|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
السيران ولعبة أولاد يعقوب والآن بعد أن أكلوا وشربوا ومرحوا، لم يبق أمامهم إلا أن يعودوا إلى المدينة. لكنهم فكروا كيف يعودون والوقت ما زالت مبكراً، وفي إمكانهم أن يمرحوا قليلاً أيضاً. إنهم جماعة خرجوا في الصباح إلى "السيران" وهم يحسبون أن في جعبهم كثيراً من اللعب التي تعلموها، لكنهم مع ذلك استنفدوا كل هذه اللعب والنهار لما ينصرم. فماذا يفعلون حتى ينقضي نهار السيران هذا؟ لقد لعبوا الاستغماية بالرغم من أنهم كانوا كباراً، وتسلقوا الأشجار، وتدحرجوا على الحشائش، وتواثبوا هنا وهناك، ولعبوا على كل أنواع الحبال. غير أن النهار لم ينصرم، والوقت ما زال مبكراً. ـ تعالوا نلعب لعبة أولاد يعقوب. اقترح أحدهم وهو ينظر إلى البئر. فتساءل آخر: ـ ما هي لعبة أولاد يعقوب؟ فقال له الأول: ـ لعبة قديمة ولكن الناس ما زالوا يلعبونها. فقال الذين يعرفون اللعبة للذين لا يعرفونها وقد سروا بالفكرة: ـ تعالوا نلعب لعبة أولاد يعقوب. ـ هاتوا بساطاً. يلزمنا بساط. ما من لعبة مثيرة بدون بساط. قال ثان: ـ نعم هاتوا بساطاً نضعه على فوهة البئر. ـ والآن من يقوم بدور الابن المدلل؟ ـ مدللاً كان ابن يعقوب أم محبوباً؟ ـ لا فرق المدلل محبوب. والمحبوب مدلل. ـ يجب أن يكون أذكانا. ـ يجب أن يكون أشجعنا وأجملنا. ـ يجب أن يكون أحلمنا وأحلانا. ـ وأكثرنا صبراً على احتمال الأذى. ـ وأكثرنا اندفاعاً للعفو عند المقدرة. وبالفعل اختاروا أحدهم ليقوم بدور الابن المحبوب. وبعد ذلك حملوا البساط الذي تناولوا عليه طعامهم ونشروه فوق فوهة البئر فتدلت أطرافه من جميع الجهات. ـ حسناً... قال صاحب فكرة اللعبة: ـ إذ قعد كل منها على حافة البئر شد البساط في الوسط وتهيأ من ذلك مكان رائع لأخينا. ـ مكان لائق لأخينا. ـ يناسب قدره وجلاله. ـ ويضعه منا في منزلة القلب. وبدأت اللعبة تأخذ طابعاً مثيراً. ـ هيا يا شباب. طاب اللعب. ليأخذ كل مكانه حول البئر. ـ على الحافة تماماً. ـ اتركوا الوسط شاغراً للولد المحبوب. ودبت الحماسة في اللاعبين. وشغل كل منهم حيزاً على حافة البئر. أما الرجل الذي عهد إليه أن يلعب دور الولد المحبوب فقد ظل واقفاً مرتبكاً نوعاً، لا يدري ماذا يتعين عليه أن يفعل، حتى توجهوا إليه بالقول: ـ الطريق من هنا. اصعد لا تخش شيئاً. نحن من حولك. وصعد الرجل المحبوب. وحينما قعد في الوسط على البساط علت سحنته حيرة مشوبة بالقلق فبادروه قائلين: ـ لا تخف! إنما نحن نعيد حكاية أولاد يعقوب فقط. ـ نلعب أدوارهم. ـ ليس هناك شيء حقيقي. ـ كلها مسألة تمثيل وبعدها نعود إلى بيوتنا. ـ لا تنس أننا في يوم سيران. وفي يوم السيران كل أنواع اللعب مشروعة. ـ والآن لنخمن ما يمكن أن يكون الأخوة قد قالوه لأخيهم وهو في وضعه ذاك من البساط؟ ـ يا أخانا أنت عزيز على قلب أبيك. ـ ولكن المشكلة أنك حلو أكثر من المعتاد. ـ محبوب أكثر من المعتاد. ـ مرغوب أكثر من المعتاد. ـ حسنك كسف الجميع من حولك. ـ قد يكون فيك شيء خارق. ـ لكن لا تنس أننا بشر. ـ وأننا نحب أن توجه إلينا الأنظار مثلما توجه إليك. ـ كنا محبوبين قبل أن تأتي. ـ كنا محط أنظار والدنا قبل أن تأتي. ـ وكنا في المقدمة قبل أن تأتي. ـ لكنك جئت فاحتكرت كل الحب. ـ وكل الإعجاب. ـ وكل التأييد. ـ بات من المستحيل أن نحيا جميعاً في قلب واحد. ـ في بيت واحد. ـ في بلد واحد. ـ يا أخانا أنت عزيز على قلوبنا مثلما أنت عزيز على قلب أبيك. ـ لكن اغفر لنا قسوتنا. ـ اصفح عنا. ـ أليس الأخ أجدر الناس بالصفح عن أخوته. ـ إن مأساتنا لا تقل عن مأساتك. ـ أنت متوحد في روعتك. ـ ونحن متوحدون في أنانيتنا. ـ فوداعاً. ـ وداعاً. ـ وداعاً. وفجأة ترك الجميع حافة البئر ونهضوا واقفين فانحسر البساط من جميع الجهات وانفلق على الفتى المحبوب وهو يهبط به الأعماق. وظل أفراد الجماعة لحظات مذهولين كأنما سكب عليهم ماء بارد فأفاقوا من نومهم. هوذا شيء حقيقي غير التمثيل قد حدث. لقد خرجوا جماعة إلى السيران وهاهم يرتكبون جريمة في وضح النهار. كيف يعودون إلى المدينة من دون صاحبهم؟ ماذا يقولون للآخرين؟ وكيف يبررون تخلفه عنهم؟ لكن ما أدراهم؟! ربما هو لا يزال حياً فليتقدموا. واقتربوا من البئر. ـ يا محمد. ـ يا يوسف.. يا جميل! ـ يا أخانا! ـ يا حبيبنا! ـ يا متوحد! ـ يا غريب! ـ أيها البائس! لكن لم يكن هناك سوى الصمت. ولم يرد على نداءاتهم غير الصدى. ضربوا كفاً بكف. واستغرقهم الذهول مرة أخرى. وحينما عادوا إلى طبيعتهم قلبوا بين أيديهم كثيراً من التعليلات، لكنها كلها باءت بالفشل. ولم يجدوا مناصاً من متابعة التمثيل وإعادة لعبة أولاد يعقوب حتى النهاية. فحملوا معهم قميصاً ملوثاً بالدماء واتجهوا نحو المدينة. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |