مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 439 تشرين الثاني 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

الجياد في الاستعراض

تململت الجياد في مواضعها، فحملت ثقل أجسامها من أرجل إلى أرجل أخرى. واصطكت حوافرها بالأرض الصلدة فتصاعد من اصطكاكها صدى أصم. صدى لا يهدأ لحظة حتى يبدأ من جديد. فبعض الجياد أراحت رجلها اليمنى وبعضها رجلها اليسرى. بعضها فعل ذلك من بعض الوقت. وغيرها قبل أو بعد الأخرى. مثلما نقل بعضها ثقل جسمه من رجل إلى رجل ثانية، راحت أخرى تنظر يميناً أو يساراً إلى فرسانها الممسكين بأعنتها، أو إلى الناس الذين اصطفوا على جانبي الطريق.‏

ـ لماذا لا يعيدوننا إلى إسطبلاتنا؟ لقد مللت الانتظار.‏

قال الجواد الذي يقف في المقدمة لصف الجياد الذي يقف خلفه عندما أدار رأسه وراح يهرش جسده.‏

فقال أحد الجياد الأربعة التي تقف في الصف الأول:‏

ـ إنني جائع. فلماذا لم يحملوا لنا طعاماً إلى هنا ما داموا يعرفون أن الوقت سيتأخر بنا؟!..‏

وقال جواد من الصف الثاني لرفيقه:‏

ـ إنني لم أطعم اليوم كفاية. قلت في نفسي عندما أحضروا لنا وجبة الصباح. يجب أن لا آكل كثيراً كي أجري جيداً. هل تعتقد أنهم سيجرون سباقاً في الجري؟‏

فردّ رفيقه:‏

ـ لا أظن.‏

عاد الجواد الأول يسأل:‏

ـ لماذا إذن أتوا بنا إلى هنا؟‏

فرد الثاني:‏

ـ لست أدري. لكن ليس هناك سباق على كل حال.‏

وسأل جواد من الصف الثالث:‏

ـ إذا لم يكن هناك سباق فلماذا إذن وضعوا علينا عدتنا الجديدة؟‏

لكن سؤاله ما لبث أن ضاع حين قام هرج فجأة. فقال حينئذٍ لنفسه "لعلنا سنقفز فوق الحواجز". وارتفع من ناحية ما، في الوقت الذي ساد فيه الهرج، صوت عال:‏

ـ لقد بدأ العرض.‏

ومرقت كلمة "العرض" بين الفرسان المترجلين الذين يمسكون أعنة جيادهم ومستهم كأنها شرارة كهربائية فدب فيهم نشاط ملحوظ. لقد أنشؤوا يفحصون سروج الجياد والكرات الصغيرة المتدلية منها بخيوط صوفية حمراء مفتولة. نفضوا عنها الغبار وسووا تجعيداتها، مع أنها لم تكن تجعيدات ذات بال تسيء إلى منظرها. أعادوا فحص السيور الجلدية. شدوا الرُكُب ليروا إلى متانتها. مروا بأكفّهم فوق جلود الجياد ولمسوها لمساً رفيقاً للتأكد من نعومتها ونظافتها. ثم داروا حول جيادهم. كل فارس حول جواده ليلقي عليه نظرة أخيرة. ثم أمسك كل فارس عنان جواده ووقف ينتظر عند رأسه، متأهباً كأفضل ما يكون عليه التأهب.‏

قال جواد المقدمة وهو جواد أحمر عالي القوائم صغير الرأس، قال ساخراً:‏

ـ كل شيء على ما يرام؟‏

قال جواد من أربعة جياد تقف في الصف الأول خلق جواد المقدمة:‏

ـ لقد فحصتم مظهرنا الخارجي. وهذا ما يهمكم. إنني جائع.‏

وتماوج الناس على جانبي الطريق. وتدافعوا وتزاحموا لاحتلال أفضل الأماكن. وعلى امتداد الشارع جرى فرد أو أكثر وألقى أوامره بسرعة وانفعال.‏

وما هي إلا لحظات حتى هدأت الحركة. وسكن الناس في أماكنهم. وخفت الضوضاء. ثم تلاشت وتصاعد على أثرها لغط وهمهمة مبهمة طغت كالضباب. ثم تعلقت فوق الرؤوس. ولم يعد يسمع في الجو سوى رفيف البيارق والرايات، وسوى أصداء موسيقى واهنة آتية من بعيد.‏

سكنت فترة قصيرة ثم عادت إلى الطرق بقوة واضحة.‏

ارتفع صوت إنساني من جانب الطريق:‏

قلت لكم بدأ العرض.‏

وتحرك الفرسان الممسكين بأعنّة جيادهم وكأنهم تلقوا أمراً. وضعوا أرجلهم في الرُكُب ثم اعتلوا زهور الجياد وقعدوا هناك بأنفة وكبرياء.‏

ومن بعيد، من المقدمة، تصاعد هتاف وتصفيق.‏

فعاد صاحب الصوت الإنساني إلى القول بخفة ونزق:‏

ـ قلت لكم بدأ العرض.‏

وأحست الجياد ثقل الفرسان فوق ظهورها. فاضطربت في وقفتها ذلك الاضطراب الذي يسبق تأهبها للانطلاق.‏

لقد سرت حمى الجري في دمائها. لكنها لم تتلق أمراً بالتحرك. وبذلت جهداً كبيراً من ناحيتها لتسيطر على أرجلها التي لم يعد يقر لها قرار. وبعناء استطاعت أن تتحرك في رقعة محدودة، وأن تدور في تلك الرقعة حول نفسها نصف دورة أو ربع دورة. ثم تعود إلى النقطة التي تحركت منها. فسبب لها ذلك التحرك القلق الحائر لطمة على الحنك أو الرأس بطرف الرسن. أو لكزة في الخاصرة أو غير ذلك من الفرسان الذين اعتلوها.‏

لكن الجياد لم تستطع أن توقف نفسها عن الحركة، مع أنها أرادت أن تلتزم بالسكون وتهدأ في أماكنها خوفاً من اللكز واللطم. لقد دبّ فيها شيء من حماسة الجماهير على جانبي الطريق. كما سرت في أوصالها نشوة الموسيقى الصادرة من المقدمة. وفي فورة حماستها هيأت نفسها لغير احتمال، بعض الجياد فكرت بالجري الحر. وأخرى بالسباق. وغيرها بالقفز فوق الحواجز.‏

وشيئاً فشيئاً بدت فرقة الخيالة ولقد أخذت أهبتها لتتحرك إلى الأمام. أصدر قائد المجموعة الذي يمتطي جواد المقدمة الأمر أوامره بالاستعداد. ضبط الفرسان بشيء من العناء حركات الجياد. ثم بإشارة من يد القائد بدأت الفرقة بالتقدم إلى الأمام بخطى قصيرة. فرحت الجياد ببدء السير. تراخت عضلاتها التي قلّصها الوقوف الطويل والترقب. صفق الناس على جانبي الطريق لفرقة الخيالة. نظروا إلى الفرسان الذين شمخوا بأنوفهم. نظروا إلى سروج الجياد الفخمة المزخرفة. إلى السيور الجلدية الجديدة. إلى الرُكب اللماعة في أرجل الفرسان. إلى جلود الجياد المحسوسة النظيفة. ازداد الناس تصفيقاً للجياد التي بدأت في أكمل زينة. انتقلت إليها حماسة المصفقين. ترددت في آذانها الصغيرة أصداء الموسيقى الآتية من المقدمة، ومنها وصلت إلى قلوبها فمشت الدماء حارة في عروقها. خفت خطواتها. مست حوافرها أرض الشارع الصلدة مساً. وصدر عن وقعها قرقعة كتكسر البلور. فكرت الجياد أن الناس الذين اصطفوا على جانبي الطريق ينتظرون منها أن تجري في سباق. وأنهم يصفقون لها لهذا الغرض. أحبت أن تجري في عدو لاهب، فباعدت بين خطواتها. لكن الفرسان حالوا بينها وبين ما تحب شدوا لجمعها بلطف. صبَّرت الجياد نفسها وفكرت: ربما لم يحن الأوان بعد. اقتربت الموسيقى أكثر. خفقت الرايات. صفق الناس. ازدادت الحماسة. فلكز الفرسان خواصر الجياد بمهاميزهم. قالت الجياد: حسناً نحن ننتظر ذلك. وتحركت لتعدو. لتنطلق إلى الأمام. لكن اللجم كانت لها بالمرصاد. شدت أشداقها إلى الخلف وهرستها بالحديد. فأقلعت عن تحفزها للانطلاق إلى الأمام. وفكرت ما دام الفرسان لا يريدون لنا أن نجري فذلك شأنهم. وكبتت الجياد رغبتها بالجري. وقاربت بين خطواتها. وفكرت بالأيام السالفة والجري اللاهب في البراري والصحارى المترامية. لكن مهاميز الفرسان لم تشأ لها أن تمضي بعيداً في أحلامها. وعادت لتخزها في جوانبها. وتحفزت الجياد. وانثنت قوائمها لترتفع عن الأرض. ومدت إلى الأمام أعناقها. غير أن اللجم شدتها إلى الوراء. لكن بلطف أقل هذه المرة. وبقدر من الفجاجة أكثر منه في المرات السابقة. فارتدت الجياد بأعناقها إلى الخلف بسرعة مجفلة، وقد أحست بشيء في أفواهها. شيء قاس صلب برز في حديد اللجم وارتفع منها إلى حلوقها فسحقها سحقاً. وأعادت الجياد في الحال شحنة التحفز التي سكبها في أعصابها مع احتفاظها بوضعية أعناقها ورؤوسها مرتدة إلى الخلف. إذ أن أي تحرك، وقد جربت، للتخلص من ذلك الوضع قد سبب لها ألماً لا يطاق. واستقامت قوائمها بعد انثناء التحفز لتشعر فرسانها بأنها رغبت عن نيتها في الجري عساهم يخففون من شد اللجم التي تشد أشداقها إلى الخلف حتى تكاد تشرطها. ولتبعد عنها من ثم تلك البروزات الصلبة التي قامت في أفواهها، وارتفعت، بحدة، لتسحق هناك حلوقها.‏

لكن الفرسان لم يرخوا أعنة جيادهم، بل ظلوا يمسكون بها بنفس التوتر. في حين راحت المهاميز تضرب خواصر الحيوانات. وارتبكت الجياد. وأخذتها الحيرة في ما يتعين عليها أن تفعل. فاضطربت خطواتها. فلا الفرسان يخففون شد الأعنة. ولا مهاميزهم تكف عن ملاحقة خواصرها.‏

واستمرت الجياد في تقدمها المضطرب الحائر. والتوَت أعناقها يميناً أو يساراً وكأنها تبحث عن مهرب من محنتها التي حلت بها. والتهبت أكفّ الواقفين على جانبي الطريق بالتصفيق. وخفقت الرايات. وترددت أصداء الموسيقى. وازدادت عنفاً وقوة كلما أوغلت الجياد في التقدم. في قلب الشارع، إلى الأمام. وبدا أن جواً من البهجة يشيع فوق الجميع. ومست هذه البهجة. ممن مست، الفرسان الذين اعتلوا ظهور الجياد. وسرت في نفوسهم. كما وجدت طريقها إلى أيديهم وأرجلهم. فأحكموا إغلاق قبضاتهم حول الأعنة. وشدوها إلى الخلف وأعملوا مهاميزهم في الخواصر. وازدادت أعناق الجياد ورؤوسها ارتداداً إلى الخلف. وتراجعت أشداقها إلى الوراء لحد التمزق وكشفت عن أسنانها ولثتها الوردية. والتمعت جلودها النظيفة المحسوسة بالعرق. والتوَت أعناقها، مرة أخرى، يمنة ويسرة تبحث عبثاً عن مهرب. ولم تجد في تلك اللحظة سوى أذنابها لتفرغ فيها شحنات الألم المتصلة. فتوترت أذنابها ورسمت أقواساً في الهواء. وبدت الجياد، آنئذٍ، كأجمل ما تكون عليه.‏

في ذلك الوقت انطلق من بين الواقفين، على أحد جانبي الطريق، صوت إنسان يقول لرفيقه:‏

ـ يا لها من جياد.‏

فقال رفيقه:‏

ـ إنها جياد عربية أصيلة. جياد رائعة.‏

ولم تكف المهاميز لحظة واحدة عن ملاحقة خواصر الجياد. بينما وقفت، بفعل شد اللجم المستمر، في أعلى حلوقها أشياء غليظة وصلبة لتحقق أفضل شكل تبدو فيه جياد في استعراض عام.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244