مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 440 كانون الاول 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

في تفسيـر الظاهرتين (اللفظية والإنشائية) ـــ د.عبد الكريم الأشتر

ما وقع في يدي كتاب ضخم، في موضوع محدد، إلا هالتني كثرة التضمينات فيه، والتوسع في الحواشي، وشدة الميل إلى الإسهاب، والقدرة الخارقة على تقليب الألفاظ.‏

وكانت مضت، في تراثنا الأدبي القديم، مدرسة في التعبير تقوم على الاحتفال باللفظ، اختلطت، على ما أحسب، بكلام قاله الجاحظ يوماً، في أن الكلام يقوَّم بصياغته، فأما المعاني فمطروحة في الطريق. وكان قصْد الجاحظ أن يلفت النظر إلى أثر الصياغة لا غير، وإنها هي التي تميّز <-- لغة الإبداع من لغة الكلام، مهما تكن وفرة المعاني ومكانتها فيه إذ ما لم يخالطها المبدع، ويصلها بالحياة من حوله، فهي تقريرات جامدة لا تفسر عالماً، ولا تحدد موقفاً منه، ولا تصور مسلكاً فيه.‏

فلما بدأت حضارتنا، ابتداء من القرن الرابع الهجري، تصل إلى نهاية قدرتها أو قريباً منها، في الإبداع وابتكار الأشكال وصياغة الحياة صياغة جديدة، بدأت ترجح كفة اللفظ رجحاناً ملحوظاً، وشاعت نزعة غالبة في التكثير منه، وتعددت المذاهب في صنعته وتزيينه، حتى ليقرأ القارئ أحياناً وصفاً لأجل المناسبات، على لسان القاضي الفاضل، في فتح بيت المقدس <-- مثلاً (583هـ)، فيطير عنه جلال المناسبة التاريخية وروعتها التي هزت يومها العالم الإسلامي كله، فما يتبقى منها إلا ألفاظ رنّانة مجموعة في جمل منحوتة لا تحرك في قارئها، على كثرة الصفحات التي ارتصّت فيها، شعوراً بأثر المنعطف التاريخي الذي حفرته في ضمير الأجيال.‏

وكان لابد أن يثمر هذا الاتجاه ثمرته فينا، بعد أن دخلنا عصر النهضة الحديثة. فمن بعد الطهطاوي والشدياق والبستاني والجيل الذي تبعهم، من أبنائهم وتلامذتهم، عادت هذه النزعة إلى الظهور، بالرغم من مواقف التحدي الحضاري التي أصبحنا نواجهها. صحيح أن الميل إلى التزيين والزركشة خفّت حدته، ولكن الإفاضة في اللفظ وغلبة النزعة اللفظية في الصياغة ظلت حية، وظلت إحدى سمات الفكر الأدبي عند فريق من الكتاب، في مرحلة طويلة من النصف الأول من القرن الماضي.‏

فعلى هذا النحو نفهم أثر المنفلوطي والزيات مثلاً في جيلهما، فقد خطفا الأسماع بحلاوة الصياغة ووضوح رنينها، ولكنهما عملا، في الوقت نفسه، على تكريس النزعة اللفظية، بإسرافهما في الاحتفال بها واستغلالها في تحلية الصياغة.‏

وجاء، مع أحمد حسن الزيات، طه حسين، وهو صديقه ورفيق صباه في الأزهر، وفي التطلع إلى أفق ثقافي معاصر، فاحتلّ الساحة، وكان قطباً من أقطاب الحركة الفكرية والاجتماعية في الوطن العربي كله. وكان، بحكم كونه يملي الكلام إملاء، حين يكتبه، يستحلي رنينه ويستعذب صياغته، وتكون له فيه ترجيعات لفظية أصبحت من بعد سمة مميزة من سماته. فكلِف به الناس، وتكونت له مدرسة في التعبير حاول تلامذتها أن يلحقوا بها فيه فأخفقوا إخفاقاً ذريعاً. فطه حسين، بالرغم من كل ما أثاره من قضايا الفكر والسياسة والاجتماع، وبالرغم من رهافة إحساسه، ونفاذ ذوقه، وجمال تعبيره، يُعد آخر أصحاب المدرسة اللفظية بالمعنى الذي نريده: تمديد الصياغة، والتزيد في اللفظ والاسترسال فيه وعقد الجمل عليه.‏

وقد آثرتُ ذكره هنا لبلوغ أثره في الفكر العربي المعاصر، وأستطيع أن أذكر، إلى جانبه، أمثلة أخرى، مثل الأستاذ أمين الخولي، والشيخ محمد أبي زهرة، فكلاهما من أصحاب الفكر الحيّ المشدود إلى خشبة الواقع، ولكنهما كليهما ممن يقرأ لهم القارئ الكتاب، ولا يعود، من بعد، إلا إلى صفحات قليلة منه. وقد حضرت للخولي بعض محاضراته، وقرأت كتابه (مشكلات حياتنا اللغوية)، فلم أخرج منه بأكثر مما دونته على جلدة الكتاب، من الداخل، على كثرة الكلام وترديده.‏

ــ 2 ــ‏

وكنت أظن، إلى زمن قريب، أن النزعة الإنشائية موصولة بهذه النزعة التي بلغ من ثقلها أن طغت على نزعة اللمح الأصيلة في تراثنا، المتمثلة في حب الإيجاز والدعوة إليه ثم انتبهت إلى أن الطلبة لا يصدرون فيها عن الوصل بين النزعتين، فهم ينكرون نزعتهم إلى تكثير اللفظ، ولكنهم، مع ذلك، يكتبون كلاماً إنشائياً خاوياً، فهي إذن نزعة لها صفاتها المستقلة، وينبغي أن تكون لها أسبابها القائمة في حياتهم.‏

فأما صفاتها المستقلة فوجدتها في انقطاع الكلمة عن الفكر أو الإحساس، فهم يدورون بها على ألسنتهم أشبه ما تكون بالثرثرة، فتبيّن بخوائها كأنها تكثير في اللفظ، دون أن يقصدوه، ولكنهم لا يعرفون، على التحقيق، ما يريدون أن يقولوه لأنفسهم، فمن ثم لا يعرفون ما يقولونه للآخرين، فيصوغون الألفاظ ويكثرون منها وهم لا يقصدون التكثير، وإنما يريدون أن يصيبوا شيئاً لا يتضح لهم، ولا يحسون حرارته في أنفسهم. فكثير اللفظ هنا ظاهرة من ظواهر الثرثرة التي تحفل بها حياتهم، وليست قصداً يقصد لتطبيق الكلام وتحسين وقعه ورغبة الاسترسال فيه.‏

فهذه النزعة إلى الإنشائية، بهذا المعنى الذي أريده، وهي الرغبة في الكلام الذي لا تمليه حوافز حية في النفس، وأفكار واضحة عن الأشياء، وإحساس حيّ بالحياة ومكان الكلمة منها وارتباطها بها وفعلها فيها، وإنما تمليه الحاجة إلى الكلام، تعويضاً عن العجز في الفعل أحياناً، أو ارتزاقاً بالكلمة أحياناً، أو تغطية على حقيقة لا سبيل إلى الجهر بها، أو لا سبيل إلى إعلانها سراً أو جهراً.‏

فبهذه الدلالة إذن تكون هذه الظاهرة وجهاً من وجوه الموقف الحضاري العاجز الذي يدمنه هذا الفريق فلهذا لا ينفع فيها التوجيه والإرشاد وشدة النصح، لأن الداء يكمن في أسس الحياة نفسها. ذلك أنه يستطيع أن يقول كلاماً كثيراً دون أن يقول فيه شيئاً، لأنه يستطيع أن يعيش عمراً كاملاً دون أن يحياه، أعني دون أن يقترب فيه من نفسه ويتملى حقائقها ويرتعش لها. فليس المهم لديه، في كثير من الأحيان، أن يحس بدفقة الحياة فيما يقوله وما يفعله.‏

ومن ثم يصبح اللسان أداة يسخرها لقتل الحقائق وتشويهها وتزوير إشكالها، وللتغطية على معاني الأشياء لا لكشفها. ومن ثم يصير الكلام لا يعني شيئاً سوى القدرة على حياكة الألفاظ وصياغة الجمل.‏

وعلى هذا النحو ينكشف خطر الظاهرة في حياته وعمق دلالاتها. فأي ميدان من ميادين الحياة يزعم أنه يركض فيه ولا يقتصر فيه على رعاية المظهر وحده، والبعد عن حقيقته التي تتطلب الجهد والمعاناة والصبر على حرارة الالتزام. ذلك أن المظهر كلمة يقولها، والحقيقة فعل يفعله أو موقف يقفه أو التزام يصبر عليه ويحتمل الأذى فيه، وهو ما لا يريده ولا يطيقه.‏

فمن هنا نرى عجزه عن أن يحب بصدق، أو يكره بصدق، أو يرضى بصدق، أو يغضب بصدق. وإنما يحب ويكره ويرضى ويغضب من طرف اللسان، فإذا جد الجدّ واستلزم أن يدفع من نفسه ما تقتضيه منه هذه المواقف العميقة من الحياة والناس والأشياء، بدا عجزه فيه واتضح ما كان يخفيه.‏

وقد ترتب على هذا الخواء أن أرسى، في حياته، سُلّماً للقيم يناسبه. فالنجاح في الحياة عنده، لا يعني الصدق في خطابها وممارستها والتفطن لمعانيها، ولكنه يعني القدرة على ركوب أكتاف الناس والظهور في كل الساحات، وجني المكاسب فيها. والمعرفة لا تعني القدرة على فهم النفس وتعميق روابطها بالناس والأشياء، والنفوذ إلى حقائقها، ولكنها تعني القدرة على امتلاك أداة هذا النجاح وتسخيرها للوصول إليه من أقرب السبل. والغنى لا يعني امتلاء النفس بالوعي بأسرار الوجود والانبهار بقوتها، ولكنه الطواف من فوقها والتلهي عنها بإحصاء الممتلكات وتكثير الأموال. والشجاعة لا تعني الوقوف في وجه الباطل وحربه وهزيمته، ولكنها تعني التفاني في الدفاع عن المكاسب التي جناها وقهر الآخرين وإذلالهم وإزالتهم عن موضع المنافسة. والصبر لا يعني تحمل المكروه والتجمل فيه مع حسن التأتي للمحنة وتحليل أسبابها والاستضاءة بدروسها، ولكنه ختل الآخرين على مهل، والمكر بهم ورميهم بالدواهي، وتشويه حياتهم.‏

فكيف يستقيم له، مع هذا كله، منهج صحيح للفكر؟ وكيف ينجو من حمّى التسابق على المكاسب لينشغل بتفلية نفسه وتطهيرها وإغنائها، وتتبع مصادر قبحها وفراغها، وتجميلها بالوعي والفطنة، واكتشاف جمال الحقيقة وغناها، حتى تشعّ فيما يقوله وما يكتبه على السواء؟‏

تراه لم يدرك أن الحياة لا تتجزأ في مظاهرها كلها؟ وأنه لا يسعه أن يستقيم ساعة من النهار وهو يعوَجّ اليوم كله؟ وأنه لا يستطيع أن يخلص لنفسه في جوف الليل إذا لم يخلص لها في وضح النهار؟ ولا يستطعم قبح مذاق الزيف والتزوير فيما يقوله حتى يستطعم قبحهما فيما يفعله؟‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244