|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
موجز سريع عمّا خفي من حياة موظف اسمه صابر يعيش في هذه الأيام صابر موظف صغير في دائرة ما. وربما في مؤسسة ما. في الديوان. أو في قسم المحفوظات. أو غيرها من تفريعات الوظيفة. شعره أسود أو بني. أو لعله أبيض أو كان به شعر ذات يوم. ليس ذلك مهماً الآن. المهم عاش صابر حياته كلها في الوظيفة باستقامة المسطرة. فلم يدخل جيبه ثمن طابع فرضه على مواطن بحجة استكمال نقص في معاملة. ولم يعرقل مصالح الناس ليدسوا في يده ما تيسر لتستأنف تلك المصالح سيرها. بل على العكس كان يرشدهم دوماً إلى الطريق الصحيح إذا أشكل عليهم الأمر. وصابر يدفع الضرائب كأحسن ما يكون عليه المواطن الصالح. ولم يعرف عنه أنه تخلّف يوماً عن سداد دين. يسير في المدينة دوماً فوق الرصيف اليمن للشارع، محاذياً الجدار حتى يكاد يلامسه وكأنه يخشى أن يعوق الناس في سيرهم. حتى أن طريفاً من زملائه علّق مرة قائلاً: لو كنت ممن بسم لهم الحظ في هذه الأيام وملكت سيارة لما ارتكبت مخالفات في حياتك. فنظر إليه صابر نظرة ذات معنى وقال: إذا لم أرتكب مخالفات فكيف يستطيع من كان مثلي أن يمتلك سيارة؟ وإذا ما سأله سائل سواء من زملاء الوظيفة أو من خارجها "كيف الحال يا صابر؟" رد عليه صابر بصوته الهادئ المستسلم "الحمد لله. مستورة. الله مع الصابرين". في حين ينفلت خياله، وقد عجب لذلك في البداية، ينفلت دون إرادة منه إلى شجيرة الصبار. لكن عجبه ما لبث أن بطل. وما عتم أن فهم، أو هذا ما بدا له، صلة القرابة بينه وبين تلك الشجرة التي كان يخيل إليه أنها شجرة منسية، وحيدة مثله. مهجورة في الطرف الآخر من السياج. لا عراقة لها ولا أصل. تعيش على الهامش من تفكير صاحب البستان. يطلب إليها فتقدم في صمت. وإذا نفقت لا تجد من يذرف عليها الدمع. وصابر لا يختلف كثيراً في حياته العائلية عنه في حياته الوظيفية. إذ هو رب أسرة مثالي، لا يعرف التفريط ولا التقتير في الإنفاق على أسرته. وهو يكره أعداء بلاده كرهاً شديداً ويحب الله والوطن والخير للعرب حباً لا يفضله فيه أكثر المتحمسين للقضايا القومية، مع أنه لم ينتسب إلى حزب في يوم من الأيام. كما يحب مثل بقية خلق الله أن يرتدي الملابس اللائقة بالإنسان مثلهم. وأن يأكل اللحم والفواكه والخضراوات والحليب والزبدة والبطيخ الأحمر والأصفر. وإن كان حبه للبطيخ الأحمر يزيد قليلاً عن حبه للبطيخ الأصفر. ولقد ربى أولاده، وكان عنده سبعة أولاد على مثل خلقه. فكانوا يكرهون الأعداء ويحبون الله والوطن والعروبة ويحفظون الأشعار التي تتغنى بالوطن الكبير. وأيضاً كانوا يحبون الثياب العصرية. ويحبون اللحم والفواكه والحليب والزبدة والبطيخ الأحمر والأصفر. وبالإجمال كل ما جادت به حديقة الله التي دعا فيها عباده إلى أكل طيبات ما رزق. حتى أن حب أولاده لمثل هذه الأشياء زاد عن حبه. الأمر الذي بدأ يقلقه كثيراً. وزاد في قلقه الهزال الذي أخذ يظهر عليهم. والكلمات التي أخذوا يتفوهون بها. إذ قالت له ابنته الصغيرة مرة "بابا أنا جائعة للحم". وقالت أختها في يوم آخر "أنا جائعة للبيض" وقالت الصغيرة في مناسبة ثانية "أنا جائعة للجبن". وفكر صابر بالكلمات التي عبر فيها أطفاله عن جوعهم وتساءل "هل الجوع أنواع وهل حشو المعدة بأيما طعام لا يكفي؟" وقال "ربما يوجد في دمنا حيوانات متخصصة. فللتفاح حيوان وللبيض حيوان وللبطيخ حيوان". بل إنه ذهب في خياله إلى حد القول بأن للبطيخ حيوانين أحدهما للبطيخ الأحمر والآخر للأصفر. وحيوان البطيخ الأحمر لا يفتدي بالأصفر". وفكر أنه عندما ما يجوع أحد هذه الحيوانات يصرخ بأعلى صوته طالباً طعامه. منذ بضع سنين حلت كان راتب صابر يكفيه بعدد من أيام الشهر. واليوم قد زاد راتبه عما كان عليه من قبل وتناقص مع ذلك عدد الأيام التي يجد فيها المال في جيبه حتى بات ستة أيام أو سبعة على الأكثر من أيام الشعر الأولى. ثم يبدأ بعد ذلك في الاستدانة على امتداد الشعر وعجب لذلك أشد العجب. وعجز عن فهم سر المعادلة التي يكمن فيها التوازن بين راتبه ومصروفه الشهري. حتى خيل إليه أن ثمة مؤامرة كبيرة قد حيكت في الخفاء لسرقة راتبه ورواتب أمثاله من الموظفين الصغار بحجة الغلاء العالمي كي تظل رؤوسهم منحنية باستمرار وكأنها تبحث في الأرض عن شيء تأكله. كان يفكر فيما بينه وبين نفسه "لنفترض أن السلع المستوردة ارتفعت أسعارها لأن العرب ـ كما يقال ـ رفعوا أسعار البترول. ولكن ماذا بشأن الخبيزة والهندباء والجرجير والبقدونس والنعناع والبرتقال والعنب والحليب والبيض واللحم والبطيخ الأحمر والأصفر؟ أتراها تحولت إلى أشياء عالمية وصارت تخضع بدورها لمد وجزر أسعار البترول؟" ويهز رأسه متشككاً، يتساءل بينه وبين نفسه: أيكون للبترول حقاً مثل هذا السلطان حتى يطال بلهيبه الحارق المشمش والتين والرمان والباميا واللوبيا والزيت والزيتون. وفي المساء من كل يوم ترفع زوجة صابر طلبات الصغار إليه. بالضبط في ذلك الوقت الذي يكون فيه الأولاد قد ناموا، وخيم الهدوء، واستعد صابر كعادته ليشعل سيجارته الأخيرة قبل أن يأوي إلى فراشه فتقول له: احمد يريد تفاحاً. يوسف يلزمه دفتر. فاطمة اهترأت صدريتها. أو النونو يحب الموز". ثم تمضي بعد ذلك في رفع طلبات البيت العامة: الشتاء على الأبواب وبطانياتنا تلفت. يلزمنا أخرى جديدة. الحصير صارت نتفاً. الأولاد يلزمهم أحذية شتوية. يا إلهي لم نعد نستطيع أن نعوض شيئاً بلي. وعرينا يزداد يوماً بعد يوم". ويشعل صابر سيجارته بسرعة ويروح ينفث دخانها أنفاساً طويلة وهو يهز رأسه من حين لآخر. بهدوء ورزانة في البداية. ثم بعصبية ونزق حتى ينتهي إلى القول: ـ أول الشهر يا خديجة. لا مال لدينا الآن. أنت تعلمين. أول الشهر إن شاء الله. ويقبل أول الشهر. ويقبض صابر راتبه. ثم لا يلبث هذا الراتب أن يتسرب من بين أصابعه كالماء خلال الأيام الأولى من الشهر وفاء لديون الشهر الفائت ومستلزمات البيت العاجلة التي لا تقبل التأجيل. ويعجز صابر عن البر بوعوده للأولاد. فلا أحمد يأكل التفاح. ولا فاطمة تستبدل صدريتها المهترئة ولا النونو يأكل الموز. وتبدأ عملية تقشف ليس لها مثيل. تتجلى أكثر ما تتجلى عندما يذهب صابر إلى سوق الخضار. إنه ينظر حواليه. الدنيا بألف خير وكل شيء متوفر. التفاح والموز والبرتقال واللحم والبيض والجبن والسمك واللبن. كل ما لذ وطاب. لكنه لا يجرؤ على الدنو من هذه الأشياء. رقع الأسعار فوق البضائع واضحة لا لبس فيها ولا غموض. وهي أعلى من أن تستطيع ميزانيته تحملها. ويفكر في نفسه "ما دامت هذه الأشياء الرائعة التي لا يرى المرء مثيلاً لها إلا في الصور الملونة. ما دامت هذه الأشياء موجودة فهي للأكل إذن. ولكن من الذي يأكلها؛ إنهم ليسوا أولاد الموظفين والفقراء أمثالي على كل حال". ويتذكر نباتات الصبار الوليدة. ويفكر قائلاً في ذات نفسه "أول ما تولد هذه النباتات تكون خضراء غضة دون شوك. لكن ما الذي يحدث لها بعد ذلك حتى تقسو وتمتلئ بالشوك؟ أهو الجفاف؟ ألأنه لا توجد اليد التي ترويها وتتعهدها بالعناية والرعاية؟". ويلتفت صابر حواليه في السوق مشيخاً بوجهه عن الأشياء النفسية التي تشتهيها العين ويسيل اللعاب لمرآها وذكرى طعمها الغابر. ثم يمضي قدماً نحو أعماق السوق حيث يعلم أين في مقدوره أن يجد بضائع تتلاءم مع ميزانيته البائية. عندما يصبح السلق وزهرة القرنبيط والبندورة والباذنجان والفاصوليا والفول وغيرها كاسدة أو تكاد. حتى إذا ما ابتاع إحدى هذه الخضراوات راح خياله يبحث لها عن طريقة طهو مبتكرة. طريقة تعوض عن فقدان اللحم. "أوليست الحاجة أم الاختراع". كان يردد لنفسه ضاحكاً على نحو لا تعوزه السخرية. ذلك أن صابراً كان قد درج منذ زمن على شطب الكماليات والاكتفاء بالضروريات من قائمة حاجات البيت. وقد بدأ بالتفاح يوماً ثم بالدراق والخوخ والتين. ثم بالحليب والبيض (أعاد البيض إلى قائمة الضرورات في الصيف. لكنه عاد إلى رفعه منها في الشتاء). والجبن الأبيض والعنب والبرتقال. ثم البطيخ الأحمر والأصفر. وقبل أن يجري قلمه فوق البطيخ ودعه في العام الماضي باحتفال مهيب يليق بشغفه به. فاشترى بطيختين كلفتا ميزانيته المرهقة خمس ليرات وقال للأولاد "كلوا لعل هذه أكلتكم الأخيرة من البطيخ". أما اللحم فقد وقف طويلاً عنده. هل يلغيه؟ أولم يتفق فيما بينه وبين نفسه على إلغاء الكمالي والاكتفاء بالضروري؟ أوَليس اللحم ضرورياً؟ وماذا يعوض عن اللحم؟ البيض؟ لم يعد البيض طعامه وطعام أمثاله. لم يعد قادراً على شرائه في معظم أشهر السنة. صار لذوي اليسار وقد كان طعام الفقير في الأصل. وأبقى صابر، بعد أخذ ورد بينه وبين نفسه، على اللحم وإن كانت نسبة ما صارت تحصل عليه العائلة قد هبطت إلى السدس. وربما إلى الثمن، ثم تباعدت الفترات التي كان في ميسور صابر أن يبتاع فيها اللحم حتى أمسى ما يدخل منه إلى البيت ليس إلا رمزاً. ولم يكن هذا الرمز هو آخر الرموز في حياة صابر فلقد توصل بالأمس. والأمس القريب فقط إلى طريقة تعوضه عن اللحم وعن كثير من الأشياء التي يحبها. فقد عثر بطريق الصدفة في إحدى المجلات الملونة على طبق حفل باللذيذ الشهي من الطعام فانكب عليه يلتهمه. وعندما أتى على آخر قطعة لحم فيه قال لنفسه وهو يتجشأ "لم يعد اللحم والبيض والجبن والحليب والسمك. لم يعد البطيخ ولا العنب والبرتقال والتفاح مشكلة. فأنا أستطيع أن آكل منها ما أشاء ولا يلزمني سوى قلم وخيال". وبالفعل فقد أكل مرة فروجاً مشوياً رسمه على الورق. كما أكل موزتين وبرتقالتين وتفاحة. وتساءل "لماذا لا أعلَّم أولادي هذه الطريقة؟ من يدري؛ فقد تعجبهم فيكفون عن الطلب". لكن المشكلة التي ما لبثت أن واجهته وظلت تقلق باله، ليس أثر هذه الطريقة من الناحية النفسية على الأولاد. ولكن فيما إذا كان في مقدورها أن تسكت حيواناتهم الصارخة، وتساعدهم على النمو في المستقبل أيضاً. ولاح له عندما انتهى إلى هذا الاكتشاف. لاح له أنه فهم لماذا ينبت الشوك على أكف الصبار عندما يكبر. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |