|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
الدرويش "اثنان" قال درويش لنفسه "وبعدهما يأتي دوري". كان ثمة رجل ربعة قد استند بمرفقيه إلى حافة الفتحة التي ظهر فيها الصيدلي. وخلفه مباشرة وقف رجل طويل ينتظر. أما درويش فقد كان ترتيبه في المؤخرة. "يجب أن أقرر ماذا أريد حقيقة" قال ذلك لنفسه ربما للمرة العاشرة. وأضاف وهو يرنو إلى صورة مركب شراعي. "ولكن هل أخطأت بمجيئي إلى هذه الصيدلية؟ أما كان ينبغي أن أسأل عن صاحبها. ربما كان لا يمارس مثل هذه الأعمال". لكنه فكر أن مثل هذه الأعمال لا يمكن سؤال أحد عنها لأنها يجب أن تكون بين شخصين كالحب. "كالحب" ردد لنفسه بمرارة "أين الثريا من الثرى"؟. وشعر بالخزي. قال لنفسه "ما الفرق يا درويش بينك وبين الآخرين. ها أنت قد ساويتهم". وفكر أن يتراجع. أن يحمل نفسه ويتراجع عما نوى أن يقدم عليه. وفكر أن ذلك سهل ما دامت وصفة الدواء لا تزال في يده. وما دام الصيدلي لما ينتبه لوجوده. وأنه ليس عليه سوى أن ينكص على عقبيه وينسحب بهدوء من الصيدلية. وحينئذٍ يعود للعودة نقاؤها وللشمس إشراقها وللديك زهوه. حينئذٍ ينشر الطير جناحيه ويعاود التحليق. وعزم في الحال أن يدور حول نفسه ويمضي مبتعداً عن الصيدلية. بل أنه حرك رجله بالفعل وكاد أن يضع الخطوة الأولى في سبيله إلى الخارج ليعيد للعالم بريقه الذي انطفأ في عين ذاته، حينما أمسك شيء بتلابيبه وقال: "إلى أين يا درويش؟ هذه فرصتك". نظر درويش إلى الفتحة التي ظهر فيها الصيدلي. كان الرجل الربعة لا يزال يستند بمرفقيه إلى حافة الفتحة وقد انحنى باهتمام إلى الأمام يصغي إلى الصيدلي. كان الصيدلي يتكلم برزانة وكان الجد بادياً على وجهه. وبنظرة سريعة إلى الرجل المنحني إلى الأمام والصيدلي الجاد وإلى كيس الدواء بينهما وقد أمسك به الرجل. قدّر درويش أن الأمر لابدّ يتعلق بمريض غير عادي. وحمد الله أنه لا يوجد في بيته مريض يحتاج إلى مثل هذا الكيس الذي حفل بعلب الدواء. وتساءل بقلق "ما مرضه؟". ونسي للحظات الغرض الذي جاء من أجله وقال "الله يبلي ويعين". حمل الرجل كيس الدواء ومضى مسرعاً. كان وجهه مقطباً وعيناه فيهما التماع وقلق. تنفس الرجل الطويل الصعداء. وتقدم من الفتحة. قال درويش في نفسه "لم يبق إلا هذا الرجل وبعده يأتي دوري. يجب أن أحسم الأمر بسرعة". ظل درويش في مكانه. صارت بينه وبين الرجل الذي تقدم من الفتحة مسافة. نظر درويش إلى الصيدلي. كان يبدو منه في الفتحة أعلى صدره ورأسه. كان وجهه ممتلئاً وعلى عينيه نظارتان طبيتان. لم يكن وجهاً قاسياً كما لاح لدرويش في وقت ما. وكان منهمكاً في حديث مع الرجل الطويل. فكر درويش "ما أشبهه بصورة في إطار". ارتفع درويش بنظره إلى ما فوق الفتحة. ووقف عند صورة طفل في شهوره الأولى. كان الطفل قد استقبله منذ أول لحظة وطأ فيها عتبة الصيدلية. كان عارياً كما ولدته أمه. وقد أبان عريه مدى الصحة والعافية التي يدخل فيها إهابه الوردي. كان واضحاً أنه دعاية لحليب من نوع ما. فكر درويش "ما أروع هذا الطفل! ولكن ما اسم حليبه؟". ضحك الطفل وهش في وجه درويش فضحك له درويش وهش في خياله. وفجأة اخترق ظهره ألم سريع رفيع كلمع السماء. وضع يده على صلبه. فكر أنه أخطأ لأنه لم يأخذ هذا الأمر في حسبانه ويحتاط له قبل أن يضحك. لكنه قال لنفسه أنه لم يضحك حقيقة وإنما كان يضحك في فكره فحسب. وقال "حتى التفكير في الضحك صار يؤلم ظهري؟". لم يتحرك درويش من مكانه. وظلت المسافة بينه وبين الرجل الطويل على حالها. كان يخيل إليه إذا ما تقدم خطوة إلى الأمام فذلك يعني أن المشكل انتهى بالنسبة إليه وقرَّ رأيه على ما يريد بالفعل. وهو في الواقع لم يصل إلى هذا القرار بعد. وأحس بالفراغ وشعر أنه معلق وهو في وضعه ذاك من الصيدلية. قال لنفسه "تقدم من الرجل الطويل. قف وراءه. تنحنح. مد رأسك قريباً من الفتحة. أشعر الصيدلي أن هناك زبوناً. وأنه يضع يده على صلبه. لأن ظهره يؤلمه. افعل ذلك أو تنح جانباً حتى يقر قرارك" وفكر "هو ذا شخص ما قد دخل الصيدلية لتوّه. ظله سقط على الأرض. على ظهرك. صار خلفك". كان درويش قد عرف قبل أن يلتفت خلفه أن القادم امرأة. أدرك ذلك من رائحة العطر التي نشرتها لدى دخولها. نظر وراءه. كانت سيدة في حوالي الثلاثين. ذات وجه جاد. انحرف قليلاً. أخلى للسيدة مكانه تأدباً أو ربما هرباً من مواجهة الموقف الصعب الذي لم يقطع فيه برأي. لم يكلف نفسه عناء التفكير في السبب الذي حدا به لفعل ما فعل. فقط شعر بالارتياح لأنه أخلى مكانه. شعر أنه أتاح لنفسه فرصة أخرى للتفكير. نظر درويش إلى الفتحة. كان الصيدلي قد حمل علبتي دواء للرجل من أحد جوانب الصيدلية وضعهما على الطاولة أمامه. ثم انحنى مرة أخرى فوق الوصفة. حرك شفتيه. ثم ترك الوصفة واتجه نحو خزانة دواء قائمة على اليمين. جلب منها علبة دواء زرقاء. بعد ذلك راح يقارن أسماء العلب بالأسماء الواردة في الوصفة قبل أن ينكب على كتابة طرق استعمال الدواء على العلب. قال درويش "لا يمكن أن أبقى هكذا إلى الأبد. يجب أن أقرر بسرعة. هل أريد دواء الظهر أم لا؟" في تلك اللحظة امتد سلك من الألم ابتدأ من ورك درويش ومرّ عبر الفخذ والساق حتى القدم. قال الصيدلي لدرويش، وكان قد عبأ علب الدواء في كيس من الورق للرجل الطويل الذي ما لبث أن حمل دواءه ومضى: ـ تفضل. كان قد لاحظ وجوده منذ زمن. فوجئ درويش بنداء الصيدلي له. كان قد عمل حسابه فابتعد عن مكانه القديم وتقهقر إلى ما وراء السيدة مفسحاً لها الدور. كان يؤثر في كل الأحوال، إذا ما تقدم من الصيدلي ووضع وصفته بين يديه. أن تكون الصيدلية خالية إلا منهما هما الاثنان. كان ذلك في رأيه أدعى للأمان. وأتى درويش حركة من رأسه ومد يده بلطف مشيراً نحو السيدة. أحنت السيدة رأسها لدرويش ونبست شفتاها: ـ شكراً. وهي تتقدم من فتحة الصيدلي، شعر درويش أنه سجل انتصاراً. وعاد له اطمئنانه. تمنى في تلك اللحظة ألا يدخل الصيدلية شخص جديد. وضعت السيدة طلبها بين يدي الصيدلي ببضع كلمات ذهب على أثرها إلى جانب من الصيدلية وحمل من خزانة علبة معدنية عليها صورة طفل فأدرك أنها علبة حليب. لم يتمكن من قراءة اسم الحليب. فكر "أهذا هو؟". نظر إلى صورة طفل الدعاية الذي يزين صور الصيدلية. كان الطفل ما زال يضحك. قال "حليب المرأة غير حليب الصورة". وفكر أن حليب الأطفال أنواع على كل حال. لكنه أحب صورة طفل الدعاية أكثر وآثره على حليب السيدة دون أن يدرك لذلك سبباً محدداً. وفكر "ربما كان هذا". وانحرف نظره يميناً فوقه على صورة المركب. كانت أشرعته منتفخة بالهواء. قال "أين رأيت هذه الصورة؟". ـ تفضل. قال الصيدلي لدرويش. ـ نعم. أضاف وهو ينظر إلى ساعته. كانت السيدة قد حملت مشترياتها واتجهت نحو باب الخروج. وببضع خطوات صار درويش عند الفتحة. ثم بيد مرتعشة سلم الصيدلي وصفة دواء من نسختين واحدة بيضاء وأخرى زرقاء. نظر الصيدلي إلى الوصفة. ـ هل يؤلمك ظهرك؟ قال دون أن يرفع نظره عن الوصفة. رد درويش: ـ نعم كثيراً. ـ وماذا تستعمل؟. قال درويش بصوت ضعيف: ـ حقن ودهان. هات الوصفة. قال درويش بصوت ضعيف. ـ أريد أن أستبدل الدواء. رد الصيدلي بلا مبالاة: ـ لماذا؟ الدواء جيد. قال درويش بصوت منكر: ـ لا أنوي استعمال دواء الظهر. أريد أن أستبدله بشيء آخر. رفع الصيدلي عينيه عن الوصفة. نظر ملياً إلى درويش، قال بلهجة أحس بها درويش تفتقر إلى الحزم: ـ ذلك ممنوع. فكر درويش أن يقول "كثيرون يفعلون ذلك" لكنه استبدل قائلاً: ـ إني أحتاج إليه أكثر من دواء الظهر. ظهري لا يؤلمني حالياً على الأقل. وأبرق دماغ درويش إلى أعصابه ليكذب ادّعاءه. وبسرعة اللمع أحس بالألم من الورك إلى إبهام القدم الأيسر. وتبادل الرجلان نظرات لثوان خالها درويش لا نهاية لها، حاول أثناءها أن يسبر أغوار عيني الصيدلي. كانت العينان تبدوان له من وراء زجاج النظارتين كبيرتين زجاجيتين لا أثر فيهما للحياة. قال الصيدلي فجأة وقد أشاح بوجهه جانباً: ـ ذلك ممنوع. ولم يتحرك درويش من مكانه. بل ظل شاخصاً ببصره إليه. وما عتم الصيدلي أن أضاف بعد فترة صمت بسرعة ولهوجة: ـ طيب. طيب. ماذا تريد؟ يبدو لي أنك في أزمة سأتساهل معك هذه المرة. أخرج درويش بارتباك ورقة من جيبه ناولها إلى الصيدلي. نظر درويش إلى صدر الصيدلية. كان الطفل يضحك سعيداً معافى. قال درويش مشيراً على الورقة: ـ وصفة طبيب الأطفال. وأحس بلزوجة تحت إبطيه كأنه يلاكم. نظر الصيدلي إلى الورقة التي في يده. وهز رأسه.فجأة رن جرس الهاتف فمضى الصيدلي إليه ورفع السماعة إلى أذنه. بقى درويش وحده. نظر إلى باب الصيدلية وراءه. منذ خمسة شهور وضعت زوجته ولدها الخامس. وقتها قال "هذا يكفي. لا إنجاب أولاد بعد اليوم. صارت أعباء الحياة فوق طاقتي. سأبحث عن مانع للحمل" وارتاح إلى هذا القرار. ومضت الأيام ولكن فجأة، ولسبب ما، نضب حليب زوجته فذهب إلى أمه، وكان سمعها قد ضعف، فأخبرها بصوت عال بما آل إليه وضع زوجته. فنصحته أمه أن يطعم زوجته اللوز والفستق والبندق. وقالت له في أيامنا عندما كان يجف حليب امرأة كانت تأكل المكسرات. كانت المكسرات أرخص من التراب. كما كانت تأكل اللحم والشحم فتعود إليها الدرة. فقال لأمه بصوت عال إن المكسرات صارت أغلى من التبر وطلب إليها أن تدله على أشياء أرخص. فأشارت عليه بفستق العبيد. فقال لها أن فستق العبيد صار بدوره باهظ الثمن. وطلب شيئاً آخر. فقالت له عليك بالبطم. فقال البطم تتحمله ميزانيتي. وبينه وبين نفسه شك قليلاً في جدوى البطم. لكنه قال لأجرب فلن أخسر شيئاً كثيراً على كل حال. كما يبدو لي أنه الشيء الوحيد الذي تسمح لي ظروفي المادية أن أفعله الآن على الأقل. وحمل البطم إلى زوجته وحشا بطنها به. وطيلة ذلك اليوم، وكان يوم جمعة. عطلته الأسبوعية، وطيلة المساء والليل كان لا يني ينظر إلى صدر زوجته ليرى إلى ثدييها هل تكورا واكتنزا بالحليب. ومضى يومان ثلاثة. كان الطفل الذي لا يكف عن الصراخ أثناءها قد دار على نساء الحارة المرضعات حتى تعود إلى أمه الدرة. لكن الدرة لم تعد إلى أمه، وظل ثدياها على حالهما مهدلين بائسين ورفضا أن يستجيبا إلى البطم. وفكر درويش أن البقرة تحول الحشيش والشعير إلى حليب. وكذلك العنزة والغنمة وكل الحيوانات الثديية. فما الذي يحدث للمرأة، وهي ثديية، من الثدييات. ما الذي يحدث لها حتى تعجز أحياناً عن تحويل علفها إلى حليب. وتذكر أنه قرأ مرة أن العلماء يعكفون على اختراع آلة، تعلف بما تعلف به الحيوانات، لإنتاج الحليب. وفكر ماذا حدث لهذه المحاولة. ثم تساءل في ما إذا كان عجز المرأة عن إنتاج الحليب، في وقت من الأوقات، يرجع إلى أسباب مرضية ونفسية. لم يبق أمام درويش سوى العلم عساه يجد له حلاً فمضى بزوجته وطفله إلى طبيب أطفال بعد أن استدان من زميل أجر المعاينة. قال الصيدلي الذي عاد لتوه بعد أن أنهى المخابرة الهاتفية. ـ هل أنت متأكد أنك لا تحتاج إلى دواء الظهر؟ رد درويش: ـ نعم. فهز الصيدلي رأسه هزة قالت "أنت وشأنك". ومن جديد أبرق الدماغ إلى الأعصاب ليكذب ادعاء درويش فلمع صلبه بشكل عرضاني مما اضطر معه للوقوف فجأة على نحو متصلب مستقيم. وعاد جرس الهاتف إلى الرنين فمضى الصيدلي وحمل السماعة إلى أذنه وقد بدا عصبياً نوعاً ما. تشاغل درويش بالنظر إلى رفوف الدواء من حوله. لاحقه صوت "ماذا فعلت يا درويش أنت الذي كنت تستصغر الآخرين من مثل هذه الأعمال؟ هذه سرقة". قال درويش باستحياء: "حط في الخرج. كلهم في الشركة يفعلون ذلك. من الرئيس إلى الآذن. من أعلى السلم إلى أسفل السلم. ما من أحد يفوت فرصة. ما من أحد يترك وسيلة". وقفت عينا درويش عند صورة الطفل الضاحك الرافل بالصحة. كانت ثمة كتابة محجوبة في أسفل الصورة. فكر "ما اسم حليبه؟ إنه حليب ممتاز". انتقل بعينيه إلى صورة المركب الشراعي. فكر "منذ زمن بعيد رأيت هذه الصورة، هذا المركب المبحر. أين؟". وعندما عاد درويش من رحلته كان الصوت في انتظاره " لا تسرق. عيب عليك". فدار لسانه بشكل آلي "لا تسرق. لا تزنِ. لا تشتهِ امرأة جارك. لا تشهد شهادة زور". وتساءل درويش عما إذا كان موسى قد قال وصاياه قبل أن يقتل المصري. وتساءل عما إذا كان يحق لقاتل أن يصير نبياً لشعب ويرفع شعارات ويقول وصايا. وقال "بالتأكيد لم تجرش زوجة موسى البطم من أجل الحليب. ولو فعلت لربما صارت وصاياه 9 وليست 10". وفكر "لماذا لم يقل موسى وصاياه عندما كان المقلاع في كتفه؟". وأضاف "سهل على الأنبياء الذين لا تتهدل أثداء زوجاتهم أن يقولوا الوصايا". وقال "كل أخلاق لا يشارك الدراويش في صنعها باطلة". ابتسم درويش لما دار في ذهنه من أفكار. وسخر من فلسفته المفاجئة. وتساءل عما إذا كان يؤمن حقيقة بهذه الأفكار. وعما إذا لم تكن ردة فعل إزاء العمل المخزي الذي يقوم به. حين عاد الصيدلي من مخابرته الهاتفية مقطب الوجه. واسع العينين وراء زجاج نظارتيه طارت كل الأفكار الفلسفية من رأس درويش وعاد إلى ثيابه ليرى كم هو غارق في بحر من العرق. قال الصيدلي: ـ إذن ماذا قلت؟ طيب؟ طيب؟ فهمت. ونظر إلى الوصفة. وأجرى عملية حسابية سريعة. ثم ذهب إلى خزانة وأتى بثلاث علب معدنية وضعها على الطاولة أمامه. نظر درويش إلى العلب المعدنية. كان عليها صورة طفل عار كما ولدته أمه يضحك رافلاً بالصحة والعافية. سال درويش: ـ كم يوماً تكفي العلبة الواحدة. قال الصيدلي: ـ يومين ثلاثة. ذلك يتوقف على عدد الوجبات. أخذ الصيدلي كيساً من الورق غيب فيه العلب الثلاث. قال درويش: ـ هذا بدل دوائك بعد الحسم. الحسم 40%. قال درويش "هذا سارق آخر". وكاد يصرخ. يحتج "الحسم 30% وليس 40%". لكنه كظم غيظه. وحمل كيس الورق. وحينما استدار ليتخذ طريقه إلى الخارج دخل الصيدلية شخص فلملم درويش أطرافه ورأسه وانحسر داخل ثيابه ليسبح في عرقه وتساءل في الحال "هل يعرفني ويعرف أين أعمل؟". وقف على باب الصيدلية. تطلع وراءه. كان الصيدلي في الفتحة منهمكاً في حديث مع القادم الجديد. أخرج درويش علبة من كيس الورق. نظر إلى العلبة. كان طفل العلبة يضحك عارياً كما ولدته أمه مسربلاً بالصحة والعافية. أدار العلبة المعدنية بين يديه. قرأ عليها. السعر 635غ.س. فكر بقلق أن العلبة الواحدة تكفي يومين. وأمامه أيام وشهور بطولها. وهو عاجز تماماً عن تحمل أي عبء صغير جديد إلى أعبائه العائلية المرهقة. ثم خطر له أن هناك ظهره. وقصته مع ظهره قصة طويلة لا نهاية لها كأغنية الشيطان وفي مقدوره أن... ويوماً ما من يدري فقد تواتيه الشجاعة ويختلق شيئاً ما لطبيب الشركة عن معدته. غيب العلبة في الكيس. ومن فوق عتبة الصيدلية نظر إلى الشارع الطويل المكتظ الذي يتعين عليه أن يقطعه ليصل إلى بيته. وفي اللحظة التي عزم فيها أن يترك العتبة في نفس تلك اللحظة بالذات. خيل إليه أنه دخل إلى الصيدلية درويشاً وخرج منها درويشاً آخر. ثم تنهد. وقذف بنفسه إلى الشارع وضاع في الزحام. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |