مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 440 كانون الاول 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

رامبو أميـر الجنون الجميل ـــ فادية غيبور

هناك في مدينتي الجبلية الصغيرة البعيدة... كان المطر يتهاطل ناعماً عذباً على الشرفة الصغيرة..وكان ثمة سحر خاص يوشح مساء المدينة التي انتظرت المطر طويلاً.. وعهدها به يبدأ منذ أواخر شهر أيلول.. وقفت وراء الزجاج أتامل ما تبقى من خضرة الجبل وهي تتنفس دفئاً تحت رذاذ المطر التشريني العذب.. و.. رنّ جرس الهاتف.‏

ـ أنا "أمير" أما تذكرينني.. تحدثنا بعد الأمسية الشعرية في الحسكة..‏

ـ أهلاً أمير.. كيف حال الشعر؟!..‏

ـ التقيت والزملاء احتفاء بمناسبة بذكرى عيد ميلاد الشاعر العظيم "رامبو"..‏

ـ كيف تحتفلون؟!..‏

نتحدث عن سيرة حياته وما يزاد عليها من معلومات بين وقت وآخر.. وهذا أجمل ما في حياة رامبو الذي ما زال كثير من الباحثين والنقاد يحاولون معرفة المزيد من التفاصيل الصغيرة عن حياته، من خلال اكتشاف وريقة تركها هنا أو هناك.. من خلال رسالة أرسلها إلى أخته أو إلى أحد أصدقائه.. وكأنما ليظل شاغل الأوروبيين باستمرار..‏

ـ خيراً تفعلون.. أحييكم بمودة..‏

ـ كلّ عام وأنت بخير..‏

ـ وأنتم.. سلم على أصدقائك..‏

انتهى الحديث الهاتفي..لا يزال المطر يهمي بعذوبة.. وما زلت على الشرفة أراقب من خلف الزجاج ما تبقى من خضرة الجبل وهي تتنفس دفئاً تحت رذاذ المطر التشريني العذب..‏

أسرني وأثار إعجابي ما أخبرني به الشاعر الشاب " أمير" ؛ فالاحتفاء بعيد مولد شاعر مبدع أمر جميل يستحق الاهتمام والاحترام؛ فكيف إذا كان المحتفى به "رامبو" أمير الجنون الجميل بلا منازع؟!....‏

ولا بد هنا من الإشارة إلى احتفاء الأوروبيين ـ قبل ثلاث سنوات ـ بذكرى مرور قرن ونصف على ولادته، وإن كانت خصوصية المناسبة قد تجلت أكثر في فرنسا التي أنجبته..‏

ولد آرثور رامبو في العشرين من تشرين الأول سنة ألف وثمانمئة وأربع وخمسين في بلدة "شارلويل" الصغيرة الهادئة، وتعتبر مسيرته الشعرية من أقصر المسيرات زمنياً فأعماله لا تتجاوز مئة صفحة منجزة ومكتوبة بخط يده قبل العشرين من عمره.. ربما كان هذا مدهشاً، لكن المدهش أكثر هو الاحترام لقيم الشعر وتقاليده؛ لأن احتفال الفرنسيين بمرور مئة وخمسين سنة على ولادة " رامبو" كان احتفالاً مميزاً تجلى في عدة تظاهرات من أهمها صدور كتاب (رامبو بعد رامبو) عن دار "ثكستويل" في باريس؛ وهذا الكتاب يُعد من أهمّ وأطرف الكتب التي تناولت المرحلة الأخيرة من حياة رامبو بشكل خاص؛ يضمّ مختارات مما قيل في رامبو أو عنه، فرنسياً وعالمياً، جمعها وقدّم لها الأديب (كلود جان كولاس)..‏

وتأتي أهمية هذه «المختارات» من كونها تظهر أهمية الأثر الذي تركه رامبو في الأدب الحديث على مستوى العالم، وأهمية ما أحدثه من ثورة على صعيد الشعر والفن، على الرغم من قصر عمره.. فقد أنهى "حرفة" الشعر في العشرينيات من عمره ليبدأ حرفة الحياة الأخرى، الحياة الهائمة، الحرة، الغريبة والصامتة.. وكان صوته صوت طفل وصوت عجوز في آن معاً، كان صوتاً متعدد الاتجاهات يمكن التمييز فيه بين نبرة الحكمة وصرخة الحرية وصدى المجهول.‏

في هذا الكتاب يتحدث عدد كبير من الأدباء والشعراء والفلاسفة والنقاد والفنانين عن هذا الشاعر الجميل (رامبو) الذي فتنهم وأثّر فيهم وفتح أمامهم آفاقاً رحبة للبحث والنقد والكلام.‏

يقول مؤلف الكتاب: (ما زال رامبو، هنا، قريباً جداً، إلى جانبنا، في الأمام... وصوته لم ينطفئ مع انقطاعه عن الكلام، لم ينطفئ حتى بعد موته. ما تراه يكون هذا السر، هذا الافتتان به الذي سيطر علينا به؟ من أي سحر صيغت هذه الظاهرة؟ لقد أصبح رامبو بطل حداثتنا. إنه أحد الرئيسية الرئيسة في هذه الحداثة، الأساطير التي أسست هذه الثقافة غير اليقينية، المضطربة.‏

إنّ. مسلكه, صوته وحضوره... تسربت إلى الآداب كلها، فإذا هي راهنة أكثر من قبل، حقيقية أكثر. هكذا يرسخ كلود جان كولاس في المقدمة حقيقة الأثر الذي حفره رامبو في ذاكرة الشعر في عصره والعصر الذي تلاه والعصور المقبلة.‏

ويضيف: (إننا نجد رامبو حتى في المكان الذي لم يذهب إليه البتة، في المكان الذي لا يمكن انتظاره فيه).‏

ويبدو هذا الكلام حقيقياً حدّ الدهشةِ فرامبو موجود في قلوب معجبيه وعشاق شعره تماماً كما المتنبي ونزار قباني وأمل دنقل وبدوي الجبل ونديم محمد وحامد حسن وكلّ شاعر مبدع استطاع أن يتجاوز رؤى عصره ليطل على الحياة الإنسانية الشاسعة الشاملة..‏

واخيراً.. أشكر الشاعر الشاب "أمير" الذي دفعني اتصاله الهاتفي للبحث من جديد عن رامبو واللقاء به ولو كان هذا اللقاء من خلال كتاب نشر في فرنسا بمناسبة مرور قرن ونصف على مولده.. وهكذا تمضي...‏

تمضي الأيام والشهور والسنون و..يظل رامبو ، في واجهة المشهد الشعري الفرنسي والعالمي, رمزاً للشعرية الحقة ولجنونها الجميل الذي عاشه رامبو شعراً وحياة تضج وتصخب بالحداثة.. من خلال التجربة التي خاضها بروحه وجسده..‏

* المعلومات الواردة في الزاوية عن الأنترنت بتصرف.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244