|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
كاتدرائيةُ أمُ الأحزان ـــ رعد مطرش / العراق عند الظهر، يصل إلى (قبو الأباطرة)، فيهجعُ طيرُ العمر المهزوم إلى الأبد على جسمه الموشوم بإبرة المدينة وتأريخها، فتحيا على ضلعه كلّ الأسماء القديمة للمدينة مذْ كانت مركزاً لعبادة إله الرعد والأمطار في مسلّة (النصر) التي أقامها ملكٌ بابليّ غير معروف والذي دوّن فيها فتحه لها بهذه الكلمات: ـــ (دخلتها وقبّلت أقدام إله الرعد والأمطار وأعدت تنظيم البلاد).. وحتّى هذه اللحظة التي يصل فيها إلى هنا، إلى (قبو الأباطرة)، ببدلته الوحيدة وربطة عنقه التي لمْ تطلق بعد آخر صرخاتها، هلعا من المدينة الملأى بالجرائد الطائرة ومن عجائزها العابرين نحو القلعة الموحشة الشعور، ومن انتشار حكاية ذلك المساء البعيد، كالبرق في أروقتها: ـــ (اطفئوا هذه الحكاية رجاءً، فالمدينة لا تحتمل أيّةَ هزّة أخرى).. قال جملته تلك بصوته الأبوي الخفيض الذي يجسّد لك حنوّ أولئك المعلمين القدامى الذين لم يمسهم الرعب وهم يروون عن وجوه الموتى والقتلى وكيف جثمت تحت انهمار الفئران ذات هجوم. رمى جسده على الكرسي، وأخرج علبةً فضيّة، فتحها وأخرج منها سيكارة لُفّت بعناية كبيرة، أشعلها فتوارى وجهه تحت سحابة الدخان الشمالي: ـــ (إنّها ممتعةٌ مع الشاي). غارت عيناه، في تأريخ الدهشة التي تفاجئ لهفتنا لمعرفة نهاية تلك الحكاية البعيدة ماسحاً تجعيدة وجوهنا الغافية مع حفيف الأشباح النازلة من بوابة القلعة الوحيدة لتتلاشى سراعاً في قناني السكارى على ضفة (الخاصّة). كان عليه، لإسكاتنا عن تكملة تلك الحكاية بشكلها الجديد، أن يروي لنا تأريخ المدينة المستباح قديماً وأن يجمّل الأشياء ليكون وقعها لطيفاً على السمع والبصر. وأن يبيّن لنا كيف بُنيت المدينة الجديدة على أنقاض مدينة تآكلت تحت الدمامل وعرائش الجثث الآتية من متحف الموتى وخلف تواريخ الخدائع والحبائل التي استهدفت تشويه ملامح المدينة القديمة، فشُيدت المدينة الجديدة بالحجر والجصّ لتوافرها أولاً، ولغلاء مادة (السمنت) ثانياً.. وأقيمت سقوفها وأروقتها على الأقواس والأعمدة المرمرية لخلو المدينة من حديد البناء المنقرض مع انقراض أسراب الفئران؛ فئران ذلك المساء البعيد، وكان عليه أن يزوّدنا بالوثائق المستندة على الحقائق لينفي جميع الشكوك والأوهام التي تبثّ في المدينة، بل يكاد يصرخ بها الجميع، بطريقة جديدة؛ حيث ادّعوا أنّ السبب الرئيسي لاندثار المدينة القديمة هو أن البيوت قد خلت من طحين الكل على الرغم من أنّ طحين التموين كان يفيض عن حاجة النساء فيرمين ما يزيد منه في الطرقات المبتلّة بمياه المطر، ليساهمنَ بإيقاع المارّة بمقالب مضحكة، وادّعوا أنّ هذه ليست أوّل مرّة تخلو فيها البيوت من طحين (الحصّة) على الرغم من قدوم العيد الكبير، فقد خلت منه البيوت منذ ذلك المساء البعيد، فابتكرت النساء طرقاً عجيبة لإطعام صغارهنّ، لجعلهم ينسونَ شكل الرغيف الأبيض تارةً بالإيهام وأخرى بالرسم.. و... أحياناً.. حتى بدأوا يكتشفون حيل أمهاتهم وكلّ ما سيقمنَ به، وإن لمْ يكن قد فكرنَ فيه من قبل.. لم يكن ممتعاً ما يقال، أو ما يرى فيروح مرتقياً سلمّ ادعاءاتنا، ومؤكّداً: ـــ (يقدر المتتبّع لتأريخ المدينة أن يتأكّد من خلو هذه الحكاية من الصحة والصدق، فالطحين يملأ الشوارع، يجري مع جريان المطر الذي جعل الأراضي المملحة تنبت أنواعاً من النباتات التي لمْ يعرفها الموزّعون من قبل، مما دعا المجمع العلمي للمدينة للاجتماع في (بناية القشلة القديمة)، فتباحثوا تحت قبّتها، لائذين بأعمدتها الحجرية القصيرة جداً من ظلّ هذا النبات الذي افترس كلّ الأراضي، موسّدين أفكارهم تحت أقواسها نصف الدائرية بحثاً عن أصله وعمَّن زرعه في غفلة من الزمن، منتظرين باقي أعضاء المجمع الغائبين الذين بدءوا، الآن بالتوافدِ، بكسلٍ، من المدخل الجنوبي للقشلة، ومتحاشين سريان واندفاع النبات من المدخل الغربي للقشلة فاكتملت الجلسة واستقر الرأي على تسمية هذا النبات بحضوره وتحت سمعه وبصره (بالنخالة)، ولم تأتِ هذه التسمية اعتباطاً هكذا... إذ فتح أحد الأعضاء قاموسه، بعد أن عجز الآخرون عن إيجاد الاسم المناسب، فوجد المعنى الصحيح والمطابق لمواصفات هذا النبات: ـــ نخلَ نخلاً.. الدقيق: غربله وأزال نخالته. ولما كان هذا النبات قد نخلَ كل الدعايات والشائعات التي تدّعي اختفاء الطحين إذاً فهو نخالة أي ما بقي من المنخل من القشر، وحفي المدعون وتاه القائلون.. تحت هذا النبات الغريب العجيب.. وظهر من خلال البحث والتجربة، فضلاً عن نخله المدينة نخلاً، إنّه مفيد للمعدة والأمعاء، ومفيد جداً لترشيق السمنة التي بدأت تثقل حركات الناس في المدينة، وصارت عبئاً ثقيلاً على أصحاب مصانع السيارات لصنع سيارات تتسع وتتكيّف مع اتساع هذه الجسام المصابة بنمو السمنة، ولم يستطع الصيادلة اللحاق بهؤلاء البدينين وطلباتهم من الأدوية الخاصة بالضغط والقلب... و.. ـــ (ألا.. يكفي هذا؟!)... أخذ مؤرّخ المدينة نفساً عميقاً من سيكارته فأبرقت عيناه الغائرتان خلف تلال الدخان واحتساء ما تبقى في قدح الشاي.. وإذا لم يكن بوسعكم أن تصدقوا هذا عليكم بإغراق أنفسكم في نهر المدينة.. وإذا لم يكن بوسعنا أن نغرق فعلينا أن نكون الحصى الذي سيرسو عليه الغرقى المصدّقين لأصل الحكاية القديمة الجديدة، وأن نتلمّس طريق عودتنا بتوجّسٍ مخيف وبخطىً حذرةٍ تذرع المدينة ليلاً لتبحث عن هيئتها الأخيرة، ورؤيتها المحتضرة المبعثرة في يأس المدينة ومؤرّخها الأنيق الذي أتت عليه خطاها فانطمر تحت تأريخها، كاشفاً عن ظواهر لمْ تألفها شوارع المدينة من قبل؛ حيث لم يمت أحد منذ ذلك المساء، وحتى زمن (النخالة) النحاسي مروراً بالعصر الذهبي الأبيض (الصفر) والطحين الأصفر ثم العصر اللا مسمّى الذي ذابت فيه الطبقة المسمّاة (الطبقة الوسطى) وذاب عميقاً تأريخ كفاحها الفضي واختفت معها الجثث الهائمة ليلاً في أزقة المدينة، علّها تمسك بالمؤرخ وتأخذه في تنقيبٍ جديد لا تكتنفه الدعايات التي نطلقها، والتهويلات المشوَشة على جسد الحكاية، ولتساعد الجهاز المركزي للتقييس والسيطرة على نوعية الطحين بجميع عصوره وتسمياته وذلك بصنع أنواع جديدة من مكائن الطحين وصنع رولات جيدة لا تترك أثراً لوجود نوى التمر أو المسامير أو عرانيس الذرة وعبّاد الشمس والقصب المجنون من الأبقار والجاموس المندفع لسماع نهاية الحكاية التي.. لا نهاية لها. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |