مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 439 تشرين الثاني 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

أصداء بنيوية في نقدنا الحديث دريد الخواجة في الضوء ـــ د.نذير العظمة

. مدخل‏

في فضاء نشأة الإبداع طبعاً، كان النص الإبداعي أسبق من النقد والحصان بلغة شكسبير هو الذي يتجمع عليه الذباب. وهو قول ينضح بتفوق المبدع على الناقد.‏

لكن بفعل تراكم الإبداع وتراكم النقد تاريخياً تغيرت العلاقة من علاقة علة ومعلول إلى علاقة جدلية معلول تولد عن علة يصبح بدوره علة لمعلول.‏

وبوضوح أكثر كان الإبداع يولد النقد في فضاء النشأة أما في فضاء تراكم الخبرات التاريخية أصبح النقد أيضاً يحفز الإبداع ويولده.‏

وأصبحنا شعراء نقاداً يستفيدون من إبداعهم في خطراتهم النقدية كما يستفيد إبداعهم من تجاربهم النقدية.‏

إلا أن العلاقة بين الشاعر والناقد تأزمت وتوترت. فكثير من المبدعين والشعراء إن لم يعجبهم نقد الناقد لإبداعهم كانوا يرون في النقد عالة على إبداعهم.. ولاسيما في المرحلة الرومانسية التي تعاظمت وتضخمت فيها مكانة الإبداع الذي أعلن استقلاله عن سلطة التراث والذوق العام. باستلهام الطبيعة والنفس الإنسانية وبابتكار النموذج الإبداعي من مضمون تجارب المبدعين ومعاناتهم لا محاكاة النماذج الفنية الموروثة في المدرسة الكلاسيكية.‏

وفي حال كهذه يتحرر فيها المبدع الرومانسي من سلطة العقل والتراث وتراكم الإبداع إبداع السلف ويعلن استقلاله المطلق من كل موروث وجاهز وسالف لن ينصب النقد وصياً على إبداعه المتمرد.‏

وظل التوتر قائماً بين المبدعين والنقاد مع شيء من المصالحة في فترات قليلة حتى جاء النقد البنيوي. وأعلن "سلطة النص" والنص هنا يمكن أن يكون إبداعاً كما يمكن أن يكون نقداً وتمكنت الروح الجدلية وصار مألوفاً أن يولد الإبداع النقد والنقد الإبداع.‏

إلا أن رولان بارت خلص في نقده إلى عقيدة "موت المؤلف" معلناً بذلك استقلال الناقد استقلالاً مطلقاً عن المبدع وتفوقه عليه. وحقق بارت ثأراً للنقاد من المبدعين، كان يطمح إليه النقد لمرحلة طويلة كما خرج بارت إلى عقيدة أخرى هي عقيدة تصوفية في علاقة النص بالناقد والناقد بالنص وجعلها علاقة لذة أشبه باللذة المتأصلة ووسمها بمقاربة النص الذي يفرخ ويتئم النص النقدي.‏

والسؤال الجوهري مازال قائماً: هل هناك نقد بدون إبداع؟، وعلى الطرف الثاني: هل هناك إبداع لا يحتاج إلى نقد. الجواب ليس سهلاً لأنه مازال خلافياً بين المبدعين والنقاد على حد سواء.‏

الخواجة في الضوء‏

ينتمي الناقد دريد يحيى الخواجة إلى شريحة النقد الحديث ويتمحور نقده حول الإبداعات الشعرية لاسيما في سورية لمراحل وشخصيات شعرية لم تلتفت إليها حركة النقد في سورية أو خارجها وإن أصابت قسطاً من السمعة في بعض أنحاء العالم العربي، كالشاعرين الصديقين شوقي بغدادي، وخالد محيي الدين البرادعي.‏

وتنبثق إجراءات الأخ دريد من دراسات نصوصية. تنطلق من قناعات نقدية نظرية تتفاعل مع النص. وتنتهي غالباً إلى أحكام معيارية حول الإبداع والقصيدة والثقافة.‏

يتمتع ناقدنا بجرأة تميزه في المجال الذي اختاره لنفسه في النقد. فهو بالدرجة الأولى مغامر بالنسبة للنصوص التي يدرسها. رغم أنه غالباً ما يكون على صلة ودية معها أو مع مبدعيها، مغامرة لا تخلو من المجاذفة.‏

فمغامرته تنطوي على بعدين، بعد فكري ثقافي، وآخر ذوقي جمالي. يتسلح بثقافة نقدية حديثة. وذائقة جمالية تراكمية من تفاعله المباشر مع النصوص.‏

وغالباً ما تكون قراءاته للنصوص اختباراً لقناعاته الثقافية النقدية فيقيم جدلاً دينامياً ما بين النص والذائقة من جهة، وبين النص ومسلماته النقدية من جهة أخرى. هذا الجدل الذي يوحد ما بين الاستكشاف الفكري للنص وما يولده من متعة جمالية لذائقة مثقفة ومدربة.‏

ومباشرته للنصوص تساعده على استكشاف آفاق نظرية أحياناً يستجمع فيها النظر والتطبيق في آن. كما فعل في دراساته: الغموض في الشعر". وتمييزه ما بين القصيدة والشعر. وإيمانه بأن الإبداع حصيلة لحظات نفسية اجتماعية تاريخية. لكنه سواء في مباشرة النصوص أو في دراسة العلامات والظواهر يحتكم إلى الذوق والحدس في أطر دلالية ترتبط بالفكر والثقافة بمعناهما الأوسع.‏

فالإبداع عنده يشبه العقيدة. الشاعر يبدع انطلاقاً من تفاعل النفس والفكر في ظروف ثقافية وفكرية محددة.‏

كذلك الناقد يبدع وإن سبقت القصيدة الناقد والنقد في إطار الشروط والظروف نفسها التي خضع إليها الشاعر.‏

إلا أن القصيدة هي الوثيقة. يكتشفها الشاعر، ويتلقفها الناقد المبدع ليخلق قصيدة نقدية موازية. والسلاح كما القاسم المشترك بين المبدعين هو الحدس الشعري أو الحدس النقدي الذي لا يعزل الفكر عن النفس ولا النفس عن الفكر في عالم الإبداع وغموضه وسحره.‏

وكما يحتكم الشاعر لإضاءات الحدس. فكذلك الناقد رغم بوصلة النقد التي تتحكم بمساره من خلال قناعات نقدية موضوعية محددة. فالحدس عنده سيد اللعبة. كما عند الشاعر.‏

كثيراً ما يقلب دريد الناقد الطاولة ويفاجئنا بقناعات جديدة تتولد من جولاته مع النصوص من خلال الاستبطان والحدس خصوصاً. وعقيدة الإبداع بشكل عام. فالخواجة دريد يكتب قصيدة نقد موازية للقصيدة الأصل.‏

وليحقق السيد خواجة هذه الاستراتيجية النقدية يستعين بالذوق والحدس والثقافة في موكب واحد، ويستعير من مصادر المناهج والمعارف الحديثة في النقد على وجه الخصوص والثقافة الأدبية بشكل عام ما يمكنه من التحقيق.‏

فهو في الجوهر انطباعي تحليلي منهجياً. وإن استفاد وعوّل على بعض المقولات البنيوية، لاسيما استراتيجياتهم المركزية التي تتوضع في سلطة النص، واللغة كنظام، والبنية الظاهرة والعميقة والبنية والمعمار. وما يكتسبه من النقد القديم يبدو هامشياً إلى جانب محصوله من الثقافة النقدية الحديثة نظرياً وإجراءات تطبيقية.‏

إن منظومة الثنائيات الضدية تحتل المركز من جدله النقدي خارج النص وداخله، الجزء والكل في النص، التحليل والتركيب، المضمون والشكل، البداية والنهاية للنص، البنية العميقة والظاهرة للقصيدة. وما تسرب من ذاكرته من مصطلح النقد القديم وبعض مقولاته يسوقه مساقاً حديثاً. ويزحزحه ليتلاءم مع طراوة المناهج الحديثة، كحسن التخلص عند الشاعر والاستهلال والخاتمة في النص، وتميزه الأساسي، رغم أنه يتوسل التمثيل البيولوجي كجسد القصيدة وقسماتها. إلا أنه يتمركز بالرحم الذي يعيده إلى الحدس الذي يشكل عنده رحماً .‏

ويفضل الناقد دريد يحيى الخواجة أن يتقدم بوصفته النظرية قبل أن يباشر إجراءاته النقدية على النص. يتقدم بها كنقاط انطلاق تعينه على الدخول إلى عالم العمل الأدبي. ونقاط الانطلاق هذه لا تبقى ثابتة بل تتشكل من جديد متفاعلة مع معطيات هذا العمل، فيدخل إلى عالم القصيدة مسلحاً بقناعات نقدية نظرية تتولد من قراءاته النظرية في النقد وجولاته في عالم الإبداع الشعري بمباشرة النصوص. فاقترابه منها ثابت متحول ومتحول ثابت، بحجة أن الإبداع ليس شكلاً جامداً منفصلاً عن رسائله إلى المتلقي. فهو في الجوهر متصل بالنفس والحدس وألقهما المتحرك.‏

وكحال البنيويين يتوسل مفتاحاً فرداً ينتقيه من شبكة القصيدة ويتخذه وسيلة للدخول إلى عالم النص. الحرية عند شوقي بغدادي، والعري عند خالد محيي الدين البرادعي، والعراف عند نصر الدين فارس، والطلوع في نص مصطفى خضر، ويمتشق عناوين مقارباته النقدية ومصطلحاته لها من الإجراءات العملية ومباشرة النصوص. فتكون مصطلحاته هذه دليلاً داعياً على ولوج النصوص والخروج منها بنتائج هي مزيج من التفاعل الحدسي والإدراك المعرفي للنصوص. وكثيراً ما يتقدم بمصطلح جدلي متقابل وينشئ فعله النقدي على حركة هذا الجدل بين المتقابلين، كما في قصيدة البراءة للبرادعي إذ تشبث بالعري بين وحدة التوازي والتقاطع ومن تقابل هذين المصطلحين خرج إلى النتيجة.‏

إن تميز المصطلح عنده يخدم مقارباته النقدية. ويعضد تناوله للثنائيات الضدية فيقربه من الاتجاهات البنيوية في النقد، لكن أحكامه المعيارية كثيراً ما ترده إلى الانطباع والتحليل.‏

إن موقفه الصلب من القصيدة كنظام مكتف بذاته، وإشاراته المتصلة في الخارج بعالم الداخل لا ينسجم مع ولعه في مباشرة القصائد الطويلة التي تتألف عضوياً من عدة قصائد. فيتخلى عن الوحدة العضوية في تناوله. ويحل محلها وحدة شعورية فتية غالباً ما تتأتى له من اعتبارات انطباعية.‏

فالقصيدة الطويلة سيئة السمعة عند النقاد المحدثين من جهة توفر الوحدة العضوية. فالأرض الخراب لـ تي. إس. اليوت ظلت دون إنجازات الوحدة العضوية لطولها المفرط مع أن عزرا باوند سيد الحداثة الشعرية في عصره اختصر النص الأصل للقصيدة إلى ما هو عليه في النص المطبوع. وأن النقاد لم يجادلوا ضد بل مع تداعي أجزاء القصيدة وترابط معانيها وموضوعاتها في جسد فني واحد.‏

ومع أن الخواجة كان مبدعاً في حقل القصة القصيرة إلا أنه حصر جولاته النقدية في الشعر، كالنقد العربي القديم. وحصر دائرته النقدية على شعراء محددين، مع أن أفقه النظري يستدعي توسعاً أكبر في عالم المبدعين والنصوص.‏

وحين تتوضح عنده الظاهرة الفنية وتبرز في ذهنه وذوقه كما في "الغموض في الشعر الجديد" يرفدها بإضاءات الحدس أكثر مما يعضدها بوفرة الاستقراءات النصية وشموليتها أو ما يقارب الشمولية. كما هو الحال في الكثير من الاتجاهات النقدية البنيوية.‏

وتبقى له شاهدة الجرأة المعرفية والمغامرة الجمالية رغم هذه المجازفات. وتبقى له أصالة المحاولة وتسلحها بالمعارف الضرورية. إنه ناقد أصيل أبوابه مفتحة على الفكر والذوق في آن.‏

القصيدة عند الشاعر. ورحم القصيدة الموازية عند الناقد. كما يشكل بؤرة تتجمع فيها اللحظات النفسية والاجتماعية والتاريخية في شبكة النص.‏

ويبدو بارزاً ولافتاً في آن إيمانه بالقصيدة لا الشعر كنظام وثائقي يعكس في نسق اللغة الظاهر ما يتموج في عالم النفس ويتصادم.‏

وإذا كانت القصيدة بنية لغوية موضوعية مستقلة عن خلفيات التاريخ والمكان والزمان والنفس عند البنيويين، تدرس لذاتها لا لعلاقاتها فإنها عند صموئيل كوليردج ناقد الرومانسية والموجة الحديثة بامتياز وحدة عضوية. والناقد دريد يحيى خواجة يزحزح عقيدة كوليردج عن هذه الوحدة. ويتمسك بالقصيدة كنظام متضامن يعكس في الخارج ما يجري في الداخل.‏

وحين يحتكم الخواجة إلى إضاءات الحدس يعود إلى تأني الفكر والثقافة. ليستعين بها على ضبط هذه الإضاءات وسوقها إلى قنوات نظامية قادرة على الاستمرار والتواصل.‏

لكنّه يبدو أحياناً على عجلة من أمره. بينما تحتاج موضوعاته إلى وقفات أطول في مغامرته الفكرية والذوقية. فمباشرة النصوص عنده لا تخلو كما قلنا من مجازفات.‏

كما أن طرافة منهجيته وجدتها وطبيعتها المركبة تقوده أحياناً إلى مزج الإضاءات البينة بالعتمات الغامضة لفكر نقدي يتسلح بالأصالة وهو ضالع في المكتسبات المنهجية النقدية الحديثة.‏

والأصالة هنا ليست الرجوع إلى أصول القديم بقدر ما هي توليف منهجية نقدية تتصل بالعصر وأبعاده.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244