مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 439 تشرين الثاني 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

الشاعر القروي رشيد سليم الخوري من روّاد القومية العربية 1887 – 1984 ـــ يوسف عبد الأحد

الشاعر القروي هو آخر شعراء المهجر الجنوبي الذين نادوا بالعروبة وناضلوا من أجلها. لقد كرّس القروي حياته كلّها ونذر قلمه للدفاع عن قضايا العروبة ونصرة قضية فلسطين وناضل من أجل الحرية والكرامة وكانت قصائده وخطبه اللاهبة تتداولها الألسن في الأقطار العربية والمهاجر كافة وذاع صيته في الشرق والغرب وطبع ديوانه الضخم من قبل خمس دول عربية هي:

سوريا، لبنان، مصر، العراق وليبيا، وذلك تقديراً لأدبه المتميّز ومواقفه النضالية البارزة وتكريماً لشخصيته الفذة.

لقد كتب الشاعر القروي سيرة حياته بقلمه ونشرها لأول مرة في ديوانه الضخم المطبوع في البرازيل سنة 1952 باسم "ديوان القروي" وقد ضم بين دفتيه سبعة دواوين هي: البواكير، الأعاصير، الزمازم، المحافل والمجالس، زوايا الشباب، الموجات القصيرة، الأزاهير.

دوّن سيرة حياته بكل دقّة كي لا تشوّه الحوادث والوقائع من قبل المؤرخين وفصّل فيها مراحل حياته تفصيلاً دقيقاً إذ لم يترك شاردة ولا واردة إلا وذكرها تحت العناوين التالية:

توطئه وترجمة، مولدي، نسبي، اخوتي، مسقط رأسي، ظروف تكويني، ولادتي، طفولتي، تعلمي وتعليمي، أوصافي، عاهاتي، حياتي اليومية، معارفي، صفاتي، إيماني وتسليمي، حبي، لماذا لم أتزوج، شغفي بالطبيعة، شعوري الوطني، أصدقائي وأعدائي، اقتصادياتي، كيف أنظم الشعر، رأيي في الشعر، لماذا غلبت الحماسة على شعري، لماذا ومتى هاجرت، كيف ودّعت لبنان، الريو دي جانيرو، عودي يفرّج أزمتي، عهد الجهاد في (صنبول)، نظيرة زين الدين، سفر أمي وأختي، مقياس الوطنية، التعصّب الوطني، وطنية العربي، اشتغالي بصنع الأدب، العروبة والبرامج والأحزاب، العروبة والأنظمة، لغة العروبة، نداء ختام.

كتب عن مولده:

"مولدي ليلة عيد الفصح في الخامس من نيسان سنة 1887، فإذا أضفنا الفرق بين الحسابين الشرقي والغربي وهو في القرن الماضي 12 يوماً، كان تاريخ ولادتي بالضبط 17 نيسان وهو عيد الجلاء في سورية.

وقد فاخر بهذا اليوم بقوله:

إن فاخر الناس بأعيادهم

 

 

فعيد ميلادي عيد الجلاء

أمّه تقلا ابنة أسعد بشارة الرحباني، ووالده سليم طنوس ابن منصور بن حنا الخوري.

نزح جدّه اسعد وأخوه مشرف بعائلتهما من الشوير إلى البربارة واشتغلوا بالحدادة. وكان جدّه طنوس طبيباً نقل بخطه عن ابن سينا عدّة كتب.

أوّل ما تتلمذ الشاعر القروي على يد معلمه الشاعر قيصر الغرزوزي صاحب البيتين الشهيرين:

"لا تسلني عن مذهبي فأنا من

 

 

مذهب القائلين باللا مذاهب

أنا من هذه الطبيعة آت

 

 

وإلى هذه الطبيعة ذاهب"

وعندما بلغ سن الثالثة عشرة التحق بمدرسة الفنون الأمريكية في صيدا مدّةَ سنتين، وانتقل إلى مدرسة سوق الغرب سنة واحدة وأنهى الإعدادية في الكلية الإنجيلية في بيروت، ثم مارس التعليم في مدرستي طرابلس والميناء الأمريكيتين فمدرسة بشمزين الوطنية فالكلية الشرقية في زحلة، فمدرسة الإنكليز في الشوير فمدرسة الأمريكان في سوق الغرب.

هجرته:

توفي والده عام 1910، وترك على القروي ديوناً لا يمكن تسديدها من راتب التعليم البسيط، فعزم على الهجرة وأبحر من بيروت إلى البرازيل في الأول من آب عام 1913 فوصل مدينة (مريانا) من أعمال ولاية (ميناس) حيث يقيم عمّه فأقام عنده مدّة سنة وحمل الكشه يجوب في أنحاء الولاية وتعرض لمشقات قاسية وعانى من الحرمان الشيء الكثير.

على أثر صدور ديوان الرشيديات عام 1916 راح نجيب قسطنطين حداد المهجري يحمل على القروي حملة ظالمة في جريدته "المؤدب" ويسفّّه شعره، وذات يوم التقى القروي بجورج حداد صاحب جريدة (القلم الحديدي) وفي يده عدد من جريدة (المؤدب) يلوح به ويقول "خذ اقرأ.. إنه هذه المرة سلخ جلدك سلخاً.." فتناوله ضاحكاً وأخذ يتصفح النعوت التي نعته بها إلى أن وصل إلى قوله: "من هو هذا الشاعر الـ..؟ شاعر جرن الكبة..؟ الشاعر القروي..؟".

فوقف عند هذا النعت الأخير فأعجبته رنته واختاره اسماً مستعاراً يوقع به قصائده وقد طغى هذا اللقب على اسمه الحقيقي فهو معروف لدى الجميع باسم الشاعر القروي وكانت أول قصيدة حملت اسمه المستعار موجهة إلى لبنان قال:

"لنا وطن هلاّ سمعنا نحيبه

 

 

وهلاّ رأينا ضعفه وشحوبه

إذا كان حب الغير فرضاً على الفتى

 

 

فكم هو فرض أن يحب قريبه"

لحق به شقيقه قيصر (الشاعر المدني) ليعملا معاً لتسديد ديون والدهما، وبعد سنة واحدة نشبت الحرب العالمية الأولى وانقطعت كل صلة بالوطن والأهل وأقفلت المتاجر الكبرى وانتشرت البطالة، فانتقل القروي في عام 1915 إلى (سان باولو) وعمل بالتعليم في مدارس عربية ومدارس أجنبية.

ولما توفيت زوجة شقيقه قيصر وتركت عدّة أطفال رغبت أم القروي في السفر إلى البرازيل لتعتني بالعائلة فأرسل لها ابنها بعض النقود المتوفرة لتأتي معها أخته ولحق بعدها أخوته مع عائلاتهم فأقفرت الدار من ساكنيها.

ثم اشتغل القروي مدّة عامين في تحرير (الرابطة) وفي مجلة (العصبة الأندلسية) وانضم إلى العصبة وانتخب رئيساً لها بعد وفاة رئيسها الأول ميشال معلوف في عام 1938.

 وفي عام 1950 اعتلت صحته فذهب إلى الأرجنتين للاستشفاء ولم يكن يملك مالاً ينفقه في سفره فباع نفائس كتبه، وكتب إلى صديقه الشاعر جورج صيدح: "... إن أمنيتي بعد هذه السن التي بلغتها قبر في وطني لا قصر في غربتي".

وفي عام 1958 وجهت إليه الجمهورية العربية المتحدة دعوة لتكريمه تقديراً لخدماته قضايا الأمة العربية في المهجر فلبّى الدعوة شاكراً ممتناً وشدّ الرحال ووصل إلى ميناء اللاذقية في 3 آب 1958 على ظهر الباخرة (محمد علي) وكان في استقباله وفد رسمي مؤلّف من السادة الدكتور أمجد الطرابلسي وفؤاد الشايب ومنصور الأطرش، ولدى وصوله إلى دمشق استقبله جمهور غفير من وفود رسمية وأدبية واجتماعية للسلام عليه والترحيب بمقدمة بعد غياب طويل استمر خمسة وأربعين عاماً.

وأقيم له حفلة تكريم شارك فيها كل من وزير الثقافة السابق رياض المالكي والدكتور جميل صليبا والأديب فؤاد الشايب والأستاذ عارف النكدي والدكتور شكري فيصل والشاعر أنور العطار.

ومما جاء في كلمة وزير الثقافة:

"كان دور الشاعر الكبير الذي نحتفي به اليوم، كان دور الشاعر القروي في الطليعة من هؤلاء الرسل الطيبين، فهو من أعلام الفكر العربي ومن رواد القومية العربية، لم يأل جهداً وكفاحاً في سبيل حرية وطنه ووحدة أمته.

ولكن الشاعر القروي أكثر من شاعر: إنه ثائر، ثائر على الظلم والطغيان، ثائر على كل من يتآمر على أصالة الفكر العربي، وشخصية الإنسان العربي.

وأصدرت وزارة الثقافة كتيباً بعنوان (العروبة تكرم الشاعر القروي) تضمّن الكلمات التي ألقيت في هذه المناسبة وألقى الشاعر القروي قصيدة رائعة في مهرجان تكريمه شاكراً سورية لدعوته إيّاه والمشاركين في تكريمه، جاء فيها:

"حتام تحسبها أضغاث أحلام

 

 

سبح لربّك وانحر أنت في الشام

لم يأذن الله يا بوق العروبة أن

 

 

تقضي الحياة غريباً بين أعجام

وكنت في أبعد الأمصار أقرب

 

 

أهلي إليّ وأخوالي وأعمامي

أضناك طول السرى والسير يا ولدي

 

 

فاطرح رداءَك وامسح جرحَك الدامي

هذي عيوني وجنّاتي وفاكهتي

 

 

فاملأ يديك وبرّد قلبَك الظامي

لقد كرمته سوريا وخصصت له مرتّباً شهرياً دائماً قدره ألف ليرة سورية مدى الحياة.

ومن قصائده الرائعة (نشيد سورية) جاء في مطلعها:

نحن أشبال الأسود

 

 

 

خير الجدود

 

 

حمر البنود

من تساموا بالفعال

 

بين الرجال

 

 

أهل المعالي

ركبوا متن البحار

 

إلى الفخار

 

 

قبل البخار

ملأوا الأقطار فضلا

 

يُجرون عدلاً

 

 

يعطون سؤلا

القرار

العلم عنوان الرشاد

 

 

العدل عمران البلاد

 

إنما العلم سراجٌ إنما العدل علاج وحياة للعباد

يا حبذا العصر الجديد عصر هارون الرشيد في حمى دار السلام

 

عصر مجيد عصر فريد

 

 

عصر سعيد عصر السلام"

***

ومن أشهر قصائده (حض الأم) وقد ترجمت إلى عدّة لغات.

فقد نظمها لما استشف سر الأمومة ومعاني العطف والحنان والرحمة الإنسانية، فصوّر فيها شاعراً عربياً أدخله الله النعيم وما زال يبكي لحرمانه حنان الأم.

جاء في مطلعها:

"أتذكر كيف كان إله موسى

 

 

إلهاً قاسياً يلتذ بالدّم؟

إذاً فإليك كيف غدا إلهاً

 

 

رحيماً إن تألمنا تألّم

روى الراوون أن عثروا بمصر

 

 

على دَرْجٍ غريب الخط مبهم

فحاول فهمه العلماء لكن

 

 

بدا لجماعة العلماء طلسم

إلى أن حله الشعراء شعراً

 

 

 

ومَنْ بالشعر كالشعراء يفهم

إلى أن يقول:

أتيتك راجياً نقلي لحضنٍ

 

 

أحب إليّ من هذا وأكرم

لحضن طالما قد نمتُ فيه

 

 

قرير العين بين الضم والشّم

أما ألقيت رأسك فوق صدر

 

 

حنون خافق بمحبّة الأم؟

فدعني من نعيم الخلد إني

 

 

نعيمي بين ذاك الصدر والفم

تَرْبُتني كعادتها برفق

 

 

وتنشد نم حبيبي بالهنا نَمْ

إن شاعرية القروي هي وليدة الشعور العميق، يرقّ هذا الشعور فنسمع فيه خرير السواقي وأنغام الشحارير وحفيف أجنحة الفراشات، وعندما يعنف فإذا فيه قصف الرعود وهدير البحر وزمجرة العواصف.

وفاته ووصيته:

في فجر يوم الاثنين 27 آب 1984 وافته المنية في قريته (البربارة) وجرت مراسم الدفن التقليدية العادية وتمّ دفنه في حديقة منزله كما حددها في وصيته التي كتبها في تموز 1977 بخط يده.

أعماله الشعرية:

1 ــ ديوان الشاعر القروي ــ الطبعة الأولى في سان باولو ــ سنة 1952. ثم تلتها طبعات في كل من مصر 1961 ــ العراق 1973 ــ ليبيا 1977 ــ لبنان 1978 ـ وسوريا 1983.

2 ــ أعمال القروي النثرية ــ مقدمة بقلم نسيب نمر ــ دار الرائد العربي بيروت 1984.

المصادر والمراجع:

1 ــ ذكرى الهجرة ــ توفيق ضعون ــ سان باولو البرازيل 1945.

2 ــ شعر من المهجر ــ محمد قره علي ــ منشورات حمد ــ بيروت 1954.

3 ــ الشعر العربي في المهجر الأمريكي ــ وديع أديب ــ بيروت 1955.

4 ــ الناطقون بالضاد في أمريكا الجنوبية ــ يعقوب العودات ــ دار الريحاني بيروت 1956.

5 ــ نعمة الحياة ــ حسيب عبد الساتر ــ منشورات الحكمة بيروت 1957.

6 ــ العروبة تكرم الشاعر القروي ــ وزارة الثقافة ــ نيسان 1959.

7 ــ الشعر العربي في المهجر ــ محمد عبد الغني حسن ــ القاهرة 1962.

8 ــ أدب المغتربين ــ الياس قنصل ــ 1962.

9 ــ أدبنا وأدباؤنا في المهاجر الأمريكية ــ جورج صيدح ــ دار العلم للملايين 1964.

10 ــ المغتربون ــ د. عبد اللطيف اليونس ــ صيدا لبنان 1964.

11 ــ العراق في الشعر العربي والمهجر ــ د. محسن جمال الدين ــ بغداد 1965.

12 ــ العروبة في شعر المهجر ــ فريد جحا ــ مكتبة رأس بيروت 1965.

13 ــ الشاعر القروي ــ عبد اللطيف شراره ـ دار صادر بيروت 1966.

14 ــ التراجم والنقد ــ وزارة التربية ــ نجيب مطر دمشق 1970.

15 ــ شعراء العصبة الأندلسية في المهجر ــ د. عمر الدقاق ــ دار الشرق بيروت 1972.

16 ــ أشعار وشعراء من المهجر ــ محمد عبد الغني حسن ــ سلسلة اقرأ 1973.

17 ــ الشعر القومي في المهجر الجنوبي ــ عزيزة مريدن ــ دار الفكر 1973.

18 ــ أدب المهجر ــ عيسى الفاخوري ــ دار المعارف ــ مصر 1977.

19 ــ الشاعر القروي ــ إيليا الحاوي ــ دار الكتاب اللبناني بيروت 1981 (4 أجزاء).

20 ــ مجلة الثقافة السورية (عدد خاص) تشرين الأول 1958.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244