مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 439 تشرين الثاني 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

الحمامة والكشاش

لم تكن تحتاج إلى مزيد من الأدلة لتدرك أن في الجو شيئاً، طائراً أو أكثر. لقد فهمت من اصطفاق الأجنحة التي انطلقت منذ قليل ومن رفيفها المتباعد. ثم من الصفير المتلاحق أن الكشاش قد دفع سرب الإيقاع إلى الفضاء.‏

قالت بأسى "هو ذا طائر آخر سيخدع. طائر انطلق إلى الأعالي ليقوم بنزهة أو ليجرب الطيران منفرداً، لكنه سيخدع. سيلتف سرب الإيقاع من حوله وسيوهمه بأنه سرب صديق وأنه إنما جاء ليرافقه في نزهته. أو ليعلمه أسرار الطيران إذا كان حدثاً. أو ليرشده إلى بيته إذا كان ضالاً".‏

وتمنت في سرها ألا تجوز عليه اللعبة ويقع في الأحبولة كما حدث لها ذات يوم عندما انطلقت إلى الفضاء لتتفرج على الدنيا وتجرب جناحيها.‏

ومن الخارج أتاها لغط الكشاش وهو يتحرك على سطح البيت يهسهس بشفتيه ويرسل الصفير تلو الصفير. ثم وهو يؤنب ابنه ويكيل له السباب لأنه لم ينتبه إلى طيور غريبة تعبر الفضاء.‏

وشرعت الحمامة تزرع الكِن في الداخل جيئة وذهاباً. ولحظة بعد لحظة راحت تجري غادية رائحة بنشاط ملحوظ كأنما انتقلت إليها عدوى الانفعال من الكشاش. وتساءلت "هل تمكّن سرب الإيقاع من الطائر؟". ودت لو تعلم. ولكن كيف لها ذلك وباب الكِن مغلق دونها.‏

تقدمت من باب الكِن ونقرته بمنقارها مرة ومرة ثانية. ثم تراجعت عنه. نظرت إلى زاوية الكِن. وجدتها فارغة فشعرت بالحزن. منذ بضعة أيام كانت تشغل تلك الزاوية ثلاث حمامات. كانت حمامات من سرب الإيقاع والمطاردة. وقد أرسلت مرة في مهمة مع حمامات أخريات. ثم عادت مع السرب وفي رفقتها حمامتان غريبتان. في ذلك اليوم حصلت مشادة بين الكشاش وصاحب الحمامتين الأصلي الذي جاء يطالبه بحمامتيه اللتين أوقعهما سربه في الشرك. طبعاً أنكر الكشاش، كما هو متوقع منه، وجود الحمامتين في حوزته ولجأ إلى ما يلجأ إليه الكشاشون عادة فذبح الحمامتين ليخفي الدليل على جريمته. فعل ذلك أمام عيون الحمامات الثلاث التي تراجعت مذعورة حتى زواية الكِن وظلت هناك أربعة أيام لائذة بعضها ببعض حزينة لا تأكل ولا تشرب. وفي اليوم الخامس دخل الكشاش إلى الكِن وقال:‏

ـ هذه الحمامات لم تعد تصلح لشيء.‏

ثم أخذ مديته من جيبه وذبحها واحدة بعد أخرى. وقال لابنه:‏

ـ خذها إلى أمك لتنظفها وتطبخ لنا بطاطا بالحمام.‏

تألمت الحمامة لمصير رفيقاتها الثلاث وقالت "لقد حزنت الحمامات لأنها أوقعت غيرها من الحمام في شرك الكشاش". لكنها لامتها لسلبيتها. وفكرت أنه كان في مقدورها أن تفعل شيئاً آخر بدلاً من الوقوف ملتصقة بعضها ببعض ثلاثة أيام في زاوية الكِن مضربة عن الطعام. وقالت "ما الذي يمسك الحمامة أن تمتنع عن إيقاع غيرها من الحمام في شرك الكشاش. وفي أحوال أخرى ما الذي يوقفها. وهي تملك جناحين، إذا ما دفعت إلى الفضاء أن تمضي بعيداً عنه.‏

من ناحيتها هي لم تدخر وسعاً في سبيل الخلاص والهروب بعيداً من سيطرة الكشاش. وقد عزمت، منذ أول لحظة وطئت فيها عتبة الكِن وارتج خلفها الباب، على الفرار من محبسها. وفي الليل عندما دفنت رأسها بين جناحيها ونامت حلمت أنها تطير فوق بحر أزرق.‏

في صباح اليوم التالي استيقظت فرحة. كان خيالها لا يزال يحلق فوق بحر أزرق. وراحت في الكن وجاءت. وعيناها لا تكفان عن التطلع إلى باب الكن المغلق متسائلة متى يفتح هذا الباب لتهرب من محبسها وتحلق بعيداً. كانت ثقتها بجناحيها غير محدودة.‏

وحين ذهب الكشاش وترك باب الكن مفتوحاً عجبت الحمامة من تصرفه. لكن عجبها ما لبث أن زال حينما اختبرت جناحيها، لحظة، خرجت مع غيرها من الحمامات إلى سطح البيت للتريض وتناول الفطور، والفت أنها غير قادرة على الطيران.‏

لم تشعر الحمامة باليأس مع ذلك. ولم تتراجع عن عزمها. وحينما سنحت لها الفرصة بعد قليل سارعت إلى اغتنامها. فتسللت إلى سطح مجاور ومنه إلى حديقة مجاورة. لكنها لم تستطع أن تبتعد عن الحديقة. كانت أسوارها عالية. وكان جناحاها لا يقدران على حملها.‏

ولم تلبث أن أعيدت إلى السطح. أعادها ابن الكشاش. ومن السطح دفع بها إلى سجن انفرادي. إلى صندوق من الخشب عساها تتعظ لتكون عبرة لمن يعتبر بعد نتف جديد لريش جناحيها الذي أهمل نتفه في المرة الأولى. وحبست هناك. ومن يومها صار نتف ريشها الأساسي دورياً كيلا يكتسي جناحاها ويقويان.‏

اشتد صفير الكشاش على السطح وتلاحق بعصبية. تفاقم هياجه. شتمّ ولده وأنحى عليه باللائمة. فكرت الحمامة "لعل سرب الإيقاع لم يتمكن من الطيور الغريبة". وانتظرت أن تسمع رفيف أجنحة السرب الآيب بالخيبة. وتصورت الطائر الغريب وهو يرفض الهبوط بإصرار ويحاول فك الحصار من حوله. ثم تصورته يناضل ليجد لنفسه طريقاً بين الطيور التي تحدق به. أكبرت الطائر واحترمت كفاحه في سبيل حريته. شعرت بالسرور لأنها لم تكن في عداد أفراد سرب الإيقاع والمطاردة. وقالت إن عمل سرب الإيقاع والمطاردة عمل قذر. وتساءلت كيف لا يشعر أفراده بالخجل عندما يوقعون طائراً في أحابيلهم ثم يسوقونه إلى الكشاش. وقالت لعل ضميرهم مات. وارتابت أن يكون عندهم ضمير أصلاً. وحمدت الله أنها لم تقم بمثل عملهم يوماً.‏

فتح باب الكن فجأة واندفع الكشاش إلى الداخل. نظرت الحمامة إلى وجهه. كان وجهه يطفح بالحقد وعيناه تنضحان بالغضب. نظر الكشاش إلى الحمامة. اقترب يريد الإمساك بها. قالت "لقد دنت ساعتي". وفرّت مذعورة. لحق بها وسد عليها المنافذ. قبض عليها خرج بها إلى سطح البيت. حسبت أنه سيذبحها لتوه فتمتمت صلاة قصيرة. ودعت في مثل لمح البصر بحراً أزرق حلمت به يوماً. كما ودعت تلالاً ومروجاً زاهية الألوان. وودياناً داكنة الخضرة.‏

وأغمضت عينيها استعداداً للحظة الحاسمة. توقعت أن تحس بالمدية على عنقها. طال انتظارها دون أن تحس ببرودة المعدن. فتحت عينيها. رأت الكشاش وقد رفع نظره إلى الأعلى وراح يلاحق سرباً من الحمام يحوم في الفضاء، فقدرت أن سرب الإيقاع والمطاردة ما زال يحيط بالطائر الغريب وأنه لما ينجح في إيقاعه في شراكه. فكرت "ما دام لم يذبحني حتى الآن فلماذا أتى بي إذن؟.". ولم تلبث أن بدا لها أنها فهمت عندما أمسك بها من وسطها. ثم ترك جناحيها سائبين وأنشأ يحرك يده الممسكة بها، وقد رفعها عالياً. أنشأ يحركها في الهواء. بينا راح يخبط بيده الثانية إطاراً من الكاتشوك على سطح البيت وهو يهسهس بشفتيه أو يرسل الصفير.‏

في تلك اللحظة لم يبد لها أنها فهمت لماذا جيء بها من الداخل فحسب، بل أنها تأكدت ما يراد منها بالضبط. فضمّت جناحيها إلى جنبيها.‏

استبدت الدهشة بالكشاش عندما لاحظ جناحي الحمامة المضمومين وزاد من حركة يده في الهواء ليبعث النشاط والحركة في جناحي الحمامة. لكن الحمامة ظلت على حالها ولم تشأ أن تفرد جناحيها وترفرفهما.‏

شعر الكشاش بالغضب فخبط الحمامة بكامل قوته على الأرض. لملمت الحمامة نفسها ووقفت منكمشة.‏

نظر الكشاش إلى الفضاء رأى سرب الإيقاع والمطاردة ما زال يحاول إنزال الطائر الغريب.‏

التقط الكشاش الحمامة ثانية. أمسك بها من وسطها وأنشأ يحركها في الهواء. خبط إطاراً صغيراً من الكاتشوك على سطح البيت. وصفّر وهسهس بشفتيه. لكن الحمامة قالت بإصرار "لن أشارك في هذه الخدعة القذرة". ضمت جناحيها إلى جنبيها بقوة أكبر من ذي قبل.‏

رنت الحمامة إلى الأعلى. رأت سرب الحمام يحوم في الفضاء. قالت "لن يتمكن السرب من الطائر العابر ولن أساعد من ناحيتي على إيقاعه في الشرك". شعرت بالسرور مرة أخرى لأنها لم تكن في عداد أفراد سرب الإيقاع. لكنها فكرت أنها لو قدر لها وأرسلت في مهمة كهذه لما عادت إلى هذا الكشاش. وتساءلت "ما الذي يجعل الحمامة وهي تملك جناحين أن تعود إلى الكشاش دائماً. ما الذي يحول بينها وبين التحليق في الأعالي؟".‏

حينما أدرك الكشاش أن محاولاته فشلت في حمل الحمامة على فرد جناحيها ورفرفتهما لاستدراج الحمامة الغريبة خبطها بقسوة على الأرض.‏

تجمعت الحمامة على نفسها. شعرت بألم في جناحيها. سحبت نفسها ببطء وانتحت جانباً. فكرت "ربما كسر جناحي".‏

أدركت بسرعة النهاية المحتومة لحمامة كسر جناحها. استعادت حياتها كلها في لحظة. فكرت أنها كانت حمامة مدللة ذات يوم تختال في حديقة بيت، الخلاخل في قدميها. ويتدلى من إذنيها زوجان من الأقراط. وفكرت أنه لم يعد لذلك أهمية الآن.‏

نظرت إلى الأعلى. رأت سرب الحمام الخائب عائداً من مهمته. في حين انفلت من السرب طائر مفرد وحيد راح يشق طريقه نحو الشرق.‏

أحست الحمامة بألم في جناحها. فكرت أنه ليس هناك سوى نهاية واحدة لحمامة عطب جناحها. لم تشعر وقتها لا بفرح ولا بحزن، فكرت "ينتهي الحمام بواحدة من اثنتين: إما بضربة مخلب أو على حد مدية الكشاش".‏

وقالت "ذلك هو قدر الحمام المحتوم".‏

التقط الكشاش الحمامة وقلبها بيده. قال "يبدو أن جناحها كسر".‏

أعادت الحمامة النظر إلى الأعلى. رأت الطائر الوحيد يوغل مبتعداً في طيرانه نحو الشرق. شعرت بفرح غامر مفاجئ.‏

قال الكشاش:‏

ـ حمامة عنيدة. عنادها قضى عليها.‏

ومد يده فانتضى مديته. طقت المدية وهو يشرع نصلها طقات متتالية. شد الكشاش رأس الحمامة إلى الخلف حتى توتر عنقها. سمعت الحمامة تمتمة خافتة، "بسم الله الرحمن الرحيم. سبحان من حللك للذبح".‏

وكان لا يزال في مقدورها أن تتخيل الكشاش يقوم لابنه "خذها إلى أمك لتنظفها وتطبخ لنا بطاطا بالحمام". عندما التمع، أمام عينيها، نصل حاد هاوياً على عنقها.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244