي المقدم هنا يمكن أن نفسر ظاهرة تبدو عليها شيء من البراءة في القصيدة خارج التحليل البنيوي وهي استخدام العبارة "يا بنة الشيخ". لماذا اختار الشاعر ابنة شيخ ليطلب منها أن تسقيه الخمرة؟ مهما كانت الظروف التاريخية التي كتبت فيها القصيدة فإنها تفقد العبارة دلالتها في بنية القصيدة الكلية. يلاحظ بدءاً أن ابنة الشيخ تقع في الحيز الذي يربط الخمرة بالآخر، فهي الساقية وهي ابنة التراث الأخلاقي. فهي تحمل توتراً حاداً لانتسابها إلى هذين العالمين النقيضين وهي لا تشكل توسطاً بين الأنا والآخر بل انتهاكاً من جانب الأنا لقيم الآخر، فابنة الشيخ تشع بعنصر مفارقة حادة وبموقف يصل في رفضه القيم إلى مصدر انتهاك القيم ذاتها. أي أنه يريد أن يحيل المواجهة الخارجية بينه وبين القيم إلى خلخلة داخلية ضمن بنية القيم ذاتها وإلى نفي الذات. وتحدث القصيدة ذلك عن طريق تحقيق انفصام بين الشيخ مجسد التراث الأخلاقي والديني والشعري وبين ذات من صلبه (ابنته) وهكذا تكثف دلالة الرفض في القصيدة في أول عبارة منها"(8). ومن الغريب أن يربط الباحث بين (ابنة الشيخ) ومجموعة القيم الأخلاقية والدينية على هذا النحو، ليخلص إلى تحميل النص كل هذه الدلالات الرافضة للقيم والأخلاق والدين، والواقع أن الذي دعاه إلى ذلك لفظ (شيخ) الذي فهم منه ما يدل على الفضيلة والخلق والدين، والحقيقة أن كلمة شيخ في اللغة بريئة من كل هذه الدلالات ففي المعجم: الشيخ من أدرك الشيخوخة، وهي غالباً حين يبلغ الرجل الخمسين فيكون فوق الكهل ودون الهرم، والشيخ من كانت له مكانة من علم أو رئاسة. وواضح أن الكلمة لا علاقة لها بالدين أو الخلق بمقدار تعلقها بأعمار الناس، وعليه نتساءل ما معنى كل ما انتهى إليه الباحث في ضوء ملاحظة لغوية غير صحيحة؟ ومثل ذلك الاضطراب والعسف نجده في تحليله النص الثاني لأبي نواس حيث يقول:
إذ وقف عند قوله (بالطلول) ليخذله منهجه البنيوي في التقاط دلالة الباء، فيقول: "تتألف جملة الطلول (ب1) من فعل أمر بصيغة الجمع يصدر عن الشاعر المتكلم الجمع موجهاً إلى ذات فردية يطلب منها الغناء. ثم من حرف جر (الباء) يصعب تحديد دلالاته بدقة. ذلك أن الباء هامشية في دورها وتشير إلى حيز ضيق في معظم استعمالاتها..."(9). لا نستطيع أن ندرك المعنى الذي قصد إليه الباحث إذ إنه يصعب تحديد دلالة الباء في قول النواسي (بالطلول)، ثم إننا لا نفهم على وجه اليقين المراد بقوله إنها هامشية، فهل يعنى ذلك أن الحداثة النقدية المتمثلة بالبنيوية هنا ترفض كل معرفة موضوعية سابقة، لمجرد ارتباطها بالتراث؟ ما من أحد يصدق أن أبا ديب على علو كعبه في النقد قد أعجزه الرجوع إلى المؤلفات الكثيرة التي شرحت معاني الأدوات كالجنى الداني للمرادي أو حتى مغني اللبيب لابن هشام الذي يدرسه الطلاب في السنوات الجامعية الأولى. هل هنالك من يجهل دلالة الباء هنا، ولا سيما أن نظائرها في القرآن الكريم جلية واضحة كقوله تعالى "ولقد نصركم الله ببدر" أعني اختصاصها بالدلالة على المكان هنا؟ إذن كيف يستقيم التحليل البنيوي التنويري الحداثوي برؤيوية مع أخطاء التصور الصحيح لأوضاع اللغة لا بل بديهياتها، أليس التحليل البنيوي يستهدف ترسيخ معرفة نصية ومعرفة البنى بمستوياتها اللغوية والفكرية والمعرفية، أقول ما قيمة التحليل إذا كان قد ارتكز على فهم مغلوط لأبسط قواعد اللغة؟ قد يكون من سوء طالع التراث وربما من سوء طالع شاعر عظيم كأبي نواس أن يكون مهوى لأفئدة النقاد البنيويين، لأن تجريب الأداة البنيوية على نتاجه الشعري لم يأت بنتائج مفيدة على الإطلاق، فدراسة شعره تستلزم معرفة لغوية عميقة، كما تستلزم معرفة بأحوال المعاني الشعرية، وتقليب النظر في الظواهر الفنية التي عبر عنها، لسبب وجيه أن الشاعر كان من أصحاب المعاني، وقد شهد له المتقدمون بالتفوق والبروز فقال ابن قتيبة: "كأن المعاني حبست عليه فأخذ منها حاجته، وفض الباقي على الناس"(10). ومرة أخرى يطالعنا المؤلف بكلام مغلوط يتناول فيه هذه المرة فلسفة اللغة، فهل دلالة الفعل الماضي في اللغة العربية نهائية يقول: "وحين تتنامى صورة الخمرة في (شعر أبي نواس) لتتحول القصيدة من صيغة الفعل الماضي ذي الدلالة النهائية في حديثه كيف بلينا إلى صيغة الزمن الحاضر..."(11). والمقصود بعبارته "الدلالة النهائية" للفعل (بلينا) انتهاء الحدث على اعتبار الماضي قد انتهى حدوثه مع انقضاء الزمن الذي جرى فيه الفعل، وهذا غير صحيح على الإطلاق، فلو قلنا: كان الرجل عالماً، فهل يعني أن علم الرجل قد انتهى مع حدوث الفعل أي في الزمن الماضي؟ الزمن الماضي في بعض أحواله يفيض في دلالته عن حال الانتهاء، ليعبر عما مضى وعما هو حاضر وعما سيكون، وهنا تكمن عبقرية اللغة العربية التي لا يعرفها إلا من تمرس في العلم وأمعن في التفكير. أما مجالات الرؤية الناجمة عن تطبيقات أبي ديب فتنم عن جهد واضح عمد فيه إلى لي أعناق النصوص لتناسب المقولة الفكرية الجاهزة التي جعلها منطلقاً لعمله، ليقول على لسانه ما لم يقله، أو أنه انحراف به إلى ما هو محظور لغرض الإثارة، بذريعة ربط بنية النص اللغوي بالبنية الكونية الشاملة، ومن ثم الكلام على نسق معرفي تراثي إسلامي توهم أن النص يمتح منه ليبين خلاصة نظره إلى قصيدة أفحش في تحميلها ما لا تطيق وهي قول النواسي:
والفكرة المركزية التي لفتت نظر الباحث في هذه الأبيات قول النواسي في البيت الثاني "يتمنى مخير أن يكونا"، وقد استحالت تلك الفكرة في ضوء معنى البيت الأخير "في كؤوس كأنهن نجوم" كوناً سماوياً" وهو الكون النقيض لعالم التراث الثقافي والأخلاقي والديني "واستشف من ذلك حقيقةً وجدها مهمةً حيث يقول: "ومن هذه الحقيقة بالضبط تنبع ثورية الرؤيا المتكاملة التي تشكل صورة الكون الخمري الذي يخلقه (مخير)... وضمن هذا التصور شغلت مشكلة الجبر والقدر ومشكلة تشبيه الله ونفي التشبيه عنده مكانة مركزية، وجلي أن تقنية أبي نواس تقوم هنا على نقل التصورات الدينية الأساسية من سياقها الديني المقدس إلى سياق آخر وهو التصور الخمري للكون..."(12) ومثل هذه النتيجة لا تحتاج إلى مناقشة لضعفها، فبناء نتيجة بهذه الضخامة على كلمة (مخير) التي استدعت عند أبي ديب كامل التصورات الدينية والمذهبية تقدير خاطئ، لسبب بسيط هو أن عموم الإشارات الواردة في النص، لا تؤيد هذه الدلالة، وعليه فقد حمل الباحث النص مالاً يحتمل، وهذا صنيعٌ غير مسوغ؛ لأن المعنى السياقي لا ينطوي على أدنى إشارة إلى ما ذهب إليه، ومحاولة الباحث لي أعناق النصوص لتأكيد معرفة خارجة عنها لا يسوغها المنهج البنيوي كما لا تسوغها الموضوعية على أية حال. 2ـ يمنى العيد (في معرفة النص): كانت محاولة يمنى العيد في كتابها "في معرفة النص" تشكل حيزاً يتكامل مع محاولة أبي ديب في كتابه (جدلية الخفاء والتجلي)، ومع أن الباحثة أخفت مراجعها عن القارئ حين جعلت في ذيل كتابها مسرداً للأعلام العرب والأجانب، مما زين لها تجاوز نكتة التأليف العلمي الذي يفترض إثبات مسرد للكتب التي عاد إليها الباحث في مؤلفه، من أجل ذلك لا نملك معرفةً يقينية حول ما إذا كانت يمنى العيد قد اطلعت بالفعل على كتاب أبي ديب الذي ظهرت الطبعة الأولى منه سنة 1979 ببيروت، في حين رأى كتابها النور مطبوعاً سنة 1983م ببيروت أيضاً. وما يشي أن الكتابين يمثلان حلقتين في سلسلة واحدة كما سنرى بعد حين، أن الباحثة العيد اتبعت النهج نفسه الذي انتهجه أبو ديب مع اختلاف في التوصيف النظري، واتفاق تام في الزعم والادعاء حول الريادة وامتلاك الرؤية والحماسة الواضحة لتطبيق البنيوية على النصوص العربية دون أدنى اعتبار لخصوصية تلك النصوص، كما برزت على أنها صاحبة منهج مستقل في ممارسته وتجاربه، مع الاعتراف بتبعيته إلى علماء اللغة الغربيين أمثال دوسوسير. إن الممارسة النقدية عند يمنى العيد تصب في النتيجة نفسها التي أرادها أبو ديب في تطبيقاته عامة، لأنها ضرب من النشاط الذي يجوز محدودية نصوص الأدب إلى مضمار الثقافة والمجتمع والفكر، وقد أشارت إلى ذلك صراحةً بقولها: "ممارسة النقد الأدبي نشاط فكري يشتغل على الأدب كموضوع له، النشاط الفكري، أي نشاط فكري، لا يبدأ من صفر. لا بدايات، بالمعنى المطلق، في التاريخ الحضاري للإنسان. ومن ثم فالنشاط الفكري هو سلسلة في حقل نشاطه بخاصة، وفي حقل النشاط الثقافي والاجتماعي بعامة..."(13). وهي بذلك تشي أن ممارسة النقد الأدبي على الوجه البنيوي ما هي إلا محاولة لإنتاج موضوع نقدي حين يعز على النقد أن ينتج موضوعه، وبغض النظر عن الأسلوب اللغوي المفكك في كتابها عامة، إلا أن مقدمتها التي بلغت ست عشرة صفحة لا يفهم منها سوى أنها تريد أن تبتكر لغةً نقدية سمتها ممارسة، وتبتكر موضوعاً للنقد ضمن شروط الثقافة والفكر، ومن ثم تريد إعادة إنتاج المفاهيم لتؤسس حقلاً للدراسة البنيوية يردف جهود نقاد آخرين، وهذا ما أشارت إليه في نهاية مقدمتها: "وليكن لي من محاولتي هذه قناعتي بأنها محاولة نأمل أن تردف ما قدمه نقاد آخرون في ميدان نقدنا الحديث"(14). تكلمت يمنى العيد في القسم النظري من كتابها على التحول من الواقعية إلى البنيوية في النقد العالمي، ومن ثم عبرت عن فهمها للتقيدات البنيوية التي كشفت من خلال ممارستها النقدية في القسم الآخر من الكتاب، أنها تريد تجريب أدواتها على النصوص الحديثة والتراثية، وقد ألحت على غرار أبي ديب على علاقات بنيوية معينة أجملتها في عدة مفاهيم مثل مفهوم النسق ومفهوم التزامن ومفهوم التعاقب ومفهوم الطابع اللاواعي للظواهر. والمهم في كلامها النظري ما كان قد اتصل بالمنهج البنيوي في مقاربة موضوعه، وقد قام ذلك المنهج لديها على منطلقين اثنين: الأول: تحديد البنية أو النظر إلى موضوع البحث على أنه بنية، والآخر: تحليل البنية وكشف عناصرها الرموز والصور والموسيقى في نسيج العلاقات اللغوية أي في أنساقها، لكشف ملابسات بنيتها من الداخل والخارج. وأما الهدف الذي يرمي إليه تحليلها فقد أجملته في قولها: "نعيش في بلداننا العربية ظرفاً تاريخياً صعباً. ظرفاً تسقط فيه باستمرار ملامح جمالٍ، لا يمكننا أن نرى في النقد البنيوي المقتصر على التحليل مساراً لنقدنا. قد يكون لهذا النقد التحليلي البنيوي حضور. هذا أمر لا يستطيع أحد منعه، غير أن وجود مثل هذا النقد أو عدم وجوده لا يعفينا أو لا يعفي النقد، وخاصة ما كان منه يمارس المنهج البنيوي، من بلورة مسار قادر على إقامة العلاقة بين داخل النص وخارجه، أو قادر على النظر إلى هذا الخارج إلى هذا الكل داخل النص ذاته"(15). إن فحوى ما تريد قوله الباحثة هنا أن الظروف الصعبة التي نعيشها تستوجب تطبيق المنهج البنيوي على النصوص العربية لاستعادة جمال مهدور من نصوص أدبنا وحياتنا، ومن شأن البنيوية أن تجعل ظروفنا الصعبة أكثر جمالاً، وهذا تصور غريب لأن صعوبة الظرف التاريخي لا تتغير باستعادة جمال النصوص، هذا إن كانت الصعوبة التي أشارت إليها الباحثة لا تتصل إلا بالمقدار المهدور من جمال نصوص الأدب، غير أن إلحاحها على تأكيد علاقة الخارج بالداخل في تحليل النصوص ترمي فيما يبدو إلى أبعد من تحقيق غايات جمالية، وإن كان كلامها المثبت لا يبوح بمثل هذه الغاية صراحة، لأن الجدل بين ما هو خارج وما هو داخل يطول الأنساق الثقافية والفكرية التي ينتج النص في ضوئها. والسؤال المهم هنا: هل البنيوية قادرة على خلق اعتياد لغوي وأدبي يمكن من إنهاء حال التخلف الاجتماعي والفكري العربي في العصر الحديث، هذا ما لم تقله الباحثة صراحة، ربما كانت اللغة عصية عليها في هذا الموضع، من أجل ذلك عادت إلى القول مرة ثانية: "نحن في بلداننا العربية أكثر ما نكون حاجة إلى مثل هذا النقد الذي لا يهمل النص كنص أدبي، ولا يهمله في جسده الذي هو اللغة والذي في ما هو يشتغل على هذا الجسد ويصل إلى الأحشاء فيه، فيكشف غناه ويلامس أسراره، ويراه في الوقت نفسه، في المجال الذي ينهض فيه على الجهر بجمال جسد ويشرع لنا نوافذ نطل منها على زمن نسعى ويسعى التاريخ إليه"(16). لقد وثقت الباحثة بالبنيوية أكثر مما ينبغي، فصورت الحاجة إلى النقد البنيوي في المجتمع العربي كحاجته إلى الماء والطعام، والمغالطة في هذا الزعم تتمثل في إخراج البنيوية من سياقها المنهجي التحليلي إلى سياق الحياة بكل صعوباتها ومشاكلها، والذي سوغ للباحثة كل ذلك أنها فهمت من الجدلية بين خارج النص وداخله أنها العلاقة ذاتها بين تفسير النص وحركة الحياة، وعدت صور الفن شريحة تبدو من خلالها كل معوقات التطور الاجتماعي والاقتصادي والفكري، وهذا خطأ جسيم أسهم في تفريغ الممارسة البنيوية من محتواها ومن ثم تجاوزها لأنها تخلت عن دورها الحيوي في تقديم توصيف للظاهرة الأدبية ودراستها للفهم قبل الانشغال بمعاينة الأوضاع الاجتماعية والفكرية. إن الملابسات التاريخية والاجتماعية المحيطة بالنص الأدبي هي في الأصل خارج التحديد البنيوي، الذي ينطلق أساساً من البنى اللغوية للنصوص، ثم يربط ما شاء له أن يربط بين البنى النصية اللغوية وعوالقها الاجتماعية والتاريخية وغيرها، لأن تلك العوالق تبقى خارج البنية النصية وإن فرضت نظامها على نظام النص، وهذا هو المقصود من جدلية الداخل والخارج في موضوع الدراسات البنيوية، وقد قلبت الباحثة المسألة فيما يبدو لنا لتعاين من خلال البنى النصية الأوضاع الاجتماعية المحيطة بالنص لغرض الإثارة، فبدت في معالجتها لا تهتم إلا بتشخيص تلك الأوضاع، أو الهروب عن النص لإقناع القارئ أن معوقات التطوير في البنى الاجتماعية والفكرية تحول دون التقيد بحدود البنى اللغوية ومن ثم تجاوزت ما تنطوي عليه النصوص من ظواهر فنية خلاقة يمكن أن تثري إحساس القارئ بالجمال والمتعة والفائدة. إن الوظيفة الاجتماعية ليست وظيفة نوعية للأدب على أية حال، والتغيير الاجتماعي ليس الهدف الأسمى للفن، لأن له وظيفةً جمالية خلاقة تعمق وعي القارئ بالمشكلات التي يواجهها، والباحثة فيما يبدو لنا حين تكلمت على صلة الواقعية بالبنيوية كانت تجوز التوصيف التاريخي للمسألة، لهذا عدت الفن وسيلة تحريض وتغيير، ومن ثم ركزت على وظيفته الاجتماعية، فظلت إشاراتها إلى الوظيفة الجمالية خارج حدود الاهتمام، من أجل ذلك كانت نتائجها في الممارسة التطبيقية ضئيلة قياساً بالأهداف الكبيرة التي رسمتها في كلامها النظري، فظهرت في القراءة التي قدمتها لرسالة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عاجزة عن الإحاطة بجمالها من الناحيتين اللغوية والفنية. إن العنوان الذي صنعته الباحثة لتقدم من خلاله تحليلاً بنيوياً لرسالة عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري "مستويات البنية والوظيفة الدلالية" أسهم بانكفاء البنى النصية على ذاتها وانغلاقها، ومن ثم تشريد دلالاتها، أكثر من انفتاحها على القارئ، ونحن عملياً حين نقرأ النص بمادته الأدبية الأولية كما عبر عنه المنشئ نشعر بالمتعة وندرك موضع الموعظة فيه، في حين نشعر بالضياع والاغتراب حين نقرأه من خلال تجزئة البني التي يتكون منها، لأن الباحثة لم ترم من خلال تجزئة النص إلى وحدات إلى تبيان العلاقات الموضوعية بينها، معتمدة على معرفة بأحوال اللغة، أو أنها توضح العلاقات بين أجزاء النص من خلال القرائن الدالة، بل مزقت النص وحددت مجالاته الدلالية طبقاً للتقييدات المنهجية البنيوية، وهذا ما جعل البنى غير مترابطة منطقياً وهي تريد الكلام على روابط بنائية موضوعية. إن رسالة عمر بن الخطاب بصورتها المعزولة عن تحليل يمنى العيد تبدو للقارئ أيسر فهماً، من تلك الصورة المشوهة التي أظهرها تحليل الباحثة، ولاستعادة ما هدر منها نذكرها، ثم نذكر بعض ملاحظات الناقدة لنبين المفارقة أو ربما العسف الذي لحق بالنص من خلال القراءة البنيوية. يقول عمر رضي الله عنه في رسالته: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعدُ فإنّ القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة، فافهم إن أدلي إليك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، آس بين الناس في مجلسك ووجهك حتى لا يطمع شريف في حيفك أو يخاف ضعيف من جورك، البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرّم حلالاً أو أحل حراماً، ولا يمنعك قضاء قضيته بالأمس فراجعت فيه نفسك وهديت فيه لرشدك أن ترجع عنه، فإنّ مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل، الفهم الفم عندما يتلجلج في صدرك مما لم يبلغك في كتاب الله ولا في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، اعرف الأمثال والأشباه، وقس الأمور عند ذلك بنظائرها، ثم اعتمد أحبها إلى الله وأشبهها بالحق في ما ترى". والسؤال المهم الذي يواجه الناقد هنا: ما المشكلة التي تحتاج إلى حل في هذا النص، وما القيمة الفنية أو اللغوية أو الفكرة التي تحتاج إلى بيان؟ هل التحليل غاية في نفسه أم له غاية يسعى إلى تحقيقها؟ ما مجريات التحليل أو ما هي الغاية من تفكيك النص إلى وحدات أو عبارات أو مفردات أو محاور؟ هل يستهدف تحليل البنى النصية كشف العلاقات الضمنية بين وحدات النص بغية فهمه وإدراك العلاقات الداخلية، ومن ثم ربطها بما هو خارج ليكون كما قالت الباحثة ممارسة نقدية منتجة؟ وأخيراً ماذا فعلت الناقدة من خلال تجزئة النص إلى قولين كبيرين وقسمت كل قول إلى خمس وحدات أو عبارات لغوية؟ لقد زعمت الباحثة أن الرسالة من الجهة الخارجية تمثل قولاً واحداً، غير أن إمعان النظر يدل على أنها تتكون من نسقين من الأقوال: القول الأول: يتكون من خمس وحدات تركيبية هي: 1ــ فإن القضاء فريضة محكمة... 2ــ فإنه لا ينفع تكلم بغير حق. 3ــ البينة على من ادعى واليمين على من أنكر. 4ــ الصلح جائز بين المسلمين... 5ــ فإن مراجعة الحق.. والقول الثاني يتألف من خمس وحدات أيضاً هي: 1ــ فافهم إن أدلي إليك. 2ــ آس بين الناس... 3ــ ولا يمنعك قضاء... 4ــ الفهم الفهم... 5ــ اعرف الأمثال... ثم تحدثت عن خصائص هذه الوحدات، وكان الواجب أن تتحدث عن العلاقات اللغوية، والبنى الفكرية، والمحاور التي يقوم عليها النص، لتكشف ما هو مستور ويحتاج إلى بيان وتحليل، وأما وقوفها عند الصيغ اللغوية من جهة التعريف والتنكير والإضافة فكانت بلا هدف يمكن أن يفضي إلى معرفة بالبنى النصية التي حددتها، وكذا الرسوم بلا مسوغ لأنها لم تضف للقارئ معرفة تذكر بما ينطوي عليه النص من ظواهر قوة على صعيد اللغة وعلى صعيد الأفكار. إن القارئ لا يدرك معنى إضافياً في صنيع الباحثة يفيض عن قراءة النص مجرداً من التحليل، لأن الجهد النقدي المبذول لا يتجاوز تقسيم النص إلى عبارات، ومن ثم تحويل بعض دلالاته إلى رسوم وأشكال عاجزة عن إضاءة مغزاه، والعمل برمته لا يستند إلى معرفة لغوية صحيحة، ولا إلى فهم صحيح لبنية التركيب العربي بصورة الفنية، فهي مثلاً لم توضح أية ظاهرة أسلوبية في النص يمكن أن تزيد رصيد القارئ لمعرفة النص، فظلت الظواهر التي تحتاج إلى توضيح خارج إطار التحليل كظاهرة التكرار والالتفات والتضاد وغيرها مما يشكل محاور أساسية في التحليل اللغوي البنيوي، وقد اقتصرت على الجوانب الدلالية التي يصعب تحديدها، وأما النتيجة التي خلصت إليها فلا تحوج إلى طول نظر؛ لأن القراءة السريعة للنص يمكن أن ينجم عنها فهم أعمق بكثير مما فهمت منه القراءة البنيوية أو الممارسة النقدية التي قامت بها الباحثة وفحواها: "يضيء هذا النص روحية عمر بن الخطاب رضي الله عنه وفكره. يضيء تفكيره خليفة يحكم بالكتاب والسنة، ويجتهد ليرعى أمور المسلمين، ويسير بهم إلى الأمام"(16). إن القارئ العادي يعرف عن عمر رضي الله أكثر بكثير من هذه المعلومة التي قدمتها الباحثة من خلال تحليلها البنيوي، وعليه ما هي الخاصة التي تميز النص؟ وما المعلومة التي يختزنها؟ هل النص يحيل على روحانية عمر رضي الله عنه فعلاً؟ وهل من أهداف البنيوية تحويل النص إلى علامة لمعرفة روحانية المنشئ؟ نحن نعرف أن البنيوية تقطع الصلة بين النص وصاحبه، بمعنى أنها تدرسه على أنه بنية مستقلة عن منشئه، فما معنى أن يكون وسيلة لمعرفة روحانية القائل، ألم يعلن رولان بارت موت المؤلف، بمعنى أنه قطع الصلة بين النص ومؤلفه، فكيف تحولت البنيوية العربية بطريق التطبيق إلى وثيقة تصور روحانية أصحاب النصوص؟ 3. عبد الله الغذامي (الخطيئة والتكفير ــ من البنيوية إلى التشريحية ــ قراءة نقدية لنموذج إنساني معاصر ــ مقدمة نظرية ودراسة تطبيقية): لم يكن عبد الله الغذامي في هذا الكتاب الذي اشتهر به، ولا في كتبه الأخرى، ناقداً اعتيادياً لا في العنوانات ولا في الطرح النقدي، إذ هو في عنوانات كتبه كلها مختلف يتوخى الاستعراض والإدهاش والصدمة، ففي كتابه الآنف يحمل عنوان كتابه من العبارات المتلاحقة ما يصل به إلى حد الإشباع أو الانتفاخ، فأوجد في عنوان واحد خطيئةً وتكفيراً وبنيوية وتشريحية ونموذجاً تطبيقياً ومقدمة نظرية، إنه يريد باختصار تقديم مشروع نقدي متكامل لا ينقصه شيء، وهذا الفيض لا ينم كما يبدو لقارئ الكتاب إلا عن نهم معرفي ومسؤولية تفضي إلى معالجة الخلل الفكري الناجم عن قصور العقل العربي الذي لم يعد قادراً على الإنتاج، فقام عبد الله الغذامي بما يمتلك من أدوات منهجية وركام معرفي يشي بالشمول والتنوع ليسد الخلل الناجم عن الممارسات النقدية العربية القاصرة، لذا فقد برز في مؤلفه منظراً وتطبيقياً يعرض نموذجاً يدافع عنه ويراهن على صحته في كل كلمة يقولها، وهذه طريقة لم يألفها القارئ لا بل لم يألفها النقد على مختلف فواصل تاريخه. وإذا ما انتهى بنا الأمر إلى الكتاب ندرك أن الغذامى مجتهد لديه عقل منظم، يعرف خطوات المنهج، ويعرف من أين يبدأ وإلى أين ينتهي، وكيف يختار رؤوس القضايا، وهو خبير باستفزاز القارئ وصدمه بمقولات غير مألوفة، ويمتلك أسلوباً مؤثراً وخطاباً هو أميل إلى الفصاحة، ويشي بأنه مطلع على النقدين العربي والأوروبي على حد سواء، صاحب رؤية ومنهج ومصطلح، وما من ناقد توافرت له كل هذه الوسائل إلا برز وحلق، غير أن الغذامي الناقد المنظر أبرع منه الناقد التطبيقي، والسبب في ذلك دفاعه البالغ فيه عن نموذجه المختار يقول: "إن ما أفعله في تفسيري لأدب شحاته على أساس نموذج الخطيئة والتكفير إن هو إلا عمل نقدي صحيح كل الصحة وأكبر براهيني وأوثقها كون النموذج نابعاً من أعماق النصوص ومن قلبها، وكل ما كتبه شحاته لا يعدو أن يكون إشارة إلى النموذج، وكل أملي هو أن يلمس القارئ هذا ويراه مثلما رأيته"(18). ومقولة الغذامي هذه فيها تحفيز وتنشيط لعقل القارئ أيسرها أن عليه أن يبذل جهداً مضاعفاً حتى يرى ما رآه الغذامي في النموذج لتكتمل له أسباب المعرفة لا بل أسباب السعادة أقصد سعادة وعي النموذج نفسه، كما فيها استفزاز أيضاً من الجهة التي تشير إلى الصحة كلها وإلى البراهين المؤكدة الموثقة، فهذا الكلام ليس له أدنى وزن في لغة النقد؛ لأن النقد لا بل الظاهرة الأدبية عامة لا يناسبها الزعم ولا تنتفع بالحماسة المفرطة في التأكيد لأن النتيجة النقدية خلافية ومتباينة ومترجحة بين الصحة والخطأ، وكذا الظاهرة الأدبية لا يمكن أن تحكم بالقطع وإنما تحتمل الخلاف وتباين وجهات النظر، فما معنى الصحة المطلقة في هذا الموضوع إذن. الغذامي مع اجتهاده البالغ يراهن على صحة أقواله، ويلتمس لها البراهين والأدلة قبل أن يتكلم كلمة واحدة في الفصل التطبيقي الذي عقده لتحليل أدب حمزة شحاته، وهذه ثقة زائدة لا يتوقعها القارئ، لأن الأصل في التحليل أن يعرض المرء ما يعرضه ثم ينتظر من يوافقه أو يخالفه أو يتم عمله وهذا ما تقتضيه موضوعية البحث. أما التأكيد والبرهان والزعم فهذا ما لم يسوغ لناقد مبتدئ فكيف استقام لناقد خبير كالغذامي؟ أما النموذج الذي قدمه في الفصل الثاني من كتابه فقد تحلى بمشكلة بحثية، سماها الباحث "إشكالية نقدية أخلاقية" حصرها بمسألتين: المسألة الفنية بعوالقها المختلفة بدءاً بتقرير حقيقة النص وقضية انفتاحه وانغلاقه ودلالاته الضمنية والصريحة وعلاقاته الداخلية والخارجية وما سماه بالمعنى الانعكاسي والانتظامي والموضوعي وغير ذلك، والثانية المسألة النفسية بأبعادها المختلفة مثل اللاشعور الجمعي وجماعية اللغة وحالة النحن. وكان هذا التقديم موفق إلى حد كبير لأن الغذامي قد قدم بالفعل مشكلة نصية، أو مشكلة تحليلية واقعية على تماس بالعمل النقدي، متجنباً الطروحات العامة والأفكار الفضفاضة التي ابتدأ بها كل من أبي ديب ويمنى العيد عملهما في الكتابين المذكورين آنفاً. وربما كانت هذه الزاوية المناسبة للنظر إلى النص الأدبي قد دعته إلى الزعم السابق أن تحليله صحيح كل الصحة، فهو بالفعل قد حدد المسافة الصحيحة بينه وبين النص المختار وذلك بتحديد المشكلة البحثية ومن ثم صب كامل الجهد لحلها. ومع ذلك فهنالك جملة من المآخذ على تعبيره فليس هنالك نقد صحيح كل الصحة على أية حال. لقد طرح الغذامي، وربما كان الناقد الوحيد في حدود اطلاعي، حكماً نقداً شاملاً يتناول جملة من نصوص مختلفة لحمزة شحاته، تبين من خلالها محوراً متضاداً تمثل بثنائية الخطيئة أو طريق المنفى والتكفير أو العودة إلى الفردوس،وقد قام ذلك المحور في أدب شحاته عامة على ستة عناصر: (آدم ــ حواء ــ الفردوس ــ الأرض ــ التفاحة ــ إبليس)، وجملة هذه العناصر متصلة بنسق الوجود وما وراء الوجود أكدها في عدد من النصوص الشعرية والنثرية، ووراء هذا العمل يكمن مغزى مهم فحواه أن الغذامي على غير العادة يريد أن يخرج حكماً نقدياً شاملاً، متجنباً الطريقة النقدية المألوفة التي تقيم أحكامها على أبيات أو قصيدة أو عدد قليل من النصوص، وهذه من إيجابيات صنيعه مهما كانت هوة الخلاف واسعة بيننا وبينه. إن الخلاف النقدي يكمن في النموذج المختار الذي زعم الغذامي أنه بنية مفتوحة تستمد دلالاتها من نصوص مختلفة تمثل في مجملها تجربة أدبية متكاملة يشدها نموذج واحد غير منكسر، تابع الناقد ظلاله منتقلاً من نص إلى نص ومن جملة إلى جملة ومن فاصلة في حياة الأديب إلى فاصلة أخرى، وحصيلة العمل الذي قام به من شأنه أن يشتت النص ويفرق بناه ويوزعها على عدد لا ينحصر من النماذج المختارة، لأن الهدف الذي يرمي إليه في الحقيقة يتناول دراسة ظاهرة ولا يتناول بنية لغوية كما جرت العادة في دراسة النصوص بنيوياً أو تفكيكياً، وهنا طرح الغذامي مفهوم تفسير الشعر بالشعر ليتخلص من التقييدات البنيوية الموضوعية التي تهتم بدراسة نظام النص. والغذامي في الواقع يعي تماماً مشكلات التطبيق البنيوي التي أكدت بطريقة أو بأخرى انغلاق النصوص، إلا أن مجرد الزعم بربط بنية النص ببنى أوسع ثقافية أو اجتماعية أو فكرية تلفيق لم يسهم في تقدم المباحث النقدية البنيوية عامة، والدليل على ذلك أن الحداثة النقدية البنيوية اليوم باتت جزءاً من التاريخ النقدي، أي أن النقد العالمي قد تحول عنها، والغذامى نفسه قد اعترف بذلك حين تحول إلى التشريحية في الكتاب الذي نتكلم عليه، إذ عقد الفصل الرابع منه لتشريح نص شعري لحمزة شحاته، بدا من خلاله أكثر انسجاماً مع تقييدات المنهج؛ لأنه أمعن النظر في عنوان القصيدة وفي كونها الشعري ومداراتها التجاوزية وأثرها وغير ذلك مما يشي بأنه تحرك في قلب النص وعالج مسائل جوهريةً في بنيته. والمسألة الأخرى التي أكدها الغذامي في دراسة النموذج الأدبي عند شحاته أنه مد يده إلى النفسانية فاهتم بالجانب النفسي في الأدب بجانب الجانب الفني وقد استأنس بمقولات يونج في اللاوعي الجمي وبعلم نفس اللغة، وهذا الجانب أكده جاك لا كان الذي تكلم على البنيوية النفسية. ومن هنا نفهم تخفف الغذامي من الأشكال والرسوم البيانية التي أثقلت تحليل أبي ديب، ملتفتاً إلى النواحي الأسلوبية ومعاينة الظواهر طبقاً لمنطق اللغة، وهذا ما ميز محاولته التطبيقية عن غيرها. ونافلة القول: لم يكن الغذامي حريصاً على التمسك بتقييدات البنيوية في تطبيقاته النقدية، مع أنه حريص على الاستفادة من منجزات النقد في الغرب، وجملة العمل الذي قدمه يشي باعتماده على المقاربة النقدية، ولم يفسد عمله شيء مثلما أفسدته الثقة المبالغ فيها في النتائج التي انتهى إليها، غير أن الحقيقة الواضحة في هذا الصنيع أن النصوص التي كانت مجالاً لتطبيقاته لم يلحقها ضرر كبير من جراء التطبيق المنهجي النقدي، والسبب في ذلك محاولته إدراك ما تنطوي عليه النصوص العربية من خصائص فريدة وعلامات فارقة، وهذا ما أشار إليه في قوله: "ومن خلال قراءاتي لأدب حمزة شحاتة وتكرار القراءة مرة بعد مرة تمكنت من عقد الألفة بيني وبين نصوص هذا الأدب شعراً ونثراً وحكمة ورسائل، وبدأ خيط رفيع يتفتق من جوانبه ضوء باهت في البداية، يتحرك نحو مفهوم كلي لمجمل هذا العمل. بادرت بالإمساك بأطراف هذا الحبل وشددت نفسي إليه وتركته يقودني إلى عالمه"(19). 4. فهد عكام (الشعر الأندلسي نصاً وتأويلاً): لقد أفاد د. عكام من محاولة الغذامي في الانفتاح على مناهج غير بنيوية في تطبيقاته التحليلية للنصوص الأدبية، فإذا كان الغذامي قد جمع بين البنيوية والنفسانية والتفكيك في منهجه الذي طبقه على أدب حمزة شحاته، فإن د. عكام قد نزع إلى ما سماه بالمنهج التكاملي التأويلي، والواقع أن ذكر المنهج التكاملي يستدعي ذكر د. شكري فيصل الذي كان من السباقين إليه في الدراسات النقدية المحدثة في كتابه "مناهج الدراسة الأدبية كما يستدعي د. شوقي شيف و د.نعيم اليافي اللذين تحدثا في مناسبات عدة عن جدوى تطبيق ذلك المنهج على النصوص الأدبية، إلا أن د. عكام أراد أن يخرج عن الإطار التكاملي المعروف في هذا الباب فأدخل كلمة تأويل على منهجه، فقال في فاتحة كتابه المسمى (الشعر الأندلسي نصاً وتأويلاً): "هذه صفحات في النقد التطبيقي تدخل في إطار منهج كنت قد بشرت به منذ أوائل الثمانينات بعنوان نحو تأويل تكاملي للنص الشعري، وهو منهج يستلهم مبادئ النقد الجديد والعلوم الإنسانية آخذاً من كل منها بخط متفادياً المزالق التي وقع فيها أشياعها"(20). والفضيلة التي تستوجب الإشارة في مقولة د. عكام هنا تتمثل بتفاديه المزالق التي وقع فيها الكثيرون ممن طبق المنهج التكاملي المقتبس من جملة مناهج معروفة على نطاق العلوم الإنسانية كالنفسية والاجتماعية والبنيوية الشكلية والتكوينية، غير أنه في الواقع كان يميل إلى البنيوية بصورة واضحة سواء أكان ذلك في التنظير أم في التطبيق كما سنرى، ففي معرض كلامه على صلة منهجه التأويلي التكاملي بالبنيوية قال: "على الصعيد البنيوي ينظر إلى النص على أنه خطاب خاص يمتلك في ذاته خصائص تجعله شعرياً، والتحليل يقصد إلى البحث عن هذه الشعرية التي تحقق للنص فرادته أي خصوصيته، وينظر إلى الأسلوب على أنه إبراز يفرض على انتباه المتلقي عناصر السلسلة اللفظية التي لها دلالاتها ومميزاتها، ولا يمكن للمتلقي إغفالها دون أن يشوه النص..."(21). ونحن في الواقع نتفهم لماذا يوافق د. عكام البنيويين في ناحية، ثم يخالفهم في ناحية أخرى، فهو من جهة التعامل مع النصوص بوصفها أنظمة لغوية، لها أنساقها الخاصة وعلاقاتها المحددة بنيوي كسائر البنيويين، وهو في إصراره على تبيان ما يتفرد به كل نص غير بنيوي، مع أنه يتوسل بالشعرية كما قال ليحدد خصوصية كل نص، وهو وإن حاول ألا يشمل في كلامه على فرائد النص نظامه اللغوي، في محاولة لإيهام المتلقي أن العلامات الفارقة والخصائص الفريدة التي تبين ما ينطوي عليه كل نص من قوة وصلابة تثير المتلقي، هي غير نظام النص اللغوي، من أجل ذلك حين أعلن مخالفته للبنيويين في قوله: "ولكننا خلافاً للبنيويين نعالج هذا الانحراف ومن هذه العناصر تلك التي تمثل انحرافاً في أسلوب النص لا بالقياس إلى اللسان المشترك في زمنه، ولا بالقياس إلى النثر العلمي وتعارضه معه، بل بالقياس إلى القاعدة الطاغية في النص نفسه"(22). شعر بوجود هوة سحيقة بين كونه بنيوياً غير مخلص لتقييداتها المنهجية، وكونه تكاملياً يريد أن يحدد فرائد النص من الناحية الأسلوبية دون مراعاة مسألة القياس المعروفة، فهو كما أشار لا يريد قياس انحرافات النصوص بالقاعدة اللغوية أو البلاغية، وإنما يقيسها بنظام النص نفسه، وهذا تعبير واضح عن حيرة كأن يريد أن يكون بنيوياً وفي الوقت نفسه يريد أن يعطي لنفسه حرية للخروج على البنيوية، ولا سيما حين تدعوه الحاجة لبيان سمات النص الأسلوبية التي لا تظهر إلا بدراسة مقدار الانحراف. والمشكلة التي تنجم عن هذه الممارسة أن الباحث لا يريد أن يقيم وزناً للقاعدة أو اللسان المشترك في زمن محدد على حد تعبيره. وهذه الإشكالية في الواقع كانت وراء العسف الذي لحق بجملة النصوص الشعرية الأندلسية التي أخضعها للتحليل كما سنرى. درس د. عكام في كتابه الآنف عشرة نصوص شعرية خمسة انطوت على موضوع الحب وخمسة على موضوع الطبيعة لشعراء مختلفين من شعراء الأندلس، وكان له رسم متكرر في دراسة هذه النصوص، كأن يبدأ بعرض النص ثم يشرح في الحاشية بعض المفردات، وبعد ذلك يحدد هوية النص دلالياً بمعنى أنه يستخرج الأفكار الجزئية في كل بيت من أبيات النص المدروس، ثم ينتقل لتبيان خصائص المعنى، ويتكلم على تركيب النص فيقف عند بعض العبارات أو الأساليب الفنية واللغوية كالتشبيه والاستعارة أو الصورة عامة، ويعمد في كلامه على الصور إلى الرسوم والتوضيحات البيانية بغية شرح العلاقات الناظمة بين صور النص، ثم يختم تحليله ببيان ما يتفرد به النص من خلال الصورة دائماً. والقارئ يجد نفسه من خلال قراءة النماذج الشعرية المختارة أمام سؤال واحد مهم فحواه: إذا كان الناقد كما قال في مقدمته يريد أن يتحلل من التقييدات البنيوية ويعطي لنفسه حرية واسعة لكي يتأول النص، أو يتكلم على جوانبه النفسية، أو عوالقه الاجتماعية، لإظهار تفرده، وهذا هدف سام، فلماذا عمد إلى إخضاع النصوص المدروسة إلى رسم منهجي وخطوات لا يخرج عنها لتكون النتيجة التي يخلص إليها في كل نص شبه محددة، كأن تكون الصورة الفنية هي العلامة الفارقة لكل نص مدروس؟ هل يعني ذلك أن الصورة الفنية هي بالفعل محور التفرد في كل نص؟ ألا يمكن أن يتفرد نص ما بغير تصاويره الفنية؟ إذا كانت النتيجة التي خلص إليها الباحث قد تمثلت بتفرد كل نص أدبي بصوره، هل يعني أن الباحث قد اختار النصوص المدروسة بناء على توهج تصاويرها الفنية؟ وبعد هل المنهج الذي طبقه على هذه النصوص لا يصلح إلا للشعر الذي انطوى على صور بديعة؟ إن د. عكام إذن كالغذامي لا يدرس نصوصه دراسة لغوية، وإنما يدرس ظواهر فنية حدد موضوعاتها مسبقاً، كما أنه حدد نتائجه قبل بلوغها، وعليه هل كان هذا المنهج الذي سمى نفسه بنيوياً تارة، وتحلل من هذه التسمية تارة أخرى مخلصاً لدراسة النصوص العربية الموروثة، أم كان أداة لقهر النصوص وإخضاعها عنوة لأفكار جاهزة صممها كل باحث قبل أن يلج في الدراسة الموضوعية؟ وخلاصة القول: هذه المحاولات الأربع التي عرضناها متسلسلة بحسب ظهورها تمثلت بكتاب كمال أبي ديب (جدلية الخفاء والتجلي) الذي ظهرت الطبعة الأولى منه في بيروت سنة 1979م، وكتاب يمنى العيد (في معرفة النص) الذي ظهر لأول مرة في بيروت سنة 1983م وكتاب عبد الله الغذامي (الخطيئة والتكفير) المطبوع بجدة 1985م، وكتاب فهد عكام (الشعر الأندلسي نصاً وتأويلاً) المطبوع بدمشق سنة 1995م، لم تمض وفق وتيرة واحدة في التطبيق البنيوي، فإذا كان كمال أبو ديب ويمنى العيد قد تمسكا بالنهج البنيوي في مدارس النصوص إلا أن عبد الله الغذامي وفهد عكام تحللا بعض الشيء من قيود البنيوية، فنزعا إلى شيء من التكامل في التطبيق كما رأينا، والسبب في ذلك التحلل أن البنيوية واجهت انتقادات عنيفة في النقد الغربي، وكان المؤشر على ذلك التحول عن الحداثة إلى ما يعرف بما بعد الحداثة، وقد انتقل صدى ذلك التحول إلى النقد العربي بطريق الغذامي وعكام وغيرهما. الواقع أن الانتقادات التي وجهت إلى البنيوية لا تعني أنها معدومة القيمة، ذلك أنها من المناهج التي قدمت أفكاراً مهمة للنقد الأدبي، غير أنها في الوقت ذاته أهملت جوانب أخرى مهمة في دراسة النصوص الأدبية، وقد تمخضت عنها مشكلات عدة لم تعالجها إلى الآن، ويمكن إجمال تلك المشكلات بما يأتي(23): 1. يذهب بعض النقاد إلى أن البنيوية انتهت، وقد تجاوزها العالم إلى ما بعد البنيوية أو التفكيكية. بدليل أن أهم أعلامها أمثال رولان بارت ودريدا وغيرهما قد تخلوا عن كثير من أفكارها، فرولان بارت رفض مفهوم علمية البنيوية، أما دريدا فقد وصمها بالاختزالية والتجريد والثبات الشكلاني، ووقوعها تحت تأثير التزامن الآني. 2. إن تركيز البنيوية على أهمية البنية ونظامها المتكامل دفع بعض النقاد أن يوجدوها حيث لا توجد، فكان من الضروري التمييز بين الميل نحو النظام والانتظام، وبين الفشل والقصور دون تحقيقه، وقد سادت نزعة عند كثير من البنيويين حين عالجوا بعض الأعمال على أنها بنية مغلقة أو أنظمة نهائية ليتمكنوا من معالجتها بصورة منظمة، فوقعوا في المغالطة الشكلية التي تهمل المعنى والمحتوى وترفض حضور العالم الثقافي خارج العمل الأدبي. 3. إن البنيوية ليست علماً، وإنما شبه علم يستخدم لغة ومفردات معقدة ورسومات وبيانات وجداول متشابكة لا تضيف إلينا شيئاً جديداً. 4. البنيوية تتجاهل التاريخ، فهي وإن كانت فاعلة في توصيفها لما هو ثابت إلا أنها فشلت في معالجة الظاهرة الزمانية. 5. لا تختلف البنيوية عن النقد الجديد لأنها تتعامل مع النص على أنه مادة معزولة ذات وحدة عضوية مستقلة، وأنه منفصل ومعزول عن سياقه وعن القارئ. 6. إن البنيوية في إهمالها المعنى تناهض النظرية التأويلية، وتسقط من اعتبارها الظروف المحيطة بالنص، وتتجاهل العلاقة بين النص وصاحبه، كما تتجاوز العلاقة بين القارئ والنص مكتفية بتحلل الأنساق اللغوية(24). والحق أنه ليس هنالك ضرر يلحق بالنقد والأدب العربي من جراء تطبيق المنهج البنيوي، غير أن حالة الانبهار بما تفرزه حركة الفكر الغربي، والحماسة في تطبيق ما ينجم عنها من مناهج دون مراجعة وتدقيق ونقد بصورة دائمة، هو ما يعزز حالة التبعية وفقدان الأصالة والتغريب والجمود الفكري والتخلف في المجالات كافة. وبناء على ذلك نستطيع أن نفهم الأسباب التي دفعت د. الغذامي ود. عكام إلى التحلل جزئياً من البنيوية، لأنهما في الواقع أرادا أن يستدركا ما نجم عن التطبيقات البنيوية السابقة من خلل لحق بالمعالجة النقدية للنصوص الأدبية، إلا أن التكامل أو التأويل أو حتى التفكيك لم يستطع أن يقدم حلاً جذرياً لمشكلات التحليل للأسف؛ لأن النص العربي يحوج إلى أداة منهجية توافق طبيعته ليستجيب لها، وعليه فإن كانت الحاجة ملحة لوجود منهجية عربية أصيلة في معالجة النصوص الأدبية، وهو أمر متعذر إلى الآن، فإننا بحاجة في الوقت الراهن على الأقل إلى نقد ما ننقله عن الغرب في باب المناهج وغيرها، لنختار الأصلح وفي الوقت نفسه نفكر بما ننقل، فيكون النقل حركة واعية ومفيدة. حواشي البحث: 1ــ أبو ديب، كمال (جدلية الخفاء والتجلي) ص: 8. 2ــ نفسه ص: 15. 3ـ نفسه ص: 168 4ــ نفسه ص: 168 5ــ نفسه ص : 172. 6ــ نفسه ص: 172. 7ــ ابن رشيق (العمدة) ص: 1/ 321. 8ــ أبو ديب، كمال (جدلية الخفاء والتجلي) ص: 199. 9ــ نفسه ص: 197 10ــ ابن قتيبة (الشعر والشعراء) ص: 1/ 123. 11ــ أبو ديب، كمال (جدلية الخفاء والتجلي) ص: 199. 12ــ نفسه ص: 208. 13ــ العيد، يمنى (في معرفة النص) ص:9. 14ــ نفسه ص: 23. 15ــ نفسه ص: 40. 16ــ نفسه ص: 41. 17ــ نفسه ص: 182. 18ــ الغذامي، عبد الله (الخطيئة والتكفير) ص: 148. 19ــ نفسه ص: 111. 20ــ عكام، فهد (الشعر الأندلسي نصاً وتأويلاً) ص:7. 21ــ نفسه ص: 8. 22ــ نفسه ص: 8. 23ــ حمودة، عبد العزيز (المرايا المحدبة) ص: 22 وما بعدها. 24ــ الرويلي (دليل الناقد الأدبي) (نقد البنيوية) ص: 39. المصادر والمراجع: 1ــ أبو ديب، كمال (جدلية الخفاء والتجلي ــ دراسات بنيوية في الشعر) ط1 دار العلم للملايين بيروت لبنان 1979م. 2ــ ابن رشيق (العمدة) تحقيق: محمد قرقزان ط1 دار المعرفة بيروت 1988م. 3ــ الرويلي، ميجان والبازعي، سعد (دليل النقاد الأدبي) المركز الثقافي العربي بيروت والدار البيضاء 2002م. 4ــ عكام، فهد (الشعر الأندلسي نصاً وتأويلاً) دار الينابيع دمشق 1995م. 5ــ العيد، يمنى (في معرفة النص ــ دراسات في النقد الأدبي) منشورات دار الآفاق الحديثة بيروت 1983م. 6ــ الغذامي، عبد الله (الخطيئة والتكفير ــ من البنيوية إلى التشريحية ــ قراءة في نموذج إنساني معاصر) ط1 النادي الأدبي الثقافي بجدة 1985م. 7ــ ابن قتيبة، عبد الله (الشعر والشعراء) تحقيق: أحمد شاكر ط2 دار المعارف بمصر 1368هـ. | |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||