مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 439 تشرين الثاني 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

البغل

طلعت الشمس من جديد. ودخلت من الكون فسقطت على وجهه. فتح عينيه بصعوبة. حرّك أجفانه أولاً. ارتعشت أهدابه، ثم تباعدت بتؤدة. سقط الضوء في عينيه فآذاهما. كان ذلك أول عذابات نهاره فعاد إلى إغلاقهما. كان النور يؤذي عينيه، يوجعهما حتى يعتصر منهما الدمع. فهو منذ زمن بعيد لم يعد قادراً على النظر في الضوء. لقد غطوا عينيه ذات يوم بحاجبتين سميكتين. لم يفهم سبباً لذلك في البداية. حتى اتفق له في أحد الأيام أن يعمل بلا حاجبتين. كان ذلك ذات صباح حينما اقتادوه كالعادة فشدوه إلى زند الناعورة. وبعد أن هيؤوه تماماً للعمل بحثوا عن الحاجبتين فلم يجدوهما. لقد أضاعهما ابن المعلم الذي لم يلبث أن هرب أمام غضب والده حين قرعه لأنه أضاع الحاجبتين بإهماله.‏

في تلك اللحظة كانت العائلة قد تجمعت حوله من أطراف البيت والبستان. الأب والزوجة والأولاد. وراحوا يتشاورون في ما ينبغي عليهم عمله بعد أن ضاعت الحاجتان.‏

قال أحد الأولاد:‏

ـ فليعمل بلا حاجبتين:‏

قال الأب:‏

ـ بم يسبق لبغل أن أدار ناعورة بلا حاجبتين.‏

قال ولد ثان:‏

ـ لماذا لا تعمل بغال النواعير بلا حاجبات؟‏

قال الأب:‏

ـ ربما كي لا تدوخ من كثرة الدوران. أو كي لا ترى ما حولها. وربما لأسباب أخرى. أنا لا أعلم.‏

واقترحت الزوجة أن يوقف العمل حتى تصنع للبغل حاجبتان شفقة عليه كي لا يصاب بالدوار. فقال لها الأب أن ذلك محال لأن الزرع عطشان والخضار ستتلف إذا لم تسق بالماء. ثم أضاف بعد تفكير:‏

ـ لابد أن يدير البغل الناعورة حتى لو لم يكن فوق عينيه حاجبتان.‏

وأسرع أصغر أولاد المعلم عندما سمع كلام أبيه فتناول عصا كأنه تلقى إشارة فضرب البغل على كفله وصاح:‏

ـ دي.‏

فانطلق البغل يدور ويدور بلا حادبتين فوق عينيه منذ الصباح إلى المساء. وفي ذلك النهار رأى لأول مرة ما حوله وفهم ما كان خافياً عنه من قبل.‏

شقق البغل عينيه ثانية.. ولكن بهدوء وتأن مختبراً في الوقت ذاته وقع الضوء في عينيه. كان الألم الآن أخف منه في المرة الأولى. اطمئن قليلاً فعاد إلى إغماضهما. كان عليه أن يفعل ذلك مرة بعد مرة حتى تعتاد عيناه النظر في النور.‏

فكر البغل "ليت الحاجبتين لم تضيعا في ذلك اليوم ولم أرَ ما حولي ولم أفهم. إذ ماذا يجدي الواحد أن يشعر بالظلم إذا كان عاجزاً أن يفعل شيئاً لنفسه سوى أن يتألم".‏

في ما مضى كان يجهل تماماً طبيعة عمله. ويجهل أكثر ماذا يعني هو بالنسبة للبستان. كل ما يعرفه أنه كان يقاد من الزريبة فيشد إلى زند الناعورة ويمضي في دوران يخاله لا نهاية له منذ الصباح إلى المساء. في البداية نظر إلى الأمر كلعبة. تسلية. هو الذي اعتاد حمل الأثقال في الطرق الوعرة والجبال. كان يروق له أن يدور وهو يصغي إلى ذلك الصوت الذي يصدر عن الناعورة فيطرب له. وقد ظن غير ذات مرة أن كل عمله ينحصر في هذه النقطة بالذات. أن يشد إلى زند الناعورة الخشبي ليحدث ذلك الصوت كي يدخل السرور على قلوب أفراد العائلة. وكان يسر لذلك أيما سرور. ويزيد خرير الماء المتساقط بهجته فتتسارع خطواته وتخف حتى لتكاد تمس الأرض مساً. لكنه ما لبث بمرور الأيام أن سئم هذه اللعبة. وتسرب الملل إلى نفسه. ولم يجد ما يشغل به وقته سوى أن يسرح مع أفكاره. ويطير إلى الماضي. يوم كان يعيش في البرية مع شرشي يتنقلان بين القرى يحملان البضائع ويقايضان عليها بالبيض والزبدة والعسل والزبيب. وكيف كانت الصبايا والنساء يتجمعن حولهما فرحات بما يقدمان إليهن من خرز وعقود وأقراط وأساور ومناديل وحراير وغيرها من الأشياء التي تبهج قلوبهن. لم يشعر عند الشرشي يوماً بالضيق. كان يعامله كرفيق حقيقي. يسيران في الشعاب بين أشجار الصنوبر والعرعر والغار. لم يسحبه مرة بمقود وإنما ترك له حرية الحركة والتنقل يسير ويتوقف على هواه. حتى أنه كان لا يستعجله إذا تمهل ليستمتع بمنظر أعجبه. أو رأى رقعة أرض معشوشبة وراح يقضم قبضات منها على الماشي. كان يقول له إذا ما تخلف عنه ولاحظ تقصيراً عن مجاراته في السير: هل تعبت! حسناً أعرف نبعاً قريباً عندما نصل إله سنصيب قسطاً من الراحة.‏

وتنهد قائلاً: "آه ما أحلاها أيام". وشقق عينيه قليلاً ونظر من خلال أهدابه. كانت الشمس قد تجاوزت الكوة. فكر "الوقت يمضي بسرعة ولن يمكثوا طويلاً حتى يأتوا فيضعوا عليّ عدة العمل ويشدوني إلى زند الناعورة.‏

كانت حدة الضوء الآن أخف وطأة في الزريبة بهد أن عبرت الشمس الكوة. وما لبث أن فكر أنه كان من الممكن أن يمضي بقية حياته سعيداً مع رفيقه الشرشي لولا أن سرقه لصوص دواب ثم ساقوه إلى بستان في المدينة حيث باعوه إلى رجل علم فيما بعد أنه صار معلمه الجديد.‏

وسمع في جو الزريبة طنين فأجفل. كان في ظهره عقر أحدثته عدّة العمل. وكانت ذبابة زرقاء قد علمت بقصة هذا العقر بعد حدوثه مباشرة. وهكذا ما أن انفك من العمل وعاد إلى الزريبة حتى كانت الذبابة الزرقاء في انتظاره. فأشبعته قرصاً منذ الساعات الأولى. قامت بواجبها كأحسن ما تقوم به ذبابة تحط فوق عقر. ولم تفارقه بعد ذلك. وإذا ما ابتعدت عنه فترة فلتنقض عليه ثانية. باستثناء تلك الأوقات التي يغطي ظهره فيها بعدّة العمل ويشد إلى الناعورة. فكانت تمكث في الزريبة وتقضي وقتها في شحذ ملسعها استعداداً لعودته.‏

وسكت الطنين فقدّر أنها الآن فوق ظهره في طريقها إلى العقر. ثم أحس بدبيبها يقترب ويقترب. حسناً هاهي الآن فوق العقر تماماً. وتماوج جلده كأنما مسّته كهرباء. كان يستجمع طاقته لتحمل الألم. وما هي إلا ثانية حتى قرصته في العقر. فلوى عنقه إلى الوراء بقوة وتململ بجسده المضطجع على جنبه وخافت الذبابة التي فاجأتها ردّة الفعل العنيفة فطارت.‏

قال في نفسه "ليس في الدنيا ما هو أسوأ من معلم جائر إلا ذبابة العقر".‏

وشقق عينيه. كانت الشمس قد مضت بعيداً عن الكوة فلم يعد ثمة وهج يخشى أذاه. وفتح عينيه على اتساعهما لكن بكسل. رأى الطعام أمامه كاملاً لم يمس قال: "لعلهم دخلوا باكراً فوضعوا الطعام. لاشك أنني تأخرت اليوم في النوم فلم أشعر بدخولهم". قرّب فمه من الطعام ثم تشممه بأنفه. قالت له الرائحة أن هذا الطعام هو وجبة اللين الفائتة. وهنا تذكر حادث صغير وقع له بالأمس.‏

البارحة مساء بالضبط وبينما كان في طريقه إلى الزريبة، بعد أن حل وثاقه الذي شدّ به إلى الناعورة. صادف كومة من الفجل فوق المصطبة جيء بها لجعلها رزماً. كومة بكاملها مغسولة متألقة. أوراق خضراء في أذيالها رؤوس حمراء ريّانة مضيئة. عبق الجو برائحتها الطيبة الزكية. وملأ أريجها المعطار أنفه فسال لها لعابه. ولم يستطع وهو ماضٍ إلى الزريبة أن يمسك نفسه عن أن يميل برأسه ويأخذ بفمه حزمة صغيرة ليتذوق هذا الشيء الذي لم يذقه من قبل.‏

وبينما هو بدأ يلوك بأسنانه ويستنفر إحساسه ليبدأ تجربة مع الفجل لم يعرفها في أي يوم من أيام حياته. أحس بضربة وضربة ثانية وثالثة فوق رأسه من ابن المعلم.‏

ـ كيلو الفجل بسبعين قرش. لم نقطف البواكير إلا من أجل أسنانك أيها البغل.‏

فكر أن يرفسه رفسة تطيح به. لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يقسره فيها ابن المعلم على ترك شيء كان يحمله بفمه ويهم بالتهامه. مرة قال له رأس كرنب شهي:‏

"أنا شيء طيب. لماذا لا تأخذني بين أسنانك وتتذوق طعمي؟" كان يسير في دروب البستان. وكان أصحابه في غفلة عنه.‏

لقد دفعه في ذلك اليوم فضول قوي لم يستطع كبحه لكي يتفقد أبعاد المكان الذي كان يعمل فيه. كانت ثمة خضرة يانعة تعم البستان. وكان يشعر بالزهو والخيلاء، إذ كان يعلمك، أنه هو، وبفضل الماء الذي يمتحه من البئر سبب هذه الخضرة اليانعة. واقتلع رأس الكرنب وحمله بفمه ليختبر مذاق ذلك الشيء الذي دعاها إلى التهامه. وفجأة انقض ابن المعلم، كأنما انشقت الأرض عنه، وراح يضربه حتى أخذ رأس الكرنب من فمه. شيء مثير للدهشة والغرابة ويدفعه لئن يفكر "إنني أعمل منذ الصباح إلى المساء دون تذمر أو شكوى. أعمل لأنه ينبغي أن أعمل. ولكن أمد رأسي لأتناول شيئاً مما أنتجه بعملي. لأختبر طعمه وأعرف أي شيء هو، ينزع مني ويسخر بي ويقال لي: هذا من البواكير. هذا ليس من أجل أسنانك أيها البغل. بغل أنا أعرف ذلك. لكن ماذا تساوون دون هذا البغل؟ أنتم يا أصحاب هذا البستان؟".‏

وفكر للمرة الثانية أن يرفس ابن المعلم الذي انتزع منه رزمة الفجل وقال "قد تقتله رفستي. ليس الفتل شيئاً حلواً. وأنا لا أحب أن أمارسه. لكن ينبغي عليهم ألا يعتمدوا كثيراً على صبري. قد يفلت الأمر من يدي يوماً. ووقتها سيكون أسفي كبيراً. لأنني سأرغم على فعل الشيء الوحيد الذي لا أحب أن أفعله".‏

وما أن اقتيد إلى الزريبة حتى وضعت له وجبة المساء. كان يشعر بالخيبة والمرارة فلم يقرب منها فمه. وهاهي ذي وجبة الأمس أمامه كاملة لا يشعر بأدنى رغبة بالطعام. والتفت حواليه في أنحاء الزريبة. كانت زريبة صغيرة عديمة النظافة راكدة الهواء. وكان فراشه القشي الرطب بنشر رائحة عطنة قوية. اشمأزت نفسه وكأنه يرى هذه القذارة لأول مرة. واجتاحه شعور مرضي.‏

ومن خلفه فتح باب الزريبة ووصل إلى أذنيه صريره المعهود. لم يبد أي اهتمام. ودخل ابن المعلم واقترب منه حتى وقف فوق رأسه. ولم يبد أي اهتمام أيضاً. نظر ابن المعلم إلى الطعام. قال:‏

ـ لاشك أنهم وضعوا لك طعاماً كثيراً فلم تستطع أن تأتي عليه كله. هيا إليها الكسول تحرّك.‏

ودفعه بقدمه:‏

ـ انهض صار الوقت ظهراً.‏

ونهض البغل بتثاقل فاستوى واقفاً. ومن مكان ما من الزريبة طارت الذبابة الزرقاء وحطت على ظهره. فكر ": ليست عندي رغبة بالطعام ولا بالعمل". وعاوده شعوره المرضي. كان ابن المعلم يقف وراءه يحمل بيده قضيباً. ضربه بالقضيب على كفه وقال:‏

ـ الوقت متأخر. هل أنت مسطول اليوم. تحرك.‏

وتحرك البغل طائعاً لكن دونما أي اندفاع وفكر "سأتحرك الآن. لكن ينبغي ألا يعول كثيراً على صبري. لقد استكثرتم علي بالأمس فجلة. ومن قبل رأس كرنب فأية حياة تافهة هذه؟".‏

وساق ابن المعلم البغل حتى الناعورة. ثم طلب إليه الهدوء وعدم ترك مكانه ريثما يأتي بعدته. وامتثل البغل لأوامر ابن المعلم فظل واقفاً في مكانه وفكر "أخذتم مني كل شيء. ولم تعطوني بالمقابل أي شيء. حبستموني في زريبة ضيقة وحرمتم علي التجول في البستان الذي صنعته لكم ونشرت الخضرة في جوانبه".‏

وأتى ابن المعلم بعدة البغل. وضع السرج على ظهره أولاً فآلمه عقره وتماوج جلده كأنما مسته كهرباء. وطارت الذبابة عندما غطي العقر بالسرج فوقفت فوقه. وعندما يئست من العثور على العقر ثانية عادت إلى الزريبة وأنشأت تنتظر البغل هناك. ثبّت ابن المعلم السرج بقشاط التفّ حول بطن البغل. ثم أنزل "الكدَّانة" في رقبته. بعد ذلك جذب زند الناعورة. كان ثمة حبلان يتدليان منه ينتهيان بكلابتين صغيرتين. علق الكلابة الأولى في حلقة في الكدانة وعلق الكلابة الثانية في الحلقة الأخرى. اصبح البغل الآن مقروناً إلى زند الناعورة بالحبلين من كلا جانبيه. ثم أتى بحاجبتين وضعهما فوق عينيه أعقبهما بلجام بين شدقيه. وكان البغل أثناء ذلك يقف طائعاً مسلوب الإرادة. هو ذا الآن صار جاهزاً للعمل بعد أن اكتملت عدته وحزّم بها تحزيماً.‏

صاح به ابن المعلم:‏

ـ دي.‏

وفكر البغل أن يرفسه. لكنه قال "هل أريد رفسه حقيقة؟ أنا لا أعرف حقيقة شعور بعد إذا كنت راغباً في ذلك فعلاً أم لا. ثم ما جدوى أن أرفسه وأنا مشدود إلى ناعورة محزّم بالجلد والحبال؟‏

وكرر ابن المعلم:‏

ـ دي.‏

قال البغل في نفسه "ها قد بدأ صبره ينفذ. ينبغي أن أتحرك قبل أن يلفظ "دي" الثالثة. أنا أعرف ماذا تعني "دي" الثالثة عند هذا الابن الكلب. لكن ليست عندي رغبة لا بالحركة ولا بالطعام. ليست عندي رغبة في أيما شيء. وعاوده شعوره المرضي.‏

وتحرك فنقل قوائمة نقلة أعقبها بأخرى. ثم بثالثة. واهتزت الناعورة وأنّت وتوجعت ودارت دورة فانهال الماء من علٍ منشنشاً زاخراً حياً. قال "ذي دلاء تفرغ ودلاء تمتلئ. إلى متى كتب عليّ أن أدور لأملأ الدلاء التي تفرغ؟".‏

وتسارعت خطواته شيئاً فشيئاً، ومع تسارعها نسي نفسه وألمه والعقر الذي في ظهره. نسي أنه مشدود إلى الناعورة بالحبال. ولم يعد يذكر سوى شيء واحد. لم يعد يذكر سوى أنه فتح منخريه على آخرهما ليشم على بعد مئات الكيلو مترات هناك فوق الجبال رائحة الصنوبر والعرعر والغار.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244