مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 439 تشرين الثاني 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

قراءة في قصيدة عبد الكريم الناعم تفصيلات في حياة خمسة من الرجال* ـــ ممدوح السكاف

* نشرتها مجلة (الآداب) اللبنانية في عددها التاسع من العام 1979..‏

في عدد من قصائد الشاعر عبد الكريم الناعم الأخيرة يلمح الناقد المتتبع اتجاهاً جديداً يغني خط ــ الواقعية الجديدة ــ أو الاشتراكية ويرسخ مفهومها كمذهب أدبي يتطوّر ويشحنها بطاقة الفن ونضج الأداء: فالموضوع فيها يومي من الحياة الإنسانية المعيشة، ولكن صياغتها عالية مركزة تتمتع بمقدرة وافية على الإيحاء.‏

وقد يكون في مقدمة هذه القصائد إتقاناً وتجويداً قصيدته (تفصيلات في حياة خمسة من الرجال)‏

وتعدُّ هذه القصيدة من أنجح محاولات ــ القصيدة المدوّرة ــ التي اشتهر بها شهرة واسعة خليل خوري والبياتي وأدونيس من الجيل الأول لها في شعر الحداثة، جيل الرواد، وحسب الشيخ جعفر وسليم بركات ومحمد عفيفي مطر، على وجه التخصيص، من الجيل الثاني جيل المتابعة لهذه الطريقة المستجدّة في الشكل الفني لوعاء القصيدة.‏

والقصيدة المدورة لا تعتمد على الأشطر المتتالية ذات القوافي المتغيرة كما كانت بداية هذا الشعر في الخمسينيات والستينيات، وإنما تعتمد على المقطع الشعري الطويل المتتابع التفعيلات في حركة مطردة متدافقة، كأنها تنبئ عن تفجر داخلي يندفع على هيئة مطر غزير متصل الخيوط لا يتوقف، تضيع فيه القافية المعتادة في الشطر أو بين الأشطر المتلاحقة ويُستغنى عنها بقافية في نهاية المقطع الشعري المتواصل، متشابهة مع قافية المقطع السابق أو قد تنعدم فيه القافية انعداماً نهائياً لأنه يعوضها أو يعوض وقعها الموسيقي بالتموج الحركي للإيقاع داخل جسد النص الشعري المنجز.‏

وقد راجت القصيدة المدورة في الشعر السوري الحديث بدءاً بمطلع السبعينيات وجربها عدد من شعراء القطر غير قليل، لكن فعاليات نجاحها بقيت محدودة لأن لها آفات وسلبيات عديدة قد يكون من أخطرها الانزلاق أو السقوط في النزعة التقريرية والمباشرة والاتجاه اللغوي التبسيطي أو الاندياح والانسياح والاستطالة في الهراء اللفظي والصور الهذيانية وهي ــ شكلياً ــ تكتب على هيئة النثر بأسطر متلاحقة كاملة قد يقطعها الشاعر بخطوط عرضانية مائلة تريح القارئ في النظر وتعتبر دلالات لأخذ النفس بعد أن كاد يتقطع من شدة التدافع أو التتابع بالتلقي سماعاً وبالنّص قراءة على حد سواء.‏

ومع اعتبار بعض النقاد كنازك الملائكة ــ أن القصيدة المدورة ثورة أكيدة على القافية لأن التقفية والتدوير أمران متعارضان لا يمكن أن يجتمعا. فما يكاد الشاعر يدور الأشطر حتى تختنق القافية وتموت ولا يبقى لها أثر في القصيدة ــ فإن قصيدة عبد الكريم الناعم هذه نجت من إطار هذا العيب الذي لحق بالقصيدة المدورة وتمكنت من إقامة جسر من معدن صلد رخيم بين التدوير الفني المعبرّ عن تلاحق الأحداث وبين القافية الشاهدة على حسم المواقف في أغلب المقاطع،: مقطعاً في إثر مقطع، وبذلك تكون قد روَّضت المعادلة الصعبة وطوّعت طرفيها ــ التدوير والتقفية ــ لخدمة الإبداع الفني، وكمثال على هذه القافية النازلة في موضعها بعفوية فنية دون قسر أو تصيد، نأتي بهذين المقطعين اللذين اجتمعت لهما في ختام كل منهما قافية واحدة.‏

* وأنا تفصّلني الحروف /حرائق الأيام في جسدي وفي لغتي/ مدىً /وطني يموت وبين حدّي حرفه وترابه يتجذّر الإعياء في رئتي /فأفتح كل أبواب العوالم بانتظار مدينة آوي إليها ــ أنتِ يا امرأة أسافر حين آتيها مساءً قبل أن أقضي لبانة شوقيَ المجروح/ أقتحم المرارة/ زهرةً مرمية والكأس باب الطير، غاشية/ وجرحي سارية/.‏

* يترصد القتل المباح الطير، أعدو باتجاه الطير/ تصطخب البحار/ الموج يخطفني وينشرني رذاذاً فوق حدّ الصخر/ أصرخ مثل ذئب جارح في البر تحدجني النوارس، ثم تخترق البيادر ثم تخرج من حريق النار أمي عاريه/.‏

وهذا الحرص على القافية المتمكنة حتى في هذه القصيدة المدورة ليس مستغرباً على الشاعر عبد الكريم الناعم الذي يقول في حوار منشور أجريتُه معه في حينه:‏

((أنا أعتبر أن القافية حين لا تأتي قلقة، بل في مكانها البنائي واللفظي، قيمة إيجابية تحسب لصالح القصيدة)).‏

ولكن لماذا استعمل الشاعر في هذه القصيدة على غير عادته الشكل المدور، أقول، استعمل، وكأَن الأديب، أقصد الشاعر الفنان منه: هو الذي يملك بعقله وقدراته وإرادته التحكم بالشكل الفني الذي يريده لعمله الأدبي بين (تقليدي) و(تفعيلي) و(نثريّ).‏

والحقيقة أن بين الشكل والمضمون تَعَضِّيّاً وتداخلاً وتجاذباً، ففي الوقت الذي يصنعان فيه بنية فنية موحدة إذا بأحدهما ينعكس على الآخر فيتأثر به ويؤثر فيه.‏

وفي هذه الثنائية المتحدة تتجلّى الصورة الجدلية بين الذات المنفردة والذات المنجمعة، أعني علاقة التداخل والتجاذب في الوقت نفسه بين خصوصية الفنان الفرد في حالاته الروحية وبين طبيعة المجتمع الكلّ الذي يعيش فيه من خلال أوضاعه الإشكالية في اختلاف نوعية البُنى الثقافية وتعدَّد أذواق شرائحها الاجتماعية، وهكذا يسعنا القول أن مضمون قصيدة عبد الكريم الناعم هذه لم يستتبع فقط شكل القصيدة المدورة وينصب في بنية تكوينها اللولبي المتواتر بل استتبع شكلاً فنياً آخر في الوقت نفسه، ليستوعب المضمون الواقعي الشديد الصلادة المطروح فيها والأميل إلى الفنون السردية، وهو شكل القصة القصيرة فالشاعر كي ينفي عن مضمونه إرباكاته التقريرية الواردة فيه أحياناً عمد إلى ــ لغة القص ــ وتناسبت هذه اللغة مع شكل القصيدة المدورة الذي يعتمد بدوره على خاصية التلاحق والتدفق والاستمرارية في استيعابها لمعطيات القصيدة الفكرية ومواقفها الأيديولوجية فخلصتها من أخطر عيوبها التي كان يمكن أن تقع ضحيتها وعلى وجه التحديد عيب تحويل الشعارات إلى شعر دون فائدة تُرجى أو تُجنى.‏

وإذا كان يصح القول إن فن الشعر في بعض الأوجه يمثل الذات، فإن فن القصة القصيرة في بعض الحالات بل في معظمها يمثل الجماعة الصغيرة أو الكبيرة، وبما أن القصيدة تنضح من معين جماعي لذلك عمد الشاعر إلى استعارة الوسائل الفنية للقصة من حدث وسرد وحبكة وشخصيات وأخضعها للغة الشعر ليحمل مضمونه المنتزع من صميم الواقع إلى القارئ على محفة من فن وإبداع. ومعروف شائع في مدارس النقد الأدبي الحديثة استعارة الفنون الأدبية من بعضها بعضاً أدواتها في التوصيل كأنْ تستعير القصة لغة الشعر رقةً وانسياباً وتجنيحاً.‏

ويستعير الشعرُ للقصيدة لغةَ التنامي الدرامي في المسرح وهكذا..‏

بل إن النقد الأدبي يعتبر مثل هذه الاستعارات مهارة مضافة لقدرات الفنان تؤكد على فاعلية الإبداع عنده، وتمنحه ميزة مقدّرة تعضد صنيعه الفني بالقيمة والمعيار في الحكم على عمله والنظر الأدبي إليه.‏

وهكذا فإن هذه القصيدة المدورة صُبّت في (إطار قصصي) يعتمد على موضوع أساسيّ أو حدث مركزيّ هو فجيعة أم بأبنائها الخمسة بعد أن هزمتهم الحياة وشتّتْ شملهم.‏

وقد عمد الشاعر في طرحه لمضمون عمله على لغة السرد القصصي فكان يسرد الأحداث سرداً فنياً مشوّقاً وأحياناً يجنح بها إلى الوصف الخيالي وقد استفاد من طريقة ــ الخطف خلفاً ــ أو الارتجاع الفني في بناء الحبكة القصصية، فبدأ ــ قصيدته القصصية ــ من نهايتها:‏

/ترحل الطير والمسافات تعدو/ ثم عاد إلى البداية وأخذ يروي ما حدث لهذه الأم المعذّبة وأبنائها المقهورين موقفاً فموقفاً، عارضاً الظروف والحالات التي أدت بهم إلى هذه الفجيعة، واختتم القصيدة بالعبارة نفسها التي افتتحها بها وهي: /ترحل الطير والمسافات تعدو/.‏

وقد استبطن الشاعر ذاته من خلال طريقة المونولوج الداخلي وغاص في أعماق بطله ــ الراوي ــ الذي هو ذات الشاعر ــ فرصد أحلامه وذكرياته وتصوراته والاغتراب بقصد العمل لتحصيل الرزق وفي انكفائهم على ذواتهم المبرّحة من الحزن والخيبة وساعده على ذلك أن القصيدة تصوره في عدد من مقاطعها وهو يعاقر الخمرة بما تفعله في الخيال من أفاعيل تنتقل بالشارب من جفاف الواقع إلى خصوبة الحلم:‏

/في الليل أجلس، ذلك الكأس الرفيق/ أقول للغيّاب صبُّوا ثم أدعو، أهليَ الجرحى، فنشرب ثم أبكي، ثم أنثر فوق جرحي حفنة من ياسمين/.‏

فالابتداء بالخاتمة والعودة إلى البداية ثم الانطلاق إلى الوسط إلى عقدة الحبكة، إنما جاء وليد أثر الخمرة وفاعليتها في تشتيت ذهن الشاعر تشتيتاً فنياً هو وليد نضج الخبرة والممارسة والقدرة على تجميع المتناثر مختلفاً كان أم مؤتلفاً والقبض على لحظات التوتر في الروح المنعتقة من سجن التنظيم والقولبة وعلى تجسيد ما يدور في المخيلة المخمورة بشعر ذاهلٍ يضاهي تشظياتها.‏

وإذا ما استعرضنا أبطال القصيدة ــ القصة ــ أو شخصياتها أو ضمائرها بلغة أخرى معاصرة نقدياً وجدنا أمامنا عدة أفراد، رُسِمَتْ ملامحهم بوضوح عن طريقين أساسيين في لغة القص الشعري، هما طريق السرد وطريق الوصف وقد ركز الشاعر بهذين الطريقين على تصوير دواخلهم النفسية المهشّمة والمتضعضعة في حنينها لوطنها ولأسرتها ومساوراتهم الذاتية العالية الصوت في صمتها الفائض بالأسى المختنق ومصائب حيواتهم وأشواق طموحاتهم وأسباب إحباطاتهم والمواقف الشخصية لكل منهم على حدة ولكن بتواشج جماعي فني محكم، (الأم وأبناؤها الخمسة)، وأظهر عجزهم مجتمعين ومنفردين وسلبيتهم تجاه مقارعة واقعهم الأليم واستسلامهم أمام قدرهم الطاغي وصوّرهم يائسين مخذولين خائري الهمم لا يقاومون مصائرهم المأزومة النازلة بهم وإنما يصممون لأنفسهم حلولاً أنانية فردية خاوية من المعاني الفعلية للمجابهة والتصدّي على الرغم من وعيهم الثوري المتماهي مع مستواهم الثقافي المحدود المخزون معرفياً وإحساسهم المشروع بظلم التفاوت الطبقي المحيق بهم وبأمثالهم من الشرائح الاجتماعية المضطهدة وعلى الرغم كذلك من شبابهم المؤهل للنضال ضد المصالح النفعية لمستثمري الثورة التي قامت على أكتاف هؤلاء البائسين المسحوقين وضدّ مزيفي وجهها الحقيقي ومنتهزي منجزاتها الاشتراكية ومشوهي صورتها النقية في أعين الجماهير الكادحة البريئة الطوية، ولعل الشاعر أراد بالحلول الفردية الهشة التي لجأ إليها أبطاله وهم إخوته بالمعنى المادّي والرمزي، إدانة انهزاميتهم المدفوعين إليها والمكرهين عليها والإشارة بحزن إلى فئة من الثوريين الطوباويين أو العدميين المتشائمين وسقوطهم في أحبولة الحلول الرومانسية: ــ (الهجرة إلى الخارج للعمل) ــ (العزلة النفسية وعدم الفعل الثوري في الداخل الاجتماعي) ــ (اللجوء إلى وسائل التغييب للنسيان والانفصام عن الواقع بالحشيش والخمرة) ــ بما فيها جميعاً من استهتار بالنضال العملي المتوسَّم من شباب ناضج الوعي بعيد الرؤيا ينتمي إلى عقيدة نضالية تُجابه ولا تستسلم.‏

والآن كيف كانت لغة الشاعر الناعم وأسلوب التعبير عنده في هذه القصيدة؟ وكيف أقام جسر التواصل بين المضمون المعنوي والشكل اللغوي؟ أبدأ فأقول: تكاد تكون اللغة الشعرية في هذه القصيدة بطلاً رئيساً من جملة أبطالها أو شخصية أساسية محوريّة من سائر شخصياتها، لأن دورها في حمل عبء الإفصاح عن المضمون الحياتي الصلب والجاف أو الواقعي الذي طرحته القصيدة جاء في مستوى البطولة الفنية إذا صح التعبير:‏

1 ــ فهي لغة شعرية مكثفة جداً تعتمد على اللفظة المحملة بالمعاني المتمردة أحياناً على برودة المتحفية القاموسية ــ (سقط اللون في البحار عشية جئنا إلى حانة الرعد، دلفنا نكهة البحر في العيون،: المدن الغافيات على الشاطئ الأبديّ حكايا) وتجنح نحو استعمالات جديدة للمفردات ضمن سياق لغوي يعتمد على الأغلب صيغة الجملة الاسمية (ضفتي الموج والشراع قراءات أهلي والمدارُ الصراطُ، والصحوُ سكرُ) بما تحمله من لهجة البتر والقطع والمعنى المسكوب في قنوات التأثير النفسية والشحن الشعرية للصورة المختزلة في كلمات محدودة العدد ولكنها ذات طاقة تأثيرية على تلقّي المتلقي فنياً.‏

2 ــ وهي لغة شعرية واقعية، ملائمة لمضمونها يمتح الشاعر مفرداتها في المواضع اللازمة من أسلوب الحديث المستعمل في التعامل اليومي بين الناس، بعد أن يشحنها بطاقة على الإيحاء والتعبير ويغربلها مما شابها من شوائب الاستعمال التقليدي في الكتابة والكلام ويصفّيها بمصفاة الفن النفسية، وينفخ في أعطافها الحياة والحرارة ويجعلها موائمة لطبيعة الموضوع الذي يعالجه دون أن يسقط في فخ النثرية الصحفية المستهلكة أو مصيدة الشحوب التقريري إلا نادراً:‏

(الثالث المنكود يسعى في الخروج ــ يمدّ راحته إلى جسد الهواجس والحشيش يظل يغرق بانتظار الصبح والسفر البعيد ــ والرابع المرصود بين البيت والطلاب يترك عمره الباقي يوزّع أشهر الأيام في فلك المرارة كلما أعيتْه، يبدأ من جديد).‏

3 ــ وهي لغة شعرية تعتمد على الجمل القصيرة المتلاحقة المحدودة الكلمات ــ فعلية أو اسمية ــ وتتكئ على الإيجاز في التعبير والخطف في الصورة وترفض الحشو والإطالة وتستعين على تحقيق ذلك بحذف حروف الربط مثل (واو) العطف وفائها و(ثم) وسائر الحروف التي تصل بين الأسماء والأفعال ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً. لغة تقوم بدورها في مجال تنضيد المعاني ورصفها معنى فوق معنى أو معنى إلى جانب معنى بغرض تنامي الفكرة المعالجة وتكامل جزئياتها للوصول بها إلى ذروتها ونضجها لا بغرض تراكمي لا يؤدي دوراً في العمل الشعري المنتج إبداعياً ولا يخدم هدفاً في إغناء بنيان القصيدة المعنوي: (يترصد القتل المباح الطيرَ، أعدو باتجاه الطير، تصطخب البحار، الموج يخطفني وينشرني رذاذاً فوق حد الصخر أصرخ مثل ذئب جارح في ــ البر ــ تحدجني النوارس).‏

4 ــ وهي لغة شعرية توظفت في القصيدة لغرضين متواشجين ــ الأول غرض وظيفي، مهمته نقل المعنى بوضوح وإشراق وجلاء وبُعد عن الغموض والإيهام المغرقين في الضلالات الرمزية الفارغة من دلالات على مدلولات. والثاني غرض جمالي، أي اللغة بما هي قيمة أسلوبية موسيقية إيقاعية تحمل عبق الروائح الفاغمة وقوس قزح الألوان السحري وتوقيع الأنغام همساً وخطاباً وأصدائها الثرية في رجعها الموسيقيّ المناسب للفكرة أو الموقف بما فيها من عذوبة وليونة وسلاسة أو هدير وضجة وانفجار.‏

على أن هذه اللغة الشعرية، إنما تأخذ أبعادها بشكل أعمق هدفاً وأغور أثراً وتؤكد حضورها الوظيفيّ على أرضية العمل الفني برؤية أوضح عن طريق التوجهات الرمزية الناضجة المغزى المحكمة الإسقاط التي تكمن في بعض الكلمات المفردة عندما تتحول إلى رموز لها إشاراتها ومعانيها وتفسيراتها وتأويلاتها أولاً، أو عن طريق العبارات التي تشكل صوراً شعرية جديدة ذات طاقة متوهجة على الإيحاء والتخيل ثانياً.‏

فلو رحنا نستعرض عدداً من الألفاظ التي وردت في هذه القصيدة لوجدناها رموزاً لحالات أو مواقف أو معطيات يكرسها الشاعر ليدلل من خلالها على منظوراته الإيديولوجية فلفظة ــ البر ــ هي عنده بمجمل تكراراتها رمز الكبرياء والتجذّر والطيبة والبراءة الريفية.‏

ولفظة ــ المدينة ــ تحمل معنى الاستلاب والإحباط والتقوقع وتتصف بصفات تظهرها متسلطة مستغلة جائرة أحياناً، وهي مدينة تعيش في الواقع الواقعي لحياتها، يلمس الشاعر مظاهرها لمساً مادياً يومياً ويتعامل معها ويطاطئ أمامها هامه وأحياناً أخرى تحمل المدينة معاني الرقة والدفء والحنان والحب الإنساني وهي مدينة تحيا في حلم الشاعر، في عقله الباطني، وفي منطقة لا شعوره يتخيلها خيالاً ويتمنى تمنّياً لو تتجسد على الأرض حية وادعة كما يتشهاها، وهناك إضافة إلى ما ذكر من ألفاظ مرمّزة (البحر والطير والأم) وكلها رموز موظفة في القصيدة لأغراض ذات خصوصية متجلية برعشاتها الصوفية وإيماضاتها العرفانية ومقاماتها الروحية.‏

أما عن الصور الشعرية التي جربت لغة القصيدة أن تجدد في رسم أجوائها الاستبداعية المعاصرة وابتكار مناخات الحداثة المتقدمة (يفرد الصخر نبضة من تعنت الجرح في العشب) فيمكن تحديد ماهيّتها وفق ما يلي:‏

1 ــ إنها صور تستغل الرؤى الواقعية في تركيب أجزائها ومن ثم تشكيل اللوحة والإطار من مجموع جزئياتها وتأخذ معادلها الموضوعي من مفردات الواقع المكاني بكل زخمه وحرارته وتنوع أشكاله وحركته الجدلية، وهكذا تتساوق الصور ذات البعد الواقعي مع المضمون الحي الذي تطرحه القصيدة في إغناء العمل الفني بفيض من التأثير ينضاف إلى جملة مكونات الإبداع الأساسية فيه:‏

(يترصد القتل المباح الطير، أعدو باتجاه الطير تصطخب البحار، الموج يخطفني وينثرني رذاذاً ثم تخرج من حريق النار أمي عارية).‏

لن أتوقف عند هذه اللوحة الفنية الرائعة إلا أمام تحديد رؤاها الواقعية: الطير الهارب من القتل، البحار المصطخبة بالموج، صراخ الذئب الجائع في البرية، احتراق النار وخروج الأم من وسطها عارية. وأترك للقارئ أن يتذوقها واحدة فواحدة على هواه بعدئذ.‏

2 ــ إنها صور تستغل الرؤى الخيالية المجنحة في تكوين ملامحها ورسم مدارات تحليقاتها، فَتَشِتُ عن الواقع وتبتعد عن معطياته لتترك لحالة النزوع الحلمي أن تلعب دور البطولة في صياغتها فتأتي الصور عندئذ متصاقبة مع حالة الحصار والاستلاب والإحباط التي يعيشها مجمل أبطال القصيدة، وخاصة راويها الذي هو الشاعر وتعبر بذلك عن رغبة نابذة لديهم في الهروب من واقعهم البائس لا يترجمها في الحدود المتاحة لهم إلا الحلم الذي يركب متن الخيال ويصبح تعويضاً وتنفيساً عن هموم هذا الواقع الطاحنة:‏

سقط اللون في البحار عشية جئنا‏

إلى حانة الرعد‏

دلفنا،‏

نكهة البحر في العيون‏

"المدن الغافيات على الشاطئ الأبدي حكايا".‏

لست أقف هنا إلا أمام عرض سريع لتشكيلات الصورة ورؤاها الرؤيوية البعيدة الأمداء، فالبحر كان حائل اللون أو كان بلا لون وعندما جاءه الزوار مساء في ليل راعش، عاد إلى هذا البحر الوحيد الحزين لونه الأزرق المسافر بعد غياب، فرحاً بهؤلاء القادمين، وكان لابد للبحر أن يستضيف ضيوفه فدلّهم على حانة نٌصِبَتْ على سِيْفه لا تقدم الخمر لِزُبنها في كؤوس وإنما تقدم لهم الرعد القاصف الهتون فلا يتردّد هؤلاء السارون بالدخول إلى الحانة المفزعة فيدلفون إليها دلفاً بخطى وئيدة ثم يخرجون منها ــ بعد أن يعبوا منها كؤوس خمرها الرعدي حتى الثمالة فيسكرون ــ، إلى شط البحر الممتد أمامهم في هذا الليل العاتم المربد فإذا للبحر نكهة جديدة في العيون وطعم فريد في النظر لم يعرفوهما قبلاً، فيخيل إليهم أنهم يرون على شاطئه الأبدي المسترخي الحالم مدناً غافية تغط في نومها، مستسلمة لأحلامها تعيش يومها في أمن وسلام واطمئنان، وتنام ليلها سعيدة هانئة.‏

3 ــ إنها صور تستغل الرؤى السريالية القصيّة عن الواقع وعن الحلم والتي يبدو في تشكيلاتها التشتت والتحطم والتنافر والاختلاط المهلوس أو الداني من الجنون أو بكلمة واحدة تلك التي تدور في فلك اللامعقولية فتولد الدهشة والمفاجأة وتصدم في الصميم الصدق المعنوي، المادي والحقيقي التي استعادت عليه الذاكرة القارئة والسامعة لأنها تخالفه بل وتأتي بنقيضه، تعبيراً عن خراب العالم والأشياء والقيم والمعتقدات في نفوس أبطال القصيدة: ــ (وأخال إني مبحر ويدي زجاج) ــ (البكاء خيل وتمر) ــ (أمي على موانئ الجمر تعدو) ــ اللحظة الزهر) ــ (وقبيلتي الفقراء يبتردون بالفقر المبين) ــ (أمهم قارب أثري في بلاد شتى تغشى مفاتنها) ــ (النفل والدود ضاحكة في جراح المقيمين فيها) ــ (جرحي سارية).‏

4 ــ إنها صور بمختلف أنواعها السابقة تستغل في تشكيلها الفني القيم الجمالية فتوظف معطيات الحواس الخمس أو الستّ في خدمة فنيتها وخاصة الألوان والروائح والحركات وأفكار الحدس والتوقع وما يستتبعها من تناغمات فنية في إيقاع الصورة الموسيقى وصداها النفسي وما تتركه من انطباعات وجدانية في أعماق المتلقي تخلق اللذة الفنية لديه موظفة في خدمة مضمون العمل الشعري.‏

والسؤال الآن بعد هذه الجولة مع ــ تفصيلات في حياة خمسة من الرجال ــ هو: أيستطيع شاعر مثلاً أن يعبر في قصيدته عن مضمون ثوري في شكل تقليدي دون أن يحتبس هذا المضمون على نحو أو آخر داخل هذا الشكل ودون أن يتضاءل التوحد الحقيقي المفترض بينهما؟!‏

ولسنا نعني بنبرة الاستنكار في هذا السؤال مجرد الإحساس بانفصام الوحدة البنائية التي تضم الشكل والمضمون معاً في مثل هذه الحالة وإنما يتجه أساساً إلى المغزى المعنوي السلبي للتعبير بشكل تقليدي متوارث عن مضمون ثوري جديد ولموقف الشاعر نفسه الذي يريد أن يكون ثورياً في فكره، تقليدياً في أدائه، فإن هذا من شأنه أن يجعل القصيدة مضطربة النسيج متخلخلة البنيان.‏

وفي قصيدة عبد الكريم الناعم هذه لم يكن من الطبيعي أن يطرح مضمونها الثوري التقدمي بما فيه من تفصيلات نثرية في شكل الحداثة التقليدية أو الأولية كما وجدت لدى السياب وجيله لغة ووزناً وصوراً ورموزاً بل كان لابد لها من مغامرات في آفاق التجديد المتطور فجاءت على الشكل الذي حللناه ودرسناه في هذه المراجعة الأدبية كي تقيم الوحدة المتوسّمة بين مستوى ثورية مضمونها ومستوى الجدّة في شكلها وقد حققت درجة عالية من الإيجابية في مغامراتها الفنية هذه على المستويين المذكورين، ويحق للنقد أن يعتبرها نموذجاً يحتذى من نموذجات مدرسة الواقعية الجديدة المتقدمة في الشعر العربي الحديث لأنها قصيدة ذات هدف اجتماعي انتقادي ومضمون ثوري سياسي بما فيها من مغايرة وتحديث وإحلال أدوات مستحدثة تنزع بها إلى التجديد المبتكر يتلاحم فيها التعبير عن الحركة الفكرية الملتزمة في النص بالوجدان الفني النابض بمقومات الأسلوب الجمالي وقد جاءت قصيدة الشاعر الناعم مجسّدة لما سبق في أُطروحات وآراء في هذا الصدد ورصدت جوانب الواقع في الثورة العربية وإفصاحها عن آلام الجماهير الكادحة وآمالها في التغيير ونزعتها التفاؤلية في تصويرها للبؤس الإنساني والثورة عليه، وإيمانها بالمستقبل المشرق، وهي على الرغم من أنها تحمل هماً عربياً لم يستعمل الشاعر في الكلام عنه مفردات ــ العروبة والقومية، والأمة والشعب العربي، والخليج والمحيط ــ ودلالاتها أو معوضاتها كما يفعل غيره وإنما ألمح إليه إلماحاً وأشار إليه إشارة من خلال بعض الألفاظ والمدلولات التي تدل عليه وتوحي به إيحاء، أقول على الرغم من ذلك فإن هذه القصيدة تأخذ طابعاً إنسانياً عاماً لأنها قصيدة كل إنسان مسحوق مهزوم يحلم بالعدالة المفقودة وينتظر حلولها فيصطدم بالظلامة ولكنه لا ييأس بل يتابع النضال في كل مكان وزمان حتى تحقيق الآمال.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244