مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 439 تشرين الثاني 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

الضيف ـــ نجمان ياسين / العراق

أي اختلاف بين هذه المدينة التي تسترخي بين يدي النهر، وبين المدن الأخرى، سوى أنها اعتادت مذاق الدم وطعم ليالي الخوف الموحشة الطويلة؟ ومن يستطيع أن يتبيّن الفارق بين مدينة لا يفلح طوفان النهر وفيضاناته المتتالية في غسلها من الأدران، وبين مدن أخرى، سوى أن الرصاص ينهمر كل يوم، فتتساقط الجثث ويندفع الدم غزيراً منها وهي تشخر كالثيران الذبيحة، وترنو إلى قاتلها الذي يمرق بعيداً، فتتلقفه الأزقة المعتمة الضيقة، والملتوية كالأفاعي، ويذوب كالملح ويتوارى، بينما تظل نظراتها ضارعة، مستسلمة لقسوة الموت.‏

كان أبي يردد هذا الكلام، وربما كان يقول شيئاً قريباً أو مشابهاً له، كلما تناهى إلينا خبر مصرع إنسان، وكان خالي يقول شيئاً بهذا المعنى، بعد أن يعرف هوية القتيل في اليوم الثاني.‏

يهمس خالي بحزن:‏

ـــ هذه المدينة، مثل كل المدن البائسة الأخرى، يعمل فقراؤها بكد وتعب ويأكلون بشراهة ثم يغشون نساءهم مراراً في الأسبوع لأنهم يأخذون القليل، ولعل ما يميزها عن بقية مدن الله أنها اعتادت ليل الخوف الطويل الذي يسكنها منذ أعوام ويبث الوحشة في بيوتها المذعورة، لتستكين عميقة في القلوب، ويموت فقراؤها بالمجان!‏

كنت أعرف أنهما يتحدثان عن موجة الاغتيالات التي ضربت المدينة.‏

بدا أبي ساهماً، ينظر بعينين مكّدرتين إلى العبد، ورأيت في وجهه، تلك المسحة الأسيانة التي توحي بكثير من الغضب.‏

قال أبي وهو يرقب العراء المسترخي تحت ضوء نجوم مزدهرة في سماء الصيف المتشظية إلى غيمات كاذبة:‏

ـــ سيزورنا ضيف في الغد، فتهيأ يا ولدي.‏

نبرة أبي ترشح بالألم، وملامحه تبدو وكأنها قد فقدت ذلك الألق الآسر الغزير، الأمر الذي أشعرني بالحزن الذي أمسكه أبي في وجهي، فقال:‏

ـــ ضيف الغد خطر، قاتل متمرس، ومن أركان فرقة الاغتيالات.‏

لم أكن قد عهدت الخوف في قلب أبي من قبل، لكنني أحسست بأن صوته الجاف يقترب من الخوف، الشيء الذي أغاظني وجعل النار تشب في عروقي وتبعث ألماً جارحاً!‏

قال أبي:‏

ـــ ضيفنا غدّار، وزيارته لنا تحمل الشؤم، ولعله يروم قتلي!‏

اندلع لهيب في داخلي، لهيب أرسل شرره المتطاير ومضات لم تفلح في إضاءة دهاليز وظلام أعماقي، ترى كيف عرف أبي أن الضيف يقصد شراً ويريد قتله؟ ومن أخبره بهذا الأمر؟ سكب صوت أبي حلاوة السكينة في روحي حين أعلن:‏

ـــ أستطيع بسهولة أن أدق عنقه، وأكسر ظهره، لا أريد أن أبدأ الشر، ولا نريد المشاكل، سننتظر كيف يتصرف، نرصده، ونراقبه بحذر ونحترس منه طوال الوقت، وسيكون دورك أن تظل واقفاً قريباً، لا تغادرنا أبداً، سنقيم مأدبة، وسأعطيك مسدساً تضعه في حزامك، وعليك أن تضعه بطريقة بارزة وملفتة لنظر الضيف، أجعل الضيف يعرف أنك مُسلَّح!‏

قال أبي ذلك وأمرني أن أذهب لذبح الديك الرومي الذي أعدّه للضيف.‏

حاولت أن أركز أفكاري، وأن أتبين معنى ما يحدث، ولم أفهم، إذ ظلت موجات رأسي المشوشة تتقاذفني.‏

اعتاد أبي أن يوصيني ألاّ أشعر بالحزن على روحي طالما كنت حياً أدرج على الأرض، فليس للرجل الفحل أن ينقهر على نفسه، لأن تلك أولى علامات الضعف والاستسلام.‏

تذكرت الوصية التي ينبغي أن أمسكها بقلبي لعلها تدفع عني نيران التنين التي تسعى لالتهام حياة أبي، تلك الحياة الحافلة بالمغامرة والأسفار، أسفاره التي لا تنتهي.‏

يغيب أبي عن المنزل شهراً أو شهرين، وربما ثلاثة أشهر أو أكثر، يضرب في البلدان، يترك العائلة في المنزل، معنا بقرتنا الشقراء الحلوب، نتغذى من حليبها الدسم الشذي، ولبنها الرائب اللذيذ، وربما بعنا للجيران كاسات منه أو عدة طاسات، بدراهم معدودة كانت تكفي لتؤمِّن حاجاتنا البسيطة التي تعوِّضنا عن شيء من غياب أبي.‏

يغيب أبي، ولا نعرف أين غاب، وبغتة يعود محملاً بالبرتقال السوري والجبن التركي، والصابون الحلبي، وبولاعات سجائر وتبوغ أجنبية زكية الرائحة، وبعض قناني العسل الأسود الشهي العبق برائحته المنعشة، ويبهجنا بعطور شتى في زجاجات زرقاء جميلة، وأخرى وردية وثالثة تتوهج كالفضة، يجلب معه العديد من الصناديق المربوطة بأحزمة محكمة من نايلون متين، تلك كانت بضاعته التي تأخذه منّا لأشهر ثقيلة على المنزل.‏

عاد أبي ذات يوم من واحدة من أسفاره، محملاً بالخيرات كما تقول جدتي، ومن سوء حظنا أن ابن الجيران الذي أغواه الطمع قد شاهد أبي يضع البضاعة في المنزل ـــ ذلك ما أخبرنا به أبي ـــ فهرع إلى مركز الشرطة ليخبرهم عن وجود بضاعة مُهرَّبة لم تدفع رسومها الجمركية، بضاعة سورية مُهرَّبة في منزلنا!‏

داهمنا رجال الشرطة وحملوا معهم كل شيء.‏

وبقي لنا نحن الأولاد، الوجوم، بينما كانت أمي وجدتي، تهرقان دمعاً سخياً.‏

بعد أن عاد أبي من مركز الشرطة بكفالة مختار الحي، اشتعلت عيناه لهباً وقال:‏

ـــ الله كريم، حسابه معي، سأجدع أنفه ذات يوم، وقد أقص أذنيه!‏

أدركنا أن أبي سيفعل ذلك، وسينال الولد المخبر، شر جزاء، ولن يكون بمقدور أحد أن يوقف أبي، فنحن جميعاً نذكر ما حصل لأحد أعمامي القادم من القرية ليلتحق بخدمة العلم، وأمضى في منزلنا عدة أيام. كان يأتي إلى المنزل في آخر الليل، يترنح ويتمايل بعد أن يكون قد شرب العرق بشراهة، أحس أبي بالخجل منه وأمره أن يكف عن الشرب والنهيق مثل جحش يزعج أهل الحي، متوعداً إياه بأن يدق أذنه في الجدار إن لم يطع الأمر، فالفضيحة في الحي قد أخجلتنا، ولسوء طالع عمي المتهوِّر، لم يترك الشرب، فكان أن أمسكه أبي من خناقه وجاء عمي كالعصفور بين يدي أبي الباطشتين اللتين انهالتا بعقاله الغليظ على وجه ورأس وظهر ومؤخرة عمي الذي رفع عقيرته بالاستغاثة، دون أن يجرؤ أحد على إنقاذه! وبعد ذلك اقتاده أبي إلى زاوية من جدار المنزل ودق إحدى أذنيه بمسمار، فعل أبي ذلك دون أن يرف له جفن!‏

الليل في أوله والنجوم المشعات، ترش المدينة بالضوء المرتمي على المآذن والبيوت، والمتسلل برشاقة إلى الأزقة والأحياء الراقدة تحت سماء الصيف وغيومها الضالة المتناثرة، وأنا أرمق أبي الذي أراه مهموماً، وأفكر بذلك القلب الذي ينبض في صدره! أي قلب، هو قلبك يا أبي؟‏

بعد أن أخفقت توسلات أمي ورجاء جدتي اللّجوج، في ثني أبي عن عقاب الولد المخبر ابن الجيران، حدث ما لم يكن في الحسبان، فبغتة تفجر العويل والبكاء من منزل الجيران، وعرفنا أن والد الولد المخبر قد مات! وعرف أبي أن لا نقود لديهم لتدبير أمور الجنازة والدفن والمأتم!‏

ومضت عينا أبي، وضع عقاله على رأسه، وسوى هندامه، وتعطر برائحة طيبة، وخرج بعد أن أرسل أمي إلى منزل الجيران.‏

وأعلمتني جدتي بعد أيام، أن أبي قد قام بدفع كل تكاليف الدفن والجنازة وإقامة الفاتحة، وعفا عن الولد المخبر اليتيم!‏

فكرت بهذا، وتساءلت، إن كان يستحق هذا القلب أن يتوقف عن الخفقان! وكيف؟ عن طريق اغتيال غادر يريد أن ينفذه إنسان سيأكل من طعامنا، ويذوق خبزنا وملحنا!‏

وفكرت بالبشر الذين يقتلون، وبرشات الرصاص التي تخرق الصمت في كل وقت.‏

وتذكرت الناس الذين شاهدتهم مربوطين من أيديهم بحبال، وكيف سحلوهم بعربات في شوارع المدينة، وأبصرت الجثث المعلقة على أعمدة الكهرباء، عارية تحت سماء كئيبة، تذكرت حديث رجال الحي عن الجثث المغدورة التي تظهر عند ـــ جامع الخضر ـــ بعد أن ينقر السمك عيونها ويفعل أفعاله العجيبة، وربما يأخذها الماء بعيداً فتظهر عند قرية "البو سيف" قريباً من المدابغ، جثث من خنقوهم وأعدموهم ورموهم في دجلة! تذكرت هذا واستطعت أن أفهم معنى ما قاله خالي لأحد أصدقائه في مقهى الحي العتيق:‏

ـــ مدينتنا اليوم، دم ومشنقة وموت.‏

هبطت من سطح المنزل العالي، إلى باحة الحوش الذي يحتضن شجرة التوت، حيث تسترخي جدتي على سريرها الخشن الذي أعددناه لها من خشب صلب كي يحمي فقراتها ويخفف الألم، بينما كان خالي منهمكاً كعادته في قراءة كتاب.‏

جئت بحصيرة، ومخدة، واستلقيت.‏

النجوم فوقنا فضة تنهمر على الدنيا، والغيوم تشبه الريش في وقتها وبياضها الناعم، وأنا محزون، أحاول أن ألم ما انكسر في روحي، فأبي الليلة، يكاد، يكون غير أبي الذي أعرفه!‏

ما معنى كل هذا؟ ومن المسؤول عما يجري لنا؟ ماذا فعل أبي ليأتي هذا الضيف القاتل ليأكل من طعامنا، ويغدر برب منزلنا؟!...‏

تسلل صوت جدتي حاداً، جريحاً:‏

ـــ الله يضربهم، ماذا يريدون منه؟‏

قال خالي:‏

ـــ الرجل آثر العزلة وتحاشى المذابح.‏

قالت جدتي:‏

ـــ فعل عين الصواب.‏

قال خالي:‏

ـــ لم يرضوا بهذا، وقالوا له، إما أن يكون معهم أو أن يكون ضدهم!‏

قالت جدتي:‏

ـــ هذا هو حكم فرعون!‏

قال خالي:‏

ـــ أرادوه معهم لقوة وبسالة روحه.‏

قالت جدتي:‏

ـــ يا ابني، الرجل مستور وحمله ثقيل.‏

قال خالي:‏

ـــ الله هو الحارس والحافظ من هؤلاء الناس غلاظ القلوب الذين يريدون به السوء.‏

رددت جدتي بيقين وصوتها يرتعش:‏

ـــ الله هو الحارس والحافظ يا ولدي.‏

لا أعرف لماذا أحسست بالسماء تهبط ثقيلة على صدري، وببكاء يسير في دمي.‏

قلت لخالي:‏

ـــ كيف يحدث هذا، ولماذا؟‏

سألني خالي:‏

ـــ هل أنهيت قراء قصة "الأمير الصغير"؟‏

سألته:‏

ـــ ماذا سنفعل؟ أسرتني القصة، وأدهشتني مغامرات الأمير الصغير، ماذا سنفعل لنواجه ضيف الغد اللئيم؟‏

قال خالي:‏

ـــ أبوك فحل، أسد ولا خوف عليه من صغار النفوس!...‏

قالت جدتي:‏

ـــ الغدرُ مُر، أكثر مرارة من العلقم.‏

ولأنني لذت بصمت طويل، ولأن خالي لم يشأ أن أظل سجين القلق، قال بنبرة جهد أن تكون متماسكة:‏

ـــ هذا الضيف دنيء، وقد طلب من أبيك، المأدبة بعظمة لسانه، فتصوركم هو واطئ، يريد أن يستر نيته الخسيسة بحجة الطعام! ولكن الغبي الحقيقي هو من يحاول أن يبلف الأذكياء!‏

بقيت صامتاً شبه مسطول، فقال خالي:‏

ـــ لا تبتئس، فقد دبر أبوك كل شيء، وسأكون قريباً منكما، ستراني جوار شجرة التوت، أجلس في الحوش، ومعي سلاحي.‏

أشعرني حديث خالي بالقوة وجدد العزم في روحي القلقة، فنهضت وأمسكت بالديك الرومي، ونحرته بسكين مرهفة التمع نصلها وسطع تحت ضوء نجوم السماء الذي تناثر على الدم المتدفق، وأحسست كما لو أن نار التنور في عقلي، قد همدت.‏

في الفجر، عهدت بالديك الرومي إلى أمي، وأخبرتها أن تطبخ برغلاً بالدهن الحر، فتلك مشيئة أبي.‏

على الرغم من أنني آمنت بأن أبي أعد خطة محكمة لتطويق ضيفنا البغيض، بحيث صرنا مثل كماشة جاهزة لتطبق عليه عند الضرورة، إلاَّ أن دبيب القلق، ظل يتوغل في نفسي، فالغدر مر وأشد مرارة من العلقم كما قالت جدتي.‏

انصرمت ساعة، وساعتان، وصدري يضج بالغضب، وقلبي يتقلب على أشواك الهواجس. الدنيا مشمسة، والشمس حارة تتوسط سماء كئيبة تنذر بالخطر، ومرارة الانتظار تزيد شعوري اضطراماً.‏

أبصر خالي، وقد ركن كرسيه تحت شجرة التوت، يتفيأ في ظلها الرحيب، بيده كتاب، وفي حزامه مسدس.‏

وأبصر أبي الذي عهد لي باستقبال ضيف الشؤم، يراقب من شباك الطابق العلوي، المطل على الحي، الطريق المرتمية تحت القيظ.‏

الوقت ثقيل، وتنفسي ثقيل، والسماء ثقيلة، كل الدنيا ثقيلة، ونحن قبضة انتظار شائك.‏

جاءني صوت أبي من الشباك المطوَّق بمرمر ناصع اللون:‏

ـــ الضيف يقترب من المنزل.‏

هرعت إلى باب المنزل، وأبصرت الضيف قريباً من ـــ مكينة طحين ـــ الحي العتيق، وقد نفش ريشه وتوجه صوبنا، ورأيت أنه قد علَّق رشاشه على كتفه.‏

اقترب الضيف.‏

وازداد وجيب قلبي حتى أحسست أنه يكاد يندفع إلى حلقي.‏

عند باب المنزل، توقف الضيف.‏

وعند باب المنزل، أوشك قلبي أن يتوقف.‏

قلت لنفسي:‏

ـــ أهذا السافل المُخنّث، يروم قتل أبي؟ طيط على الدنيا.‏

وشعرت بغيوم القلق تبدأ بالتلاشي من سماء روحي، شعرت ببعض الفرح والارتباك اللذيذين، فقد كنت أعرف هذا الطرطور!..‏

سألني الضيف عن أبي، فلم أجب، وأشرت إليه، أن يتبعني، وقدته إلى الطابق الأعلى حيث كان أبي الذي رحب به وأجلسه على فراش وثير تحيط به وسائد مكتنزة بريش ناعم! أغاظني الأمر، ولكن لا حيلة بيدي.‏

كان خالي في الحوش، قد حيّا الضيف عند دخوله المنزل، متعمداً.‏

لم يغادرني الفرح بالضيف، ولم يغادرني الارتباك!‏

غمز لي أبي، وأشار بطرف خفي أن أظهر مسدسي في الحزام، ففعلت، مع أني لم أكن بحاجة لإظهاره أكثر، فالضيف ليس أكثر من مخنث رخيص، وأهبل مجنون!‏

آخ أيتها الدنيا، أهكذا يكون حسابك معنا؟‏

بقيت مرتبكاً، مسروراً بالضيف، أحاول نفض الارتباك من أعماقي، والاحتفاظ بالسرور الذي انهمر في قلبي كالماء البارد في هذا الصيف المتعب، فأنا أعرف الضيف، أعرفه كما هو، وكما رأيته في سفالته، تلك الليلة!‏

انهمك أبي في الحديث مع الحثالة! ظل يلاطفه ويقدم له السيجارة وتلو الأخرى على الرغم من أنه قد وضع بين يديه علبة "بلاك وايت".‏

وشرعت أرى ما جرى تلك الليلة!‏

في تلك الليلة، تسلقت مع صاحبي ـــ سالم الطويل ـــ حزم وأكوام الحطب في ـــ السكلة ـــ وأشرفنا على منزل التاجر ـــ كصكوص ـــ .‏

تلك الليلة، غمر الظلام حينا العتيق، فتطلعت إلى السماء الرحيبة المزدحمة بنجوم تتوهج كالمرايا وتحاول إضاءة الظلام الجاثم على الحي، راقبت صوت النهر الذي بدا هادراً، وأصغيت إلى الموسيقى الصادرة عن منزل التاجر ـــ كصكوص ـــ وأدركت أن الحفل سيبدأ هذا المساء، وسيمتد كما جرت العادة في ليالي الصيف المقمرة إلى ساعة متأخرة من الليل، كنت قد هيأت روحي لترتمي في السعادة المرتقبة المقبلة من هذه الليالي الساخنة، الضاجة، الليالي التي تجعل الدم يستيقظ ويشرئب مثل رمح حاد مهيأ للانقضاض على قلوبنا، وكنت أحب ليالي النساء الرائقات، الفرحات، بالضوء والرجال وزرقة السماء والأنغام الراقصة التي تفيض بالحيوية، وكنت أرمق صاحبي، ونحلم معاً بالدخول إلى هذه الجنة، جنة كنا ندخلها بلهفة ونخرج مندحرين، محزونين، محتدمين، يكاد جسدانا يتصدعان ويطقان من احتقان الماء المضطرم الذي يمور في أعماقها.. تلك كانت جنتنا، ملاذنا، ندخله، لنخرج منه في نفس الليلة، نخرج منه لننتظره بشوق في العديد من الليالي التي تهبط علينا صماء، خرساء، قاسية، لا تشعرنا بسحر النجوم ولا بروعة السماء التي تفيض بالزرقة الصافية.‏

هناك كنت رأيت ضيف العار هذا، وهناك في منزل التاجر ـــ كصكوص ـــ قد شعرنا بالحليب ينبض في الصدر وبماء يدق في جسدينا، كان المنزل، قد أوصلنا إلى اشتعال لذيذ، وصرنا محسوبين على دنيا الفتيان الذين خشنت أصواتهم وانتفخت أنوفهم.‏

هناك في منزل التاجر ـــ كصكوص ـــ كنت شهدت فضحية هذا الذي يجلس منفوش الريش، متصنعاً الاتزان، دون أن يدري أبي، حقيقة هذا الطرطور، ودون أن أستطيع إخباره بأي شيء!‏

انتبذت ركناً قريباً من أبي ومن ضيف العار، وأنا أغلي، أغلي على الرغم من سعادتي!‏

التقطت أذناي صوت أبي:‏

ـــ مياه الرافدين، تكفي لتروينا، جميعاً.‏

وقال الضيف الأجكم:‏

ـــ لا بد من وجود من يجلس على الكرسي، ومن خُلِقَ ليكون محكوماً، وقد جئنا لنحكم البلد!‏

قال أبي:‏

ـــ آمنت من قبل، وازداد إيماني اليوم، بأن يتصالح أبناء البلد، الدم لا يصنع إلاَّ الدم.‏

قال الأجكم:‏

ـــ أنا أناضل مع رفاقي لتطهير البلد من العناصر المسيئة.‏

قال أبي:‏

ـــ الثمن فادح، وقتل الناس، سيما الأبرياء، خطيئة.‏

أردت أن أصرخ في وجه الأجكم:‏

ـــ مناضل أنت أم مهرج مجنون؟‏

واحتبست الكلمات في فمي، كانت على طرف لساني، وتوشك أن تطفر لتثقب عينيه، بيد أنها لم تستطع أن تكون طليقة، الأمر الذي أشعرني كأن لطمة قد ضربت وجهي!‏

كيف يجرؤ هذا الضئيل أن يقول ما يقول، وبكل هذه الوقاحة وأمام أبي وفي منزلنا، وأنا لا أستطيع أن أنقضّ عليه وأمسكه من شاربيه وأصرخ به أن أخرج ولا تدنِّس منزلنا، فأنا أعرفك، أعرفك، وقد رأيت ما كنت تفعل وما يفعلون بك في منزل التاجر ـــ كصكوص ـ! وتجرني ذاكرتي، أقف أمام المشهد، منزل التاجر ـــ كصكوص ـــ يفيض بالنساء الحلوات، وأنا وصاحبي، نرقب النساء، القطن شفيف، والفساتين ضيقة تلتصق أو تبرز أو تشف عن مكمن المفاتن، فترفرف الدماء في صدري، وأرى عيني صاحبي، مخضلتين بدمعتي فرح ونشوة.‏

حوش المنزل مزدحم بالنساء، سامية بنت التاجر ـــ كصكوص ـــ وعدة نساء أخريات يهدلّن مثل يمام، فستان سامية يكشف عري ظهرها الصقيل الطافح بالنور، ومشدود من الأمام يجعل رمانتي صدرها تبرزان بدلال يرمي قلبي بالنار، الفستان له لون ذهب منثور، ولحم سامية الطري يترجرج، الفستان قصير يكشف عن جزء مشرق من فخذين يشبهان سمكتين بنيتين، طريتين!‏

نرقب المائدة في زاوية الحوش، عند الدرج المرمر، صحون الحمص والباقلاء واللوبياء والتبولة، تتراصف في تشكيل مغرٍ، والزيتون الأخضر والأصفر والأسود، يزهو في أطباق من زجاج، ورائحة الشواء، تصلنا من موقد الفحم المتوهج بالجمر المتراقص، وأنا وصاحبي نشبه السكارى، نترنح، ونتمايل، ونبصر الأقداح المرصوفة بأناقة، تصدر نوراً يشبه خيوط فضة ضالة. أقداح فارغة، وأقداح تفيض بالعرق الأبيض، وأخرى بسوائل لها لون عصير التفاح، وأقداح البيرة تطفح من أكواب خاصة وضعت أمام النساء ذوات الصدور الوفيرة الخصيبة المرتجة، المتمايلة، السكرى التي تتمايل بغنج وإغواء على وقع أنغام أسطوانات الغرامافون، لا تكف ولا تشبع من الشرب، ومن الرقص، والغناء المنبثق عن الغرامافون، شجي وعذب، مرة يصدح المغني بأغنية "أسمر يا جميل" ومرة ترتفع أغنية "على شط بحر الهوى" وفي كل مرة ترقص النساء، نساء بيضاوات، ونساء سمراوات لهن لون البرونز وقامت ريّانة تضيء منزل التاجر ـــ كصكوص ـــ وتجعل الدنيا ترتمي في هيام عميق، يشبه هيامي وهيام صاحبي ونحن نرقب هذه الجنة المجاورة لأرض الحي العتيق.‏

التاجر ـــ كصكوص ـــ ومعه ابن الجلبي الذي تقام له هذه الليالي، يكرعان من الأقداح، ويصفقان ببهجة، وقربهما يقف الخادم حازم الأجكم ابن ـــ خجو التيسة ـــ يحمل الأقداح الفارغة، ويملأ أقداح الرجال والنساء، ويجلب لهم أطباق المقبلات!‏

أومأ له ابن الجلبي، فهرع وانحنى ليتلقى ما همس في أذنه، وهز رأسه مثل كلب مطيع. وضعوا اسطوانة أرسلت موسيقى صاخبة ذات إيقاعات راقصة.‏

غاب حازم الأجكم، وعاد بعد دقائق.‏

انخرط الحاضرون في ضحك عال، وصفقوا له.‏

كان قد ارتدى ملابس امرأة، وحشا صدره بالقطن ليجعل له صدر امرأة، وعفر شاربيه ببودرة بيضاء ليخفي سوادهما، بينما لطخ وجهه بأصباغ حمراء، ورسم على شفتيه لوناً له لون الدم الحار، وغطى رأسه بباروكة صفراء، ووضع في قدميه حذاءً لـه كعب زاد من طوله وجعله أكثر إضحاكاً، وكان قد ركَّبّ مؤخرة اصطناعية تكورت تحت ظهره.‏

همس صاحبي ـــ سالم الطويل ـ:‏

ـــ يا مجنون ابن المجنون، أخزاك الله!‏

أشرت له بطرف عيني أن يصمت، ففعل. اندفع حازم الأجكم إلى وسط حوش المنزل، وانغمر في رقص خليع رسم فيه الكثير من الحركات البذيئة، كانوا يصفقون، ويهِّللون، وكان الأجكم يرقص، ويمضغ علكة بطريقة مبتذلة، يصفقون ويرقص، تتصاعد الموسيقى ويرقص، ينخسونه في مؤخرته ويتضاحكون.. ويواصل الرقص والضحك معهم!‏

آخ يا أبي، لو كنت تدري من هذا الذي جاء ليأكل من زادنا! آخ منك يا دنيا البلايا لم تتركي لنا سوى وسخ أرجلنا، ليتمرجل علينا؟!‏

قال صاحبي ـــ سالم الطويل ـــ :‏

ـــ ملعون الوالدين، أخزانا بهذه الفعلة.‏

وعندما لم أعلق بشي، أكمل بنبرة مريرة:‏

ـــ يقولون إن أمه التيسة، ممسوكة ومجنونة، وقد أرضعته حليب الجنون.‏

حركت رأسي ولم أعلق بشيء أيضاً.‏

المجنون ابن المجنونة، اليوم في منزلنا، يجلس على فراش وثير، ويتكئ على وسائد الريش، فوقه مروحة كهربائية، وأمامه أخرى، ينتظر أن يتزقنب من زادنا! وقد أضمر الشرّ بأبي.‏

استمر الغضب يعصف بي، ويغلي في بركان دمي، والدنيا تضيق بي.‏

كان الأجكم مندمجاً في حديثه مع أبي، ولم أستطع أن أتبين الكثير مما جرى بينهما، لكني أبصرت عيني أبي أكثر من مرة، تومضان بنار حادة، ولا أعرف لماذا أحسست أنه يريد أن يبطش بالأجكم! ولا أعرف لماذا لم يفعل؟‏

جاؤوا بالديك الرومي المحمّص والمقرمّز، وقد حشروه وسط صينية برغل تفوح منه رائحة الدهن الحر.‏

وجاؤوا بمناديل وإبريق ماء وإناء لغسل اليدين.‏

ناولت الإبريق لأبي أولاً، فقال:‏

ـــ الأصول أن تصب الماء على يدي ضيفنا يا ولدي.‏

وناولني الإبريق، فوضعته بسرعة قدام الأجكم المجنون.‏

نظر أبي إليّ بعتاب، فانقبضت ملامحي، ركبت رأسي ولم أصبر على ضيم خدمة الخنزير!‏

غسل الأجكم المجنون يديه بنفسه، وتزقنب كما لو كان لم يذق طعاماً من قبل!‏

عينا أبي ترسمان أكثر من سؤال.‏

وعيناي غاضبتان، أشعر بألسنة نار تشب فيهما.‏

كنت أغلي، السماء ضيقة، والدنيا ضيقة، وروحي ضيقة.‏

لماذا لا أصرخ، وأكشف المستور؟‏

وهل أجرؤ لأعلن أمام أبي سر مغامراتي الليلية التي تقول جدتي عنها بأنها من حركات الشيطان؟‏

الزمن حجارة ثقيلة، والدقيقة دهر!‏

شرب الأجكم المجنون، الشاي، وتلمظ، ثم نهض بعد دقائق.‏

قال أبي:‏

ـــ أوصل ضيفنا إلى خارج المنزل.‏

جعلته يمشي أمامي، وانتابني رغبة بأن أرفس مؤخرته بقدمي!‏

لمحت في عينيه دهشة، وقسوة، ولعله كان يفكر بسر عدم احترامي له.‏

كان خالي في الحوش، يتظاهر بالقراءة، وتعمّد ألاّ يودعه.‏

لم أودعه أنا أيضاً، ولم أشعر بالدنيا إلاَّ بعد أن قدته إلى خارج المنزل، وراقبته يغيب في الزقاق القريب من ـــ مكينة الطحين ـ.‏

ولا أعرف لماذا رأيته في هيئة امرأة ترقص بين يدي رجال ونساء، يدسون أصابعهم في مؤخرتها!‏

كنت أعرف أن أبي سيعاتبني لأني كنت امتنعت عن صب الماء على يدي الأجكم المجنون.‏

وكنت قد هيأت عذراً ملائماً سيقنعه بالتأكيد، كنت سأقول لأبي:‏

ـــ لم أشأ أن أشغل روحي بصب الماء، ولم أحب أن تسرقني الغفلة.‏

وكنت أعرف أنني لن أبوح بسري لأبي، لا اليوم، ولا في الأيام المقبلات!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244