مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 439 تشرين الثاني 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

العصافير وحارس الحقل الخشبي

ما إن تفتحت عيناي على الدنيا حتى وجدت نفسي في حقل محاط بالأسلاك وعلى مبعدة يلعب ولدان. وفيما وراء الأسلاك كان ثمة من الجنوب درب مهجورة، ومن الشمال أرض مزروعة، ومن الغرب طريق ترابية، ومن الشرق ثلاثة أكواخ من الصفيح أمامها بقرة ترعى بهدوء.‏

شعرت بالضجر وأحسست برغبة في الكلام. وددت لو يقترب الولدان، أو أحاول الذهاب والاشتراك معهما في اللعب. ومع ذلك شكرت الظروف لأنني لم أترك مكاني في تلك اللحظة للالتحاق بالولدين كي ألعب معهما. إذ إنني فهمت منهما فيما بعد أنني لم أوضع في ذلك المكان من أجل اللعب.‏

اكتفيت بمراقبة الولدين من بعيد، وإن لم أفهم اللعبة التي يمارسانها. كان بيد كل منهما عصا مربوطة من طرفيها بمزقة. اختفى أحد الولدين وراء شجرة ليس فيها من الأغصان سوى ثلاثة فروع عارية كأنها أذرع تتضرع. واختفى الآخر وراء جدار بناء صغير تخرج منه أسلاك تتفرع في الفضاء بواسطة عمود معدني في كل الاتجاهات. أطل الولد برأسه من وراء الشجرة محاذراً وقد مدَّ العصا التي يحملها. وأطل الولد الآخر من وراء البناء بالطريقة نفسها ومد عصاه أيضاً.‏

وأطلق الولدان: بم.. بم. ثم خرجا من مكمنيهما.‏

وركض الواحد باتجاه الآخر حتى إذا التقيا جرى بينهما نقاش حاد ولعله بشأن البوم.. البوم. ويبدو أنهما اختلفا حول هذا الموضوع. إذ ملأ صراخهما وإشارات أيديهما المكان. أخيراً انصاع الولد الذي كان وراء الشجرة واستلقى على ظهره فوقف الآخر بقربه ووجه إلى صدر طرف العصا وأطلق: بوم.. بوم. ولعل الخلاف سوي بينهما إثر ذلك البوم.. البوم الأخير حيث سارا معاً واتجها نحوي. وعندما اقتربا مني كان أول شيء سألتهما عنه هو تلك اللعبة. فأخبراني أنه لعبة العسكري.‏

فأعلنت لهما عن رغبتي بمشاركتهما تلك اللعبة. فقالا لي: أن ذلك ليس مسموحاً لي، وأنني لم أنصب في ذلك المكان لمثل هذه الأمور. عند ذلك سألتهما عن الأمور التي نصبت من أجلها. فأوضحا لي أن مهمتي تتعلق بالعصافير. سألتهما: وكيف ذلك؟. فأجابا أن والدهما قد بذر حبوباً في الأرض، وأنه يخشى عليها من العصافير.‏

استفسرت منهما عن دوري في هذا الأمر؟ فرداً أن عملي هو المحافظة على البذور. قلت: وكيف أحافظ على البذور؟ قالا برد العصافير عن الحقل. حينئذٍ طلبت منهما أن يزيداني إيضاحاً حول هذه المسألة. فقالا لي: أن مهمتي تتلخص بالوقوف في الحقل. فإذا حاولت العصافير أن تهاجم الحقل لالتهام البذور، وقع بصرها علي وعندئذٍ تتراجع لأنني واقف لها بالمرصاد للإيقاع بها. في تلك اللحظة استرعى انتباهي البناء الصغير الذي تخرج منه الأسلاك وتتفرع بواسطة عمود حديد.‏

فسألتهما عما إذا كانت حراسة هذا البناء داخلة في اختصاصي؟ فقالا: إن حراسة البناء ليست من اختصاصي وإنما هي من اختصاص الحكومة، فإذا كانت الحكومة حريصة على خزانها الكهربائي فلترسل من يقوم بحراسته.‏

فقلت لهما: ولكن البناء واقع في الأرض المزروعة. فأجابا: إن الحكومة اشترت مساحة من الأرض الزراعية وأقامت عليها خزاناً كهربائياً ومسؤولية حراسته تقع على عاتقها. فكرت أن أسألهما عما إذا كان رد العصافير من خارج الحقل أم من داخله. غير أني في اللحظة التي رغبت فيها بتوجيه هذا السؤال لاحظت أنهما منشغلان بتحدي أحدهما الآخر لإجراء سباق بينهما. وبعد أن اتفقا على نقطة الانطلاق ونقطة الانتهاء تخلصا من العصوين اللتين كانتا بأيديهما بأن علقاهما في كتفي. وبدأا بالعدو فلاحقتهما بعيني بعض المسافة. ثم عدت لأقوم بمهمتي.‏

وقف عصفور على السلك الشائك وهز ذيله ثم زقزق مرة أو مرتين وتهيأ للانقضاض على الحقل. لكنه عندما رآني تراجع عن فكرته وفرَّ طائرا. بعد قليل اقترب من الحقل ثلاثة عصافير، غير أنها بقيت وراء الأسلاك.‏

وظلت فترة تتواثب ولا شك أنها شعرت بوجودي فراحت تتشاور فيما بينها. اكتفت العصافير بالبحث عن الطعام خارج حدود الحقل. وبعدئذٍ رحلت. فشعرت بالزهو لقدرتي على إبعاد العصافير عن الحقل. وددت لو أعرف أين صار الولدان وماذا حدث بشأن السباق؟‏

في الوقت الذي عزمت فيه على تتبع مجرى السباق حط عصفور في الأرض المزروعة. استطاع العصفور أن يلتقط حبتين أو ثلاثاً قبل أن ينتبه لوجودي وينطلق من ثم بجناحيه هارباً. أحسست بالقلق لهذه الحادثة وفكرت.. لو انتبه لوجودي منذ البداية لما جرؤ على تحدي واقتحام الحقل. عاد المتسابقان واحداً بعد الآخر. كانا تعبين بعد الجري فتهالكا بجانبي مستلقيين على ظهريهما. ظلا كذلك فترة من الوقت. وحين استردا أنفاسهما قال الذي وصل أولاً: انظر. إنه يشبه جندياً حقيقياً ولكن ينقصه شيء ما يضعه على رأسه. وعقب الثاني: ويحمل بندقيتين. وتابع الأول مزهواً: بالتأكيد سأبحث له عن شيء يضعه على رأسه. أنا أتيت بالأخشاب.‏

وقال الثاني متفاخراً: وأنا جمعت الأخشاب إلى بعضها بالمسامير. قال الأول: أنا حفرت له الحفرة. وقال الثاني: وأنا نصبته في الحفرة وهلت على قاعدته التراب. واستمر الأول: وأنا ألبسته سترة. وأضاف الثاني: أنا صنعت له وجهاً. وأكمل الآخر: وأنا حشوت رأسه بالقش. ثم قال الاثنان معاً: وهكذا صنعنا حارساً لحماية الحقل. وانفرد الأول: حارس ببندقية. وعقب الثاني: لا بل ببندقيتين. وقال الأول: أما إذا تمرد وترك مكانه فتقدم إلى الأمام أو تراجع إلى الخلف فلم يصد العصافير عن الحقل فلسوف نعاقبه. وقال الثاني: سأنزع المسامير وأفصل الأخشاب عن بعضها. وتوعد الأول: وأنا سأسترد سترتي التي ألبستها له. واستمر الثاني: سأشوه وجهه الذي صنعته له. وأكمل الآخر: أما أنا فسأحطم رأسه.‏

وارتفع نداء من أكواخ الصفيح يدعو الولدين للغداء. نهض الولدان وقبل أن ينطلقا في اتجاه النداء قال أحد الولدين: ألن نأخذ البندقيتين؟ فرد عليه الثاني: دعهما له فربما احتاجهما في رد العصافير. ثم توجه إلي بالكلام قائلاً: لا تترك مكانك. كن يقظاً من العصافير.‏

ثم يمما شطر البيت.‏

بعد أن أصبحت وحدي نظرت إلى الحقل من جميع جوانبه. كان في طرفه الجنوبي عصفور يقوم ببعض المناورات. يطير ثم طرفه الجنوبي عصفور يقوم ببعض المناورات. يطير ثم يحط على السلك الشائك. لعله كان يستكشف. حمداً لله. لقد رحل بعد أن وجد الحراسة مشددة على الحقل. نعم يجب أن أكون يقظاً وإلا ضاع الحقل واتجهت بنظري إلى الشمال. أقبل عصفوران معاً.‏

أحدهما وقف على السلك وراح يهز ذيله ويدور في كل الاتجاهات. أما الثاني فقد حط مباشرة داخل الحقل هناك عند حده الغربي. تساءلت: ترى هل رأياني؟ نقر العصفور الذي كان داخل الحقل بعض الحبوب ثم دعا عصفور السلك الشائك إلى الوليمة. لم يلب العصفور الدعوة. إنه خائف ولا شك وهذا شيء جميل. إنه لجميل حقاً إنني لا أزال أبعث الخوف في قلوب العصافير. وأقبل عصفور آخر. آه إنهم صاروا ثلاثة. الآن يجب أن أقوم بعمل. يجب أن يشعروا بوجودي. عصفور أو عصفوران في الحقل شيء لا يهم. ولكن إذا تكاثرت العصافير أصبحت شيئاً خطراً. يا عصافير يا هوه أنا هنا. وأقبل عصفور رابع يا للصفاقة؟! لعل العصافير تجهل أني أحمل بندقية لا بل بندقيتين في كل كتف واحدة.‏

فلينفجر الغضب إذن ولتهتز البندقيتان المتأرجحتان المعلقتان في كتفي ولتحل اللعنة على العصافير. عجباً! ولكن العصافير لم تخف. وأقبل عصفور خامس حط على ذراعي. الآن بالتأكيد يجب أن تطبق السماء على الأرض. لتنزل الصواعق ولتدمر العصافير الملعونة.‏

وحوم عصفور جديد حولي ثم حط على رأسي . ثم راح ينقرني وينكش القش في رأسي. لا هذا كثير. لقد طفح الكيل. يجب أن يوقف هذا العصفور المجنون عند حده. بل كل العصافير. يجب أن تسحق. أن تحرق. ويجب أيضاً أن أرغي وأزبد وأسمع السماء صوتي. أنا هنا.. أنا هنا. أنا الحارس أين بندقيتاي؟! فلتهتز بندقيتاي. وقدم عصفور ثامن حط على رأسي، تبعه آخر على ذراعي وآخر على ذراعي الثانية أواه! لقد مزقوا سترتي وأفرغوا رأسي من القش. ماذا أفعل؟ لقد أمسيت عارياً فكيف أخيف العصافير القادمة مستقبلاً بسترة ممزقة تماماً. كيف ارسم الخطط لرد العصافير المهاجمة برأس أفرغ من القش. يا إلهي!؟‏

ثم.. ثم استمر سيل العصافير الذي لا ينقطع.. مع أن بندقيتين كانتا لا تزالان تتدليان من كتفي وتتأرجحان في الهواء.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244