مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 440 كانون الاول 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

جاري يا عازف الكمان ـــ طالب همّاش

من موضعيَ الواطئ من ظلمةِ داري‏

من ظلّي المحفورِ على جدرانِ الحبر العاري.‏

حيث تلوحُ الأيام محطّمةً‏

والورقُ الساقطُ من أشجار خريفِ العمر‏

يغطّيني كالأكفانْ!‏

وتصاويرُ أحبّائي‏

تتساقط كقصاصاتٍ سوداءَ على أصصِ الورد‏

وفوق كراسي النسيانْ..‏

من بيتي المرفوعِ على جدرانِ الليل بلا جدرانْ..‏

أتطلّعُ نحو الشرفات العليا‏

فأرى جاري الناظرَ أبداً‏

نحو بحيراتِ المغربِ كالظمآنْ..‏

يتأمّلُ في الأفقِ المُرسلِ‏

سربَ عصافيرِ الجنّةِ،‏

والبجعَ المتناثر تحت شراعِ الغيم‏

شرائطَ للأحزانْ..‏

يتأملُ في الليلِ مجاهيلَ الليل‏

ويعزفُ أنغاماً مسكرةً‏

كنداءاتِ الحيرة في الناي..‏

كما يتطهّرُ قلبُ الغيمةِ في قزحِ العذراءِ‏

كما تُذرفُ من عين القدّيسِ‏

على كفّ العاشقِ حبّاتُ الرمانْ!‏

فأمدّ يديّ إليهْ‏

وأناديهْ:‏

أحزانكَ في الليلِ كمنجاتٌ جوعى‏

وأغانيكَ العذبة تسقطُ كالدمعاتِ على عينّي‏

فإليّ.. إليْ!‏

يا بوذا الليل السهرانْ‏

اعزفْ بكمانكَ في الأفق الأزرقِ‏

كي أتأمّلَ حزنك في ضوءِ القمرِ السهرانْ!‏

***‏

ما أجملَ أن تتقطّر قرب دموعكَ‏

في أوقاتِ المحنةِ دمعاتُ أخيكْ!‏

اعزف ما يجعلُ قلبَ الأمل الواقفِ في بابِ الدمعةِ‏

حرفَ نداء يرثيكْ!‏

***‏

اعزف ما يجعلُ ضوءَ القمر الأبيضَ‏

ينحلّ على صدرِ العاشق‏

غصّاتٍ.. غصّاتْ!‏

***‏

اعزفْ كي تتطهّرَ نفسي السكرى‏

في لحظاتِ الصمتِ الصوفيّ‏

وتنحلَّ سكينةُ حزني الربّانّي‏

إلى قطراتْ!‏

***‏

اعزف كي يهتزَّ مهبُّ الريح‏

على الأوتار‏

ويرتعشَ الأمواتْ!‏

اعزف ما يجعلُ روحي‏

تتكهربُ بالأنوارِ الوردية‏

فوق غصونِ الرؤيا كالكروانْ...‏

***‏

فأنا أهتزّ حزيناً ورقيقاً‏

كالوترِ المشدود على جسمِ كمانْ!‏

عزفك سحريٌّ، سرانيٌّ‏

يتنزّل كالعطر على الصدر المعتلِّ‏

وحالاتِ الروحِ‏

وأرأفُ من نسمات الفجرِ‏

وأطيبُ من قلب العصفورْ‏

***‏

وأنا قدّيس العمر المتأمّلُ عند طلوعِ الفجر‏

طيورَ صلاتكَ سابحةً فوق بحيراتِ البلّورْ.‏

***‏

فاعزف كي تتقطّر أوجاعُ الشاعر‏

من مصباحِ الليل الدامعِ‏

في كأسِ الصمت المكسورْ!‏

***‏

نوراً مجروحاً يتقطّرُ من جمرة نور!‏

***‏

ما أجملَ أن يصبحَ قلبي طيرَ سنونو‏

يشربُ دمعاتِ مراثيكْ!‏

ما أجملَ أن تبلغ زقزقةُ العصفور بصدري‏

أجراسَ أغانيكْ!‏

ما أجملَ هذا العزف النازف‏

فوق عذاباتِ الإنسانْ!!‏

ما أجملَ أن يتطلّعَ نحوك‏

في أعمقِ ساعاتِ الليل غريبٌ حيرانْ!‏

ما أجملَ هذا الكون العالي‏

موسيقى سارحةٌ‏

وفضاءٌ صافٍ‏

تتصوّفُ في قدّاسِ سكينتهِ البيضاء‏

نفوسُ الرهبانْ!‏

ما أجمله.. كوناً يتلألأ أزرقَ‏

تحت قناديلِ الرحمانْ!!‏

فارفعْ صوتكَ في بُحْرَانِ الوحشة..‏

عذّبني بنحيبكَ‏

واقتلني بأنينكَ‏

انزلني وارفعني‏

كسراجِ نبيذٍ أعمى‏

لأحدّقَ كالذاهل في رؤياكْ!‏

فأراكْ‏

مكسوراً وعطوفاً ونقيَّ القلب‏

فأسقي نفسي الظمآى من ينبوعِ أساكْ..‏

حلّق بجناحيكَ لتحملَ آلامي كالطير‏

لأبصرَ أزهارَ الدنيا في عينيكَ..‏

وتبصر في عينيّ سماواتِ الخسرانْ!‏

يا جارَ الليل السهرانْ!‏

***‏

يا بوذا الواقفَ فوق سكونِ العالم‏

والشاردَ كالراعي بين قداديسِ السلوانْ!‏

***‏

اعزف أغنيةً عن حزنِ أخيكَ المتعبّد‏

عن غربته بين سراةِ الناسْ!‏

.. أغنية تتلامسُ موسيقاها العذبةُ كالأجراسْ..‏

فكلانا تتساقطُ أوراقُ كآبته‏

من بين يديهِ، وتبلله الحسراتْ‏

وكلانا يغمضُ عينيهِ على طيف صديقٍ غابَ‏

ويبكي منفرداً في القداسْ!‏

وكلانا لا ينزح من بئرِ لياليه السوداءِ‏

سوى الدمعاتْ..‏

فاعزف ما يجعلُ أوتارَ كمانك‏

تتألّمُ كالمطرِ المرِّ على صدرِ الأمل المهزومِ‏

وكالريحِ على طرقات الحادينْ!‏

فأنا في هذي الوحدةِ‏

نحَّاتُ تماثيل الغربة من أحجارِ الدمع‏

وصدّيقُ البكّائينْ!‏

أنحتُ أصناماً غابرة الحزنِ لأسلافي المفقودينْ..‏

أسقى أزهارَ النرجس من ماء الغصّاتِ‏

فترشحُ عطرَ الزهر حزينْ‏

لا امرأة لتردّ ضفائرها الذهبيةَ فوقَ جبيني‏

فأقول لها:‏

كأسُ النهدِ صغيرٌ في الأبيضِ يا زهراءُ فغطّيني!‏

فالليلُ حزينُ المطلع‏

والظلمة أصفى من عينِ السكرانْ!‏

..أنحتُ وحشتنا‏

أنقلُ يأسَ الروح إلى الصلصالْ..‏

أنحتُ في الصمتِ المبهم شمس زوالْ...‏

أنحتُ أوجاعَ العازفِ إذ تترقرقُ في سكراتِ المّوالْ..‏

أنحتُ وجهَ فتاةٍ أجمل من قوس هلالْ..‏

***‏

يا بوذا الليل المتأملِ‏

هل أبصرتَ جمالَ المصلوبِ يضمّ عذاباتِ‏

الدنيا بين ذراعيهِ‏

ويعلو فوق غروبِ الشمس الزائلِ كالربّانْ؟‏

هل أبصرتَ شقيقَ مراثيك‏

يمارسُ حزناً روحانياً في البيت‏

ويرفعُ نحو سماواتِ الفجرِ نحيباً منفرداً‏

ويموتُ على الصلبانْ؟‏

***‏

فأنا لست سوى شبحٍ مهجورٍ‏

يمشي كالظلِّ على الطرقاتْ!‏

لكن حين يشيعُ الليلُ وتنطفئ الحجراتْ..‏

أتطلّع نحو الشرفات العليا فأراه..‏

العازف إيّاهْ‏

يطبقُ كفّيهِ على عينيهِ ويبكى كالكهّانْ‏

ويسيلُ كدمعةِ حزنٍ في لحن كمانْ‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244