مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 439 تشرين الثاني 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

صورة

ـ دنيا! لماذا أنت واقفة هناك؟ هاتي العربة وتعالي يا بنت.‏

ودفعت دنيا عربة طفل فارغة في مسلك من مسالك الحديقة حتى صارت بمحاذاة العائلة التي استقرت فوق أرض معشوشبة. كانت العائلة قد جاءت منذ قليل إلى الحديقة العامة بعد الانتهاء من صلاة "أحد الشعانين" لأخذ صورة تذكارية. وكانت الصورة الأولى قد أخذت قرب شجرة ورد وبدأ الاستعداد لأخذ الصورة الثانية.‏

وقالت السيدة مرة أخرى:‏

ـ دنيا! تعالي خذي برنس سوسو وضعيه في العربة.‏

وتركت دنيا العربة واتجهت صوب الجماعة. كانت الجماعة مؤلفة من خمس أشخاص. رجل بيده جهاز تصوير، وامرأة تحمل طفلاً في سنته الأولى وصبي وفتاة في يد كل منهما سعفة مزينة بالزهور. وكان الجميع في أبهى حللهم.‏

وتناولت دنيا البرنس من المرأة وطوته بعناية، ثم أراحته بحرص على ساعدها. وعادت إلى اتخاذ مكانها بالقرب من العربة والبرنس لا يزال يرتاح على ساعدها.‏

قال الرجل الذي بيده جهاز التصوير:‏

ـ لنأخذ صورة جماعية أخرى.‏

فتصدرت الأم على اليمين تحمل رضيعها، ثم تلاها الصبي فالفتاة. وقف الزوج في مقابل الأسرة وأغلق عيناً ونظر بالعين الأخرى في جهاز التصوير مختبراً وضع الأسرة من هناك، ثم تقدم خطوتين وانحرف قليلاً إلى اليسار.‏

أثناء ذلك كان الصبي والفتاة الواقفان عن يمين السيدة يتبادلان النظرات الحافلة مع دنيا ويبتسمان فخورين، فأجابت دنيا على ابتسامتهما بالابتسام.‏

قال الزوج:‏

ـ عندما أعد ثلاث سألتقط الصورة... حسناً! استعدوا.‏

واستعد الصبي والفتاة وتشبثا بسعفتيهما المزينتين بالزهور ودفعاها إلى الأمام كأنهما يخشيان ألا تظهر في الصورة. ونظرا في جد إلى جهاز التصوير.‏

وعد الزوج‏

ـ واحد... اثنان.. ثلاث.. طق‏

والتقط الصورة.‏

وفتل الزوج البكرة وهيأ صورة. قال للسيدة:‏

ـ الآن جاء دورك.‏

وتبادلا موضعيهما. فأخذ الطفل منها واحتل مكانها بالقرب من الولدين، وأخذت الجهاز منه واحتلت مكانه.‏

مرة أخرى نظر الصبي والفتاة إلى دنيا الواقفة عند العربة وبسما لها فابتسمت لهما أيضاً كأنها تقول "تشجعا. التصوير شيء جميل".‏

وعدت الزوجة ثلاثاً ثم التقطت الصورة. قال الزوج:‏

ـ والآن لنأخذ صوراً فردية للأولاد. هل نغير المكان؟‏

فوافقت الزوجة على تغيير المكان. وقالت موجهة الكلام إلى الفتاة الواقفة عند العربة:‏

ـ دنيا تعالي خذي سترتي. ولكن عجباً. أما زال البرنس على يدك؟! هل أنت مسطولة يا بنت؟‏

وانتفضت دنيا كأنها كانت نائمة فأوقظت من نومها، أو كأنها كانت تحلم فأوقظت من حلمها. وغمغمت معتذرة:‏

ـ قلت ربما طلبتيه مرة أخرى.‏

وتقدمت دنيا في الحال فتناولت سترة السيدة وعادت إلى العربة. في هذه الأثناء تحركت الأسرة فوق الأرض المعشوشبة لتغيير موضعها مما اضطر دنيا إلى دفع العربة ومسايرة الجماعة. اختارت السيدة موضعاً وقالت:‏

ـ هذا مكان جيد.‏

فوافق الرجل قائلاً:‏

ـ حقاً إنه مكان جيد.‏

وتوقفت الجماعة فتوقفت دنيا. وصاحت السيدة:‏

ـ دنيا.‏

فقال الرجل.‏

ـ ماذا تريدين منها؟‏

فقالت السيدة:‏

ـ لتأت إلى هنا تفعل أي شيء... لتحمل الطفل.. لماذا هي واقفة هناك؟ أنا لم أعتد على حمل طفل لمدة طويلة. لقد تعبت يداي.‏

قال الصبي:‏

ـ دنيا تعالي خذي شعنينتي. أريد صورة لا أحمل فيها شعنيناً.‏

وقالت الفتاة الأصغر سناً وقد غارت من أخيها.‏

ـ وأنا أريد صورة بلا شعانين.‏

وتقدمت دنيا لتأخذ الشعنينتين كما طلب الصبي والفتاة فعقبت السيدة:‏

ـ حسناً ولكن ليس قبل أن نأخذ لكما صورة أخرى بالشعانين.‏

وتهيأ الصبي والفتاة أمام جهاز التصوير. وأعطت السيدة إلى دنيا الطفل الذي كانت تحمله، ثم قرفصت وشرعت تصلح هندام الولدين. اقترب الصبي من رأس أمه وقبلها في خدها وقال:‏

ـ أحبك يا ماما.‏

فقبلته أمه وقالت:‏

ـ وأنا أحبك يا حبيبي‏

وقالت الفتاة:‏

ـ وأنا أحبك يا ماما‏

فقالت الأم:‏

ـ وأنا أحبك أيضاً.‏

حين اطمأنت الأم إلى هندام ولديها تراجعت عن ميدان الصورة ولكنها قالت فجأة:‏

ـ دنيا لماذا أنت واقفة هناك؟ ابتعدي عن عدسة التصوير يا بنت.‏

وانصاعت دنيا إلى أمر السيدة فتراجعت بارتباك. بعد أن تم التقاط الصورة.‏

قالت السيدة:‏

ـ دنيا! خذي الشعنينتين إلى العربة.‏

فأومأت الفتاة برأسها إلى الطفل تحمله على ذراعها.‏

فقالت السيدة:‏

ـ هيا ضعي سوسو في العربة أولاً، ثم احملي الشعنينتين.‏

ومضت دنيا إلى العربة فوضعت الطفل فيها بعناية فائقة. ثم عادت فحملت الشعنينتين ووضعتهما خلف الطفل.‏

قال الرجل.‏

ـ والآن لنأخذ صورة جماعية جديدة. أن آلتنا تصور أوتوماتيكياً.‏

وفي الحال فتل بكرة الجهاز ووضعه على حامل، ثم أطبق عينه اليسرى ونظر باليمنى إلى أسرته من خلال ثقب الجهاز. ثم اتجه إلى الجماعة وأصلح أوضاع أفرادها. قال:‏

ـ أنا سيكون مكاني هنا.‏

ثم إلى زوجته:‏

ـ أنت ستكونين في الطرف. والأولاد في الوسط. وأنا في الطرف الآخر.‏

وحانت من السيدة التفاتة إلى العربة فهتفت:‏

ـ ولكن ماذا بشأن سوسو؟! لقد كدنا ننسى سوسو.‏

وإلى زوجها:‏

ـ ما رأيك أن نأخذ له صورة وهو في العربة؟ فوافق الرجل ونقلت عربة الطفل إلى الأرض المعشوشبة، فوضعت في ساحة العدسة مما أدخل تعديلا طفيفاً على ترتيب الجماعة السابق، إذ وضعت العربة حذاء الأم.‏

أما دنيا فقد بقيت وحدها بعد نقل العربة تراقب عملية التصوير، ولكن بينما الرجل يعيد النظر في وضع الأسرة والآلة للمرة الأخيرة، هرولت دنيا باتجاه الجماعة، وبالتحديد نحو الفتاة تماماً.‏

فقالت السيدة باندهاش:‏

ـ لكن ماذا بك يا دنيا؟!‏

فقالت دنيا وهي لا تزال ماضية بتصميم نحو هدفها.‏

ـ ياقة ياسمين مقلوبة. أريد أن أصلح ياقة ياسمين.‏

ومضت فأصلحت ياقة ياسمين، ثم سوت بكفها شعر الصبي وتراجعت إلى الوراء. وانتبهت الأسرة بكل جد ورزانة إلى جهاز التصوير الذي أخذت إشاراته تتلاحق معلنة عن بدء تسجيل الصورة. غير أن الأم أبت إلا أن تفرض رعايتها على طفلها حتى في الرسم، فمدت يدها ووضعتها على مدفع العربة، ولكن في الوقت الذي لا مست فيه يدها المدفع، أعلن الجهاز عن انتهاء التسجيل، فصفقت الأم بيديها الاثنتين أسفاً، وأنحت باللائمة على نفسها لأنها لم تبادر إلى فعل ما فعلت قبل ثانية من الزمن، ولم يستطع أحد أن يحزم فيها إذا كانت العدسة قد التقطت حركة يد الأم الأخيرة.‏

وبينما الرجل والمرأة يستعيدان الحادثة ويتأرجحان بين إثبات الالتقاط ونفيه وهم يتأهبون لمغادرة المكان، اقترب الصبي من أبيه وشد سترته. فالتفت الأب إليه. وقال:‏

ـ بابا صور دنيا.. هي تحب الصور.. أن لم تصورها.‏

فضرب الأب على جبينه وقال باستنكار:‏

ـ حقاً أنا لم أصورها!‏

وقالت الأم:‏

ـ عجباً كيف نسيناها؟!‏

ثم نظرت إلى زوجها بحمية أكثر:‏

ـ انظر في الجهاز. ربما كان هناك مجال لصورة أخرى.‏

واستشار الرجل الجهاز بحماسة. وعضت دنيا طرف إصبعها باستحياء إذ إنها أصبحت فجأة محط اهتمام الأسرة.‏

قال الصبي لدنيا:‏

ـ دنيا! أليست صورتي أحلى من صورة ياسمين؟‏

وقالت ياسمين:‏

ـ بل صورتي هي الأحلى.‏

فقالت دنيا وقد اتجه نصف اهتمامها إلى الجهاز وحامله:‏

ـ صورتك حلوة وصورتها حلوة.‏

واستحثت المرأة الرجل فأعلن هذا بانتصار:‏

ـ نعم هناك مجال لصورة أخيرة.‏

وانتقل هذا الانتصار من الرجل إلى الصبي صاحب الفكرة في الأصل. وأبى إلا أن ينسب الفضل الأكبر لنفسه:‏

ـ دنيا! أنا قلت لهم أن يصوروك، أليس كذلك؟‏

فقالت له دنيا بمثل عفويته إذ كانت في مثل سنه تقريباً:‏

ـ نعم أنت قلت لهم.‏

واستدعيت دنيا على عجل إلى ميدان التصوير. لم تكن ثيابها جديدة كالآخرين ولكنها كانت نظيفة. ووقفت بارتباك مبهورة الأنفاس لا تدري ماذا يتعين عليها أن تتصرف، أو ماذا تفعل بيديها الزائدتين أمام جهاز التصوير. مرة أرختهما على جنبيها ومرة شبكتهما على بطنها. ولكن سرعان ما جاءها الصبي بزهرة حمراء وقال لها.‏

ـ دنيا امسكي هذه الزهرة.‏

وأمسكت دنيا بالزهرة بكلتا يديها فأخرجتهما من ورطتهما.‏

قال الرجل:‏

ـ عندما أعد حتى ثلاث انظري إلى الآلة، وعندها سألتقط الصورة.‏

وتهيأت دنيا للتصوير بكل أعصابها فاستنفرت كل عضو من أعضائها حتى القلب. وعد الرجل:‏

ـ واحد...‏

وفكرت أن تلتفت إلى جنبيها عساها أن تحتاج إلى تعديل وضعها. ولكن كيف السبيل إلى ذلك وقد بدأ العد. وأفلتت منها عيناها فجرتا بالاتجاه المقابل نحو الصبي فالفتاة فالسيدة ورأت الجميع يبتسمون لها فابتسمت، ثم عادت فحملت عينيها إلى الآلة. وتابع الرجل.‏

ـ .. اثنان. ثلاثة.‏

حين أعلن الرجل عن انتهاء التصوير نظرت دنيا إلى يمينها ويسارها غير أنها لم تجد من تقول له:‏

ـ صورتي أحسن من صورتك.‏

ونظرت إلى يديها فوجدت الزهرة، فعرفت حينئذ أنها كانت وحيدة في الصورة، وأنه لم يكن أحد برفقتها إلا زهرتها الحمراء.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244