مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 439 تشرين الثاني 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

عبد الله عَبْد قاص من الروَّاد ـــ أ.د.حسين جمعة

ترسخ في الذاكرة الوطنية والقومية أن هناك ثلاثة أجيال تتكامل فيما بينها في التأسيس والريادة للقصة القصيرة في سورية؛ وما يأتي موازياً لها من حديث عن القصّة والرواية والمسرحية و... فالخمسينيات من القرن العشرين تعد مرحلة التأسيس الأولى بكل جدارة للقصة القصيرة التي ظهرت فيها عناصر التجريب القصصي بقوة على يد عدد من كتابها أمثال عبد السلام العجيلي وألفة الإدلبي وحنا مينه، وسعيد حورانية، وحسيب الكيالي، وفاضل السباعي ومواهب الكيالي، وجان ألكسان وعادل أبو شنب وإسكندر لوقا و... وإن كان قد سبقهم ثلة قليلة من الذين بذروا البذرة الأصلية من القص السوري أمثال علي خلقي وفؤاد الشايب ووداد سكاكيني...‏

وكانت قصصهم ـ جميعاً ـ تستبطن نماذج تراثية شتى، وتصور الواقع الاجتماعي بكل اتجاهاته وحالاته، وتنخرط في عدد من الاتجاهات الفكرية والسياسية التي ظهرت آنذاك. أي كانت قصص تلك المرحلة تمتاز بخلط ملموس في بناء القصة واستخدام عناصرها بالفلسفات الفكرية والاجتماعية والسياسية علماً أن عدداً من كتابها قد تأطر بتيارات منها. وكذلك عالج المنتج القصصي جملة من القضايا السياسية الوطنية والقومية؛ إذ كانت سورية ما تزال تعاني من آثار الاحتلال الفرنسي، وتحاول ترسيخ حالة الاستقرار والنهوض على مختلف الصُّعُد، بيد أنها كانت تخرج من انقلاب سياسي اجتماعي اقتصادي لتقع في انقلاب آخر، فضلاً عن المعاناة الشديدة التي تكبدتها هي وأبناؤها من جراء نكبة (1948م) باحتلال الصهاينة لفلسطين..‏

لذلك كانت سورية تعيش هذه المعاناة في الوقت الذي يتقلب أبناؤها على نار التيارات الفكرية والحركات السياسية الناشطة آنذاك، والتي أنتجت تيارات فنية كثيرة أمثال الواقعية، والواقعية الاشتراكية، والماركسية والليبرالية، والوجودية والعدمية و...‏

وبمقدار ما عاش أبناء الوطن في قلق وتوتر دائمين كانت النتاجات الفنية تثرى بالتجريب والاختبار وإن اختلط في قسم منها الأسود بالأبيض والجهل بالعلم والخرافة بالحقيقة... وذلك لاختلاط المفاهيم وعدم وضوحها بشكل دقيق.‏

ثم جاء جيل الستينيات الذي يعد بحق الجيل الذي أكمل مسيرة العمل الفني القصصي، وراح يعلي رايتها من أمثال زكريا تامر ووليد إخلاصي ووليد مدفعي وغادة السمان وياسين رفاعية وحيدر حيدر وكوليت خوري وناشد سعيد..‏

وقد أفاد هذا الجيل من القضايا الكثيرة التي وقعت في تلك المرحلة؛ بما فيها الكتابات الفنية؛ وبخاصة ما يتعلق بكتابات السرد الحكائي عالمياً واطلاعه على تجارب الآخرين فيها.‏

وإذا كان (عبد الله عبد) المولود في الساحل السوري والملتصق بريفه حتى النخاع من أوائل جيل السبعينيات من القرن العشرين فإنه يعد واحداً من الرّواد الحقيقيين للقصة السورية الحديثة ـ علماً بأن هذه المرحلة تعدُّ من أخصب المراحل الزمانية أحداثاً وموضوعات، وإنتاجاً، ولاسيما على صعيد القصة القصيرة ـ ففي هذه المرحلة ـ وعلى يدي عبد الله عبد قبل غيره ـ انتقلت القصّة القصيرة من طور التجريب إلى طور امتحان التقنيات الفنية وترسيخ أصول السرد الحكائي كما ظهر في مجموعته القصصية (السيران ولعبة أولاد يعقوب ـ اتحاد الكتاب العرب ـ 1972م). فهذه المجموعة؛ وما تلاها تمتلئ بالأفكار الكثيرة التي استمدت من أوضاع الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية التي كانت تعاني منها سورية والأمة العربية برمتها.. إذ كانت تعيش حالة متوترة تداخلت فيها التيارات الفكرية والفلسفية المتعددة شرقاً وغرباً بالحالة الاجتماعية والفنية لتنتج حالة متراكبة ترفعها إلى درجة الأزمة التي كانت تعاني منها في صمّها القومي إثر نكسة حزيران (1967م) فضلاً عن استمرار الجرح النازف في المأساة الفلسطينية.. ثم انبلاج فجر السادس من تشرين/أكتوبر (1973م) ليخفف شيئاً من تلك المعاناة...‏

وقد استجاب الأدباء والكتاب لقضاياهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بكل مشاعرهم الصادقة فعالجوا في أدبهم ما يعاني منه المجتمع العربي من ظلم وقهر وتخلف وجهل (انظر النجوم 35 ـ 36) وفرقة وتشتت؛ واحتلال ما زال يرمي بثقله على فلسطين المحتلة، ويهدد نهوضهم المستقبلي.. وكان القاص السوري (عبد الله عبد) واحداً من أولئك المهمومين بقضايا مجتمعه، ولاسيما مجتمع الريف المقهور، والمغلوب على رزقه وحياته، تتقاذفه أيدي الإقطاع والتخلف في علاقاته كلها... ما يعني أن قصصه لم تكن مقتصرة على مرجعية ثقافية عربية تراثية فحسب وإنما كانت تمدّ ظلالها إلى الواقع ـ وبخاصة واقع الأرياف ـ لتعالج تلك المشكلات التي أكلت لحم الفقراء والمعوزين ثم تمد تلك القصص خيوطها إلى المدينة، لترصد ظاهرة الهجرة إليها من الريف... فإذا المدينة غُول قاتلة تأكل كل من يدخلها، ليرتفع نشيج نداءات الضَّحايا من الممرات والزوايا، وهي تتناهى إلى الآفاق معلنة عن تغوّل وحشي يجتاح النفوس قبل الدروب...‏

وحين كان يفعل ذلك كله كان يمزج هذه المرجعية الثقافية الاجتماعية الواقعية بكل ما اكتسبه من قراءاته في الثقافة الإنسانية والعربية ما جعله يمتلك رؤيا فكرية واجتماعية وسياسية واسعة سعت إلى كشف الحجب المستورة للظلم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في دائرتيه الفردية والجماعية... ومن ثم كان عبد الله عبد مجيداً في نقل البيئة الريفية بكل صنوفها المأساوية المؤثرة، ولاسيما حين ركز على المفارقات الغرائبية هنا وهناك...‏

فعبد الله عبد يبهرنا بسرد الحكايات عن الريف الساحلي، حتى إننا لنعدّه أهم كاتب في الساحل السوري ـ في تلك المرحلة ـ بعد رحيل القاص المبدع حنا مينه إلى دمشق واستقراره فيها...‏

وحين طفق بعض الأدباء والكتاب ينخرطون في جماعات فكرية وسياسية، واتجاهات اجتماعية ومكانية فإنه نأى بجانبه عن ذلك كله، فلم يكن يصطف في أي مذهب أو موقف أو جماعة، أو طائفة... كان يرى فيها أموراً مستهجنة، على اعتبار أن الأديب فوق التأطير والتحزُّب والاصطفاف... ومن ثم وجد القيام بها حدثاً شاقاً على العقل والنفس؛ لكونها تتبنى أنظمة خاصة بها؛ وهو لا يرغب في تقييد نفسه... وقد عَبَّر عن ذلك ـ على نحو كبير ـ في قصته (الجياد في الاستعراض) حين صَوَّر اجتماع الأدباء والكتاب في مهرجانات خاصة... فرأى أن هذه المهرجانات ليست ظاهرة صحيحة، بل إن ما فيها من الكذب والنفاق والانحراف لشيء مقيت يفضي إلى أن تركها أفضل من انعقادها. وقد صمم على هذا الفعل حين صور الجياد مدركة لأحوال النفوس البشرية بكل ما فيها، وشرعت تتساءل عن الغاية من وجودها في مثل هذه المهرجانات الاستعراضية كما في قوله: (النجوم ص 182)‏

"وقال جواد من الصف الثاني لرفيقه: إنني لم أطعم اليوم كفاية ـ قلت في نفسي عندما أحضروا لنا وجبة الصباح: يجب ألا آكل كثيراً كي أجري جيداً: هل تعتقد أنهم سيجرون سباقاً في الجري؟!‏

فردَّ رفيقه:‏

ـ لا أظن.‏

ـ عاد الجواد الأول يسأل: لماذا إذن أتوا بنا إلى هنا؟ فردَّ الثاني: لست أدري، لكن ليس هناك سباق على كل حال.‏

وسأل جواد من الصف الثالث: إذا لم يكن هناك سباق فلماذا إذن وضعوا علينا عدتنا الجديدة؟ لكن سؤاله ما لبث أن ضاع حين قام هرج فجأة." ثم يعبر عن حنق تلك الخيل في آخر القصة (ص 189) إذ قال: "ولم تكفَّ المهاميز لحظة واحدة عن ملاحقة خواصر الجياد، بينما وقفت بفعل شد اللجم المتسمر في أعلى حلوقها أشياء غليظة وصلبة لتحقق أفضل شكل تبدو فيه جياد في استعراض عام".‏

لذلك كله حيَّد نفسه بعيداً فانعزل كالمنسي في الريف؛ ولم يظهر بين الأدباء والكتاب إلا نادراً، وكذلك كان ظهوره عند الدارسين للقصة القصيرة على الرغم من مكانته الإبداعية فيها؛ إذ يعدُّ واحداً من أعلام القصة الواقعية الاجتماعية والرمزية الموحية.‏

كانت قصصه مليئة بالحكي والسرد وكل ما تختزنه من محفزات فكرية واجتماعية وفنية في حالات الثبات والتحول... وحين كان يعنى بالجغرافية المحلية للريف الساحلي لم ينقطع يوماً عن الجغرافية الكبرى لوطنه وأمته العربية انتماءً، وهوية وثقافة.. ولا شيء أدل على ثقافته الفنية القومية من معاينته الدقيقة لمواقع القصّة العربية القصيرة التي قرأها مطولاً وتأثر بها، فتركت آثارها واضحة في قصصه ـ ولكنه في ذلك كله لم يكن يعتمد التناص المباشر، وإنما كان يطبعه بطابعه الخاص المنبثق من تجربته (انظر السيران ولعبة أولاد يعقوب 95 ـ 101).‏

ثم من يدقق في مجموعاته القصصية يدرك بجلاء أن الهموم الاجتماعية وأحداثها وقضاياها المتلبسة بالهموم الاقتصادية أكثر من غيرها...‏

كانت الحادثة الاجتماعية تظهر في قصته بارزة، ثم لا يلبث أن يحولها إلى ظاهرة اجتماعية مع كرّ الليالي والأيام؛ ثم يجعلها تنخر في جسد المجتمع لتقضي عليه...‏

ولم يقلَّ عمله الفني جودة في تصويره للقيم العربية الأصيلة المأزومة بكل الأفكار الاستهلاكية المريضة عن تلك الظواهر... كان يتفحص القيم العربية بعين الخبير الواعي الحريص على هوية الأمة ومبادئها... فيعرض لإحدى القيم، ويتابع تطورات تحولاتها في المجتمع فيجد أنها قد آلت إلى حالة مزرية مخيفة من الهَدْم الاجتماعي المقصود وتخريب قيمه بتبني قيم الفلسفات المادية الخالصة....‏

لهذا كله كان يضع في قصصه بذرة النهوض في النفس العربية اجتماعياً وفكرياً وخلقياً، ويزرع فيها روح الغيرة للدفاع عن قيم الأمة المجيدة.‏

لذلك كله نستطيع القول: إن القاص (عبد الله عبد) يعد من أوائل من رصد في مجموعاته القصصية القصيرة، ومن ثم في بقية أعماله ظواهر المفارقة الهدامة في المجتمع، وأحوال الغرابة والدهشة والضياع التي تحصل لأبناء الريف خاصة، إذا لم يكن الأول في جيله.‏

فنصّه القصصي كان حاضراً بقوة فناً وأفكاراً فامتلأ فتنة وجمالاً، وربما دخل مسابقات أدبية مهمة على الصعيدين المحلي والعربي وبخاصة في لبنان فتقدم على كثير من نصوص الكتاب المعروفين من أنباء جيله بل سابقيه أحياناً... كان السرد لديه مثيراً في حكاياته ورؤاه وعناصره، بل في لغته وتراكيبه وإن وقع في أشكال من الأساليب الحداثية والعامية وسقط في عدد من الأخطاء النحوية واللغوية التي شاعت في المرحلة الزمانية التي عاش فيها... بيد أن لغته تمتلئ بالحيوية والقدرة على نقل الأفكار والمشاعر، وتعنى بالمحاورة الشفّافة والموحية في غير ما مكان.‏

كان شخصية أدبية متميزة ارتفعت بوعيها الفني والفكري وظهرت شخصية متماسكة في قصصها القصيرة التي تعدُّ في السرديات المكتوبة من أحسن ما كتب في الوطن العربي وليس في سورية فقط... وكذلك كتب أعمالاً قصصية للأطفال، وإن لم تكن على الصعيد الفني قد ارتقت إلى مستوى أعماله القصصية الأخرى، وترك لنا رواية واحدة بعنوان (الجدار)، بيد أنها دون بقية أعماله، على أهميتها الفنية الزمانية.‏

ذلك هو (عبد الله عبد) القاص السوري الذي يعد ـ بجدارة ـ واحداً من جيل الرواد في القصة القصيرة السورية والعربية على السواء؛ وحين ظلمه الزمن والدارسون فقد أثبت حضوره في السرد القصصي ذي الأنساق التصويرية الماهرة في التعبير عن المفارقات الكثيرة. فأعماله تشهد بما قدمه للفن القصصي العربي وليس لنا إلا أن نذكِّر به ونضعه بين أيدي الدارسين؛ لعلنا نرفع الظلم عنه...‏

تلك هي رغبتنا في اختيارنا لقصص قصيرة له من مجموعاته المختلفة مثل (السيران ولعبة أولاد يعقوب ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب ـ 1972م) و(النجوم ـ منشورات وزارة الثقافة بسورية ـ 1977م).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244