مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 439 تشرين الثاني 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

الوهم والحقيقة أو ما حدث لفتى أشقر جعدي الشعر ذات مساء

ما إن حاول النهوض على قدميه، لحظة فرّ خصمه، بعد أن تعاركا وتدحرجا على الأرض، حتى وجد نفسه ممسوكاً من شعره. هكذا من شعره تماماً. غرّته وكل الخصلات التي خلفها مباشرة تقبض عليها يد قوية. وكردّة فعل فورية وقبل أن يعرف من الذي يمسك شعره حاول الإفلات من اليد التي أحكمت قبضتها حول خصلاته الغزيرة. وللحظة خال أن رجليه لن التأكد حتى ترتفعا عن الأرض كأنه سيعلق في مشجب. وحين أدرك أنه فشل في محاولته جرب أن يلتفت ناحية صاحب اليد الفولاذية التي تمسك به. لم يدع له صاحب اليد، من الطريقة التي يمسك بها شعره، مجالاً ليملي عينيه منه. بل أجبره على السير، ممسكاً به من شعره، فارضاً عليه وضعاً معيناً مما عجز معه أن يستدير برأسه ليرى إلى الرجل الذي يقوده.‏

وأحس، بالرغم من معرفته الأكيدة أنه كان طويلاً بين رفاقه، أن الرجل الذي يقوده من شعره هو أطول منه. وحاول لحظة تحقق من فشله في الاستدارة برأسه، أن يستدير بعينيه. بذل جهده. دفع عينيه جانباً إلى أقصى نقطة تستطيعان النظر منها. قالت له العينان اللتان فرض عليهما أن تتوقفا في نقطة معينة، وأن تنظرا من زاوية ضيقة جداً أن الرجل له طرف شارب أسود وخد أسمر.‏

معلومات فقيرة. جد فقيرة لم تغنه كثيراً في معرفة الرجل. ونظرت العينان جانباً إلى أسفل. وقالت له العينان أن الرجل ينتعل حذاء أسود لامعاً وبنطالاً وقميصاً خاكيين فتساءل على الفور "أهو شرطي؟". وجدد النظر جانباً إلى أعلى. إلى رأس الرجل وصدره. كان رأسه حاسراً. وأحس إحساساً غائماً أن صدره فسيح. وأحس معه أن الرجل يتمتع بالقوة. ولم يخامره الريب أنه يتمتع بالسلطان أيضاً. ولكن ماذا تراه فعل حتى يقبض عليه على هذا النحو؟ كل ما في الأمر أنه اختلف مع صديق بسبب عتاب وقيل وقال يبنهما. ثم تضاربا وتماسكا وتدحرجا على الأرض. وقبل أن ينهض تماماً ويستوي على قدميه وجد نفسه ممسوكاً من شعره. من مقدمة شعره خاصة. أما صديقه فقد اختفى فجأة. ولّى الأدبار.‏

ووجد الفتى الجرأة أخيراً ليقول للرجل الخاكي:‏

ـ ولكن لماذا؟‏

ولم يأبه الرجل الخاكي بسؤاله. بل شدّ قبضته حول شعره أكثر. وأمسك رسغه بيده الثانية. ثم اقتاده.‏

وخطر للفتى أن يخلص رأسه بشكل مفاجئ ويطلق ساقيه للريح. ومن قبيل الاختبار ركز انتباهه في شعره. وبهزه منه تمثلت في إحساسه أكثر مما هي في حركة رأسه، ليرى إلى مدى القوة التي يسمك بها الرجل الخاكي شعره. فأحس إحساساً عميقاً أن شعره مشدود حتى الجذور. وأنه من العبث أن يقدم على هذه المحاولة. فكر لحظة مع كل شعوره، المبهم، والأكيد بقوة الرجل الخاكي وسلطانه أن يمانع في الانقياد. بل إنه جرؤ على الممانعة فعلاً فدفع جسمه المقاد إلى الوراء. وتباطأ في رفع قدمه عن الأرض في محاولة منه للاحتجاج. فما كان من الرجل الخاكي إلا أن صرخ بحزم:‏

ـ امش.‏

مجرد كلمة مقتضية حازمة آمرة. لكنه أحس بها لا تقبل النقض. وأحس إن هو لم يمتثل لهذه الـ"إمش" فإنما يقف في وجه السلطان بكل أجهزته المعقدة. وطافت في خياله كل الحكايات التي سمعها عن هذه الأجهزة المعقدة والمبهمة. فسيطر عليه الخوف. وأذعن لمقتاده وهو ذاهل. مستغرب من وضعه. ماذا فعل؟ ماذا يريد الرجل منه؟ وفي ثوان استعاد في ذهنه عراكه مع صاحبه. فلم يجد فيه شيئاً غير عادي. مجرد عراك بسيط لا يستوجب أن يمسك به من شعره على هذا النحو المزري والمهين. وفكر "في عراك من هذا النوع تمسك الشرطة بالمتعاركين من أيديهم، أو من ياقاتهم وليس من رؤوسهم. من شعر رؤوسهم". وازداد دهشة وتساءل بعجب "ماذا فعلت؟". رفع يده إلى رأسه في محاولة ليفك شعره من الأسر. أو ليخفف، لا يدري، من قوة القبضة التي تشد شعره. فلامست يده يد الرجل. وأحس أن لها برودة وصلابة معدنية. وما عتم أن جاءه رد الفعل سريعاً متوعداً:‏

ـ أنزل يدك.‏

وأنزل يده راضخاً لمشيئة السلطان التي لا تقهر. وأدار عينيه. الشيء الوحيد منه الذي أحس به ما زال حراً يملكه ويخضع في حدود لأرادته. أدار عينيه وكأنه يبحث عن مخرج أو تفسير لوضعه.‏

كان ثمة على جانبي الطريق أناس استوقفهم المشهد. مجرد عابري مساء أو ممن يودون ارتياد دور السينما. رأى إليهم وهم يملكون كل حرية الحركة أو الوقوف. نظر إلى عيونهم. إلى وجوههم تنعكس عليها أضواء النيون الملونة المتناوبة المنبعثة من المخازن ودور السينما القريبة. رأى فيها الدهشة والتساؤل. نفس دهشته وتساؤله. لماذا؟ لماذا يقاد من شعره. واستمر ينظر إلى الوجوه الملونة بالتناوب. بالفضي والأحمر والأصفر. لم يرَ فيها أثراً لشماتة أو سخرية. بل رأى فيها على نحو ما شيئاً من الاستنكار المشوب بالاستهجان والغضب. مع ذلك لم يستطع هذا الانطباع الذي قرأه في الوجوه أن يمحو إحساسه بالخجل. إنما أعطاه شيئاً من الشجاعة ليقول:‏

ـ ولكن ماذا فعلت؟‏

فجاءه الجواب سريعاً من الرجل الخاكي:‏

ـ اخرس.‏

وخرس دفعة واحدة. وفكر "لابدّ أنني قد ارتكبت ذنباً عظيماً وأنا لا أدري".‏

وسار خطوة وخطوة ثانية ورأسه في يد الرجل الخاكي محمولة من شعرها كجوزة الهند. ودار الرجل الخاكي حول سيارة مرسيدس سوداء مركونة بجانب الرصيف فدار الفتى معه. ثم توقف الرجل فتوقف الفتى الذي يحمل بين كتفيه جوزة الهند. ثم انحنى فانحنى معه. أطلق الرجل الخاكي يد الفتى إنما ظلّ ممسكاً بجوزة الهند. فعل ذلك حين قرّب رأسه من جسم السيارة الصقيل اللامع المغرق في السواد. ربما ليكون أكثر ارتياحاً لحظة اقترب برأسه من السيارة. أو ليشغل يده بشيء آخر بعد أن اطمأن إلى استسلام الجوزة في يده الثانية. وقد شغلها فعلاً إذ سحبها على جسم السيارة اللامع الصقيل برفق وحنان كأنه يتلمس خد عروس. ثم نهض الرجل فنهض الفتى معه. ثم انحنى على موضع آخر من جسم السيارة فانحنى بدوره.‏

كان عابرو المساء قد اقتربوا أكثر. جذبهم مشهد الرجل الخاكي الذي يمسك بيده جوزة لها شعر أشقر وعينان وفم وشارب بكر ولحية صغيرة ذهبية مجعّدة. جوزة تحمل كل هذه الأشياء تقوم على كتف فتى غض.‏

قالت فتاة لرفيقتها متأثرة بمنظر الرأس المتدلية باستسلام من يد الرجل الخاكي:‏

ـ ماذا فعل؟‏

وسمع الفتى نغمة التأثر الواضحة في صوت الفتاة. وسمع أيضاً إنساناً يقول لآخر:‏

ـ كان يسير هو ورفيقه. ثم فجأة راحا يتعاركان ويتضاربان لسبب ما.‏

وقال آخر:‏

ـ كنت آكل ساندويشة في الداخل (مشيراً إلى حانوت وراءه) حين سمعت صدمة معدن. خرجت من المحل فرأيتهما يتضاربان قريباً من المرسيدس المركونة.‏

وكان الرجل الخاكي لا يني ينحني ثم ينهض منتقلاً من موضع إلى آخر حول جسم السيارة اللامعة السوداء. والفتى ينحني وينهض معه ورأسه بيده.‏

قال آكل السندويش:‏

ـ لعلّه صدم السيارة برأسه أثناء عراكه مع رفيقه. هل تعتقد أنه آذى السيارة برأسه؟‏

ـ سيارة فخمة. لست أدري.‏

ثم نظر إلى الرجل الخاكي. وكاد أن يقول شيئاً ما. لكنه ما لبث أن انكفأ يقول همساً عندما لمح حركة بدرت من رأسه الرجل الخاكي والتفت إلى الخلف.‏

ـ ولكن هل الأمر يستأهل؟ كأنه يمسك بيده رأس خروف.‏

ولعل ريحاً معينة. أو رهافة في الحس غير اعتيادية حملت كلمة خروف وألقتها في أذن الفتى الذي التوت رأسه، الممسوكة من شعرها. جانبياً. فحركت فيه شوقاً لاهباً إلى البكاء. لكنه قال لنفسه" عيب؟ أمام كل هذا الجمع. أنا رجل. والرجال لا يبكون".‏

حين أكمل الرجل الخاكي دورته حول جسم السيارة اللامعة السوداء, وبدا أنه قد اطمأن إلى سلامتها وخلوها من أية رضوض أطلق رأس الفتى. فوقف هذا زائغ النظر مشتت الفكر كفرخ الدجاج الذي خرج لتوه من تحت السكين. لا يعرف ماذا يتعين عليه أن يفعل. نظر إلى الرجل الخاكي. ثم إلى المارة الذين استوقفهم المشهد. رأى الإشفاق في عيون المارة فشعر بالخجل والغضب. وقف ثواني بقامته الفتية الفارعة، وشعره الأشقر المشوش، وعينيه اللامعتين، ووجهه المكفهر تفصله عن الرجل الخاكي مسافة. بدا من وضع يديه على جنبيه ورجليه المتباعدتين أنه متأهب لعمل ما. نظر إلى الرجل الخاكي. إلى بنطاله وقميصه وكتفيه. نظر إلى المرسيدس وإلى طاقتها الخلفية وقد استقر وراء زجاجها شيء. شعر بصدق إحساسه الذي أحس به منذ أول لحظة. التقط بعينيه الشيء الذي رآه وراء زجاج السيارة وعمّر به رأس الرجل الخاكي المحسور فاكتملت في ذهنه صورة السلطان تماماً. فكر أن يفعل شيئاً. أن يقول كلمة. أن ينبس بحرف. لكن القول أرتج عليه أمام حضرة السلطان. وعادت إلى ذهنه كل الحكايات التي سمعها عن دهاليزه. وصرت في أذنيه دواليب خشب يديرها رجال قساة غلاظ.‏

قال الرجل الخاكي بغضب:‏

ـ اذهب قبل أن أكسر رأسك. شباب... كذا.‏

نظر المارة إلى المرسيدس الفخمة المركونة بجانب الرصيف. إلى الرجل الخاكي، إلى الفتى بفتحتي بنطاله الواسعتين. إلى طرف قميصه السائب. إلى شعره الكثيف المشوش. إلى شاربه الغض وفقد اتصل بلحية صغيرة مجعدة شقراء. إلى جبينه وقد بدت فيه كدمة. نظروا إلى كل ذلك.‏

قال أحد الواقفين:‏

ـ الحمد لله. سليمة.‏

وتساءل آخر في ذهنه:‏

ـ سليمة لجبين الفتى الدامي. أم لسيارة المرسيدس السوداء؟‏

وأدار الفتى ظهره وقد رأى الغضب يتجمع في عيني الرجل الخاكي ويكاد يتحول إلى عمل أكثر من مجرد إمساك شعر الرأس إثباتاً لسطوة السلطان وإنقاذاً لهيبته أمام الجمع، وقد شعر بالخيبة حين وجد أن السيارة لم تصب بأذى.‏

ومضى الفتى في طريقه. مرّ أمام باب سينما. سقطت على وجهه وهو عابر أضواء النيون الملونة المتناوبة الفضية والحمراء والزرقاء. دار إلى يمين باب السينما ومشى في شارع جانبي خافت الإضاءة سار في البدء على مهل. ثم باعد بين خطواته. لاحظ أن الطريق قليل المارة، معتم، فشعر بالوحشة. جرى مسافة فأحس بحرية أعضائه. انتعش قليلاً. عاد إلى السير متمهلاً. شعر بشيء يكوي جبهته. رفع يده إلى جبينه ومسح مكان الألم. تبللت يده بشيء رطب بارد. نظر إلى يده على ضوء الشارع. قال "إنه العرق". تذكر أنه أصيب في جبينه. فكر بالرجل الخاكي والمرسيدس السوداء. فكر بأبيه. قال له أبوه يوماً ساخراً وهو ينظر إلى فتحتي بنطاله الواسعتين "لماذا ترخي لحيتك وشاربك. لماذا تطيل شعرك؟ الشعر الطويل يغري بشدك منه؟ فقال لأبيه "لأني إنما أثور على التقاليد وأمارس حريتي. العبيد وحدهم يشدون شعورهم. أما أنا فإنسان حر. ولن يشدني أحد منه". فصمت أبوه ولم يجاوب إنما ابتسم ابتسامة عريضة. ثم لاك بين أسنانه كلمة ليس غير. لكنه أحس المرارة تقطر من تلك الكلمة.‏

قال "جبان أنا". وانعطف في طريق أعرض قليلاً. عاد إلى الركض من جديد. رشح جبينه بالعرق واكتوت جبهته. ابتسم أبوه ابتسامته العريضة الغامضة. ودّ لو كانت بيده مرآة. جرى بسرعة أكبر. تعثر بكم بنطاله الواسع. عاد إلى ذهنه حديثه عن الحرية مع والده. أحس بالمرارة على شفتيه. وأحس أن شيئاً ما قد تحكم عند حذاء أسود لامع. فكر أنه كان ينبغي أن يفعل شيئاً. أن يقول كلمة عندما أعتقه الرجل الخاكي. حمل الفتى شيئاً من نافذة المرسيدس الخلفية ووضعه على رأس الرجل الخاكي. اكتملت هيئة السلطان وبرزت هيبته.‏

قال له:‏

ـ امشِ قبل أن أكسر رأسك، شباب كذا...".‏

دخل الفتى باباً. وصعد درجات سلم عدواً. وقف على بسطة السلم. وأدار مفتاحاً في قفل. لاحظ أن كل البيت غارق في الظلمة والسكون. قال "ليس في البيت أحد". وحمد الله لأن أهله غائبون عن البيت. تلمس طريقه في الظلام ومشى حتى نهاية الرواق. ضغط زر كهرباء فأضاء مصباح فوق مرآة على مغسلة. اتجه نظره أولاً إلى جبهته المصابة. لاحظ هشاشة الجلد والدماء الخفيفة تحته. قال "لعلي أصبت رفرف السيارة بجبهتي" نظر إلى وجهه جملة ثم حط بصره على شعره الكثيف المشوش. لاحظ أن حزمة كبيرة من مقدمة شعره قد انفصلت عن رفيقاتها واتخذت وضعاً معيناً. فكر أن هذه الخصل هي التي أمسك بها الرجل الخاكي. وخيِّل غليه أنها لا تزال محتفظة بآثار يده.‏

مدّ يده وأمسك خصلة الشعر الكبيرة المنفصلة وشدها بقوة على الأعلى حتى ارتفع جلد جبهته وتجعد. فكر "أنا لست سوى خروف ورأسي لا يساوي رفرف في سيارة مرسيدس سوداء يملكها رجل خاكي ينتعل حذاء أسود ملمع". وشعر بدونية وحزن ساحق مفاجئ.‏

ـ ماذا فعل؟‏

رنّ في إذنه صوت الفتاة واضح التأثر والتعجب. هبط نظره إلى حامل زجاجي في أسفل المرآة. التقطت يده من بين فراشي ومعاجين الأسنان الموس التي يحلق بها والده. شرع نصل الموس ووضع حدها على عنقه. أحس ببرودة المعدن ورهافة حدها القاتلة. تخيّل برودة القبر. تخيل الدماء وقد لوثت صدره وثيابه. سرت برودة المعدن في عنقه وانتشرت في بقية جسمه. أحس قشعريرة في كل أنحاء جسده. نظر إلى وجهه الفتي. فكر في الفتيات. فكر في الأشجار. فكر في العصافير وكل المباهج الموعودة. وأخيراً تخيل الحزن الذي سيخلفه لأسرته وأصدقائه. فأخذته موجة من الإشفاق على نفسه.‏

وبتردد. وبعد عناء كبير حمل يده التي تمسك الموس. ودون أن يرغي أي صابون على وجهه حلق لحيته. وأتبعها الطرف الأول من شاربه وبعده الثاني. ثم أطفأ المصباح القائم فوق مرآة المغسلة وتسلل في الظلام حتى انتهى إلى غرفته.‏

استلقى على سريره بكامل ثيابه. ومد يداً في الظلام تحسست طريقها حتى تعثرت بترانزستور فتل فيها مفتاحاً فانبعث منها على الفور موسيقى واهنة كأنما هي في انتظاره.‏

وفي وقت ما من الليل. وحين دبت الحياة في البيت وأهلت الدار بأصحابها سمعت أخت الفتى صوت الموسيقى المنبعثة من الترانسستور. دخلت غرفته. نادته فلم يرد. حينئذٍ أضاءت المصباح. تقدمت لتقفل الراديو حينما تأكدت من استغراقه في النوم. وقفت فوق رأسه. لاحظت الكدمة في جبهته فعجبت كلنها تعجبت أكثر حين رأت لحيته وشاربه الأشقر وقد اختفيا من وجهه. فكرت أن توقظه لتسأله لكنها خشيت أن تثير غضبه إن هي فعلت.‏

قالت: كم كان فخوراً بهما. وشد ما كان يعبث بشاربه. وأسفت كثيراً لاختفاء اللحية والشارب من وجه أخيها. وتساءلت عن السبب الذي حدا به لحلاقتهما في وقت عجزت فيه جهود أبيه غير مرة على حمله لفعل ما فعل. وحين أعياها الجواب أرجعت تصرفه إلى مزاج الشباب المتقلب وفكرت "كان رجلاً صغيراً. وكنت شديدة الاعتزاز به". وقلبت شفتيها عجزاً عن الفهم وحيرة ثم أقفلت الراديو. وأطفأت المصباح. وفي الظلام تسللت خارجة على رؤوس أصابعها كيلا توقظه. وكانت لا تزال في عجب من حال أخيها العامة، لاسيما تغير ملامحه بعد الحلاقة، حين أغلقت باب الغرفة وراءها وقالت "يا إلهي صار وجهه أقرب إلى وجوه البنات".‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244