مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 439 تشرين الثاني 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

النجوم

رضيت عني الآلهة يوماً فأحببت أميرة. كان قصرها في أعلى التل شرقي المدينة وهكذا كانت أول من يستقبل شمس الصباح. وكان قبالة القصر شجرة جميز هرمة يأوي إليها ديك وثلاث دجاجات مع فراخها الخمسة عشر. ولعل شجرة الجميز العتيقة شهدت من مكانها ذاك عهد أكثر من أميرة وآلاف الدجاج الراحل. إن عهد الإمارات سريع الزوال.‏

وكنت في كل ليلة أتسلق التل كي أتأمل النجوم حتى لقد أوشكت يوماً أن أصل إلى معرفتها ولكن بعد مولد هذا النجم، نجمتي، استعصى علي الأمر. إن سر النجوم يزداد غموضاً كلما اقتربنا منها فقد قالت لي ذات مرة:‏

ـ أوه.. علينا أن نرحل.‏

قلت:‏

ـ إلى أين؟‏

قالت:‏

ـ إلى بلد آخر.‏

قلت:‏

ـ أمضي حيث تمضين.‏

فسألت:‏

ـ كم نجماً تملك؟‏

قلت:‏

ـ آلاف حتى اللحظة، وفي الليلة القادمة تمسي عشرة آلاف وواحدة.‏

قالت:‏

ـ هذا قليل. إن سر الوجود الذي سأعطيك يساوي أضعاف هذا القدر من النجوم. أواه لا تحزن كثيراً أيها العزيز. ابدأ المشاورات مع أبي وولي نعمتي، لسوف أقف في صفك وأقنعه بأنّ العالم لم يعد يملك نجوماً كثيرة.‏

وشعرت بالخجل. الحق أن من كان في مثل سني كان عليه أن يملك أضعاف هذا القدر من النجوم. لقد كنت سعيداً فيما مضى لاعتقادي أن من يملكون مثل ثروتي قلة في بلدي... نعم لقد حسبت نفسي غنياً ذات يوم. وأضفت بتواضع..كان لا يزال في صندوقي بعض الثروة.‏

ـ هناك مليون نجمة صغيرة أيضاً.‏

ـ إن النجوم الصغيرة ليست ذات قيمة مضمونة، فهي لا تساوي شيئاً أحياناً لأنها تتبدل بتبدل الزمان والمكان.‏

ـ هذا حقيقي إلى حد ما.‏

وأحسست بغصة واندفعت إلى عيني دمعتان فأضفتهما إلى نجومي الصغيرة.. أليست الدموع شبيهة بالزهور؟؟‏

وفي الليلة التالية سعيت إلى التل وأحصيت نجومي قبل أن أبدأ القطاف فنقصت اثنتان، فأحصيتها من جديد فانخفض الرقم إلى تسعة آلاف وتسعمئة وسبعة وتسعين فحزنت حزناً شديداً، وظللت أحصيها مرة بعد مرة حتى اكتمل العدد القديم، عندئذ تنفست الصعداء ولكن قلبي ظل مهموماً.‏

لقد أدركت أن النجوم رغم عظمتها فقد تحجبها أحياناً غيمة صغيرة عابرة.‏

وأضفت نجمة الليلة إلى الثروة الرئيسية، كما أدخلت في حسابي زهرة نادرة عثرت عليها تحت شجرة عليق.‏

فصارت ثروتي عشرة آلاف نجم ونجم، ومليون وثلاثة نجوم صغيرة. لقد كنت أسير قدماً نحو الغنى، فليت الأميرة تنتظر. آه ولكنها لا تريد. لقد سئمت هذا البلد المقفر. غداً أذهب إلى القصر وأطلب يد الأميرة.‏

***‏

نهضت في الصباح فرحاً كالعصفور. فغسلت وجهي ورتبت شعري ثم اتخذت سبيلي إلى القصر. ولكن رؤوس الحكمة التي التقيتها في الطريق نصحتني بأن أبعث رسلاً يطلبون يد الأميرة. لقد رددوا "تلك هي العادة" إن العادة سلسلة ثقيلة تشد عنق الإنسان.‏

وعندما عاد الرسل قالوا:‏

ـ لا تصعد التل هذه الليلة.‏

قلت:‏

ـ لماذا.‏

فقالوا بجد ظاهر:‏

ـ لقد حرم والد الأميرة عليك الاقتراب من القصر حتى يبت في قضيتك. إن والد الأميرة أمير.‏

وهكذا مضت ليلة دون أن أصيد نجماً. إن النجوم لا تصاد إلا من الأعالي.‏

***‏

ـ وذات ليلة صعدت التل خلسة، فللتلال أكثر من درب كلّها تنتهي بنا إلى النجوم. كانت قد مضت خمس عشرة ليلة منذ أن طلبت يد الأميرة. إن خمسة عشر نجماً قد نقصت ثروتي.. إيه لقد بدأ ثوبي يتهلهل.‏

واقتربت من القصر ولكن أبوابه كانت موصدة فقلت:‏

ـ مساء الخير يا شجرة الجميز.‏

ـ مساء الخير.‏

كانت شجرة الجميز لا تزال يقظى، وكانت ثمارها تغازل ضوء القمر. سألت:‏

ـ أين الأميرة؟‏

فقالت:‏

ـ انتظر حتى يغيب القمر أروي لك سر غيابها، أنني أهيئ عرائسي لأبعث بهن إلى سوق المعرفة. فاقتعدت حجراً وطفقت أرقب العرائس وهي تتزين بألوان شفق من أشفاق تشرين الأول. قلت في نفسي.‏

ـ "يا لها من شجرة كريمة!. إنها ما فتئت منذ الأزل تبعث بثمارها إلى المجهول لتدرك معنى وجودها على هذه الأرض. كم هي عطشى أرض المجهول؟.‏

وحينما أوى القمر إلى الغرب تنفست شجرة الجميز الصعداء.‏

ـ إيه؟‏

ـ أحكي لي سر غياب الأميرة يا شجرة أعطك مزقة من ثوبي وهي تعادل نجمة.‏

ـ كم أنت كريم: إنّ لي غلافي وهو بمثابة درعي ولي أوراقي وهي تنوب عن لساني.‏

ـ إن غلافك رمادي مبقع وأوراقك فضية يا شجرة وعرائسك أشهى من القبل.‏

فتابعت دون أن تعير إطرائي لها التفاتاً.‏

ـ لقد التأم شمل الأسرة ذات ليلة وأخذت تبت في أمرك بينما انفردت الأميرة تداعب قطتها. لقد بدأ الأب فقال "إن يديه فارغتان. إنه لا يملك نجماً البتة" وقالت الأم: "إنه لا يملك حدوة فرس ولا عتبة فكيف يواتي الحظ أميرتنا؟؟" وأضافت أخت الأميرة الصغرى، والصغار يرددون دائماً أقوال الكبار: "إن يديه فارغتان، وهو لا يملك نجماً البتة ولا حدوة فرس. في الحق كيف يواتي الحظ أختنا ثم تابعت من عندها "إنه يبيت تحت شجرة جميز وهو ليس أميراً أما أختي فهي أميرة فيا للطريد".‏

ـ أوه. ألم تغضب الأميرة يا شجرة؟.‏

ـ عندما سئمت الأميرة مداعبة هرتها ـ والأميرات سرعان ما يسأمن الأشياء ـ طفقت تردد "واحد وواحد يساوي اثنين. اثنان وواحد يساوي ثلاثة".‏

ـ أوه... لعلها كانت تحصي أصدافاً. إن الأصداف أشياء جميلة. إنها عظام ملساء مدورة ومذهبة. لسوف أمضي إلى الشاطئ ذات صباح رائق وأنقب عن قدر منها بين الرمال أضيفها إلى نجومي الصغيرة. ولسوف ترقص لها عروسي طرباً كما يرقص الطفل بهدية من الكرات الزجاجة الملونة في صباح الميلاد. إيه... إيه كيف فاتني ألا أفعل ذلك من قبل؟.‏

ـ ولكنها كانت تحصي حفنة من حبات الذرة الصفراء. لقد فكرت في ذاتها "هل هي مفردة، أم مزدوجة". كان ثمة رهان بينها وبين نفسها من أجل ذلك.‏

ـ إن حبات الذرة الذهبية جميلة أيضاً. لولا أن بعض الأغبياء يتخذون منها أحياناً علفاً للدواب. فوا أسفاه كم من الأشياء اللطيفة تفقد رونقها بسوء استعمالنا.‏

ـ وأما أخ الأميرة ولعله الوحيد في الأسرة الذي كان يفكر على نحو حكيم أو سخيف لست أدري. كان يملك طيراً غريب الشكل والتغريد لا يفارق نافذته لحظة، وكان يقضي بالقرب من ساعات طوالاً يرقب قفزاته حيناً ويصغي إلى تغريده أحياناً. لقد كان يستقي منه الحكمة. ومن مآثر هذا الفتى أنه أنقذ ذات يوم نملة كادت توشك على الغرق في قطرة من الماء. لقد قال "إنه أغنى من في البلدة، فهو ملك على عشرة آلاف كوكب وكوكب وفي حوزته مليون وثلاث زهرات وواحدة في طور الولادة. إنها ما تزال كماً، ولكنها سوف تتشقق في الغد، إنها زهرة مدهشة جداً، وهي أشبه بالفكرة ولكنها أصدق من الحقيقة. إنها عارية تماماً لا تزينها ورقة ولا يتوسطها تويج، وهي ذات أريج مسكر إلى حد يفقد الصواب. طعمها مرّ وحلو المذاق معاً. لسوف تولد في الغد في نفس اللحظة التي ستتهدم فيها آلاف الأفلاك وتزيل ملايين الزهور. نعم إنها زهرة ذات أشواك سامة. إيه زهرة الشوك اضربي هذه القلوب الإلهية وانفثي فيها نفحة من الدم البشري.‏

ـ يا لها من زهرة عجيبة للغاية: هل صادفت في حياتك زهرة من هذا النوع يا شجرة؟.‏

ـ لا لم أصادف ويقال إنه يوجد منها وراء هذا التل. لكم أود أن أترك مكاني هذا لأبحث عن واحدة بدلاً من عرائسي. إن عرائسي اللطاف سرعان ما يضعن في خضم هذا العالم الفسيح. أوه ما أجمل أن تحصل الشجرة المربوطة أبداً إلى هذه الأرض على إحدى رغباتها في الحياة!.. رغبة ليس غير.‏

وقلت في سري:‏

ـ "لو كانت هذه الشجرة شاعراً لملأت الدنيا قصائد ملونة مثل عرائسها؛ لو كانت امرأة لأنتجت كثيراً من سنونو "وايلد" التي تحتاج إليها الأقصاب القائمة أبداً هناك في الصقيع عند شطآن الأنهر ترقب أوبة الطيور التي مضت إلى مجاهل مصر لتبحث عن زهرة اللوتس، وتمتطي ظهور الفيلة وتعاكس التماسيح الخطرة لقد أنهك الشوق القصاب فهي تتمايل مع كل نسمة..".‏

وأيقظني صوت شجرة الجميز.‏

ـ لقد سألت أخت الأميرة أخاها: وماذا تعني الزهور؟‏

فأجاب مندهشاً:‏

ـ إنها نجوم صغيرة.‏

ـ وماذا تعني النجوم الصغيرة؟ هل أستطيع أن أستبدل ببعضها جواداً لأختي الأميرة؟!.. إن أختي الأميرة بلا جواد.‏

ـ إن أصحاب الجياد لا يستبدلون جيادهم بالنجوم لأن النجوم دموع معلقة في كبد السماء.‏

ـ إذاً ما فائدتها؟‏

ـ إن الزهور رمز لاستمرار الحياة وتجددها بين شخصين أو أكثر: فقد تنثر على قبر راحل عزيز، وقد يقدمها امرؤ لأميرته في إحدى المناسبات فتضعها هذه في إناء، ثم تختار لها مكاناً مناسباً بحيث لا يغيب عن بصرها كي تذكرها بأميرها.‏

ـ وماذا تغني الذكرى؟‏

فرد بغيظ:‏

ـ إنها استحضار لصورة شخص ما. إنها تثبيت شيء معين في الرأس والإيمان بأنه خالد.‏

ـ أوه هذا شيء غير عملي. إني أعتقد أن أصحاب الجياد عقلاء إذ لا يستبدلون جيادهم بالزهور لأن الجياد تنقلنا إلى حيث يكون الشيء الذي نريد وضع صورة مشابهة له في الرأس.‏

***‏

حملت زادي في اليوم الثاني ومضيت بعيداً وراء التل. لقد نصحتني شجرة الجميز أن أمضي كي أبحث عن الزهرة ذات الأشواك.‏

***‏

وفي الأصيل مررت ببلد. كنت متعباً وكان الدم ينزف من قدمي [ن حذائي قد تمزق. دخلت بستاناً وطفقت أجمع بعض أوراق التوت المتساقطة لأعمل واقياً لقدمي، ولكن ما لبث أن هرني كلب، ثم أقبل رجل قاس الملامح وقال:‏

ـ لمن تجمع هذه الأوراق؟‏

ـ لي كي أخيط منها واقياً لقدمي، ولكن ما شأنك بذلك؟‏

ـ هل تريدها دون مقابل؟ إن هذا البستان ملكي.‏

ـ إن أوراق التوت عديمة الفائدة ما دامت الأشجار لم تعد تعطي ثماراً.. لسوف يأتي الربيع فتكتسي الأشجار بالأوراق الخضراء من جديد، ولكن من جعلك مالكاً لهذا البستان؟.‏

ـ لقد أورثنيه أبي.‏

وقذف بي إلى الخارج وفيما كنت أنهض سمعته يقول:‏

ـ ها أنه يريد أن يصنع حذاء من الحرير.. مهلاً يا دوداتي ها أنا آت إليك بأوراق التوت الخضراء.‏

ونفد زادي فأحسست بالجوع، نقبت عن سنبلة في المدينة لأجعل منها رغيفاً، ولكني لم أجد. وإنما عثرت على تلال من الأرغفة على مناضد. كانت أرغفة حمراء كشمس المغرب. طلبت واحداً فزجرني الخباز. وتابعت طريقي فالتقيت بصياد. قلت له "أعطني سمكة فأنا جائع حتى الموت" فأجابني ساخراً "امض إلى المحيط فهو حافل بالسمك".‏

وهبط الظلام ونفذ البرد إلى عظامي فقلت في نفسي "ليتني لم أترك التل: ليتني بقيت هناك أرعى نجومي" وتطلعت إلى فوق أبحث عن نجم، عن أحد رفاقي كي يؤنس وحدتي ولكني لم أجد. عندئذ نظرت إلى نفسي فإذا أنا عار تماماً وشددت قبضتي في الظلام، فخيل إلي أنني أمسكت بالزهرة ذات الأشواك.‏

قذفني الجند في الصباح خارج المدينة بدعوى التشرّد. سألت حراس الأبواب أن يرشدوني إلى بلدي، فظلوا قابعين وراء صمتهم. مشيت على غير هدى فشاهدت رجالاً ونساءً يعملون في حقولهم توقفت عند بعضهم وقلت:‏

ـ يا إخوتي دلوني إلى بيتي.‏

لم يحفلوا بي؛ بقوا منكبين فوق أرضهم وجباههم تتصبب عرقاً. جلست عند حافة النهر. كنت ظمآن فلم أجرؤ على تناول جرعة منه. لقد خشيت من مالك النهر وكلبه. وفكرت في نفسي "إنني لا أملك شجرة توت لأتخذ من أوراقها حذاء... إنني لا أملك مخبزاً ولا سلكاً أصيد به سمكاً من المحيط فما أشقاني" وبينما أنا كذلك سمعت:‏

ـ صباح الخير.‏

ـ صباح الخير. من أنت؟‏

ـ فأر الأرض، ومن أنت؟ ما اسمك؟‏

ـ أحد رعايا الدولة.‏

ـ أي دولة؟ ما اسمك؟‏

إن من يفقد معنى وجوده عند عتبة الأميرة يفقد اسمه واسم دولته. فقلت:‏

ـ لقد تركت بالأمس قوقعتي وأنا أريد العودة، هل تعرف الطريق إليها.‏

ـ ما من أحد لا يعرفها.‏

ـ أرشدني إليها فأجلب لك اسمي واسم دولتي.‏

لماذا لم يرشدني الآخرون؟...‏

ـ ليس من أحد يعمل عملاً دون أجر.‏

ـ دلني إلى بيتي فأجلب لك اسمي واسم دولتي. ما معنى أجر؟‏

ـ لا، لا ضرورة لعودتك فأنت أحد رعايا الدولة الصغار دون ريب. إن الرعايا الصغار فقط ينسون أسماءهم... ولكن ليس هذا خطأك في شيء. ـ خطأ من إذن؟ ما معنى أجر؟...‏

ـ هو أن تعطي شيئاً مقابل شيء... ماذا جاء بك إلى هذا القفر؟.‏

ـ جئت أطلب زهرة الشوك... ما هو أثمن شيء يقابل أثمن شيء؟...‏

ـ إنه الذهب أو الفضة وهي عادة قطع براقة مدورة تشبه النجوم إلى حد ما. هل عثرت على زهرة الشوك؟‏

ـ بلى... في بلد أهله لا يبصرون ولا يسمعون. لقد قذفوا بين خارجاً بعد أن كتبوا على ظهري وصدري كلمة طريد.. ما معنى طريد؟...‏

ـ تعني أن إنساناً ما، من أمة ما لا يجيد عملاً.‏

ـ أوه إني سعيد لأني لم أكن طريداً في الماضي.‏

ـ إن التطلع إلى فوق واصطياد النجوم شيء غير عملي...‏

فقلت في نفسي: "إنه يتحدث على نحو مماثل لأخت الأميرة".‏

ـ ... قد يكون ذلك عملاً صالحاً في الماضي، ولكنه اليوم لا يجدي بعد أن أخذت الدولة على عاتقها بعض مهام السماء. إن السماء لم تعد تمطر مناً ولا عسلاً ولا ذهباً ولا فضة.‏

وهنا أمسكت بقرني الثور وصحت.‏

ـ هذا صحيح... هذا صحيح فلو كنت أملك قدراً من هذه النجوم لفزت بالتطلع في عيني الأميرة الخضراوين ولسمحت لي بمداعبة شعرها. أواه يجب أن أحصل على بعضها. كيف يمكنني أن أفوز بقدر منها؟‏

ـ لسوف تشقى كثيراً ولربما أدركك الموت قبل أن تتمكن من الحصول على قليل منها... إنها عزيزة المنال بالنسبة لرعايا الدولة الصغار.‏

واستشعرت في نفس اللحظة التي خيل إلي فيها أنني أمسكت بخصلة من شعر الأميرة، استشعرت أنها تنزلق كما ينزلق الرمل من قبضة مشدودة وأن بثوراً جديدة بدأت تتفتح في وجداني.‏

ـ اسمع أيها الفأر. إنني أدفع أي شيء مقابل أن أفوز ببعض النجوم الحقيقية.‏

ـ ما ستدفعه نفيس للغاية.‏

ـ إنني أدفع أنفس ما أملك.‏

ـ حسناً إنك لن تدفع شيئاً. فإنك لا تملك شيئاً.‏

ـ هذا صحيح إنني لا أملك شيئاً البتة.‏

وقادني الفأر في دهليز مظلم كثير المنعطفات فقلت له:‏

ـ أخشى أن نضل طريقنا. هل تعرفه جيداً؟‏

ـ لقد حفرته.‏

ـ حفرته؟! هل تعيش هنا؟‏

ـ ليس هنا بالضبط. إنني أملك أنفاقاً كثيرة مثل هذا.‏

ـ هل تمضي كل حياتك في الأنفاق؟‏

ـ كل حياتي ونادراً ما أخرج إلى العراء.‏

ـ أواه أن هذا أقسى عقاب يمكن أن يوقع بالنفس.‏

وأني لأتساءل دائماً كيف يستطيع إنسان ما أن يعيش ساعة ليس غير دون أن يرى الحياة. أن هذا لقمين بأن يقتل الإله في قلبي.‏

ولكني ندمت في اللحظة التالية فهمست لنفسي "لعل الأسفار قد غيرت من طباعي وأجرت عليها تعديلاً. إن التحدث عن الإله على هذا النحو من الخشونة عمل غاية في القبح" وسعل الفأر ثم أشاح بوجهه. فسألت:‏

ـ هل أنت مريض؟ لعلك أصبت ببرد؟ يجب أن تعتني بنفسك.‏

ـ كلا كلا لست مريضاً، ولكني أعتقد أنني أعمل اليوم في أرض رطبة. إني لا أجد لذة في العمل في الأرض الرطبة. ونظرت حولي لأتفادى أشياء تشبه الأغصان كنت أصطدم بها من فترة لأخرى.‏

ـ لماذا تحفر هذه الأنفاق؟ ما صنعتك في الحياة؟‏

ـ حفار ليس غير.‏

ـ حفار؟ إذن أنت تخرب الأرض. لماذا تحفر هذه الأنفاق؟‏

ـ لأن هذا يسليني.‏

ـ لأنه يسليك فقط؟‏

ـ لأنه يسليني فقط.‏

ـ إنك تذبل الورود وتدمر الزهور لماذا تفعل ذلك بحق الآلهة. دعني أعود، إنني لا أريد رفقتك لقد قتلت النجوم لقد قتلت النجوم. أواه لا أريد مرافقتك.‏

واستدرت لأعود ولكن الجدران كانت موصدة أمامي والظلام دامساً فارتددت إليه ثانية وتابعنا طريقنا. وصلنا إلى نهاية النفق فتسلق رفيقي السقف بخفة عجيبة وبدأ يحدث ثغرة فيه. وسقط شيء ما لامع في الظلام واستقر على الأرض مرسلاً رنيناً أصم، وتلاه آخر ثم آخر حتى صارت منه كومة أضاءت النفق كله. وهبط الفأر وفرك يديه فرحاً وقال:‏

ـ خذه فهو لك.‏

وتناولت واحدة وقلبتها بين أصابعي وأنا مبهور الأنفاس.‏

ـ يا إلهي إنها نجوم حقيقية.‏

ـ بلى خذها فهي لك.‏

ـ هل هي ملكك؟‏

ـ ليست ملكي تماماً وإنما كانت لفلاحة عجوز قضت. لقد عاشت عمرها تزرع البطاطا. كانت تملك خمسة خطوط لزراعة البطاطا وكانت تقتات من دقيق الذرة. لقد ادخرت هذه النجوم الذهبية لوحيدها ليوم عودته. نعم... كان قد مضى بدوره ذات يوم سعياً وراء الحقيقة.‏

ـ آه لن أستولي على واحدة منها طالما أنها تخص شخصاً آخر.. لعله طريد آخر كان يهوى أميرة قصرها قرب شجرة جميز.‏

ـ حسناً لقد وضعت كنزاً بين يديك فافعل ما يروق لك خذه إن شئت أو دعه. إن البشر لن يحفلوا لهذا الأمر. لقد روى لي فأر أرض مهاجر ذات مساء قصة عجيبة للغاية. قال لي: "لقد قررنا نحن فئران الأرض ذات يوم أن نكون صالحين، فندع الأرض وشأنها لا نعيث فيها فساداً، على أن نقتات مما تخلفه المواسم وما يهمله الفلاحون في الأرض.‏

ولكن ما حدث بعد ذلك كان غريباً جداً!! لقد أعطت الأرض محصولاً مدهشاً، غير أن الملاكين عمدوا عندئذ إلى إتلاف القسم الأكبر منه".‏

لقد ابتكر الإنسان مؤخراً حيلاً بارعة للفوز بكنوز الأرض وثرواتها الدفينة، ولكن ذلك لم يخفف من بؤس البشر.. إن العالم مليء بالذهب والفضة، ولكن ما جدوى هذا كلّه ما دام ثمة طريد على ظهر هذا الكوكب لا يملك فرساً بينما أميرته تنتظر هناك عند مفترق طرق ليبدأا التصعيد بين النجوم.‏

***‏

خرجت من النفق فبهرني ضوء النهار لدرجة آذت عيني. التفت إلى رفيقي. كانت عيناه ملتمعتين على نحو مؤذ ووجهه يطفح ببشر غير إنساني فقلت.‏

ـ وداعاً. أشكرك.‏

ـ دعني أرافقك قليلاً. ثمة نصائح أرغب في أن أسديها إليك.‏

ـ إن وقتي ثمين كما ترى وأخشى أن يداهمني الليل قبل أن أصل موطني. وداعاً.‏

ـ وداعاً.. لا تخشَ شيئاً بعد الآن. لقد صرت شيئاً سحرياً وفي إمكانك أن تسخر كل شيء لمشيئتك.. تستطيع أن تسقط الأمطار في الصيف، وتنبت الأزهار في الشتاء. مر الريح أن تحملك إلى بلدك فتفعل.‏

ـ أو صحيح هذا؟‏

ـ ما عليك إلا أن تحاول.‏

ـ أيتها الرياح احمليني بعيداً إلى بلدي.. خذيني فإن وقتي لثمين.‏

وما هي إلا برهة مضت حتى أحسست أني محمول في الهواء ونظرت ناحية رفيقي ولوحت له بيدي مودعاً فقال لي شيئاً لم أسمعه فقلت في نفسي: "ترى ماذا يقول؟.. يا له من صديق حكيم" فردت علي الريح:‏

ـ لقد قال رفيقك "هكذا الحال دائماً مع صغار الناس.. تمضي الحياة من حولهم دون أن يحسوا بها، ولكن عندما يصبحون رعاياي يعرفون معنى الزمن: السنة، الشهر، اليوم، الساعة، الدقيقة. لقد أدرك أخيراً أن وقته ثمين.. نعم إنه الآن إنسان حقيقي".‏

كان الارتفاع والسرعة قد شوشا أفكاري وشعري، فأمرت الريح أن تقترب من الأرض وتسير على مهل فامتثلت. كنت تعبان فلم أشأ أن أفكر بشيء أو أقوم بحركة ما. لقد راق لي أن أستلقي هكذا على سحابة رقيقة مغمضاً عيني. وبينما أنا على هذه الحال من النشوة والسعادة سمعت من يقول:‏

ـ سلاماً يا عزيزي.‏

فقلت:‏

ـ سلاماً من أنت؟‏

ـ أنا زهرة. ألا تعرفني؟‏

ـ زهرة! ما هي الزهرة؟ ما فائدتك؟..‏

ـ إنك صديقي هلا تذكر...‏

ـ لا لست أذكر. ما عملك في الحياة؟ هل تنتجين ثماراً؟..‏

ـ كلا ولكنني رمز أهدى.. إنني أعني تفاهماً، عقداً، اتفاقاً.. إنني رسول المحبة.‏

ـ وما هي المحبة؟ ما تعني المحبة؟..‏

ـ تعني أن هناك شيئاً ليس غيره في العالم: ذو لون خاص، ذو معنى خاص، ذو نكهة خاصة.. شيء فريد وكلي لا ينازعه منازع.‏

ـ لا لا إن هذا تحيّز يا زهرة. وأعتقد أن الكمثرى شبيهة بالتفاح. كما بالإمكان الاستعاضة بالبرقوق عن الاثنين. فردت الزهرة:‏

ـ أوه!‏

ثم لفظت أنفاسها.. وتناهى إلى سمعي أنين.. فسألت:‏

ـ من يندب هناك؟..‏

ـ ...‏

خطوت عدة خطوات.‏

ـ من أنت؟ لماذا أنت حزين؟‏

ـ لقد هوى شهاب من السماء، هلا تذكرني؟..‏

ـ لا من أنت؟ ما معنى شهاب؟..‏

ـ إنك صديقي انظر إليّ. لقد كنت عطشاناً يوماً فاغترفت من مائي حفنتين. إن فتيات القرية وشبانها يدعونني بالينبوع.‏

ـ إن الينابيع ليست ذات شأن كبير فهي لا تبتعد كثيراً عن مسقط رأسها.. إنها محدودة لا تعرف شيئاً عن العالم الخارجي. إني أوثر الأنهار.‏

ـ إن مياه الأنهار عكرة.‏

ـ ولكنها حافلة بالسمك.‏

وألقيت نظرة في الينبوع أبحث عن بعض السمك كي أرى مدى استعداده حتى يصير نهراً.. ولكن ماذا رأيت؟. أواه كيف أمسيت كذلك بحق الإله؟ من أين لي هاتان العينان الشريرتان وذلك اللسان الدامي المدبب؟ آه يا إلهي ثمة شيء في داخلي قد تصدع. إني خجلان.‏

***‏

وفي مساء اليوم التالي تسلقت التل. كان بيت الأميرة ما زال قائماً هناك، وكانت نافذة البيت الوحيدة مضاءة.‏

كان البيت يبدو أقل ارتفاعاً وأقل ضخامة... في الحق كان وضيعاً. فاقتربت من شجرة الجميز.‏

ـ مساء الخير يا شجرة الجميز. كيف حال الأميرة؟‏

ـ إنها في أفضل حال. من أنت؟ مساء الخير.‏

ـ أحد رعايا الدولة.‏

ـ يلوح أنك غريب عن هذه المنطقة.. أأنت الأمير الذي تتحدث عنه البلدة؟.. لقد عقدت الأسرة اجتماعاً من أجله. إن رسلاً جاؤوا اليوم يخطبون له الأميرة.‏

ـ آه.‏

ـ لقد قال الأب "أن يديه مليئتان" وأضافت الأم وهي تربت على كتف أميرتها "لقد صنع له الحدادون ألف حدوة فرس"؟‏

ـ ولكني يا شجرة لم أوص إلا عل مئة حدوة.‏

غير أني استدركت فوراً.‏

ـ أن الأمير لم يوص إلا على مئة حدوة.‏

ـ إن أهل البلدة يتناقلون فيما بينهم أنها ألف حدوة.. مهما يكن فإن هذا لن يبدل من الأمر شيئاً، طالما أهل الأميرة راضون وسعداء.. ايه، ثمة أشخاص شغوفون بتكبير الأرقام.‏

وتابعت الشجرة:‏

ـ وأما أخو الأميرة ذو المأثرة الخالدة فقد قال "إنه أفقر من في البلدة" فلم يعره أحد التفاتاً. ورددت أخت الأميرة التي كانت ذات يوم صغيرة "إنه أمير حقيقي يملك نجوماً حقيقية. وهو فارع الطول فسيح الصدر ذو بشرة سمراء مشوبة بحثالة النبيذ. نعم إنه أمير حقيقي فليتني كنت كبيرة كفاية".‏

وسأل صرصار كان يبحث عن شيء أشد كسلاً منه ليتخذه ذريعة عندما يذهب إلى النملة في الشتاء:‏

ـ ما معنى أمير؟ ما فائدة الأمراء؟‏

فقالت أخت الأميرة:‏

ـ ما فائدتهم!... إنهم أمراء.‏

وأضاف كلب هرم سبق له أن عمل في خدمة أمير.‏

ـ إنهم يقضون معظم أوقاتهم في تنظيف أظافرهم.. فعندما يضحكون يجب أن يضحك الآخرون، وعندما يغضبون يجب أن يكف الحضور عن الضحك ويغضبوا أيضاً.. إنهم أشياء غريبة. تافهة ومسلية معاً.‏

سألت:‏

ـ وماذا بشأن الأميرة؟‏

ـ كانت الأميرة تدرب ببغاء ناشئة على حفظ الكلمات.‏

قالت: رددي يا ببغائي ورائي "حرير" فرددت الببغاء "قنب" قالت الأميرة "ذهب" فتابع الطير "تراب".‏

غضبت الأميرة وقالت في نفسها "إما أنها ببغاء خبيثة، وإما هي ببغاء غبية حقاً" وعمدت أن تحصل على أمير، غير أن الببغاء زاغت من الفخ ورددت "نجوم" فحدثت الأميرة نفسها ثانية "إن النجوم والأمراء شيئان متلازمان" ولكن الببغاء خيبت ظنها من جديد. فرددت "أصداف". عندئذ سئمت الأميرة من تدريب الببغاء فقذفت بها بعيداً.‏

ـ إن الأميرات سرعان ما يسأمن الأشياء.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244