مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 439 تشرين الثاني 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

الرحلة المستمرة ـــ عزيز نصار

بدأت الرحلة في الصباح الباكر، وطيور الفرح تخفق بأجنحتها، والابتسامات تضيء الوجوه، وكنتُ أنظر إلى الطريق من نافذة الحافلة. أخذتُ أراقب الأشياء في انخطافها العجيب. المكان غريب. أرض جرداء ممتدّة، وشمس لاهبة.‏

حافلة هادرة تطوي الأرض، تنطلق يمنة ويسرة بشكل جنوني. علت الأصوات، وعيوننا تلاحق حركات السائق. قفزتُ من مقعدي متجهاً إليه لأطلب منه الوقوف. وجدتُ نظارة سوداء على وجهه، وحين نزعتها رأيتُ عينيه مطفأتين، عرفتُ فداحة الأمر، وصدمني الموقف.‏

في تلك اللحظة الرهيبة صرختُ، والخوف يغزو نفسي:‏

ـــ السائق لا يبصر.‏

اغتاظ الركاب، ووجّهوا إليه انتباههم، والصرخات تدوّي مفعمة بالمرارة. ارتفع صوت أحدنا مذعوراً مستنكراً:‏

ـــ هذا جنون. لن نصل أبداً، وسننتهي إلى ظلمات القبور.‏

قال صوت آخر:‏

ـــ ليس لنا من الأمر شي ولا خيار آخر.‏

قال ذو لحية مرسلة، عمامته طويلة بيضاء، نحيل لم يبق منه إلا هيكل عظمي:‏

ـــ كل شيء ثابت ومعروف، والطريق وعر عسير.‏

وقف وألصق بياناً للتهدئة على سقف الحافلة، لحق به ركاب، وأيّده بعضهم، وعارضه آخرون.‏

قال رجل جليل، وجهه مطمئن:‏

ـــ ربما نصل بلحظات خاطفة، وقد يستغرق الوصول العمر كله، وإذا لم نتمسّك بإيماننا نكون من الهالكين.‏

اختلطت الأصوات، هاجمتنا الأسئلة، وعصفت بنا مشاعر القلق والخيبة.‏

رحلة قاسية ومعقدة. مسافرون ينتفضون، ويهمهمون يضرعون إلى السماء. تتقلص وجوههم الشاحبة، ويطلقون ضحكات تشبه النحيب، وآخرون ترتفع أصواتهم ببكاء عجيب.‏

طرقتْ أسماعنا تأوهاتُ امرأة تذرف الدمع. تهدأ ثم لا تلبث أن تثور محتضنة صغيرتها. تقدّم منها ذو اللحية المرسلة، تأمل ثوب طفلتها القصير، وقال غاضباً:‏

ـــ ربنا ارحم منك أيتها المرأة. أطيلي ثوب ابنتك، وعلّميها أن تصون عفافها.‏

قالت المرأة، والدهشة تنهمر من عينيها:‏

ـــ ما هذا الكلام؟ إنها طفلة يا سيدي.‏

أما الصبية الشقراء الشبيهة بزهرة فل بيضاء، فأحست بالوحدة والكآبة، وشعرها يتطاير في الهواء قرب النافذة المفتوحة. تغيرت ملامحها، وانفجرت في عويلٍ قاسٍ، وانحسر ثوبها عن ساقين شهيتين. أنصتْنا إلى بكائها، ولاحقتْها نظراتنا الولهى. اندفع شاب ليواسيها بعد أن رسم على وجهه ابتسامة، وهو يلتهم جمالها بشراهة. ربّت على كتفيها، فوقفت الصبية مرتعشة تحرك يديها، كجناحي طائر، ثم حطت على مقعدها. والشاب يعدها بحفلة راقصة، في نهاية الرحلة. وعندما عاد إلى مكانه وجد العجوزُ الجالس بجانبها الفرصة سانحة ليضمها، وهو يحلم بامتلاكها. لفحتْه أنفاسها. بدأ يداعب وجهها الأملس ويناديها:‏

ـــ لا تخافي يا بنيتي الغالية.‏

سكنت الصبية الشقراء، التصقت به مغتبطةً، ثم استغرقت في النوم، رحتُ أفكر بوجهها المتعطش للفرح، وعينيها البراقتين وقلتُ لنفسي "قطرة من العسل في خضم الأخطار، ولكن هل أسمّي هذا تحرشاً؟ أم أسميّه موسماً صغيراً للبهجة؟".‏

طرقات جبلية تتشعّب، وتتفرع، والسائق يسلك ما يشاء، ويتسرّب الإرهاق إلى النفوس.‏

نخاف أن تهوي الحافلة في بطن وادٍ. أصوات وحشية ملتاعة.‏

أصوات مكتومة في صدور عاجزة، فضاءُ الحافلة يزدحم بالخوف والفجيعة، وكلما مضى الوقت انكشفت جوانب مجهولة، ونحن محاصرون، والحافلة لا تعرف لها محطة.‏

أقف وأمدّ بصري إلى الخلف، أشاهد فتى وفتاة يجلسان معاً. يتحدثان عن الزهر في نهاية الرحلة، والعصافير التي تطير في الفضاء الأزرق. يداهما متعانقتان، هما سعيدان وغائبان عمّا يجري حولهما.‏

فكّرتُ "ربما بغير الحب لن نفهم سر الرحلة".‏

أتهاوى على مقعدي، صاح الجالس إلى جواري زائغ العينين:‏

ـــ من الخطر أن نبقى هنا. كيف يقودنا من لا يرى؟‏

قال راكب وهو يحرك يداً راجفة:‏

ـــ لابد من الرضوخ والاستسلام.‏

تكلّم ثالث:‏

ـــ إلى متى نبقى مستسلمين ضائعين؟‏

هبّ واقفاً ومشى بخطوات سريعة. ألصقَ ورقة في مقدمة الحافلة، لحق به شاب قرأ البيان، وصفّق متحمساً. أسرع آخر يحمل سلاحاً، وصاح:‏

ـــ هذا شيء خطير.‏

جمدتْ ساقاي، وقفتُ ومشيت في الممر بين المقاعد.‏

وبينما كنت أعود إلى مكاني حانتْ مني التفاتة إلى صاحب اللحية، جاء صوته:‏

ـــ أورثنا الأجداد الاطمئنان إلى المجهول، والرضا بمن يتولّون الأمر، وهذه إرادة الأقدار، نهض آخر وقال:‏

ـــ كل شيء باطل ويصير هباء. هنا تضيع الاتجاهات والمسافات. حافلتنا ضلّتْ طريقها، ولا بداية لرحلتنا ولا نهاية.‏

تكلّم الرجل الجليل محذّراً من القنوط، أدار مسافر وجهه وقال بلهجة الواثق:‏

ـــ العمى أنواع، هناك من يذهب بصره، وهناك من يعمى عليه الأمر ويلتبس.‏

سألت امرأة عجوز بجانبه:‏

ـــ أيكون الموت هو المحطة التي نستيقظ فيها؟ أيكون الرجاء؟‏

كائنات بشرية مختلفة متنوعة، بسيطة، وشائكة، متآلفة ومتناقضة. كائنات تضمها حافلة تمضي بنا، وفي منتصفها راح شاب يروي نوادر مسليّة ويضحك سعيداً. ثم ينطلق غناؤه الجميل وطغى صياح مخيف:‏

ـــ اسكتْ وكفّ عن الغناء.‏

يتابع المغنى غناءه العذب. يقف الرجل الغاضب، ويتجه نحوه متجهماً، ويهدّده بعضلاته المفتولة. يسرع الركاب لمنع الاعتداء، وإنهاء المشاجرة. يسود الصمت، وتخترقه أصوات صاخبة ضاجة:‏

ـــ الرحلة دون غناء لا تُطاق ولا تُحتمل.‏

ـــ في النفوس خطيئة وأهواء.‏

ـــ ألم تسمعوا بأناشيد الأقدمين؟‏

شدّت الأنظارَ امرأةٌ تقف في الممر بين المقاعد تتمايل، وثدياها يتراقصان. لتنساب أغنيتها الرقيقة البهيجة، وتبعث الحب والفرح في أرجاء الحافلة. مضت ساعة، وجسد المرأة يطلق أنفاسه، ويغدو أنصع جمالاً وأبهى. أرتشفَّ المرأةَ الصادحة الساحرة فأحسُ أني أشاهد امرأة للمرة الأولى في حياتي، وصوتها يثير في أعماقي مشاعر عذبة، وأفكاراً عجيبة، صارت الحافلة فردوساً جميلاً.‏

انتهى الغناء وبّدلَ بعض المسافرين أماكنهم. جلس شاب إلى جوار امرأة. وجهُها كالشمس عند الغروب من الحياء، وثيابُها محتشمة. سحبها الشاب من يدها باتجاه ذي العمامة البيضاء وقال:‏

ـــ أريد الزواج بها.‏

سأل ذو العمامة المرأة عن رأيها، فالتزمت الصمت مطرقة الرأس.‏

تفرّس فيها وفكّر "إنها بريئة وجهها يشع نوراً".‏

ابتسم مشجعاً وقال:‏

ـــ إنها مثال للتهذيب والتربية الصالحة. صمتُها هو قبول إذا كانت بكراً، أما إذا كانت ثيّباً فلابد من الموافقة بالكلام.‏

سأل الشاب بسذاجة عن لفظة ثيّب. ابتهج ذو اللحية المرسلة، وهو يداعب عمامته وقال:‏

ـــ واسألوا أهل العلم إن كنتم لا تعرفون. الثّيب من النساء هي التي تزوجت، وفارقتْ زوجَها بموت أو طلاق، وهي غير العذراء.‏

التفت نحو الشاب والمرأة قائلاً:‏

ـــ أين الشاهدان؟‏

تقدم رجلان ليشهدا على الزواج. قال أحدهما:‏

ـــ يجب أن أوضح شيئاً أعرف هذه المرأة، إنها أرملة مطلّقة عدة مرات.‏

انتفض صاحب اللحية كالملدوغ، والعمامةٌ تتوّج رأسه. تحدث عن الفاسق يوم يموت، والعذابِ يوم القيامة. تراجعت المرأة قاصدة مكانها، والشاب يتصبّب عرقاً. يمشي بخطوات بطيئة متعثرة كأنه طاعن في الكبر، ويرتمي على مقعده حائراً مذهولاً.‏

مطّ جاري رقبته، نظر إلى المرأة وقال:‏

ـــ عن أية عذراء يتحدثون. إني أعرفها.‏

سألته بسذاجة:‏

ـــ هل كنت تمر أمام بيتها، وتهديها أزهاراً.‏

ضحك جاري وهمس:‏

ـــ تحت ثدي المرأة الأيسر شامة كبيرة.‏

خطر لي أن هذا الشاب الذي أغوتْه تلك المرأة سيعرف كيف يختار.‏

انتشر الخبر المثير في الحافلة، ورحنا ننسج الحكايات. وقفت امرأة ترتدي ثياباً سوداء لتقول بصوت يفيض رقة وعذوبة:‏

ـــ أحبوا بعضكم بعضاً، واغفروا الخطايا لتغفر لكم السماء.‏

لم يهتم أحد بما قالته. بينما كنت أتأمل السماء النائيّة عبر الزجاج وأتساءل:‏

"هل نواجه الموقف بشجاعة لنغيّر الأمر"؟‏

حافلة مجنونة، وأصوات خانقة حائرة تصمّ الآذان:‏

ـــ لا شيء سوى خيبة وحطام ووهم ورجاء.‏

ـــ هل تنتهي رحلتنا أم تبقى بلا نهاية؟‏

ـــ علينا إيقاف الحافلة.‏

ـــ الأفضل محاورة السائق بهدوء.‏

ـــ ينتظرنا الموت، والفناء إذا لم نحطّم الحافلة، وندمر كل شيء.‏

ـــ هكذا هي الحياة.‏

ـــ رزقنا الله الصبر الجميل.‏

كائنات بشرية مترعة بالخوف، والبؤس. أما الرجاء فيومض، وينطفئ.‏

حافلة تمضي، تقطع الدروب الملتوية. تتمهل عند مفترق طريق، ثم تتابع سيرها، والطمأنينة تهرب منها، ونحن حائرون.‏

كم تستغرق الرحلة؟ يا إلهي متى نصل؟ لا أحد يدري.‏

الشمس تميل للانحدار. تجتاحنا الأسئلة، ويخدّرنا وعدٌ برّاق، وظلت الحافلة تسير، ونحن لا نعرف لها اتجاهاً، والسائق يعدنا بالمحطة التي لا يبدو لها أثر.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244