|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
النقد الخاص بفارس زرزرو ـــ د.عبد الله أبو هيف حظي فارس زرزور بالعناية النقدية منذ مطلع الستينيات إثر نشره مؤلفاته الأربعة الأولى القصصية والروائية، "حتى القطرة الأخيرة" (1960) و"42 راكباً ونصف" (1962) و"حسن جبل" (1969)، "ولن تسقط المدينة" (1969). وتصدر هذه العناية الناقد المتميز عدنان بن ذريل في كتابه "أدب القصة في سورية"، وحوى دراسة وتحليلاً للسرديات القصصية والروائية لأربعة وعشرين قاصاً من رواد القصة السورية، مع توضيح خصائصهم ومراحلهم وخصائص فتراتهم، وتوزع النقد الخاص بفارس زرزور إلى مرحلتين، الأولى حتى عام 1980، والثانية من عام 1981 حتى اليوم. 1ــ المرحلة الأولى: اتسم نقد المرحلة الأولى بالموضوعات والمضامين بالدرجة الأولى، وكان السائد في السرد هو القصة، ثم تقدمت الرواية المكونات السردية مع مطلع السبعينيات، حتى أصبح هذا الفن الروائي ديوان العرب خلال العقدين الأخيرين. 1ــ1 عدنان بن ذريل: كانت تصريحات زرزور هي الأكثر تأثيراً على المنظور السردي، حتى أن سردياته تماهت مع السيرية، حسب معتقداته وتمثلاته للخصائص الثقافية القومية، فقد أشار عدنان بن ذريل إلى تلك التصريحات، على أن رواياته صورة حية للكفاح الوطني والاجتماعي، وتلخص تاريخ فترة كاملة من التاريخ العربي، ولا سيما الفترة التي استغرقت في كفاح سورية لطرد المستعمر الفرنسي، مثلما تابع في كتابه الروائية الكفاح لتفجير الثورة الاشتراكية، وأكد أن حوادث القص كلها واقعية(1). ثم سمى شغله واقعياً سردياً وتحليلياً في استعادة التاريخ العربي وتعضيد الذات القومية، ووصفه بالقاص والروائي المتفوق، إذ فاز باكراً بمعظم جوائز الدولة والمؤسسات الثقافية في القصة القصيرة والطويلة، ووسم مجموعته القصصية "حتى القطرة الأخيرة"، بالتنوع القومي والعسكري والشعبي وثرائه الفكري(2). ورأى أن زرزور استعمل مصطلح "حي يرزق" لنعت بطله "حسن جبل"، وهو يرسم حياته مستحضراً في ثناياه ورؤاه عناصر التمثيل الثقافي(3). لا نغفل عن أن بن ذريل هو ناقد رائد في سورية، بإصداره كتاب "الرواية العربية السورية، دراسة نفسية"(1973)، إلى جانب مؤلفاته النقدية الأدبية الكثيرة التي ربطت التحليل الأدبي مع التحليل النفسي، ثم نماها بالاتجاهات النقدية الحديثة كالأسلوبية والبنيوية والنصية خلال عقدي الثمانينيات والتسعينات، وقد عرض في كتابه المشار إليه، الاتجاه الواقعي القومي والبعد التاريخي في الستينيات، عند أديب نحوي، وأفاد أن رواية "لن تسقط المدينة" (1965) تاريخية ممتازة عن معركة ميسلون، وتسرد قصة المعركة المؤلمة في التاريخ العربي الحديث، "وتفند ظروفها بين كيد الحلفاء ومطامعهم، وبين ظروف التخلف الظاهر الذي كانت عليه البلاد وقتها"(4). أوضح أن المؤلف ربط عمله الروائي فيها بالزمان والمكان، وجعله يتسلسل بين عامي 1918 و1920 على أرض الوطن السوري كله، شماله وجنوبه منذ مساومة الحلفاء على اقتسام البلاد، حتى الاصطدام المسلح مع الفرنسيين في ميسلون. نقرأ تعريف بن ذريل وتوصيفه لروايات زرزور التالية: "الأشقياء والسادة"، و"حسن جبل"، و"اللا اجتماعيون"، و"الحفاة وخفي حنين"، ويلحق كل رواية بتقييمه الموجز لها كقوله عن رواية "لن تسقط المدينة": "إنها الكسب الروائي الكبير الذي ربحناه من هذا الأديب الموهوب فارس زرزور، المخلص لقضية الشعب، وهذه الرواية التاريخية ميزتها بالفعل أنها استلهمت عملها الروائي من حياة الشعب وطبقاته المختلفة وخاصة الطبقة الكادحة والمتنورة، فرسمت لنا نماذج بشرية شعبية تعيش قضايا النضال القومي، والعمل السياسي والثوري، قضايا الوطنية والكرامة والتضحية"(5). تركز النقد عنده على القيم الإيجابية لمحتواها ومضامينها، وقليلاً ما يهتم بالشكل الروائي والقصصي وتقنياته وأساليبه، ونلاحظ على سبيل المثال، أنه أدغم شرحه للروايات جميعاً، مثل الربط بين حيثيات شخصية واحدة في روايتين، وهما محمد قاديش وحسن جبل، ويتواتر سلوكهما في المسالك الوطنية العامة. عرض بن ذريل بعناية الاتجاه الاشتراكي في الروايات الثلاث التالية، إذ تجمع رواية "اللااجتماعيون" بين رصد التصرفات والسلوك، وبين تعرية الإنسان الداخلي في أحوال حبيبين من حب غير متكافئ، هو بالأحرى حب من طرف ليلى سليمان، والذي يفصمه خالد جعفر، ويجر على صاحبته الويل والهوان والمرض، وأفضى هذا العرض إلى أن "العمل الروائي شيق وصميمي، ويلاحق الاجتماعية في تصرفات الأبطال وسلوكهم وظروف حياتهم، وأيضاً في طباعهم، وأخلاقهم، وإنسانهم الداخلي"(6). أفاد أن رواية "الحفاة وخفي حنين" ألصق بالاتجاه الاشتراكي من سابقتها، سواء من حيث موضوعها وأوصافها أم تحليلاتها وتفنيداتها، عند رسمها لأحوال الفقر والبؤس والشقاء التي عليها فئات العمال الزراعيين الموسميين في سورية العربية من جنوبها إلى شماله، بما يؤشر إلى واقع عربي سوري بائس، عايشه المؤلف، وانفعل به، وهاهو ذا يحرك شخوصه، وينطقهم بهمومهم ومكنونات نفوسهم، على أن الرواية تلاحقهم ابتداء من مناداة متعهد الحصاد عليهم، حتى وصولهم، إلى ريف القامشلي، ثم رجوعهم من هناك خائبين"(7). زادت عناية الناقد بتحليل الشخصيات الروائية بوصفها مسلوبة الإرادة بفعل الفقر والفاقة غالباً، بما يجعل الرواية كاشفة للسلبيات إزاء الواقع، ولشيء من الإيجابية التنويرية البسيطة، ومن الواضح أنه يقارب الواقع وشواغله العامة في نقده، وكانت أحداثها في العشرينات على أثر الاحتلال الفرنسي مباشرة، ومكانها دمشق والغوطة في الأساس. إن نقده شديد النظر في القيم القومية والإنسانية وأحوال مواجهة البؤس في الواقع الداخلي المؤسي والاحتلال الأجنبي المؤدي إلى الاضطهاد وفقدان الأمان، وقد رسخ مواقفه الإيجابية من كتابة زرزور الروائية بالتدليل على مهارته الفائقة، ورسمه لأناسي الطبقات الكادحة والمكافحين ضد الأوضاع الجائرة، وتصويره لإنسانهم الخارجي والداخلي على السواء، إذ "يحققه المؤلف بربطهم بظروفهم الخاصة والعامة في وجودهم الإنساني، وربطهم بالزمان والمكان والنضالية الراهنة، وتطلعات الفترة، وهنا التواطؤ مع الأجنبي المحتل على مكافحة كل نزعة وطنية في البلاد، مما أكسبهم صفة المواطنية نفسها(8). التفت الناقد إلى العتبات النصية والتماهي السيري مع فارس زرزور في تحليل الروايات، ولا سيما موضوعاتها ومضامينها في الأبعاد التاريخية والواقعية والنفسية، لإضاءة العصيان والشقاوة والعوامل المادية والمعنوية من جوع، واضطهاد، وهوان، وتسلط، واستعباد، وظلم، وتعامل مع الأجنبي، وخيانة للوطن، واستعان، بالحوار مع الروائي مباشرة، لتنوير هذه الموضوعات والمضامين. 1ــ 2 نبيل سليمان وبو علي ياسين: وضع نبيل سليمان وبو علي ياسين كتاباً نقدياً ماركسياً بعنوان "الأدب والأيديولوجيا في سورية" (1974)، والتزما فيه بنزوعات الأدلجة أو الواقعية الاشتراكية التي ترسخت في مطلع الثلاثينيات في المؤتمر الأول لاتحاد الكتاب السوفييت، وحاول الأدباء والنقاد المنتمون للأحزاب الشيوعية والاشتراكية أن ينشروا النقد الماركسي، المعني بالمذهبية والعقائدية والتبشير والتحزيب وسوى ذلك، واندرج كتاب هذين الناقدين في الأدلجة والتبشير من خلال النقد الاجتماعي والطبقي للمجتمع القديم والبورجوازية الصغيرة والمتوسطة، ووصفاها بالفوضوية والعقم، بينما عبر أدب فارس زرزور عن شواهد المستقبل الاشتراكي والمجتمع الجديد، وعالجا روايته "اللااجتماعيون"، وتكاثرت في تحليلها الأحكام القيمية والتصريحات والتماهي السيري أيضاً، وصدرا بحثهما بعبارات من شهادته التي تعاطفا معها، (الطليعة الدمشقية، العدد 437، آذار 1973، ص 36 ــ 37)، وذكر في شهادته أنه نشأ في وسط ديني متعصب، وفي حديثه أن المهم هو "أن يظهر المضمون، فالمضمون هو الهدف، وقد يطرب القارئ للشكل الفني، ولكن الطرب ليس غاية، إنه ترفيه ليس ذا أهمية"(9). واعتمد كلياً في إبراز أدلجة الرواية على مثل هذه التصريحات ووجهات النظر الشخصية للمؤلف، غير أن اتجاهات النقد الحديثة جاوزت ذلك مما يجعل القارئ هو الذي يعاود التأليف من جديد، من الاتجاه البنيوي أو النصي وسواهما إلى اتجاهات ما بعد الحداثة، ونلاحظ أن الناقدين مولعان بالأحكام القيمية، ونسبا فارس زرزور وحنا مينة إلى أدب المجتمع الجديد، "وكلاهما ينتمي إلى المعسكر الطبقي الاشتراكي، وكلاهما قدم ممارسات معينة من خلال بعض أدوات هذا المعسكر في العمل"، وحكما على زرزور أنه "إشارة بالغة الدلالة إلى قصور الأداة الفنية، وإجهاض التعبير، حيث لا ينفع إخلاص النية ولا حسنها"(10). لا يخفى أن مثل هذه الأحكام القيمية ترهن النقد بالأدلجة والقبلية المتحكمة بالشعارات والمفاهيم السياسية والفكرية، فقد أكثرا التوصيف القيمي والعرض المسيس للمحتوى الروائي، كالإلماح إلى السجن وتكراره مع عدة شخصيات مثل خالد في الإقليم الجنوبي (مصر)، وفتحي السقاف في دمشق، وسميرة في سجن النساء الجانحات، وليلى في سجن خالها، وتعددت الآراء الفكرية والسياسية في أثناء عرض المضمون الروائي، برأيهما كالاتكاء على علم النفس أكثر من علم الاجتماع، وتصوير الحالات النفسية الداخلية أكثر مما يصور التفاعلات بين الفرد والمجتمع، وأدغما تعامله مع علم النفس "بتجربته الشخصية التي تتحدث عنها الرواية"، وحسب تعبيرهما، بينما تميزت أعماله الروائية الأخرى بالنضال الجماعي وبأشكال من طبقات أخرى، كرواية "الحفاة" على سبيل المثال. وشددا الأحكام القيمية على الرواية، كقولهما: إن أناس روايته "لا يستطيعون تغيير الواقع، كما لا يستطيعون أن يكونوا مجتمعيين"(11)، وانتقدا تقليدية الرواية واهتمام الروائي الرئيسي بجهتي الخير والشر، و"هذا النمط لم يعد القارئ الحديث ليجد فيه المتعة الفنية أو الفائدة الفكرية التي يرجوها"(12). إن هذا النقد وصفي ومباشر بأحكامه المندغمة إزاء الأدلجة والتبشير، كما أشرنا. 1ــ 3 فيصل سماق: ألف فيصل سماق كتابه "الواقعية في الرواية السورية" (1979)، وفق الاتجاه الوصفي التحليلي في النقد الروائي، وإبان مفاهيم الواقعية الطبيعية، والواقعية النقدية، والواقعية الاشتراكية، ومدى تأثير العوامل السياسية والاجتماعية والثقافية فيها، وفصل الخطاب النقدي حول الواقعية الطبيعية والانتقادية، ونموذجها المدروس فارس زرزور عن روايته "المذنبون"، والواقعية الاشتراكية، ونموذجها المدروس حنا مينة عن روايته "الثلج يأتي من النافذة". مهد تحليله لرواية زرزور بعرض رواياته السابقة ومدى واقعيتها، وجاءت رواية "لن تسقط المدينة" تاريخية واقعية، تؤرخ للثورة الكبرى، وتسرد قصة معركة ميسلون المؤلمة والمشرفة في التاريخ العربي الحديث مستقصية الظروف التي أحاطت بها من كيد الحلفاء ومطامعهم، إلى التخلف الواضح الذي كانت عليه البلاد وقتها، وأشاد بالروائي زرزور الذي لا يقصر "عن الغوص في أعماق النفس البشرية ليصورها ساعة الحرب، حين لا يكون بد من أن يدخل الخوف إلى نفس الإنسان فيهرب بعض المقاتلين من المعركة، ويؤكد الكاتب على الروح الوطنية التي يتحلى بها الشعب من خلال تصويره لاختلاف الناس على الاندفاع في مقدمة المجاهدين ضد الاحتلال، واتفاق جميع الفئات الشعبية والطوائف الدينية، ووقوفها صفاً واحداً في وحدة وطنية صادقة تناضل ضد المحتل، ومن أجل وحدة الوطن وتحرير ترابه"(13). احتفى سماق بالمنظور القيمي في نقده، على أن روايات زرزور تبث الأمل والتفاؤل في النفوس من خلال تأكيدها بأن الاحتلال لابد أن يقاوم، وأن الظلم صائر إلى زوال. ثم وصف النضال في رواية "حسن جبل" ضد المستعمر الفرنسي في أنحاء سورية كلها، وثمن مقدرتها العالية في تصوير الواقع ودقته وتمكنه من خلق الجو الطبيعي والنفسي الملائم مما يعطي الرواية ميزة فنية تحسد عليها، واقترب من موضوع رواية "الأشقياء والسادة" بتناوله موقف فلاحين مجاهدين من غوطة دمشق، هما حسن وجابر، وتوالت المشاهد فيها، وهي تصوير تواطؤ الإقطاعيين مع المحتل الأجنبي وتعاونه معه لقمع كل تمرد يقوم به الفلاحون، وحرص الناقد على تتويج تحليله بالنقدية، شأن الفكرة الدلالية عن موقف الشعب من المحتل وأعوانه، ولا سيما طبقاته الكادحة التي عانت من الاستغلال والاضطهاد، وانتقد ختام الرواية بمشهد المعلمة التي تحدث تلاميذها عن توزيع الأراضي على الفلاحين بعد صدور قانون الإصلاح الزراعي، ورأى أن هذه الخاتمة لا تتناسب مع ظروف الحقبة التاريخية التي تتناولها الرواية ومعطياتها، وقدر مواقفه القومية، لأنه يسجل انتصار الكادحين وتحررهم الوطني والاجتماعي، ويسوغ منظوره الروائي بعد ذلك الذي يجسد مصالح الفقراء والكادحين في سورية، وخاصة الفلاحين. كان النموذج المدروس هو روايته "المذنبون"، وقدم حياة المؤلف من شهاداته وحواراته، وتحديده لمفهوم الرواية عنده: الرواية هي إحدى الفنون التي واسطتها الفكر والرؤية والقلم، وتوضح في حرص وأدب لتكون في خدمة الإنسان" (شهادات الروائيين، المعرفة، دمشق، العدد 146، نيسان 1974، ص 193). ثبت رأيه العام بالرواية على أنها "قرية الصيرة، الطبيعية والمجتمع، الطبيعة بقحطها في مطلع الخمسينيات، والمجتمع بصورته الإقطاعية الشرقية عهدئذ"(14)، ثم عرض الرواية وموضوعها ومغزاها، من تصويرها للعالم المر والقاسي ومن لا ذنب لهم، إلى المذنبين والمدانين من شخصيات الرواية الشعبية العامة، وأمعن كثيراً في تحليل هذه الشخصيات الراسمة لصورة الحياة في سورية. واتجه إلى شرح طريقة التعبير الفني الممتع في هذه الرواية، وقدرتها الفنية على تجسيد الواقع" من خلال صياغة الحدث صياغة حية تشاكل الواقع، بل تستمد من هذا الواقع أكثر مقوماتها"(15)، على أنه بدا في روايته عميق المعرفة بالحياة. لم يغفل الناقد عن مكانة روايتي زرزور "الحفاة وخفي حنين" و"اللااجتماعيون" في تداخلهما مع الواقعية الاشتراكية إلى حد ما، فقد اختار في الرواية الأولى منهما الفلاحين والعمال الزراعيين الذين يعانون من الاضطهاد، ويرزحون تحت وطأة الفقر والبؤس في مجتمع جائر لا يرحم، واستطاع أن يثري الفضاء الروائي بتطلعات عيشهم بكرامة إنسانية قابلة للتحول المجتمعي لئلا تظل على ما هي عليه من بؤس وشقاء. ثم اختار أبطال روايته الثانية منهما من نوع مغاير لما عرف في رواياته السابقة، بوصفهم كادحين وفقراء "يتعرضون للتشرد والسجن، ويعانون من شتى أشكال الاضطهاد الإنساني والطبقي"(16). تنامى الاتجاه الوصفي التحليلي في نقد فيصل سماق للكتابة الروائية عند فارس زرزور تلاقياً بين المحتوى والشكل لتعليل المنظور الروائي ورؤاه الفكرية. 1ــ 4 سمر روحي الفيصل: باشر سمر روحي الفيصل النقد الروائي في منتصف السبعينيات، وتأصل في نقده الاتجاه الوصفي التحليلي اعتماداً على قراءة النص الروائي بالدرجة الأولى وتفسيره وتأويله، وتعالق هذا الاتجاه مع المنهج الفلسفي لتحليل المحتوى والمنهج البنيوي لتوصيف الشكل، وابتعد كلياً عن المصادر الخارجية،ومنها التصريحات والتماهي السيري، ودرس الروايات من دواخل نصوصها ومدى تخييلها وتشكلاتها الفنية والتقنية إلى حد كبير.. عالج في كتابه "ملامح في الرواية السورية "الرواية السورية والمجتمع من خلال عدة روايات، ومنها "المذنبون" لفارس زرزور، وحلل فيها مجتمع هذه الروايات، واتسمت دراسته بالأمانة العلمية والدقة والموضوعية المنهجية لإبراز الخصائص الاجتماعية والثقافية والسياسية، وانصرفت الرواية في توصيفه وتحليله الفكري والفني إلى بناء عالم روائي متخيل يصور الحراك الاجتماعي، وقد قارب النقد المحتوى بالأساس أولاً، وحاول النظر في الشكل أو التشكل الروائي ثانياً. عرض الرواية بإيجاز، وأمعن في توضيحها الفني التقليدي من حيث المعمار الفني، "وواضح أن النسبة المئوية التقليدية فيها مرتفعة، إلا أن هذه الصفة لا تمنحها ذماً أو مدحاً، لأنها صفة خاصة بطريقة التناول الفني للحدث"(17)، وجاهر بالتزامه للمفهوم الفني للروايات التقليدية، على أن هذه الرواية نموذج حسن نادر بين الروايات السورية في المرحلة موضوع الدراسة، انطلاقاً من مقدرتها على بث نسغ الحياة في النهج التقليدي وتقديم برهان كاف على رحابتها الفنية كذلك. وعلل المفهوم التقليدي للحبكة الروائية للاشتغال بسرد حوادث مع تركيز الاهتمام على أسبابها، وبعملية ترتيب هذا السرد الخاص بمنظوره الروائي الذي ينظم الأحداث مع أسبابها ونتائجها ودلالاتها، وبرسم الشخصيات وتفاعلها مع هذه الأحداث وتجليات مسالكها مع الومضات الإنسانية إزاء القضايا الاجتماعية الضاغطة على الذات. كان الاهتمام الأكبر في نقده باللغة، مفردات وتراكيب وطرائق استخدامها السردي الروائي، وقد قدر حرص زرزور على استعمال المفردة الفصيحة المبسطة، وإن وردت في الرواية بعض الهنات اللغوية والنحوية، "أما التراكيب والجمل فواضح أن المؤلف قد اعتنى بها عناية فائقة تبعاً لعنايته بالوصف"(18)، وأكد أن البنية اللغوية سليمة، وأضفى عليها الروائي" من ثقافته ما جعل السرد رائقاً مقبولاً لولا الاستطرادات الكثيرة التي أبعدته عن الهدف الأساسي من حركة القص الروائية"(19). وأشاد النقد بالوصف في الرواية من إجادة وصف الأشياء الخارجية والحركات الاجتماعية إلى الوصف الداخلي الكاشف عن دخائل الشخصيات ومواقفه غير المباشرة من جهة، وذكر الأسباب الكامنة وراء الأحداث كلها من جهة أخرى. أورد الناقد رأيه الإجمالي بالرواية، على أنها مقروءة على الرغم مما فيها "من أمور قابلة للنقاش، وهي تدل دلالة واضحة على مقدرة الروائي زرزور على توفير المتعة والتشويق لعمله الروائي ذي النفس الطويل"(20)، وربط هذا الرأي الإجمالي بتعبير هذه الرواية العميق عن مجتمع الرواية السورية، ومن أبرز هذه الموضوعات: تفتت المجتمع الزراعي القديم، أسرياً وتعليمياً وتدريجياً اجتماعياً وملكية زراعية ونظماً حكومية، والواقع الاجتماعي السياسي، والقيم والعلاقات الاجتماعية، وشخصيات المجتمع الريفي، وتعبيرها الواسع عن المشكلات الاجتماعية، وحسن رسومها الدالة عن التطور والتحديث، وهجرة الريفي إلى المدينة، ثم أضيئت تكونات مجتمع المدينة فيها، مما جعل الرواية حاضنة للتعبير الاجتماعي بجدارة. تميز نقد الفيصل لرواية زرزور بثراء الاتجاه الوصفي التحليلي من خلال إضاءة البنية الروائية الفنية وتقاناتها والرؤى الفكرية وتجسداتها. 2ــ المرحلة الثانية: استغرق نقد المرحلة الثانية في الكشف عن الفنية السردية تحليلاً للتجربة الروائية والقصصية محتوى وشكلاً وجمالية عند العديد من الباحثين والنقاد، وتنامت المنهجية في أكثر من اتجاه نقدي. 2ــ 1 نبيل سليمان: تطور نقد نبيل سليمان في كتابه "الرواية السورية 1973 ــ 1977" من الأدلجة والالتزام الماركسي في كتابه النقدي السابق إلى إضاءة معالم الصراع الاجتماعي والوطني دون الربط الكامل بالتسييس والتحزب، وواءم بين الشكل الفني والأدلجة ضمن تطورات الاتجاه الواقعي النقدي ومدى تعالقات المضامين مع التقانات الفنية، للإفصاح عن فنية الرواية إلى جانب محتواها العقائدي والنظري. عالج الناقد تجديد زرزور للرواية التاريخية في روايته "لن تسقط المدينة"، فقد اختار الحل الفني التقليدي للزمن الروائي، واحتذى التسلسل التاريخي، وسجل الأرقام أحياناً، على سبيل الارتجاع، أو التواصل مع السيرة الذاتية، شأن روائيين آخرين. وتداخل السرد الروائي مع التوليف بين ذكر وقائع تاريخية، والقليل من التخييل الروائي، وأورد في السياق التاريخي بعض المآزق والصراعات الاجتماعية في وصف استقبال الناس للجيش (ص 13، 14، ص 19)، أو وصف الجماهير المستمعة إلى خطاب فيصل في حلب (ص 64)، أو وصف الطبيعة الديكوري في مطالع الفصول (ص 16، ص 91)، ويتحول هذا الوصف أحياناً، برأي الناقد، "إلى تحديد لجغرافية المعارك بشكل تقديري"(21)، ولفت النظر في الوصف إلى تمازجاته مع الأشعار والأهازيج الشعبية والتصوير الفيزيقي للشخصيات (بشير الصافي ص 23، مريم ص 27)، ورسم مشاهد القتال بصورة سينمائية أخاذة (إصابة قاديش في معركة الشيخ بدر)، وبلغ الأسلوب السينمائي ذروته في وصف معركة ميسلون، واستخدم الروائي النجوى، أي حوار الذات مع الحوار التاريخي والمجتمعي. أشار الناقد إلى استعمال القصة داخل القصة بما يفيد تراكم الحوادث التاريخية والواقعية من الذاكرة واستعادة الماضي إلى الراهن ومنظوراته المستقبلية، وأشاد بتفوق الروائي زرزور لاستخدام التقنية التقليدية لروايته التاريخية، وانتقد قليلاً تسطيح بعض الشخصيات الثانوية، وتدخلات الراوي الفجة في السياق وقطيعته مع الماضي أحياناً، والشرح بدلاً من التجسيد، وهي أحكام قيمية مباشرة. ثم عالج الناقد رواية "حسن جبل" التي برع فيها في تصوير دخائل الشخصيات الفنية، وفي اتساع معادلة الزمن الروائي كالتسلسل والاستباق، واستخدم النجوى لتعميق الحوار مع الذات الخاصة والعامة، وأفاد أن الروائي قلل من السرد في القسم الأول من الرواية، ولجأ إلى الحوار والوصف الدقيق وتثمير طاقة التخيل الروائي في أكثر من موقع للإحاطة الأشمل بالحوادث التاريخية. حكم الناقد بعامة أن "تجربة فارس زرزور تبرهن بقوة على أن جمالية عصرنا الأدبية، كما يقول البيريس، لم تستطع أن تنال تقريباً من قوانين الرواية التاريخية، وهي كما تكاد أن تكون المكان الأدبي الذي لا يمكن للجمالية الكلاسيكية أن تفقد فيها حقوقها أبداً، مع أنها مرغمة على التأثر بالحساسية الخاصة لعصرنا، بما يلاءم نمطها التعبيري التقليدي"(22) وآلت هذه الرؤية الفنية إلى حسن استعمال زرزور للصورة الروائية لإعادة تشكل المجتمع في سورية بين الحربين العالميتين، شأن روائيين آخرين مثل حنا مينة، وكاظم الداغستاني، وخيري الذهبي، ونسيب الاختيار، وحسيب كيالي ونذير العظمة،ووجد أن الإنجاز الكبير الذي حققه زرزور في روايته التاريخيتين السابقتين ينتسب بقوة إلى نمط الرواية التاريخية التي توجه الاهتمام الخاص إلى تصوير العلاقات وتحليلها بين الشخصية والتاريخ، وإلى إنارة "المشكلة المعقدة التي تتعلق بإدراك الشخصية لجوهر الحركة التاريخية، وإلى نشوء أفكار واتجاهات تحريرية في وعي البشر المتقدمين في الماضي"(23). وقد غطت رواية "لن تسقط المدينة" الفترة الممتدة ما بين 1918 ــ 1920، أي منذ رحيل الأتراك عن سورية حتى دخول الفرنسيين. أما رواية "حسن جبل" فتضيء الاتصال الكفاحي والثوري بين ثوار الشمال وثوار الجنوب، الشام وجبل العرب. نظر الناقد تالياً في رواية "المذنبون" مثالاً للرواية الريفية، ومثلها روايته الحوارية "الحفاة وخفي حنين"، على أنه يبالغ بالتعليمية من خلال ربط السياقات الاجتماعية والنفسية، ومعادلة الشكل والمضمون، نحو "معادلة الحياة الخصبة الطويلة العريضة في الريف، من منظور علمي وثوري، لا ينكر على فارس زرزور، والفن الروائي"(24). ونحو إبراز القاع الاجتماعي في الرواية السورية، عندما أمعن منظور حوارية "الحفاة وخفي" في مقاربة "الكاتب للشخصية العمالية، والتجربة التي يقدمها"(25). 2ــ 2 حسام الخطيب: درس حسام الخطيب في كتابه "القصة القصيرة في سورية، تضاريس وانعطافات" مجموعة عبد السلام العجيلي "بنت الساحرة" (1984)، على أنها انعطافه حية وحد بين عهدين نحو تطور الفن القصصي في سورية، وعالج نهوض القصة القصيرة في الخمسينيات، من مرحلة المخاض، أواخر القرن التاسع عشر حتى عام 1037، ومرحلة النشأة حتى عام 1949، وبروز القصة القصيرة في عقد الخمسينيات، مطلع الستينيات، وأشار إلى شغل فارس زرزور فيها النهوض الذي طور للقصة "إلى مستويات مرموقة في الأداء الفني"(26). 2ــ 3 سمر روحي الفيصل: وجه سمر روحي الفيصل نقده الروائي إلى دراسة التجربة الفنية لإضاءة موضوعات الرواية وأفكارها، في كتابيه "السجن السياسي في الرواية العربية" و"تجربة الرواية السورية"، وخص فارس زرزور بالدراسة في هذين الكتابين، واللافت للنظر هو تطويره المنهجي في دراسة التقنيات الروائية ومدى إظهارها للرؤى الفكرية عند دراسته للبنية الروائية الضابطة للعلاقة بين الشكل والمضمون بفروعها الثلاثة: الإقناع والإمتاع والإثارة لضبط عملية الإيصال مع المتلقي، فلم يرصد المضمون وحده، ولا الخواص الشكلية وحدها، بل تحليل بنية الرواية، ومحتواها الواقعي والذاتي. وطبق دراسته ومنهجها التفسيري لتجسيد مضامين الروايات، وللانتقال من "خير الانطباع إلى خير الموضوعية"(27). كانت الرواية "اللااجتماعيون" مثالاً للروايات التي كان السجن السياسي جزءاً منها، وطرحت صورة جديدة للبطل السياسي الإيجابي السجين، وهي صورة الضابط الذي أعيى السلطة في أيام الوحدة بين سورية ومصر، فآثرت نقله إلى مصر، حيث عينته في وظيفة لا أهمية لها، شعبة التجنيد، ثم أصدرت أمراً بإعفائه من الجيش، وأجبرته على الإقامة الجبرية في مصر مع أنه سوري، ولم يغفل الناقد عن تجاذبات السلطة والمثقف، إلى السياق الروائي الراصد لحركات السرد "وسكناته كي تزج به في السجن مع رفاقه الضباط السوريين المسرحين من الجيش"(28)، أي أن الرواية عمل فني يتناول موضوع سجن أحد العسكريين المعارضين للسلطة. اعتاد الناقد على التدقيق اللغوي وسبر التقانة الفنية والمواقف الفكرية عند تحديده للمنظور الروائي عند زرزور، فالرواية ترصد صورة السجن السياسي، "وهي صورة لا تنبع من جسد الرواية وسياقها، بل تنبع من قدرة المؤلف الذي حل في خالد جعفر وراح يستنطقه"(29)، الدلالة على القمع والإرهاب موجودة، لأن البطل معارض للوحدة على الرغم من أنه لا يستحق السجن والنفي والتشريد. حلل الناقد مراحل السجن، ولا سيما الزنزانة، على جانب تحديد الزمان الروائي ومكانه أيام الوحدة بين مصر وسورية في القاهرة، ومنابذة القطرية، ونداء القومية العربية المنتشرة في الحركة الوطنية في سورية. تناول الناقد في كتابه التالي "تجربة الرواية السورية" أربع تجارب هي تجربة سد الفرات، وفيها رواية زرزور "آن له أن ينصاع"، وتجربة إعادة صوغ الرواية، وتجربة الشكل السيري في الرواية التاريخية، وتجربة رواية الصيغة الشخصية، وتلازم اتجاهه الوصفي التحليلي في هذا الكتاب مع المنهج التحليلي التفسيري والمنهج الواقعي، والمنهج البنيوي، لدى التركيز على الأفكار والتعبير الفني عنها ومدى ارتباط الشخصية المدروسة بمجتمعها، أما الراسخ في شغل هذا الناقد فهو التحليل الروائي الكاشف للبنية الروائية العامة ومدلولاتها. شرح الناقد الاتجاه المضموني لروايات الفرات، وأولها رواية زرزور، ناظراً في النص الروائي و"دلالته الثنائية: المضمون والشكل لسبر مدى دقة موضوع الفرات بالنسبة إلى الأشكال الفنية السائدة في الرواية السورية"(30)، بما ينفع في معرفة الموضوع وسياقاته الاجتماعية، وكانت رواية زرزور أول عمل روائي يكتب عن سد الفرات، وقورنت بروايات جان الكسان "النهر" (1979)، ومحمد إبراهيم العلي "التحول الكبير" (1978)، وعبد السلام العجيلي "المغمورون" (1979)، ورأى أن نص زرزور لا يشير إلى شيء له علاقة كبيرة بالفن الروائي، فهو منتظم في "خط معاكس تماماً للواقعية الطبيعية اللطيفة التي رأيناها في روايته الأخيرة "المذنبون"(31)، أي أن الفيصل شدد تقييمه الفني والفكري لهذه الرواية، ورأها أقرب إلى تقرير نتائج سد الفرات الاقتصادية والاجتماعية، من منطقة الغمر إلى ذكر الحزام الأخضر أو العربي، وما صدر عن هذا الأثر الاقتصادي والاجتماعي من قسوة العيش، ونظر الناقد في الرؤية المثالية لطبقة العمال وخلاصها من النقائص والجرائم والتهاون مع بناء السد، وشرح عدم إغفال زرزور عن ظلم الطبيعة في المنطقة، "وبالذات فيضان الفرات المتكرر، والمآسي التي كان يخلفها وراءه"(32)، وأورد الناقد رأيه النهائي على أن الرواية عمل غير متماسك، يفتقر إلى مرتكز رئيسي ينعكس من خلاله سد الفرات على المستوى الشخصي، أو الاجتماعي، أو أي مستوى آخر يختاره الروائي، وعلل هذا الرأي النهائي بالأحكام الفنية، وأولها ضعف واقعية الرواية لاستغراقها في الإيهام أو قيامها "على وهم المؤلف بوجود الفكر المثالي"(33). من الملاحظ أن الناقد الفيصل معني عناية فائقة بالاتجاه الوصفي التحليلي للنص الروائي لإبراز الرؤى الفكرية والفنية من دواخله، تجاوزاً للأحكام الخارجية التي كانت شائعة إلى حد كبير في النقد الروائي. 2ــ 4 فيصل سماق: طور فيصل سماق نقده الوصفي التحليلي في كتابه الثاني "الرواية السورية: نشأتها وتطورها، مذاهبها"، ودرس فيه نشوء هذا الفن الروائي الحديث، ريادة وتكويناً ونهوضاً وانطلاقاً إلى تصوير المحلة التاريخية والفنية في أبعادها القومية والوطنية في سورية. وعني بوصف مرتسمات الواقعية الاشتراكية في الرواية السورية، وقدر زرزور في مقدمة الروائيين السوريين الذين تناولوا قضية الأرض والفلاحين وحياتهم وبؤسهم، منطلقاً من أرضية طبقية كادحة، حسب تصريحاته بأنه اشتراكي بالفطرة، وكونه عاش حياة متواضعة جداً، وانغمر بالفكرة الطبقية، وهذه التصريحات مأخوذة من شهادته المنشورة في مجلة "الموقف الأدبي" (العدد 129 ــ 130، 1982، ص 185). وجد سماق أن صورة زرزور وأفكاره مجسم بصدق وواقعية بنماذج حارة من حياة مجتمعنا وريفنا بوجه خاص في إنتاجه كله، وكان للرواية فيه النصيب الأكبر، ثم تحدث عن رواياته الست الأولى محتفياً بحسن الرواية الواقعية عنده في استقراء الماضي والحاضر والتطور التاريخي وآفاق المستقبل، ومنها معاناة سورية من أزمات سياسية مستمرة في أواخر الأربعينيات وبداية الخمسينيات، "خضع فيها الشعب للأحكام العرفية والمعتقلات والسجون وعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي، حيث سادت الديكتاتوريات العسكرية والانقلابات المتتالية"(34). اعتنى فيصل سماق في كتابه بعناصر الاتجاه الوصفي التحليلي، وفي مقدمتها خصوصيات الجنس الروائي ولغته وأسلوبه بلوغاً لوجهات النظر أو المنظور الروائي عند زرزور الحافل بالمواقف والأفكار والمعتقدات القومية والوطنية. 2ــ 5 عبد الله أبو هيف: وضع عبد الله أبو هيف كتابه الثاني في النقد الأدبي "الأدب والتغير الاجتماعي في سورية"، وخص الموضوع القومي في القصة القصيرة بالدراسة والتحليل من خلال قصص فارس زرزور، وأديب نحوي، ومراد السباعي، وناشد سعيد، وزهير جبور، وعلي المزعل. وصدّر الدراسة والتحليل بقصص زرزور، وتألقها في التعبير عن القضايا القومية مما يتصل بالأحداث والوقائع الكبرى كالحروب والثورات وحركات الاستقلالات، وبالنضال العربي في سبيل التنمية والاشتراكية كالمشروعات التنموية الاقتصادية والاجتماعية ذات النفع القومي والوطني العام، كالسدود الكبرى ومشروعات استصلاح الأراضي، والتصنيع، وإنشاء المؤسسات، والفرارات الثورية وتأثيراتها القومية. أبان الناقد أن زرزور، "كان يكتب وأمامه المثال أو القدوة، ليكون بطله أمثولة باقية في وجدان المتلقي بعد ذلك"(35)، على أن قدرته بالغة في بناء عالم واقعي ينطق بمحبة الوطن، ويفيض بالدلالات القومية والواقعية، مثلما تضمخت بإرادة صامدة ضمن إيقاع البنية الفنية الموحية بالنفس الملحمي وإلفة المنظورات القصصية. 2ــ 6 عادل حسن جبور: أصدر عادل حسن جبور الجزء الأول من كتابه "في سيرة فارس زرزور"، وقربها من السرد الروائي المباشر عن حياته وإبداعه بوصفه رائداً من رواد النهضة الأدبية الاجتماعية المعاصرة، وقد أصبح نتاجه الأدبي، بتقديره، سفيراً لسورية في الوطن العربي والعالم مدعاة للفخر والاعتزاز، وأنه صادق في نقل المعاناة، من حيث الاختزان في وعيه وإدراكه آلاف الحوادث من خلال وجوده في الريف بين الفلاحين والبسطاء من الناس، وبين أفراد القوات المسلحة. وكان هاجسه الدائم وشغله الشاغل تعرية الواقع الاجتماعي بسلبياته وأمراضه للوصول إلى مجتمع أفضل. روى في هذه السيرة قصصه الذاتية التي عاشها في رحلته المضنية خلال عقدي الأربعينيات والخمسينيات، ونصح قراءة هذه السيرة "لما فيه من الدقة والحكمة والبلاغة بمكان تدفع بقارئها للوقوف طويلاً أمام الحقبة التاريخية التي عاشها هذا الأديب ونقل أحداثها الاجتماعية بأدق التفاصيل، وأجمل الصور الأدبية في العلاقات الإنسانية"(36). تناول الباحث، وهو يقارب السرد الروائي، أهم تفاصيل حياة زرزور قبل التحاقه بالحياة العسكرية، وختمها بفصل "الهارب من السجن" بلسان زرزور: "لذا أخذت أتحسس جسدي، هل أنا مصاب، أم أن تلك الرصاصات لم تنل مني أي أذى، أزيزها ما زال يدوي في أذني حتى الآن بعد انقضاء أكثر من ثلاثين عاماً على تلك الحادثة المشؤومة، وظللت أسائل نفسي، وأنا استلقي على ظهر العربة، وأنا غير مصدق، هل نجوت حقيقة"(37). 2ــ 7 علي نجيب إبراهيم: بادر الناقد علي نجيب إبراهيم في كتابه "جماليات الرواية، دراسة في الرواية الواقعية السورية المعاصرة "إلى ممارسة الاتجاه الجمالي المعرفي في النقد الأدبي لإضاءة المعرفة والتخييل في الصوغ الروائي، بما يفيد في كشف الرؤية الشمولية للنص الروائي، ومعرفيته من دواخله، ومقاربة وعي الذات ضمن الخطاب الروائي وحواراته، وتنوير آليات التعالق بين الظاهراتية والتخيل في تصوير سيرورة الحياة حسب نظرية الأدب ومناهجه الحديثة، ومارس الناقد علم الجمال ونقد الوعي في عدد من الروايات السورية، ومنها رواية "المذنبون" لفارس زرزور، لمعرفة العالم جمالياً، ووعي الذات القومية والمشكلات الوطنية والاجتماعية، واهتم بالسياقات الاجتماعية والفنية، وعالج في رواية زرزور الظروف الاجتماعية للفلاحين تحت نير الإقطاع في الخمسينيات وما تخلف وراءها من اضطهاد وعنف وقمع. وتناول المسافة الجمالية بين عالم الرواية وعالم الواقع، والعلاقة العضوية ــ التكاملية بين الذاتية والموضوعية في الرواية، وأفصح عن جماليات هذه الرواية في التحولات الاجتماعية والقيم الجمالية، وأورد تصريحاً لزرزور على سبيل عتبة نصية ساهمت في معرفة الرواية كقوله: "ربما تمتع القارئ بالشكل الفني، لكن المتعة ليست غاية، وهي ليست أكثر من ترف لا أهمية له"(38)، ومهد الناقد لمعالجة الروائي زرزور إزاء ما يعانيه الفلاحون تحت وطأة التحالف الإقطاعي ــ البورجوازي الذي كان يرمي إلى تكييفهم مع الجو الجديد دون إبداء أية ردة فعل حتى لو خسروا أرضهم وكامل حقوقهم. أدرج الناقد التحولات الاجتماعية في غلبة تعبير الرواية عن التشاؤم وغلبة القبح الاجتماعي في أحلك الظروف وأقساها عند توطيد معايير الشكل الروائي التي تخضع خضوعاً تاماً لمتطلبات المضمون وضروراته. ثم عرض موضوع الرواية وسيرورتها الجمالية إيجابياً وسلبياً، وانتقد قلة اهتمام زرزور، برأيه، "بالمنطق الروائي في بناء الحبكة وسرد الأحداث"(39)، غير أنه لم يعلل هذا النقد النصي الجمالي والمعرفي تماماً، وعرض الملامح النقدية وإفصاحها عن وجهات النظر السردية ورسم الشخصيات، استناداً إلى مواقف الراوي من السرد، وأولها يتعلق بموقف موضوعي يشهد على حيادية الكاتب تجاه الموضوع المروي، والثاني يخص موقفاً ذاتياً يقود إلى وصف دقيق لأعماق الشخصية بوساطة الحوار الداخلي، والثالث يخص موقفاً ذاتياً يقود إلى وصف دقيق لأعماق الشخصية بوساطة الحوار الداخلي، والثالث يحقق التوازن بين حيادية الراوي وذاتية الشخصية، ومثل هذه المواقف معروضة عند نقاد السرد أمثال بييرزيما وكوجينوف وباختين ولوسيان غولدمان. أشار الناقد إلى تمرد الراوي على هذه الأعراف كلها، وإن زاد فيها الحوار أو الحوار الداخلي (النجوى)، وأطلق بعد ذلك أحكام القيمية إزاء التقنيات السردية وجمالياتها مثل عنايته بمقولات علم النفس، وضبط بناء الشخصيات وإلباسها أحياناً قيماً رمزية، والربط بين الواقعي والجمالي وانصهارهما في الصورة الفنية، وهناك انتقادات لا تتناسب مع جمالية الرواية، لأنه ذكر المثل الجمالية وتجلياتها في مواقع كثيرة ومنها أن قيمة هذه الرواية كامنة في جانبها التسجيلي"(40). من الواضح أن الناقد إبراهيم معني بالتحليل الفني، ولكنه لا يتخلى عن إطلاق الأحكام النقدية. 2ــ 8 عبد الرحمن برمو: نشر عبد الرحمن برمو كتابه "الرواية التاريخية في الأدب السوري المعاصر"، وتحدث فيه عن حركة المجتمع العربي في سورية وتحولاته من الاحتلال العثماني ثم الفرنسي إلى الاستقلال والحرية، واختار روايات فارس زرزور مثالاً إلى جانب عدد من الروايات الأخرى، لإدراك جوهر الظروف السياسية والاجتماعية والبيئية والتاريخية والحضارية خلال مراحل نشوء الرواية التاريخية وتطورها، وحلل رواياته من النواحي الفنية والخيالية، ومن وجهة نظر الموضوع والفكر في هذا الفن، بالإضافة إلى تعيين الخصائص الفنية والفكرية في وعي التاريخ والذات القومية والقضايا الوطنية. 2ــ 9 محمد رياض وتار: درس محمد رياض وتار في كتابه "شخصية المثقف في الرواية العربية السورية" مفهوم المثقف وتمثلاته في الرواية التعليمية والرومانسية والواقعية، وعاين موقف المثقف العربي من الحضارة ومن قضايا المجتمع والسياسة، وأبرز في دراسته نماذج الشخصية المثقفة التراثية والثورية واللامنتمية، وحلل مصادر أفكار هذه الشخصية الوافدة كالماركسية والوجودية والفرويدية، والثقافات الأخرى، وركز على الثقافة المحلية والدينية والحكايات الشعبية، ولديه اهتمام بأدوات التجسيد الفني لشخصية المثقف مثل نظرية الشخصية، وطرائف تقديم الشخصيات المثقفة في الرواية السورية، والخصائص الفنية للحوار بين هذه الشخصيات، وللعلاقة بين المثقف والمكان، وبين الراوي والمثقف، وأورد خير مثال للشخصية المثقفة في رواية فارس زرزور "اللااجتماعيون"، إلى جانب العديد من الروايات المدروسة لروائيين آخرين، غير أنه استعاد نقد نبيل سليمان الواصف للشخصية بولعها للحب الشرقي والتبعي والذيلي، ومثل هذا الرأي غير معلل، وخلص إلى "أن الشخصيات المثقفة مارست الظلم ضد المرأة، فحرمتها من إنسانيتها عندما رأت فيها كائناً أسطورياً، لا كائناً بشرياً فيه القوة والضعف، ورمتها بظلم أشد عندما اختزلتها إلى جسد يمنح المتعة واللذة، وتغاضت عن وظائفها الأخرى"(41). تلاقى الناقد لاحقاً مع المنظور الروائي من داخل رواية "لن تسقط المدينة"، من خلال إبانة الدور الرجعي والعميل لمثقفي البرجوازية العربية من أجل قضايا الاستقلال الوطني، واستعاد أيضاً نقد سمر روحي الفيصل المؤشر إلى السخرية من البرجوازية الوطنية من خلال سخريته من شخصيته عبد الرحمن الشهبندر، ومثل هذه السخرية غير معللة كذلك، ورصد النقد ما حوته الرواية من بداية تشكل الوعي القومي العربي لدى شريحة من المثقفين البرجوازيين، وطرحت فكرة الوحدة الوطنية من خلال شخصياتها، لإبراز إيديولوجيا الشخصيات المثقفة، وتحديد طبيعة بواكير الوعي القومي العربي أو الديني. رأى الناقد أن رواية "حسن جبل" امتداد لرواية "لن تسقط المدينة" في متابعتها لرصد أحداث النضال ضد المستعمر، وأهم ما فيها، برأيه، "هو الأفكار التي تضمنها الحوار الذي جرى بين الدكتور عبد الرحمن الشهبندر ومحمد قاديش، والذي كشف عن اختلاف في أفكار الشخصيتين اللتين تنتميان إلى طبقتين مختلفتين"(42). أوجز الناقد وتار رأيه بالأحكام القيمية المباشرة حول الرواية دون التعميق بالتحليل الفني. تميز نقد المرحلة الثانية حول أدب فارس زرزور بتحليل الفن الروائي والقصصي محتوى بالدرجة الأولى، وشكلاً وجمالية بالدرجة الثانية. 3ــ ملاحظة عامة: أظهر النقد الخاص بفارس زرزور، كما لاحظنا، طبيعة إبداعاته الروائية والقصصية، ولا سيما مضامينها ومحتواه الفكري، ومواقفه الشخصية والسيرية، وهناك القليل من النقد الفني وتقاناته ومنظوراته السردية. المصادر والمراجع: 1ــ إبراهيم، علي نجيب: جماليات الرواة، دراسة في الرواية الواقعية السورية المعاصرة، دار الينابيع، دمشق، 1944. 2ــ أبو هيف، عبد الله: الأدب والتغير الاجتماعي في سورية، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1990. 0 3ــ بن ذريل، عدنان: أدب القصة في سورية، منشورات دار الفن الحديث العالمي، دمشق، 1965. 4ــ بن ذريل، عدنان: الرواية العربية السورية، دراسة نفسية، مطبعة الآداب والعلوم، دمشق، 1973. 5ــ جبور، عادل حسن: الأدب الاجتماعي المعاصر في سيرة فارس زرزور، الجزء الأول، دار المستقبل، دمشق، 1994. 6ــ الخطيب، حسام: القصة القصيرة في سورية، تضاريس وانعطافات، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق، 1982. 7ــ سليمان، نبيل (وبو علي ياسين): الأدب والأيديولوجيا في سورية 1967 ـ 1973، دار ابن خلدون، بيروت، 1974. 8ــ سليمان، نبيل: الرواية السورية 1967 ـ 1977، وزارة الثقافة والإرشاد القومي دمشق، 1982. 9ــ سماق، فيصل: الواقعية في الرواية السورية، مطابع دار البعث الجديدة، دمشق، 1979 10ــ سماق، فيصل: الرواية السورية، نشأتها وتطورها، مذاهبها، مطابع الإدارة السياسية، دمشق، 1984. 11ــ الفيصل، سمر روحي: السجن السياسي في الرواية العربية، الط2، جروس برس، طرابلس، لبنان 1982. 12ــ الفيصل، سمر روحي: تجربة الرواية السورية، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1985. 13ــ الفيصل، سمر روحي: ملامح في الرواية السورية، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1979. 14ـ وتار، محمد رياض: شخصية المثقف في الرواية العربية السورية، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2000. الهوامش: 1ــ بن ذريل، عدنان: أدب القصة في سورية، منشورات دار الفن الحديث العالمي، دمشق، 1965، ص 177. 2ــ المصدر نفسه،، ص 207. 3ــ المصدر نفسه، ص 325. 4ــ بن ذريل، عدنان: الرواية العربية السورية، دراسة نفسية، مطبعة الآداب والعلوم، دمشق، 1973، ص 133. 5ــ المصدر السابق، ص 137، 138. 6ــ المصدر السابق، ص 191. 7ــ المصدر السابق، ص 196. 8ــ المصدر السابق، ص 205. 9ــ سليمان، نبيل (وبو علي ياسين): الأدب والأيديولوجيا في سورية 1967 ـ 1973، دار ابن خلدون، بيروت، 1974، ص 364 10ــ المصدر نفسه، ص 331. 11ــ المصدر السابق، ص 378. 12ــ المصدر السابق، ص 379. 13ــ سماق، فيصل: الواقعية في الرواية السورية، مطابع دار البعث الجديدة، دمشق، 1979، ص 96 ـ 97. 14ــ المصدر السابق، ص 123. 15ــ المصدر السابق، ص 134. 16ــ المصدر السابق، ص 155. 17ــ الفيصل، سمر روحي: ملامح في الرواية السورية، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1979، ص 202. 18ــ المصدر السابق، ص 208. 19ــ المصدر السابق، ص 209. 20ــ المصدر السابق، ص 210. 21ــ سليمان، نبيل: الرواية السورية 1967 ــ 1977، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق، 1982. 22ــ المصدر السابق، ص 147 ــ 148. 23ــ المصدر السابق، ص 180 ــ 181. 24ــ المصدر السابق: ص 319. 25ــ المصدر السابق: ص 335. 26ــ الخطيب، حسام: القصة القصيرة في سورية، تضاريس وانعطافات، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق، 1982، ص 91 ـ 92 27ــ الفيصل، سمر روحي: السجن السياسي في الرواية العربية، الط2، جروس برس، طرابلس، لبنان، 1982، ص 6. 28ــ المصدر السابق، ص 118. 29ــ المصدر السابق، ص 120. 30ــ الفيصل، سمر روحي: تجربة الرواية السورة، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1985، ص 13. 31ــ المصدر السابق، ص 37. 32ــ المصدر السابق، ص 41. 33ــ المصدر السابق، ص 84. 34ــ سماق، فيصل: الرواية السورية، نشأتها وتطورها، مذاهبها، مطابع إدارة السياسية، دمشق، 1984، ص 184. 35ــ أبو هيف، عبد الله: الأدب والتغير الاجتماعي في سورية، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1990، ص 193. 36ــ جبور، عادل حسن: الأدب الاجتماعي المعاصر في سيرة فارس زرزور، الجزء الأول، دار المستقبل، دمشق، 1994، ص 13 37ــ المصدر السابق، ص 386. 38ــ إبراهيم، علي نجيب: جماليات الرواة، دراسة في الرواية الواقعية السورية المعاصرة، دار الينابيع، دمشق، 1994، ص 127 39ــ المصدر السابق: ص 172. 40ــ المصدر السابق، ص 190. 41ــ وتار، محمد رياض: شخصية المثقف في الرواية العربية السورية، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2000، ص 55. 42ــ المصدر السابق، ص 81. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |