|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
الصدمة ـــ هيمى المفتي إنها السابعة.. الموظفون سيصلون في السابعة والنصف تماماً.. أسرع.. عليك أن تصل قبلهم.. شعر بامتعاض ابنه فلم يقل أكثر.. بينه وبين نفسه، كان يتساءل كيف سيقوم ذلك الشاب بإدارة العمل يوماً، هو الذي لا يعرف بأي سرعة يسير الزمن، ولا يدرك قيمة اللحظات تنساب من العمر ولا تعود.. ترى، هل سيشعر أمام هذه المحنة بالمسؤولية؟.. هاهو قد يجهز نفسه ببرود، ويخرج متأخراً عشر دقائق كاملة.. عشر دقائق قد تكون فيصلاً في الحصول على صفقة.. قد تحدد مصير إنسان.. أو حتى شعب بأكمله.. كيف يتأخر عشر دقائق ولا يبالي! تذكر ـــ في اللحظة الأخيرة ـــ تهور ابنه، وخشي عليه من حادث سيارة فلاحقه بالنصيحة الدائمة: لا تسرع في القيادة.. جاءه صوت الابن مطمئناً: لن أسرع في القيادة.. كالعادة أسرع في القيادة، ولم يصل في الموعد المحدد.. بل لم يصل يومها.. لا لم يصب بالأذى لكن امرأة ذابلة الجمال نزلت على الرصيف فجأة وهي تنظر في عينيه باهتمام عاشقة سعيدة، فتوقف!!.. * * * السابعة والثلث.. إذا انتظرتْ أكثر سوف تتأخر في الوصول إلى المدرسة وسوف تشعر بتأنيب الضمير لهدر خمس دقائق من وقت التلاميذ الثمين.. تقف أمام المنعطف.. تنظر إلى الشارع الخالي منه تماماً.. تنظر إلى الساعة.. لم يتأخر مرة واحدة طوال ثلاثة أشهر.. قبل أيام قليلة أخبرت زميلتها التي تدرّس مادة الفلسفة بأمره.. ـــ أيعقل أنها مجرد صدفة؟ ـــ صدفة تتكرر كل يوم منذ ثلاثة أشهر؟.. لا يمكن.. إنها يا صديقتي معجب.. ـــ عاشق خمسيني؟!.. ـــ قلت إنه معجب، ولم أقل عاشقاً.. على كل حال، الإعجاب هو البداية الأجمل لقصص الحب.. تساءلتْ بألم لمَ لمْ يظهر في حياتها معجب مثله قبل عشر سنوات، أو عشرين..؟ أكدت مدرسة الفلسفة أن زميلتها التي تدرس مادة الرياضيات منذ أكثر من عشرين عاماً، لم تسمح لأي عاشق بالظهور.. كانت نظراتها الصارمة تكفي لإخافة أي رجل يفكر في الاقتراب منها.. ومن يقع في حب فتاة صارمة النظرات تسير بدقة ساعة لا تؤخر ولا تقدم منذ عشرين عاماً؟!! عليها هذه المرة أن تكسب الفرصة.. في اليوم التالي كانت مترددة في تنفيذ ما نصحتها به زميلتها.. لكن حين ظهر بسيارته من المنعطف، وكانت هي قد وصلت إلى حافة الرصيف، وتوقف ليمنحها فرصة عبور الشارع.. حين حدث ما يحدث كل يوم منذ ثلاثة أشهر، وجدت نفسها تفعل ما نصحتها به زميلتها تماماً: نظرت في عينيه مبتسمة.. لدهشتها بادلها الابتسام.. شعرت بالدم يصعد إلى رأسها، ولابد أن احمراراً واضحاً قد كسا وجهها.. لم تكن تعرف أن لعينيه تلك النظرات العميقة الأخاذة.. ـــ العاشق الخمسيني شعر بي بالتأكيد.. ـــ المعجب.. قلت لك إنه معجب، وعليك بذكائك أن تجعلي منه عاشقاً.. يخيل إلي أنه ينتظرك عند حافة المنعطف كل يوم حتى تظهري فيسير بسيارته قاطعاً طريقك ليقف وتعبري أمامه فيمتع نظراته برؤيتك.. لم تنم ليلتها.. في اليوم التالي أضافت إلى نظرتها إيماء برأسها دليل على شكر فبادلها الإيماءة بمثلها.. اليوم سوف تعلق نظراتها به لفترة أطول، وغداً سوف تلوح له بيدها، ثم قد يحدث ما توقعت زميلتها.. قد يدعوها إلى لقاء، ثم قد.. من آخر الشارع لمحت السيارة قادمة.. اقتربت من ممر عبور المشاة سعيدة: "تأخر عشر دقائق كاملة اليوم.. كاد قلبي أن يهجر مكانه قلقاً.. حين نجلس معاً سأذكّره بهذا اليوم وسأخبره أني قلقت عليه.." سمعتْ موسيقى صاخبة تنبعث من السيارة للمرة الأولى.. ابتسمتْ.. العاشق، تقصد المعجب الخمسيني يراهق!!.. شعرت بحرارة في وجهها.. هي أيضاً تراهق. ماذا لو دعاها للخروج معه الآن.. هل ستتأخر عن المدرسة، وتتحمل تأنيب الضمير؟.. حين ظهرت حافة سيارته من المنعطف هبطت عن الصيف كعادتها.. رفعت نظراتها المتشوقة نحوه.. التقت عيناها بعينين غريبتين لشاب في العشرين.. أين هو معجبها اليوم؟.. * * * ليلة البارحة أصيب بوعكة صحية، وأمره الطبيب بالبقاء في السرير مدة أسبوع.. ـــ أسبوع كامل؟.. لكن لابد من فتح المكتب واستقبال العملاء ولو على وعد متأخر بتنفيذ العمل المطلوب.. ترى، هل سيشعر ابنه أمام هذه المحنة بالمسؤولية؟.. هل سيذهب كل يوم في الموعد، وهل سيهتم بمعرفة تفاصيل العمل كي يستطيع إدارته وتطويره فيما لو.. هاهو ـــ ومنذ أول يوم ـــ يجهز نفسه ببرود، ويخرج متأخراً عشر دقائق كاملة.. عشر دقائق قد تكون فيصلاً في الحصول على صفقة.. قد تحدد مصير إنسان.. أو حتى شعب بأكمله.. كيف يتأخر عشر دقائق ولا يبالي! إن لم يضيع المزيد من الوقت سيصل مع وصول الموظفين.. بينه وبين نفسه، كان الأب المريض يتساءل كيف سيقوم ذلك الشاب بإدارة العمل يوماً هو الذي لا يعرف بأي سرعة يسير الزمن، ولا يدرك قيمة اللحظات تنساب من العمر ولا تعود.. كانت لحظات عمره المحملة بالإرهاق والتعب تمر أمام ناظريه.. أوروبا التي لا تفتح ذراعيها إلا للمحظوظين، فتحت ـــ بعد جهد ـــ ذارعيها لـه.. فوجئ بصعوبة الحياة بالنسبة لشاب أجنبي قادم من العالم الثالث حاملاً آمالاً عريضة وعمراً لا يتجاوز التاسعة عشرة، وشهادة ثانوية غير معترف بها.. تخلى عن حلمه في الدراسة.. عمل بعمل متواضع.. وحين تزوج اكتفى بطفل واحد كي يستطيع أن يؤمن له العلم والحياة الكريمة، بل ودرجة عالية من الرفاهية... آه كم كان يشتاق له في الغربة.. بعد سنوات عمل طويلة عاد ـــ وقد جمع ثروة ـــ ليتقاعد في وطنه ويؤسس لابنه عملاً يجنبه مشاكل البحث عن وظيفة وتأمين لقمة العيش.. وهاهو الابن يمضي وقتاً لاهياً متناسياً أن عليه أن يعمل بنفسه كي يستطيع إدارة العمل يوماً.. هاهو الابن يمتعض لمجرد أن عليه أن يستيقظ باكراً ويذهب إلى مكتب أبيه.. * * * كان من المفترض به أن يكون نائماً الآن وأن يستيقظ بعد ساعتين فيخرج إلى لقاء بعض الأصدقاء لتناول فطور متأخر ثم يتوجه ليمضي بعض الوقت في مكتب أبيه الممل، لكن مرض الأب المفاجئ خرب عليه هذا اليوم. شعر بالظلم.. إنها إجازة الصيف.. ألا تكفيه الدراسة طوال العام؟.. أليس من حقه أن يعيش إجازته بالطريقة التي يحب؟.. قال والده الغاضب حين رآه يجهز نفسه ببرود: إنها السابعة.. الموظفون سيصلون في السابعة والنصف تماماً.. أسرع.. عليك أن تصل قبلهم. امتعض.. أراد أن يصرخ: سينتظرون لخمس دقائق أو عشر، أو حتى ساعة كاملة.. ما المشكلة؟.. ألا يعملون عندنا؟!!. كتم غيظه وصمت.. لم يشأ أن يسمع المحاضرة المملة عن أهمية الدقة في المواعيد، واحترام الآخر بعدم هدر وقته وتركه ينتظر أمام باب المكتب المغلق، وقيمة الدقائق والثواني التي قد تغير مصائر الأفراد والشعوب.. هل ستنقلب الدنيا رأساً على عقب إن تأخر عشر دقائق أو عشرين أو حتى ساعة كاملة؟.. هل ستنقلب إن أغلق المكتب مدة أسبوع؟ ارتدى ثيابه الأنيقة.. رتب شعره.. وضع كمية من العطر.. تأكد من إحضار شريط التسجيل.. أدار السيارة.. وانطلق متأخراً عشر دقائق.. عشر دقائق فقط.. ماذا يمكن أن يحدث في عشر دقائق؟.. قبل خروجه سمع نصيحة أبيه الدائمة: لا تسرع في القيادة.. لم يبق سوى أن يكرر عليه أصول الأخلاق التي تقتضي بفسح الطريق أمام المارة المشاة ومبادلتهم التحية و.... قبل أن يسترسل الأب أجاب مطمئناً: لن أسرع في القيادة.. كالعادة أسرع في القيادة، ولم يصل في الموعد المحدد.. بل لم يصل يومها.. لا لم يصب بالأذى، لكن امرأة ذابلة الجمال نزلت عن الرصيف فجأة وهي تنظر في عينيه باهتمام عاشقة سعيدة.. كانت وجنتاها المتهدلتان مخضبتين بحمرة خجل لا تناسب سني عمرها التي تتجاوز الأربعين.. فوجئ بها.. ضغط المكابح بقوة، فتوقف.. لم يتأخر سوى ثانية واحدة!! |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |