مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 439 تشرين الثاني 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

وحدَة امرأة

كان أول ما خطر لها عندما أفاقت منذ قليل، أنها مضطجعة بجانب ساقية بينما تدلت رجلها إلى المياه. ولكنها اكتشفت بعد أن قامت بعملية استحضار سريعة كذب رؤاها. وإن رجلها لم تكن مغمورة في مياه الساقية، وإنما في طست من الألمنيوم. لقد استطاعت أن تتذكر كيف دخلت ابنة الجيران وأشعلت وابور الغاز فسخنت لها الماء بناء على طلبها. ثم كيف داهمها ذلك الدوار الذي لازمها في الأيام الأخيرة فأرغمها على الاستلقاء. استعرضت ذلك وهي مغمضة العينين.‏

أما إحساسها التالي فكان قشعريرة في كيانها جملة، لم يلبث أن تركز في الرجل المبلولة. وحاولت أن تسحب رجلها فقرقع الطست. ثم سرعان ما سمعت وقع أقدام على درج السلم الخارجي، فشققت عينيها. كانت الغرفة تسبح في ضياء رمادي كليل. فاستحال عليها أن تحدد الوقت من النهار، وعجزت أن تقطع برأي بين المساء والفجر. فعادت إلى إغماض عينيها علها تستعيد بالنوم ما خلفته وراءها قبل النوم.‏

ولكن الأقدام الصاعدة لا تنتظر ينبغي عليها وحالها ما هي عليه أن تبت في الأمر بسرعة إذا كانت البكور فهي الصغيرة تحمل لبن الصباح. ليكن البكور إذن.‏

ـ غاده! غاده!‏

وتقترب الأقدام من البسطة وتنتظر زهرة. غير أن الصاعد يتابع طريقه دون أن يتمهل على بابها، ويخفت وقع خطواته، ثم يذوب في السكون. وفكرت "إذا لم يكن الصباح فهو المساء دون ريب". فلترقب السلم إذن. فثمة من يعود في مثل هذه الساعة.‏

إن زهرة وحدها من جديد. وأن لها حاجات كثيرة يتعين عليها أن تلبي نداءها. فهي جائعة، وبردانة، وعطشى، ورأسها فارغة من الدخان، وركبتها تئن وترسل إشارات استغاثة. عليها أن توفي كل هذه المتطلبات حقها في وقت واحد. ولكن كيف السبيل إلى ذلك وزهرة قعيدة سريرها. وندعوه سريراً تجاوزاً. إذ كان عبارة عن درفتي نافذة طرحتا على أربع صناديق خشبية. إنها ليست مكسورة الأطراف ولا مشلولة ـ ولكن هناك بعض الورم. هناك بعض الورم ظهر مؤخراً وكأنه يلعب معها الاستغماية. وكان مسرحه في هذه اللعبة الرجلين واليدين. أما الوجه فحول العينين خاصة. ظاهرة غريبة، ومع ذلك لم ترع منها. ولكن كل ما فعلته أنها طلبت المرآة ذات مرة ونظرت فيها. ثم علقت بسخريتها المعتادة "كم أسمن في هذه الأيام؟!" وقال الذين كانوا حولها في شبه تأكيد "لعله الروماتزم!".‏

الرومتزم؟! ربما ولكن الروماتزم نفسه لا يحول دون حاجة الإنسان إلى الحركة، حتى لمجرد الرغبة. وزهرة تريد أن تتحرك. إنها حاجة تحس بها أقوى من الجوع والعطش والبرد.‏

وفكرت أن تعدل استلقاءها لتعطي جسمها المتيبس وضعاً أفضل. إنها تجهل كم مضى عليها وهي على حالها تلك. كل ما يشغلها الآن أن تريح ظهرها المكدود وتخلصه من ضغط جسمها الثقيل. ولكن زهرة فقدت مرونة الحركة منذ زمن. وكل يوم يمضي يباعد بينها وبين أطرافها. ومع ذلك فقد أعطت الأمر لرجلها أن ترتفع إلى السرير. غير أن الرجل رفضت الاستجابة لطلبها وصدرت عنها حركات غاية في الطيش. فعادت المرأة وشددت في الأمر زاجرة "يلعن دينك رجل.. هيا تحركي".‏

وتجاهلت الرجل ذلك الأمر فسكنت بعد أن أقلعت عن هذرها، كأنها تريد بذلك أن تلفت نظر صاحبتها إلى عبث المحاولة، وتتيح لها فرصة للتفكير أجدى.‏

"والآن ما العمل؟! زهرة.. زهرة ماذا فعلت بنفسك؟"‏

ماذا فعلت بنفسها؟! لا تشعر أبداً أنها قد أتت عملاً إداً. لقد تزوجت مرتين في حياتها. الأولى من رجل مات بعد ثمانية أشهر من الزواج. والثانية من رجل من غير دينها أحبته فهربت معه إلى المدينة. كان حصادها من هذين الزواجين ثلاثة أولاد. فريد وهو بكرها من زوجها الأول. وموسى وليلى من زوجها الثاني. أما موسى فنجار، وأما ليلى فمتزوجة وقد سافرت من زوجها إلى الأردن منذ خمسة أشهر.‏

زهرة إذن ليست مقطوعة من شجرة. ويخطئ من لا يضع في اعتباره أن أقاربها يملؤون البلد. وأنهم كلهم أصحاب محلات. "أنا بنت ناس".‏

هي بنت ناس ولكن ما جدوى ذلك بالنسبة لامرأة في الخمسين، قعيدة الفراش، زجاج نافذتها مكسور، وأرض غرفتها عارية في أواسط كانون. وفراشها مبلل كطفل في سنيه الأولى.‏

إن زهرة تكره أن تفعل مثل هذا العمل. ولكن ما حيلتها. إنها تدري أن ذلك لا يليق. وأنه ينفر الناس من حولها، ويزيد ـ لابد ـ من مرضها، ويملأ أنفها رائحة حملتها في وحدتها على إعادة النظر في بهاء الصورة التي كونتها للإنسان.‏

ولكن كل ذلك يبدو الآن أقل أهمية من تحرير رجلها من سار الطست الذي بدا وكأنه يصر على التمسك بها.‏

إن إشارات الاستغاثة تنتقل من ركبتها وتمضي إلى الدماغ تعرض عليه حالها. وتمر في عبورها بالفخذ والعجز ومناطق الجسم كله تستعديها. ويتلقى الدماغ الطلب فيزداد ارتباكه. إنه أشبه برئيس دولة أسقط في يديه وأفلت منه زمام الأمر.‏

وفكرت زهرة "سينقصم ظهري إذا ظللت على هذه الحال مدة أطول". ومدت يدها تبحث عن شيء ما.‏

كان الضياء الرمادي قد أمسى رصاصياً تماماً منذ وهلة. ثم أخذ يعتم شيئاً فشيئاً. ولم يفت زهرة أن تلاحظ ذلك. إنه يعني بالنسبة إليها عودة أبناء الجيران من العمل. بسيمه وكمال.‏

هيا إذن ولتهيئ نفسها. حتى إذا نادت أحدهما خرج صوتها واضحاً لا لبس فيه. وعزت ضياع ندائها في المرة الأولى إلى فشلها في إرسال صوتها عالياً بسبب ذلك الاستلقاء.‏

"بالأمس تركتها هنا". وتطاولت يدها أكثر فأكثر. ومست أصابعها جسماً صلباً.‏

حسناً زهرة! أنت تتمتعين بذاكرة فيل. هي ذي عصاك فماذا يمكنك أن تفعلي بها، وأنت لا حول لك ولا قوة.‏

وقبضت عليها بجمع كفها. نفس العصا التي كانت ترافقها في تجوالها في أرضية البيت. آه لو تغمض عينيها وتفتحهما فترى نفسها كأيام زمان قاعدة على عتبة العلية أو بسطة السلم تستوقف العابرين.. تمازحهم، تسألك هل أنت مسيحي.. كلا.. أنت مسلم دون ريب.. لا تغضب. ما علينا. ماذا تطبخون في بيتكم اليوم.. كل الناس خير وبركة المسلمون طيبون. والمسيحيون على الرأس والعين".‏

وجرت العصا بجهد وأناة. نفس العصا التي ضربها بها أبو موسى ذات مرة لأنها رفضت الحجاب.‏

وهكذا انفصلت عن زوجها منذ ذلك اليوم. وراح ولداها ينوسان بين الاثنين.‏

كانت مسيحية بطبعها. لا بل مسلمة. الحق لا تدري أيهما كانت. "إن أحد الوالدين لا يعدم وسيلة لبذر الخلاف". كذلك فكرت، أما خلافها الأخيرة مع هؤلاء فكان بسبب الختان. لقد أصرت عندما وضعت ابنها موسى في بيت العائلة بعد الانفصال: أصرت على ختنه على عادة المسلمين.‏

ولكن زهرة لا تضيع وقتها سدى. إنها عملية دائماً. وهكذا ما إن سحبت العصا حتى تحسست برأسها ما يحيط بها كأنها تبحث عن شيء معين. آه لو يضاء النور؟! لو حدث إذن لاستطاعت أن تميز ما تريد. وبدا لها أن النور أليف كالإنسان، لا يخشى المرء شيئاً بصحبته.‏

وحمل الهواء إليها وقع خطوات على درج السلم. فأصاخت السمع "هذا كمال يا زهرة... نعم... نعم. سأطلب منه أن يجلسني في الفراش قبل شيء. وحق النبي يا بني. لقد سئمت رؤية هذا العالم مقلوباً وسيضحك ملء فمه.. ولكن وزنك ثقيل.. أعرف أن ذلك سيدفعه إلى الغثيان. وسأسأله أن يشعل لي سيجارة من لفائفي. ولكن لا لفائف لديك.. حسناً سيفعل ذلك إذن من تبغه الخاص".‏

وترهف السمع. الأقدام تقترب.. تتردد.. تقف على العتبة "قلت لك يا زهرة الناس أطيب مما تتصورين"، وتفتح فمها لتصيح؛ لتنادي؛ لتدعوه إلى الدخول؛ "تدعين من؟! كمال على العتبة طبعاً.. ولكن لا أحد على العتبة".‏

ويستأنف رأس العصا بحثه على أرض الغرفة. كأنه أشبه بأعمى أو بحيوان ضل طريقه في الظلام. ونفذ ضوء إلى العلية من نافذة في الشارع المقابل. فأدارت زهرة عينيها تبحث عنه، وكأنه عطية من السماء. غير أنه لم يلبث أن انطفأ، ولكن بعد أن أدركته وحددت البقعة التي سقط عليها. إنه لا يزال عالقاً في خيالها. ابتداء من عليقة الثياب حتى الجدار المجاور، شاملاً منطقة فيها رسم للسيدة العذراء، تحمل فيه طفلها وترتسم على شفتيها ابتسامتها السماوية المعهودة.‏

وانزلقت عيناها في ذات فكرها إلى أسفل الرسم وقرأت عن ظهر قلب. "سيدة النعم، السريعة الإجابة، العجائبية". وتراءى لها على نحو أو آخر إنها لها تبتسم. فتشجعت في غمرة من الحماسة العاطفية وهتفت "إيه يا سيدة النعم.. أنت وحدك القادرة على صنع العجائب.. وحدك القادرة على شفائي.. وإذا تعذر فاشعلي لي مصباح الكهرباء على الأقل.. إن الظلمة تجثم على صدري.. ليس عليك إلا أن تضغطي على زر صغير هناك قرب الباب.. أنت ترين...‏

إن ذلك ميسور وبسيط على أم الله صاحبة المعجزات. كم من مرة قلت لهم مدوا لي شريطاً.. اجعلوا زر الكهرباء قرب رأسي.. قلت ذلك لموسى ولأبي موسى.. لهم كلهم. ولكنك لم تقوليه لكمال.. لقد فاتني أن أفعل. آه كم من أشياء فاتك أن تفعليها في حياتك يا زهرة".‏

وبيتت النية فيما بينها وبين نفسها على تجديد الطلب في الغد. والحق كان موسى يتردد عليها بين وقت وآخر يحمل لها الطعام، أو يرسل من ينوب عنه. وأحياناً كان أبو موسى يقوم بهذه المهمة.‏

بل ستقول له أكثر من ذلك: "آه يا ولدي لم يعد في مقدوري أن احتمل.. ويعلم الله متى ستعود ليلى.. ابحث لي عن مخرج.. خذني إلى بيتك.. لن أسبب لك متاعب مع زوجتك..".‏

وتصدت فجأة كأنما خجلت من نفسها أمام نفسها فانبرت تدافع عن شخص غائب "العمى خذها. هب أنها خادمة.. لن تكون متاعبها أكثر من متاعب أية خادمة في هذه الأيام".‏

وتسمع قرقعة في الخارج فتنصت، ثم تنشئ تحدث نفسها: "إنها الريح ثانية ولا شيء غير الريح، ولكن أية ريح؟! إنها خطى حقيقية.. افتحي أذنيك هوذا الرمل ينسحق تحتها.. هل هذه ريح؟؟ خطوات خفيفة ومتزنة. لعلها بسيمة أخيراً.. لا شك أنها بسيمة.. هيا احزمي أمرك إذن. لا تفوتي الفرصة".‏

وانتظرت أن تقترب الأقدام. خطوة أخرى وينتهي الأمر. خطوة ليس غير ويصبح هذا الكابوس نسياً منسياً. وطال التوقع. وظلت الأقدام على صمتها. فلم تكلف نفسها عناء تقديم أي إيضاح.‏

في حين انطلقت زهرة تقول في نفسها ما أعدته لبسيمه. "بسيمه يا بنيتي! بحق المسيح اكتبي له.. لفريد.. قولي له أن أمك مريضة. فريد سمعان.. أوه... بقية العنوان.. لست أدري.. على كل حال. إنه هناك فوق الرف. لا بل تحت الوسادة مع رسالة ليلى.. قولي له: إن أمك مشتاقة إليك. وإن الخراجات تملأ ظهرها.. فريد ولد طيب.. ولكن زوجته.. مهما يكن اكتبي له.. أنا لم أعد قادرة أن أفعل".‏

وتعثرت العصا، فانتبهت المرأة. أيقظها إحساس مفاجئ بالألم بفعل الاصطدام. وضغطت العصا على ذلك الشيء الذي صدمته وسحبته لمسافة قصيرة، حيث لم يلبث أن أفلت بعد لحظات.. وتاهت العصا في الظلام فترة، ثم اهتدت إليه ثانية.‏

وارتدت الإشارات بعد أن أبدى الدماغ عجزه. واستحالت الاستغاثة إلى شكوى ضج لها الجسم كله. إن الحياة بدأت تلملم شعثها من الأطراف البعيدة أمام الروماتزم الزاحف لتحتمي حول منطقة القلب. وأمسى الجسم المنهزم نزقاً ينفعل لأتفه الأسباب.‏

ومدت يدها، فتناولت ما سحبته بالعصا. وتفحصته بأصابع مذعورة أفقدها الألم صوابها. فإذا هو دمية بعد محاكمة بسيطة.‏

والواقع كان عقلها خلال ذلك كامناً. غير أنه لم يكن معطلاً. صحيح أنه قد فقد السيطرة على الجسد لكنه لا يزال يملك القدرة على الربط.‏

قالت في نفسها: "هذه لعبة حمود" وقبلتها "آه يا عين جدتك". وجنح خيالها إلى الماضي.‏

ولكن زهرة لا تريد أن تتراجع عن رفع رجلها إلى السرير. وبات حملها إليه أمراً ينبغي الخلاص منه أولاً بأول إذا أرادت امتلاك ذلك الماضي. لقد خيل إليها أن تلك الرجل تقف حائلاً بينها وبينه. وأنها جهاز ملأه ضجيجاً شريط خرب.‏

ونشط فكرها. إن العقل قد شمر عن ساعديه ونزل إلى الميدان من جديد: ماذا لو دفعت العصا تحت رجلها. وأسندت وسطها إلى حافة السرير؟! ثم ماذا؟ لتضغط على طرفها الآخر. اليد اليمنى لا تستطيع.. ولكن لها يداً يسرى.‏

غير أن ذلك كان يفترض جلوسها في السرير على الأقل.. وقد استطاعت أن تفعل بعد جهد فبدأت تسحب العصا فوق صدرها. في حين تثاءبت اليد اليسرى بتكاسل. كانت تتباطأ محاولة التنصل كانت يداً شقية تؤثر الرقاد تحت اللحاف كطفل يخشى البرد.‏

وسرعان ما اصطنعت من العصا وحافة السرير ما يشبه العتلة. إنها جاهزة للعمل. والآن لتضغط.. لترخي ثقل يدها على طرف العصا.‏

وترتفع الرجل في الهواء، تمسي بمحاذاة حافة السرير والآن؟ والآن ... لتأمر رجلها أن تنتقل إلى السرير، ولكن الرجل كانت من الوهن حتى أنها عجزت من القيام بحركة مجدية في هذا السبيل.. ومع ذلك فقد قامت بواجبها كما لم تقم به رجل مريضة من قبل. فقد ظلت معلقة في الهواء هنيهه، غير أنها لم تلبث أن سقطت سقطة مفجعة سببت لصاحبتها ألماً بالغاً. مما جعلها تخلد إلى الراحة لفترة غير قصيرة.‏

هيا أم فريد جربي مرة أخرى. من كان يذهب إلى بساتين الريحان مشياً على الأقدام! من كان يحمل الصرة على ظهره؟!.‏

آه ما أحلاها أيام حين كانت تذهب إلى القرى المجاورة؛ وبضاعتها على ظهرها. وخلفها أو أمامها الأولاد الثلاثة يطاردون الفراش، أو يحاولون اللحاق بجرادة. "أركن يا ولد.. امسك يد أختك. أساور يا بنات.. عقود.. أقراط.. شالات".‏

صحيح أن انفصال زهرة عن زوجها قد سبب لها ارتباكاً في البداية. ولكنها عرفت بعد ذلك كيف تسوى الأمور، وهكذا راحت تعمل لتربية الأولاد؛ لم يكن في مقدورها أن تتزوج؛ لقد وضعت قدميه ذات مرة في قارتين حسبت أنهما متجاورتان، ثم استحال عليها أن تنقل إحداهما إلى الأخرى. "أساور يا بنات.. دهون.. جرابات".‏

وهبت عليها ريح من بعيد دفعت كل ما أمامها، وتقاربت القارتان، ومشت زهرة على أرض صلبة أن اسمها لم يعد زهرة وإنما روز. وروز الآن فتاة حلوة ومدللة؛ تذهب إلى مدرسة المدينة على ظهر حصان؛ وتفور الرمال تحت قدميها "روز؟ ماذا يعني؟؟ ينبغي أن يكون للاسم معنى. ولكن روز!! ياله من اسم غريب"!.. وتضحك.. يا الله كم كانوا بسطاء وجهلة.. أمه وأشقاؤه. "حسناً.. حسناً روز يعني زهرة".‏

وتتباعد القارتان من جديد "روز؟ ماذا فعلت بنفسك؟! أين أولادك.. أنت ملعونة مثل الغراب. ولكن أي غراب؟! الغراب الضائع في كتاب المشوق.. في الصف الثامن أو التاسع.. الغراب الطاووس.. مَن مِن قريباتك تزوجت من خارج دينها؟ أمك وجدتك وجدة جدتك".‏

وتخليت زهرة حبلاً طويلاً من الجدات ممسكات بأيدي بعضهن. ثم اصطففن حلقة وأخذن يدرن راقصات. أما زهرة فكانت خارج الحلقة؛ وقد اختفت حين أرادت الانضمام إليها.‏

ومدت زهرة يدها تستفقد العصا؛ وما كادت تطمئن عليها. حتى أعطت نفسها قسطاً آخر من الراحة. إنها تستسلم لشعور من نوع خاص. كنَّة تقول: لقد ضقت ذرعاً ببسملتها، وأخرى: إنها تصلب على كل شيء.. طيب. أليست الأديان كالأنهار كلها تصب في بحيرة الله"؟!.‏

وتراجعت إلى الخلف؛ أسندت ظهرها إلى الجدار، فأحست ببرودة تسري في جسدها، لم تلبث أن اعتادتها. "كل شيء مثل الجليد ومع ذلك فليس عندك جمره في كانون.. أين أيام زمان والغلاية على النار.. تبقبق وتبقبق".‏

وطغت علي موجة الغضب "هيا اخلعوني من شجرة العائلة.. لن آسف على شيء. لأني أراني قد فزت بالنصيب الأوفى. لقد فعلت ما يحلو لي. ولعل هذا ما يعطي الحياة قيمتها... وأنتن يا جداتي ارقصن حلقات حلقات.‏

وانحدرت الموجة. "أما أنا فقد آثرت الرقص وحدي. كلكن تافهات لأن واحدة منكن لم تجرب الرقص وحدها.. سأنزع شوكي بيدي.. وأحمل رجلي على السرير. وقد يعجز الغراب أن يصير طاووساً دفعة واحدة.. ولكن سيأتي يوم تمتلئ فيه السماء بطيور من نوع غريب تجمع بين الاثنين".‏

وسمعت طرقاً على الباب دخلت على أثره ليلى وزوجها وابنها حمود "آه يا ابنتي! هاأنت قد عدت أخيراً إلى أمك".‏

وأحاطوا بها جميعاً. ثم اندفع حمود إلى صدرها. فتناست في الحال جميع شقائها. وتخيلت الملاحف البيضاء، وعبق أنفها برائحة الغار. وسرعان ما طلبت ماء من ابنتها.‏

كنت دموعها تنحدر على خديها من الفرحة، حتى كادت تكذّب عينيها، واعتقدت أنها تحلم.‏

وشربت طويلاً... طويلاً جداً وتخيلتهم يقولون "كم هي عطشى!... مسكينة.. منذ متى لم تشرب"؟!.‏

وبلغ بها التأثر حداً اهتزَّ له كيانها فسكبت الماء على نفسها. كان بارداً كالثلج. فانتفضت مذعورة.‏

وحين أدارت عينيها في أرجاء الغرفة. لم تجد أحداً. بل أحست بأن ثمة شيئاً ينزلق تحتها ساخناً.. ساخناً. فتأكدت عندئذ أنها إنما كانت تحلم.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244