مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 439 تشرين الثاني 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

غرباء منتصف الطريق ـــ أحمد جميل الحسن

 (غرباء منتصف الطريق) رواية جديدة لعوض سعود عوض صادرة عن اتحاد الكتاب العرب عام 2006، بعد روايتين وسبع مجموعات قصصية.

حاك عوض روايته مستنداً إلى عدة حكايات لكل منها موضوع وخصوصية إلا أنه لم يخرج عن مبدأ رابطة السببية بحيث ربط كل الحكايات الصغيرة في الرواية بالحكاية المركزية أو كما نسميها الحكاية "الأم" وبما أن الرواية هي حكاية يجب أن يكون هناك أحداث تقوم بها شخصيات سواء كانت رئيسية أم ثانوية التي وجدت أصلاً للقيام بهذا الحدث الذي ينميها من خلال تأثرها به.

تعدد الرواة:

إن ما يلفت في رواية عوض هو اعتماده الراوي الذاتي "أنا الراوي" والراوي العليم في السرد الروائي وبطريقتين فتارة نجده يروي بضمير الغائب وأخرى بطريقة الراوي المخاطب، ففي المقطع رقم "6" يروي ذاتياً على لسان فرات والمقطع "7" على لسان حامد: (عدت فرحة، هذه أول مرة أعود مبتسمة، منذ عامين أغلقت الدروب في وجهي، لا أحضر فرحاً، ولا أية مناسبة...) ص 27 وهذه الطريقة التي تروي فيها شخصية من شخصيات القصة ما يتعلق بها تكون أكثر صدقاً ودقة في السرد للقارئ، تفضي ما بداخلها أو تحكي عن أيدلوجيتها وصفاتها.

بينما نجده في بداية الرواية يستخدم الراوي العليم المخاطب للشخصية: (دهم القلق قلبك، أفقت مذعورة، سافرت أحلامك، تجري النيران في دمك،...) ص7 وفي مقاطع أخرى نجده يروي بطريقة الراوي الموضوعي الغائب كما في المقطع "11": (سكنت فرات الفيحاء في طفولتها وصباها، عاشت حياتها بلا تعقيد في مدينة مفتوحة،...) ص 51.

لكن ما أربك عملية تواتر السرد وأفقد القارئ متعة التفاعل مع سير العملية السردية، هو تنوع طريقة الراوي في الصفحة الواحدة أو بين جملة وأخرى في أكثر من صفحة في الرواية:

((تبادلا أطراف الحديث، لم تفكر بطلب راقصة وجود حامد أنساك همومك)) ص 71 هنا يبدو أن الراوي كان في الجملة الأولى بضمير الغائب وفي الجملة التي بعدها مخاطب وهذا الأسلوب في تنقل الراوي من جملة إلى أخرى استخدمه في الصفحة "107": (عند باب الحانة استأجر كل منهما سيارة، الصلصال باتجاه معلمة أما أنت إلى بيت شراب).

ويبدو لي من خلال ما تقدم هيمنة الراوي في المقاطع والصفحات والجمل التي استخدم فيها الراوي المخاطب بحيث كبل الشخصيات وجعلها جامدة وكأنها مستمعة فقط للراوي كما القارئ نفسه بينما نجدها في الراوي الموضوعي الذي يخبر القارئ عن الشخصية وما تقوم به ويكون العارف بكل شيء، بحيث يفرض آراء على القارئ عليه أن يقتنع بها وذلك من مبدأ الثقة بين الكاتب والقارئ.

الشخصيات:

تعددت الشخصيات في الرواية وكانت تقوم بأدوارها الحكائية التي رسمها لها الكاتب من خلال أحداث أسندت إليها، فقد رأينا أنواعاً متعددة من الشخصيات منها الرئيسية كشخصية حامد وفرات وهلالة وشخصيات مساعدة كشخصية أم فرات وشراب "بسمة" وأبو صالح ومصطفى حفا، وأخرى ثانوية ساهم وجودها في تسليط الضوء على الشخصيات الرئيسية كشخصية سناء زوجة أب صلصال وأبو قاسم صلصال وزكي الجودة أبو هلالة وأبو سمير والد فرات وعارف أيوب مدير المدرسة وليلى أم مصطفى. وهناك شخصية أدت دوراً كبيراً على المسرح أحداث الرواية وهي الشخصية المعيقة الأكثر حضوراً هي شخصية قاسم صلصال، وشخصيات مهمشة أدت أدوار بسيطة واختفت كشخصية زوجة أخ هلالة وشقيق فرات وجارة هلالة في الغوطة والشخص الريفي الذي أتى ليتزوج هلالة، ولبينا الأجنبية، وقد قدم لنا عوض الشخصيات بطريقتين الأولى مباشرة والأخرى غير مباشرة، فالطريقة المباشرة قدم لنا فيها أكثر من شخصية وذلك بطريقة الوصف النفسي والجسدي كما في المقتبس التالي في وصف هلالة الجسدي: شعرت أنك كبرت بعد عملك، وأن جسدك انتفض وثار، كل ما فيك بركان، برزت تقاطيع أنوثتك وتفاصيلها، وبات قوامك مغر، قوام ضامر أهيف وجيد مرمر، عينان عسليتان براقتان، ووجه دائري، أما الشعر الخرنوبي فغزير، ينحدر على منكبيك ويصل أواسط ظهرك، جسد حنطي نحيل، وذهن متقد، لم تعدي طفلة تبحثين عن لعب أو فتيات صغيرات تلعبين معهن، بل شابة تنوء بحمل أعباء الزمن الذي خصك بمزيد من المآسي، يقبض على كل جميل في حياتك، حتى أحلامك البسيطة تتكسر وتتحول إلى كوابيس) ص 59.

في هذا الوصف المباشر الجسدي عرفنا الروائي على شخصية هلالة والتي سماها "هلا" في أكثر من مكان في الرواية، وقد أسهب في الوصف للشخصية الواحدة في أكثر من صفحة ولعدد من الشخصيات بالطريقة ذاتها.

أما طريقة الوصف النفسي لبناء الشخصية فقد حظيت بكثير من الاهتمام عند الروائي، فأغلب شخصيات الرواية ذات بعد نفسي، غاصت في هموم الحياة الإنسانية كما هو حال المعلمة مع هلالة التلميذة (يتجمد الدمع في عيني المدرسة وفي عيون التلميذات، تتأكد مما قالته تلميذتها عن فاجعتها بمقتل أمها وإخوتها في الجولان، تتعاطف معها، تشجعها، وتتبرع لها بمئة ليرة كل شهر) ص 136 والاجتماعية كفرات: (ضاعت منك الدروب وأنت تبحثين عن ذاتك، غير مرة اضطررت أن تبحثي، وعندما تتوه الدروب وتحلمين بالأساطير والحب يأتيك الخريف ثانية، مقدر عليك أن ترتدي السواد) ص 8 والوطنية كأبي صالح (عيناه تدمعان لهذا الموقف النبيل، طيف فلسطين يتراءى في الحلم، في اليقظة، في الدروب الخضراء) ص 47.

وفي الطريقة غير المباشرة في بناء الشخصيات هناك ثلاث حالات يمكن أن تقدم الشخصية وهي "الحوار ــ الزمن ــ المكان" ولعل الحوار الذي جرى بين حامد والراقصة شراب قدم لنا شخصية شراب بالتفصيل ص 96 ــ 97:

(نظر إليها مسروراً وقال: هاتي يا شهرزاد حكاية الحكايات، هيا ابدئي لقد حان الوقت لسماع حكايتك.

ــ كان يا ما كان أب ظالم زوج ابنته التي بعمرك لرجل بعمره، عشت معه بضع سنين لم يستطع أن يثبت رجولته (...) اضطررت للبحث عن نصفي الآخر، عن فتى يعيد توازني ويكمل أنوثتي، (...) حتى جاء يوم ضبط العصفوران في العش يتغازلان، الهرب أو الموت، هربت إلى العاصمة، لم يكن أمامي سوى جسدي لأقتات منه) هذه الشخصية خاضت صراع ضد تقاليد بيئتها الريفية وضد زوجها الهرم الذي فقد الرجولة وضد ظروفها التي عاشتها في بيت زوجها، وهذا الصراع وضح لنا شخصية شراب الداعرة والراقصة، التي برع عوض في بناء شخصيتها في أكثر من تقنية فنية سواء كانت الوصف الجسدي أم النفسي أم المكان "الملهى الذي تعمل فيه" والزمان الذي كان دائماً ليلاً تكسوه رائحة الخمر والرذيلة.

وإذا نظرنا إلى تطور الشخصيات في الرواية نجد أن عوض قد اشتغل بشكل جيد على البعض منها ونموها الحكائي كشخصية هلالة التي استطاع أن يقنعنا بما مر عليها من أحداث وتعاملها معها من البداية حتى النهاية وأرى أن هذه الشخصية "هلالة" تفوقت من حيث موقعها الحكائي والأدوار التي قامت بها على الشخصيتين الرئيسيتين حامد وفرات في كثير من المقاطع، بينما بدت لنا شخصية حامد الشخصية المحبوبة من الشخصيات النسائية "فرات ــ شراب ــ هلالة ــ أم فرات" ولم تقم بأحداث تتناسب وموقعها كشخصية رئيسية بنفس الأحداث فهذه الشخصية قامت بدور العاشق و"فاعل الخير" برتابة وأرى في هذه الشخصية شيئاً ذاتياً من الكاتب نفسه فهناك الكثير من التصرفات والأفعال التي قام بها حامد لم تكن حيادية متخيلة بقدر ما كانت تنبع من ذات الكاتب.

ولكن فرات التي مثلت الحب الحقيقي، نراها في أكثر من موقف كان لها حضورها اللافت فهي المرأة المتمردة على العادات والتقاليد في مجتمع ريفي صارم، وكانت الخطيبة المخدوعة التي أرادت أن تكون زوجة حقيقية حسب رغبة والدتها لكنها اكتشفت انحراف خطيبها ولفظته "خطبتها من الشيخ"، وكذلك هي الفنانة التشكيلية في مجتمع لا يقيم للفن أي وزن ويعتبره مضيعة للوقت، فرات جسدت مخاوف المرأة وهواجسها بثقافة وتحدي وعقلانية عكس والدتها التي كانت تعتبر زواج البنت هو حمايتها وضمانتها، وفي النهاية كانت فرات ضمير الفتيات اللواتي يطمعن برجل حقيقي دون لهفة متسرعة أو جنون عاطفي يؤدي حتماً إلى الفشل. وكانت أخيراً رمزاً حقيقياً للمرأة الشرقية المتنورة والمثقفة التي ترفض إغراءات المجتمعات الغربية بما فيها من رفاهية ومجون وملذات.

عكست شخصية الصلصال شريحة وصولية انتهازية في مجتمعنا تقوم على المصالح دون أي اعتبار آخر للوصول إليها هذه الشخصية الفاسدة اخترقت كل المحرمات وأباحت الممنوعات، الصلصال كان قواد على أمه وحاول اغتصاب زوجة أبيه سناء وحاول إقناع شقيقته للعمل في الدعارة واغتصب الكثيرات ومنهن كانت هلالة بعد تخديرها، وبرأيي أن الروائي تنقصه الشجاعة كي يبوح أكثر عن هذه الشريحة التي نمت وتعاظمت في الثمانينيات وكانت تحميها أيادٍ متنفذة.

هناك شخصية اشتغل عليها الروائي بعمق وصدق ومعرفة اجتماعية موروثة هي شخصية ليلى زوجة الحفا التي تمثلت روح المرأة الشامية الحقيقية بكل تفاصيلها فكانت الزوجة اللهلوبة المغناج، والأم الحنون المربية لأبنائها بشكل جيد وصارم وهي الحماة التي تعرف كيف تداري كنتها وتسايسها، رسمها لنا بالكلمات لدرجة أننا ألفناها وعرفناها عن قرب وتعايشنا معها طور شخصيتها حتى أدت دورها الحكائي على أكمل وجه.

تناول عوض في روايته عدة موضوعات تلامس همنا الاجتماعي والسياسي، بأسلوب جعل فيه الشخصيات تقوم بتحريك الحدث فالحصار الذي كانت تعاني منه سورية من العام 1985 وحتى نهاية الثمانينيات من الاتحاد الأوروبي شكل أزمة منها السَمنة التي عانى الكثير من الحصول عليها من خلال المؤسسات الاستهلاكية وقد أشار إلى ذلك من خلال معاناة فرات بعدم استطاعتها الاصطفاف في طوابير المؤسسات الاستهلاكية ومنافذ بيع الخبز كما في الصفحة 19 والصفحة 20 التي يصف فيها عملية الازدحام كاملة، ولكن أجد مبالغة في ذلك فربما كانت السمنة شحيحة في ذلك الوقت ولكن باقي مواد التموين كانت متوافرة ولكن كان البعض يفضل خبز الأفران الحكومية وخضار ولحوم المؤسسات لرخص أسعارها. والموضوعات كثيرة لا مجال للخوض في تفاصيلها منها الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، الرشوة والواسطة، الغربة والحنين إلى الوطن، وغيرها الكثير.

اشتغل عوض على الموروث الشعبي الشامي وأفاد من الفلكلور والأمثال وبعض العادات والطقوس المتبعة في البيئة الشامية، لذلك نجد اللغة في الرواية قريبة من المجتمع المحلي إذ نجد الأغنية الشعبية الشامية والأمثال والعادات والتقاليد الموروثة جزء من نسيج الرواية فقد تعددت الأغاني التي استخدمها عوض منها الغزلي:

جابلي مندل بورقة وقالي قومي لبقة

قلتلوا جسمي ما بلقى لبسني وأنا نايمي. ص 154

أو تكون الأغنية وصفاً ومدحاً للعروس:

حصنتك بياسين

 

 

يا زهرة البساتين

يا مصحف زغير

 

 

يا عروس السلاطين ص 158

وهناك الأسطورة في الرواية فالروائي لم ينشئ مطابقة بين الواقع والأسطورة فتذكر أبو سمير ترقب زوجته ليلة الجمعة وتزينها لم ينشئ تلك المقاربة بين روح الإله قاسيون حفيد كنعان وإيل بل كان نوعاً من استعراض معرفي ثقافي:

(تذكر أبو سمير ترقب زوجته لليلة الجمعة بفارغ الصبر، تتزين وتتعطر وتحضر نفسها لسهرة قد تطول حتى الصباح تعتقد أنها ليلة مباركة، ترفرف فيها روح الإله على المدينة، قاسيون الفتى الشامخ حفيد كنعان وإيل، يحرس عاصمتها ويحتضن بيوتها برفق، كما يحتضن الأب أولاده) ص38 لم ألمس من خلال هذا المقتبس تلك المقابلة بين احتضان قاسيون لدمشق وبيوتها وتزين أم سمير لزوجها.

ثمة أفكار تعبر عن وجهة نظر الروائي ولا تعبر عن شعور عام أقحمها في الرواية فأبو سبحة الشيخ الشاب جعل منه عوض اتكالياً وحشاشاً، رمز عوض بهذه الشخصية للمتكلين والحشاشين والفاسقين، لكن هذا الرمز لم يؤدِ دوره كتعبير مجازي ويشكل غطاء لغوي فوقي لبنية تحتية بحاجة إلى تمعن وتدقيق عميق في دلالاتها، فلا نستطيع أن نجد ارتباطاً رمزياً بين الحشاش والشيخ والاتكالي والمتدين والاستثناء لا يعمم.

ثمة أمر آخر مثير للريبة في الرواية إذ رمز أيضاً للعهر والرذيلة بالعباءة والحجاب التي كانت في بيت صلصال: (نظرت إلى عريها، إلى ثيابها الممزقة، بحثت عن شيء تلبسه، وجدت عباءة امرأة وحجاباً، لبستها على عجل) ص 88 هذه دلالة على أن من يرتدن بيت صلصال ويمارس معهن الجنس محجبات، هذه أيديولوجية تنادي بتعهير عفاف المحافظات.

الوصف:

((يقول "جيرار جينيت": كل حكي يتضمن ــ سواء بطريقة متداخلة أم بنسب شديدة التغير ــ أصنافاً من التشخيص لأعمال أو أحداث تكون ما يوصف بالتحديد سرداً هذا من جهة، ويتضمن من جهة أخرى تشخيصاً لأشياء أو لأشخاص، وهو ما ندعوه في يومنا هذا وصفاً))

ولا أبالغ إذ أقول أن عوض يتمتع بلغة وصفية عالية ولكنها في أغلب الأحيان مكرورة سواء في قصصه أم في روايته هذه، فالوصف عند عوض له مستويات واعتبارات تخضع لقيم ومعايير حسب الحالة والموضوع والزمان والمكان والشخصية وحالة الكاتب النفسية أيضاً، فالمرأة عند عوض سعود عوض دائماً تحظى بمقدار كبير من مفرداته الجميلة ويسهب في وصفها نفسياً وجسدياً أيما إسهاب لدرجة أننا عندما نقرأ يرسمها لنا وكأنها الموناليزا أو آلهة الجمال ولكن من خلال السرد ينسى وصفه الجميل لها فنجدها امرأة عادية بأفضل الأحوال تتمتع بميزة واحدة فقط كجمال العينين أو القد الممشوق أو الشعر الأسود الطويل.

إذاً رواية غرباء منتصف الطريق رواية تتناول الهم الاجتماعي والإنساني والرومانسي وفيها الكثير من ذات الكاتب وتجربته الحياتية. وبقي أن أقول إن النهاية كانت مفاجئة وغريبة.

الكتاب: غرباء منتصف الطريق "رواية"

الكاتب: عوض سعود عوض.

الناشر: اتحاد الكتاب العرب ـ 2006

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244