|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
الضحك في آخر الليل لم تستقبل أنفه حينما ولج باب البيت شأنه دائماً عندما يكون الطعام بطاطا رائحة الزيت والثوم والكزبرة والبصل. عندها فكر بما كانت زوجته قد هوّت البيت. واجتاز العتبة فانحرفت الزوجة التي كانت واقفة تمسك مقبض الباب لتفسح له الطريق. كان المدخل معتماً إلا من النور الذي كان يتسلل إليه من الغرفة الداخلية المضاءة. استطاع أن يلاحظ هيئة زوجته التي رفعت يدها إلى جبينها في تلك اللحظة. كان بثياب المنزل العادية فقدّر أنها لم تأوِ إلى فراشها وأنها كانت لا تزال يقظى تنتظره. قال: ـ ألم تنامي بعد؟ قالت: ـ انشغل فكري. قلقت. فلم أستطع النوم. قال: ـ ليس هناك ما يوجب القلق. ومدّ يده ليغلق الباب وراءه. فلمس يد زوجته التي كانت لا تزال تمسك مقبض الباب. أحس بها يداً دافئة. أبعد يده حالاً. لكنه مع ذلك شعر بها وكأنها أجفلت من لمسته. قالت المرأة: ـ قلت الدنيا برد. وثيابه خفيفة فلم أستطع النوم. قال الرجل: ـ لم يحدث البرد إلا في الليل. في النهار كانت الدنيا دافئة. وما أن هبط الليل حتى انصب البرد دفعة واحدة. أين كان مخبوءاً كل هذا البرد اللعين. انتظر حتى غطست الشمس في البحر. ثم اندفع شرقياً صامتاً مثلجاً. وأغلقت المرأة الباب بهدوء. وفي فكرها قالت "ما أبرد يده. أنا لم أرَ في حياتي يداً باردة بهذا الشكل". واستدارت لتلحق بالرجل الذي تقدمها في مدخل البيت. كان يخطو بهدوء ومن خلفه سارت المرأة في غبش ممر البيت تصغي غليه. كان يتكلم برداً. كان البرد يقطر منه. من كلماته. من خطواته. كان يبدو وكأنه يحمل البرد على ظهره الذي ناء تحت ثقله. وكانت رقبته غائصة بين كتفيه. قال: ـ ثيابي ليست خفيفة لكني لم أعمل حسابي لمثل هذا البرد. في المرة القادمة. ولم تنتظر المرأة لتسمع أكثر فاندفعت قائلة: ـ وهل ستكون هناك مرة قادمة؟ ألا يوجد موظفون غيرك؟ قال: ـ بلى يوجد كثيرون لكن كان ينبغي أن ينزل واحد منا فنزلت أنا. كان يجب أن يكون هناك مندوب عن المؤسسة ليراقب تفريغ شحنية السكر فوقع الاختيار علي. وفكر "وقع عليك الاختيار لتشهد تفريغ مئتي طن سكر ولتقاتل مع العمال ليحافظوا على أكياس السكر من التمزق وكي لا تتعرض للنهب ولتصاب أنت بكل هذا البرد اللعين وبالجوع والدوار والصداع والعطش". ووصل إلى الغرفة المضاءة فبدا الرجل في النور. وجه نحيل أغبر اللون. مزرق من البرد. متعب غير حليق. خفيف شعر الرأس مشعثه. صغير الجسم. وأسرعت زوجته فسوّت غطاء الصوفا ومسدته بيديها. ثم مضت إلى مشجب علقت عليه ثياب. كان الرجل لا يزال واقفاً في وسط الغرفة يداه في جيبيه. وأدار نظرة عجلى حوله. كان ثمة سريران متقابلان في البيت أحدهما انحشر فيه أولاده الثلاثة وقد استغرقوا في النوم. منذ زمان كان يتمنى أن يكون لأولاده الثلاثة أسرّتهم الخاصة وغرفتهم الخاصة. ولكن العين بصيرة واليد قصيرة. كما كان يقول لزوجته، أما السرير الثاني فينام عليه الزوجان. وتعثرت عليناه بصوبيا أسطوانية منطفئة. ولعله كان يبحث عنها دون أن يدري. كان يعلم أن مخزونهم من المازوت قد نفد منذ يومين. لكنه كان يتوقع أن يراها مشتعلة بقدرة قادر. ربما لأنه يحس ببرد شديد. وربما بحكم العادة، أو لأن الصوبيات من المفترض أن تكون مشتعلة في الشتاء. وفي ثانية أطفأ الصوبيا التي أشعلها في رأسه وهو هناك في البحر جوعان وبردان وعطشان. كما أطفأ ذؤابة شعلتها الزرقاء المتراقصة. ومحا ظلالها التي رسمتها على الجدار. وقدمت له زوجته منامته التي حملتها من أقصى الغرفة وقالت: ـ ألا تخلع ثيابك؟ قال: ـ كلا. ليس قبل أن أدفأ. لكني أريد أن آكل الآن. إني جائع. وبحث أنفه عن رائحة البطاطا المقلية بالزيت والبصل والكزبرة والثوم. وقال: ـ لكن سأغسل يدي أولاً. وخلع ممطره وألقاه على طرف الصوفا. ثم مضى إلى المطبخ. وسمعت المرأة من مكانها في وسط الغرفة انفتاح صنبور الماء وقرقعة مائه المتساقط. قالت المرأة في سرها "أنا لم أر إنساناً بردان على هذه الصورة". وخطرت لها فكرة فمضت إلى المطبخ. قالت "يجب أن أحضر له الطعام قبلاً". غسل الرجل يديه ثم جففهما بفوطة وعاد إلى الغرفة. جلس على الصوفا ووضع يديه بين فخذيه ليدفئهما وأنشأ ينتظر. بعد قليل دخلت المرأة تحمل بين يديها صينية عليها صحاف الطعام. قالت: ـ هل أضعها على الصوفا؟ قال: ـ ضعيها على الأرض أفضل. وضعت المرأة الصينية على الأرض. ولم يلبث الرجل أن هبط عن الصوفا وجلس على الأرض متربعاً. وكان تحته بساط رقيق فشعر بالبرودة تسري في مؤخرته. ألقى نظرة سريعة فوق الصينية. كانت هناك بطاطا مسلوقة وزيتون وبصلة ومملحة ورغيف خبز. عادت المرأة إلى المطبخ. قال الرجل في نفسه متأسفاً "طول النهار وأنا أحضر شهيتي للبطاطا المقلية بالزيت والبصل والثوم والكزبرة ما من شيء يحدث كما تريد. لكنني جائع. سآكلها مسلوقة وإن كنت أفضلها بالطريقة الأخرى". واقتطع مزقة خبز وبدأ يأكل. دفع إلى فمه لقمة خبز أولاً. ثم أخذ حبة بطاطا بعد أن ملحها وقضم منها قضمة. تبعها بحبة زيتون ورقيقة بصل. كانت الأرض والجدران والسقف تهتز به في حركة موجية إيقاعية. وكان يحس دواراً خفيفاً. والتقم لقمة أخرى. وطيبها برقيقة بصل. سمع قرقعة بابور الكاز. كانت قرقعة سريعة وعنيفة تبعها هدير اشتعال عال. قال في نفسه "ألف مرة قلت لها هذي حذرك من وابور الكاز. احقنيه بلطف. العنف والضغط الكثير يفجره". ومضغ طعامه بقابلية وصمت. وفي فكره قال "لا أظن أن الوقت مناسب لتطبخ شيئاً في هذه الفترة من الليل. لعلها تسخن لي ماء للاغتسال. أنا لا أحب الاغتسال في البرد. سأقول لها إني بردان". وأصغى بانتباه. لم يسمع قرقعة برميل الاغتسال ولا تساقط الماء فيه. قال "لعلها تحضر الشاي. قدح شاب بع الطعام يساوي الدنيا وما فيها في هذا البرد". وما هي إلا لحظات حتى تغير وقع الهدير في أذنيه. ثم اقترب أكثر ودخلت زوجته تحمل بيدها وابور الكاز الهادر. ودهش لحظة ولم يلبث أن فهم. ثم تأكد عندما وضعت الوابور صوبه. أيام الشتاء منذ زمان بعيد. عندما كان صغيراً هو وأخوته كانت أمهم تلجأ إلى هذه الطريقة حين يخلو البيت من الفحم والحطب وأي شيء يشعل. كانت تشعل الوابور وتضع فوقه صفيحة معدنية ثم تجمع الأولاد المرتجفين من حوله. والآن وبعد مضي زمان طويل تأتي هذه المرأة الغريبة التي كانت تجهل حيلة أمه. تأتي وتفعل الشيء نفسه. فكر وهو يلوك طعامه. وأسرّ لنفسه "كل الفقراء يلجؤون إلى بوابير الكاز عندما يعضهم البرد". ورأى في وجه امرأته صورة أمه وفي أولاده إخوته. وفكر لو لم يكونوا الآن نياماً لتحلّقوا حول وابور الكاز الهادر. وهلع قلبه من المستقبل الذي ينتظر أولاده. وفكر "لكأن الزمن يراوح في مكانه. وكأن شيئاً لم يحدث على هذه الأرض". قالت المرأة: ـ فكرت أن ذلك يدفئ قليلاً. وهزّ برأسه موافقاً. وقعدت المرأة قبالته. واستمر في التهام طعامه. قال: ـ لم تطبخي بطاطا بالزيت؟ قالت: ـ طلبت من السمان بعض الزيت على الحساب فرفض وقال لي: ما من طلعة إلا وبعدها نزلة. مرة طلبت من زوجك أربع خمس تنكات زيت نباتي فرفض". لماذا لم تعطه الزيت الذي طلبه. قال: ـ كان سيبيعه بالسوق السوداء. لم يكن الزيت للباعة. كان الأمر يقضي ببيعه للمستهلك مباشرة. قالت المرأة بتردد: ـ لن أتعامل معه بعد اليوم. قال لي: زوجك سيموت من الجوع ويميتكم معه. فهو لم يتعلم من الحياة شيئاً. قلت له: استفد وأفد غيرك يا رجل. خذ واعط. الحياة أخذ وعطاء. لكنه ركب رأسه وصمّ أضنيه فلم يصغِ لي. وتابع ازدراد طعامه بصمت. وفي فكره عاد إلى تلك الأيام التي كان يوزع فيها الزيت النباتي على المستهلكين. مئات الكيلووات وزعها. طن، طنان، ثلاثة. وقتها لم تكن هناك بطاقات ولا قيود تلزمه بتقديم كشوف بالتوزيع. وقد سعت الثروة إليه آنئذ. ساقها إليه غير تاجر من تجار السوق السوداء. لو شاء لصار من الأغنياء ولودع حياة الفقر والعوز. حدث ذلك في وقت كانت الصفائح الفارغة والطناجر والدلاء وغيرها من الأواني ترتفع إليه بتوسل وإلحاح من أجل شيء من الزيت وكأنه إله يهب الرحمة والحياة. كان عليه أن يختار. أن يخيب رجاءها أو يرفض الثروة. وقد اختار الأمر الثاني. ركل الثروة بقدمه. وملأ الأواني الفارغة المرفوعة إليه بالزيت. "حمار" قال غير واحد ممن سمعوا بقصة الزيت وغيرها وأضافوا "الحمير وحدهم لا يفكرون في غدهم". خطر له ذلك في نفس الوقت الذي حملت فيه زوجته صينية الطعام بعد أن انتهى من تناول وجبته. ومضت بها إلى المطبخ. وفكر "قد أكون حماراً كما يقولون لكني لا أشبه حمارهم بالتأكيد" وضحك في سرّه وأضاف "بالعربي الفصيح هم يعتبرونني حماراً لأني لم أغتنم الفرصة ولم أبع المواد التموينية لتجار السوق السوداء. أما أنا فأنظر إلى القضية من وجهة أخرى. فحمرتني شيء أسلم به. مسالة لا أناقش فيها. فأنا لست سوى مستخدم بسيط يقضي أيام حياته من البيت إلى العمل. وبالعكس. وفي خمسة من بداية كل شهر يفرغ جيبه. وما تبقى من الأيام يقضيه عداً بين السبت والأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة والسبت انتظاراً لمطلع الشعر الجديد. أقتل اليوم بتوقع اليوم الذي سيأتي. ذلك هو الفرق بين حمارهم وحماري. ودخلت زوجته تحمل صينية عليها أدوات الشاي. أسرّ لنفسه "ليس هناك أطيب من قدح شاي بعد يوم لعين في الباخرة بين العمال". ـ انتبه على الأكياس. ـ هذا سكر وليس تراباً. ـ العمى هذا مال كفار. وانفتق كيس فاندلق السكر المحمول بالرافعة من قلب العنبر إلى الماعونة شلالاً حليبياً أبيض ومزق عامل كيساً بالسكين من أجل حفنة سكر وضعها في فمه. وانهال السكر على أرضية العنبر. حملت زوجته إبريق الشاي. وضعته فوق وابور الكاز فتغير هجيره وصار ألطف. استند بظهره إلى جسم الصوفا القائمة خلفه. بدأ يدب في أوصاله دفء خفيف. الغرفة سفينة تعلو وتنخفض في حركة إيقاعية. أطبق عينيه وأرخى جسمه. صار إحساسه بالدوار أوضح بعد أن أغلق عينيه. كان تعب النهار قد انحل إلى إعياء. وفي لحظة بسط له النوم جناحيه. وحين همّ بحمله والارتفاع به أجفل وقد حسب نفسه سقط من شاهق. فتح عينيه. أحس برعدة فانكمش في ثيابه. أنزلت زوجته إبريق الشاي عن النار فارتفع هدير وابور الكاز وعاد إلى سابق عهده. وضعت الإبريق على الأرض. جرّت نحوها صينية عليها علبتان معدنيتان وقدحان. أخذت من إحدى العلبتين قدراً من الشاي وضعته في الإبريق ثم أعادت الغطاء فوقه. انتشرت رائحة الشاي وعبق بها أنف الرجل. فكر في نفسه "ليس هناك أطيب من قدح الشاي الساخن وسيكارة!" استوى قاعداً. قال: ـ لعلي غفوت. وتناول علبة لفائفه. نظرت زوجته إلى منبه قام فوق طاولة. قالت: ـ إنها الثانية بعد منتصف الليل. قال في نفسه "يا له من يوم". ومرت في خياله أحداث نهاره "ما من شيء أطيب من قدح شاي وسيكارة بعد يوم شاق". فردت الزوجة القدحين الزجاجتين. كان أحدهما فوق الآخر فتصاعد من احتكاكهما قرقعة ضاحكة. صبت الشاب في القدح الأول فتصاعد البخار وانتشرت الرائحة الطيبة. وملأت القدح الثاني. أخذت الزوجة إحدى العلبتين المعدنيتين وأخذت بالثانية ملعقة. استعانت بالملعقة على فتح غطاء العلبة. وما أن رفعت الغطاء حتى تسمر بصرها في قاع العلبة. تورد خداها قليلاً. ظلت نظرتها مثبّتة في قاع العلبة أخذ الرجل سيكارة من علبة لفائفه وقال: ـ ألا نشرب الشاي؟ ابتسمت زوجته ابتسامة شاحبة. ومدت له العلبة. استقر بصره في قاع العلبة. ابتسم بدوره وقال: ـ غير معقول. واتسعت ابتسامته. أطنان من السكر. ومرّ في خياله كل السكر المهدور في البحر وعلى ظهر الباخرة وفي العنابر والمواعين عدا الذي نهبه الآخرون. ـ غير معقول. وضحك. ضحك في البداية من حلقومه، موجة أثر موجة، ضحكاً غريباً جافاً لا روح فيه ولا نداوة. ثم استقام ضحكة. واستمر الوابور المشتعل يهدر. وبخار الشاي يتصاعد من قدحين مليئين لم يُمسّا ذكياً ومعطراً. واستمر هو في الضحك. ودمعت عيناه. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |