مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 440 كانون الاول 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

ليست للبيع أو المبادلة ـــ صبحي فحماوي

ارتياد المقاهي إدمان، وأنا مدمن مقاه.. لا بل مقهى واحداً، مازلت أرتاده ليلياً، منذ ثلاثين سنة.. لا يمنعني من الذهاب، إلا الشديد القوي..! ففي كل ليلة، أتقاتل مع زوجتي أريج، فيتطاير الشرر من عينيّ، وأخرج من البيت، مخنوقاً، مولولاً صائحاً.. هذه ليست عيشة..! والله ثم والله، لأبيتن الليلة هناك..! فترد عليّ بمرارتها المطفأة... الليلة قالت لي: (قال عبد الغني قال..! كان لازم يسموك: العبد الفقير..) ولكنني ما أن أدخل مملكتي، وأقعد هناك، على الكرسيّ المجوز لي، على الواجهة الزجاجية للرصيف، الكرسي الخيزراني المعهود نفسه، ويتقدم نحوي أبو أسعد، بتكاسله المقيت، وعيناه على حركات وطلبات الزبائن الآخرين، حاملاً معه نرجيلتي النحاسية الزجاجية المائية النارية الطويلة، المفعمة بدخان يشفطه على الطريق.. ابن الكلب يشرب طوال الليل دخاناً ملغوماً، دون أن يدفع..! فيضع لي يا محترم، كأس الشاي الدبس على المنضدة النحاسية العملاقة، ويوقف النرجيلة على الأرض، ويفك لي خرطومها الأطول من خرطوم غسيل السيارات، الذي أعمل به طوال اليوم في المحطة. تقف العمارتان أمامي، مثل ريا وسكينة.. وما أن أسحب نفساً، وأشفط شفطة من الشاي الحبر يا حبيبي، حتى أتجلى، وأسلطن، وأقعد ألاحق بنظراتي مشاة الشارع التجاري، المكتظ بالمارين في قاع البلد، وأفضفض بصورتي الجهور.. هذا لا يهم، فلقد تعود رواد المقهى على سماع حكاياتي، وهم يضحكون عليّ، ويعرفون أن عقلي طاقق.!‏

تمر الشابّة السمراء الطويلة السوداء العينين الواسعتين السمينة بعض الشيء، بالحجم الأنثوي الممتلئ، الذي أفضله (كامل الدسم)، وشعرها ينسدل على ظهرها غزيراً، مثل ذيل حصان.. لقد أحببتها حب عبادة، بصدرها العامر بالإيمان، وإليتها المعتمرة، وبطنها الشبعان.. يا عمِّي لحم..! لحم..! تمرُّ بثوبها الطويل، المزركش بزهور منمنمة، كحقل غابة ربيعية، وكعادتها من وراء القضبان.. أقصد من وراء زجاج المقهى، تبتسم لي، فيظهر نابها.. (وإذا ضحكت، وبيّن نابها، الحقها، ولا تهابها..) ولكن إلى أين ألحقها؟ فالنرجيلة تطير مني! وأنا عندي نَفَس تمباك، أو معسِّل، أهم من كل نساء الأرض.. تختفي الملعونة، ولكن بسمتها تبقى تشرح صدري، وذيل حصانها الشعور، تلعب به الريح، فتتركه مثل عبير امرأة، يفوح خلفها.. وتترك قلبي يرتعش لها، مثل ارتعاش عصفور لحمي صغير، داخل عشه، وهو يشاهد أمه تهبط عليه، دفئاً وحناناً، بالطعم الفلاني.. جرادة اصطادتها، أو دودة التقطتها، أو ثمرة عُلِّيق حلوة، قطفتها من أمها، تسقطها في فمه المفتوح، والذي يظهر أحمر شغوفاً من الداخل... لو انتبه العاطلون عن العمل للعصفورة المؤدبة، لقلّدوها، وأكلوا الجراد، والدود، وثمر العُلِّيق، وما اشتكوا، ولكنهم "مزعجون"، وكثيرو الشكوى..‍! سبحان الله!‏

عادت المعلونة من الاتجاه المعاكس، كما هي في كل مرّة، شقراء نحيلة الجسد.. نفس العينين الزرقاوين، مشرئبة النهدين الفائرين، المتمردين على سخونة جيبهما المُعلَن، ككرتي قشطة، حلمتاها ناتئتين داخل قميص يصغرهما بدرجتين، يحاصر بنيتها التحتية بشدّة، بنطال ضيِّق الخُلُق، فيعتصرها عصراً، فيظهران متوهجين، مثل جبلين من نار.. تمر بطيئة من الجهة الأخرى، تتبسم لي بشهوة تثيرني، وهي تتأبط ذراع رجل تائه، ينظر إلى مستقبله البعيد، بنظارات طبية ثقيلة، مثل نظارات محمد عبد الوهاب.. كانوا يسمونها (كعب كباية)، وهي تستغلُّ كونه لا يرى، فتغمزني من وراء حجاب.. صحيح أنها كانت مستورة، وابنة حلال، ويشهد الله أنها كانت تغطي رأسها بحجاب، فلا يظهر من شعرها الذهبي، إلاَّ منتصفه.. وشفتاها المكتنزتين، كبديتي اللون، وأنا أحب (حوسة الكبدة).. تشعر الملعونة بعوزي، وشهيتي للكبد، فتضمُّها وتقذفها إليّ، مقبلةً الهواء الملوث، فيتهاوى قلبي ملتقطاً قطعة الكبد، مثل التقاط ولد جائع لقطعة الجبن، التي أسقطها الغراب... لم نعد اليوم نشعر بالهواء الطلق.. صار الطلق مجرد طلق في الهواء، أو طلقات على الأرجل، وكما قال جارنا أبو نورس (حَيِّد عن الراس واذرب..) وأحياناً تكون الطلقة في الصدر، أو في الظهر، أو حتى في الرأس، والذي يصير يصير..! والكلمة ثمنها طلقة، والطلقة ثمن كلمة، (الكلمة كانت أولاً) والطلقة صارت أولاً.. وأحياناً تأكل لك طلقة، دون أن تقول (بمّ) كما يحصل مع المساكين، الذين يطلقون عليهم في الساحات..!‏

لخمتني هذه الجميلة التي تخايلني كلما أسهو، وأشفط نار الدخان، المتصاعد إلى مرجل رئتيّ الذي يغلي، فتمرُّ بحلاوتها المعهودة، مقصوصة الشعر الأسود، إلى مستوى أذنيها، والممشّط على الطراز الفرنسي، لا أعرف لماذا تكرر مرورها من هذا الشارع الغزير المشاة، تسير بخيلاء في الهواء المدخّن، وتنظر كل مرّة إليّ، باسمة بعينيها العسليتين، وكأنها تدعوني للخروج معها... (ما أحلاها عيشة الحرية..!).. قال لي أبو سعد، الذي جاء يرمي الجمرات، هذه يا عبد الغني، مسروقة من أغنية عبد الوهاب (ما أحلاها عيشة الفلاّح.. متهنِّي وقلبه مرتاح..!) تجاهلته، ولم أرد عليه، ولم أعبِّره، فاليوم صارت عيشة الفلاح مقلوبة.. شهد محللوا ومُحَرِّموا الاقتصاد الحر المحترمون، وحلفوا بالطلاق، أمام قاضي محكمة العدل الدولية، أن إنتاج الفلاحين لا يزيد عن 4% من الدخل الوطني، وما دام تحت الخمسة في المائة، فليذهبوا إلى الجحيم.. وصدر القرار هكذا: مرسوم رقم 13: تُحَوّل كل مياه الري والزراعة إلى حمامات السياح، والمصطافين على شواطئ برك سباحة، من لؤلؤ واستبرق.. وكما استأصلوا زائدتي الدودية، بحجة أن ليس لها فائدة، استأصلوا الفلاحين من الوطن، وحرقوهم بحطب غاباتهم، دون نفط، ذلك لأن سعر نفط العرب ملتهب بيننا، وبرداً وسلاماً على إبراهيم..! ولأن حرق النفط، يلوث البيئة، والجماعة ـ حرام ـ حماة بيئة..! أسكت! حرقوهم بالجملة، "أرخص"! هم وكل الطيور المصابة بمرض الأنفلونزا..! ولذلك انقرض الفلاحون، وانقرضت الغابات، ولكن الله عوضّنا، وأعاد لعصافيرنا فيروسات فقد المناعة، سالمة غانمة.. فاستقبلناها بالأحضان، واستمتعنا بشمس التصحر.. الحمد لله! صار السياح يأتوننا (حفايا، عرايا) من كل فج عميق، فقط ليتشمسوا برمال صحارينا، التي تهب "أجف من القماش بمرتين"، فتنعش القلب..! الأغبياء يتركون غاباتهم بلا حلاقة، إهمال مطلق في الحلاقة، كل شيء عندهم بلا حلاقة، حتى شعر الـ... عند نسائهم بلا حلاقة.. هكذا منعثل، مثل أعشاب الغابة الربيعية، وليس مثلنا، فهنا كل شيء نحلق له، غابات، ينابيع، حتى أعشاب الـ... لا داعي لأن يسمعنا أحد..! تحب أن أحلق لك؟ قال لي أبو أسعد، وهو قادم، ليسترد كأس الشاي الفارغة.. الملعون يبقى معظم الوقت ملتصقاً بنرجيلتي، بحجة الجمرات الثلاث، ولكنه والعلم عند الله، يقصد سماع ثرثرتي.. لست أعرف ما إذا كان يشتغل مثل معظم هؤلاء الـ.. مخبراً صادقاً، لعل وعسى أن يلتقط له كلمة حق، أو جملة مفيدة، أو عبارة فائرة.. يكسب من ورائها عيش أولاده الصغار!‏

ألمحُ المرأة نفسها، إنها قصيرة (قزعة)، وجسدها مدملج من جميع الجهات، (زوج القصيرة، يحسبها صغيرة!) تمر كعادتها من الشارع نفسه، تُزاحم، وتنفذ من سم الخِياط.. إنها حنطية مجففة الشفتين المتلفتين، نفس التكشيرة، ولكنها ماشي حالها..! صحيح أنها لا تعرف السيليكون، ولا البروتين، الذي تعرفه نانسي عجرم.. ولكنها تلهط من هذه الشحوم، التي تتصدق بها الجهات المانحة (ليست للبيع أو المبادلة) وبصراحة، أريد أن أفضح المستور، ذلك لأنها فائرة معي هذه الليلة! وأقول: إن الشجار الذي تم اليوم بيني وبين زوجتي أريج، كان بسبب تفصيلها سروالي الداخلي الململم من أكياس طحين الدول المانحة، التي تخرج بيضاء من غير طحين.. هم يبيعونها، رغم أنه مختوم عليها (ليس للبيع، أو المبادلة)، ليس هذا وجه الخلاف، فأنت تعرفني.. أحب الأشياء المجانية، والنبي قبل الهدية. ولكن المشكلة أن العمياء زوجتي، لم يعجبها وضع رسم اليدين المصافحتين بحرارة، إلاَّ على مؤخرتي..! نعم، على منتصف مؤخرتي..! فظهرت العبارة المحترمة، وتحتها رسم اليدين المتصافحتين بحرارة، على الثقب تماماً.. (ليس للبيع أو...) وهذه فضيحة تجنن..! هذا شيء يغيظ ويخزي..! ولكنني الآن وبعد أن برد رأسي، وخفّ ضغطي، انتبهت إلى أنني كنت مخطئاً، وعلى العكس، يجب أن أشكرها عندما أعود.. فكون "الموضوع" (ليس للبيع أو المبادلة) هذا شيء مُشرِّف، ويرفع الرأس...!‏

هذا الشارع يكتظ بالمارة، وليست الجميلة وحدها، التي تلاحقها عيناي بين الجموع، ذلك لأن المرور على الأقدام ما يزال مجاناً، فازداد ضغط الأقدام على الشارع [واطلبوا الرزق عند تزاحم الأقدام] يعتبرونها فرصة! الناس يركضون هنا وهناك، يشترون كل شيء يا رجل..! بالتقسيط المريح..! المريح جداً.. السهل جداً.. خذ "قرداً" واربح..! أقصد خذ قرضاً واربح..! اربح يا رجل..! هل من أحد منا يرفض أن يربح..؟ سبحان الله.! نصف مليون ربح..! من سيربح المليون..؟ عشرة ملايين ربح..! كل يوم مليون ربح..! قرقش واربح..! (فرفش واربح)..! (قزقز واربح)..! (مزمز واربح)..! اربح واربح..! نحن لا نلعب قماراً، ولا نمتص جيوب المغفلين الغلابة، بل نربح ربحاً حلالاً زلالاً، بمشيئة الله..! إن شاء الله تربح..! روح ليتك تربح..! اربح مني، من شان الله! (إلهي لا يحطّك في ضيق..!).. يا رجل، العالم كلها طالعة نازلة تربح، وتربح، وتربح.. وأنت جالس هنا، مُتكّوم على هذه النرجيلة.! قم واربح لك ربحاً، لأن الأشياء سوف تغلا.. سوف تغلي. سوف تغلو أثمانُها، سوف تغلُّ أثمانَها.. غُلوّاً كبيراً.. هناك غُلوٌّ في الموضوع..!‏

وعندما أنهره: خلّصت النفس يا حيوان..! يقول لي أبو أسعد: والله لولا سحبي المجاني لهذا النفس وذاك، طوال وقت دوامي، لما بقيت ليلة في هذا المقهى.. فأنا يا عبد الغني، (أتمزمز) على نرجيلة كل زبون، شفطة من هنا، وشفطة من هناك.. تماماً مثل عمال محلات الحلويات، يأكلون قطعة كنافة من هنا، وقطعة كلاّج من هنا، وقطعة هريسة من هنا، ولا تنسى المعمول يا محروم..! فلا يصل أحدهم بيته، إلا وهو مصاب بمرض السكري.. أنا يا سيدي مصاب بداء الرئة..! رئتي مغلقة..! فأقول له: حلّ عن سمائي، فأنا عقلي كله مغلق، وليست رئتي وحدها..! كل شيء مغلق هذه الأيام.. الشوارع مغلقة للتحسين.. (نعمل من أجلكم، ونأسف لإزعاجكم..) كلهم يعملون من أجلنا، فمحطات النفط مغلقة في عزّ البرد، بهدف التحسين، ومواسير مياهنا الوطنية مغلقة للتحسين، والوظائف الحكومية مغلقة للتحسين، والمستشفيات الحكومية وصيدلياتها مغلقة للتحسين، والمدارس الحكومية مغلقة للتحسين.. وكل الذي يعملوه هو حفريات في حفريات في حفريات.. يرقعونها اليوم من هنا، ثم يحفرونها غداً من هناك، يزفتونها بأزفت زفت، ليحفروا التي بعدها.. حفريات الأمس كانت للهاتف، وحفريات اليوم للكهرباء، وحفريات الغد للمياه، وحفريات ما بعد غد للمجاري، وتستمر لعبة الروليت الروسي تدور، فحفريات ما بعد بعد غد، للبحث عن جرار الذهب.. هناك جماعة متخصصون لمثل هذه الحفريات، يأخذون معهم (رَصَد)، لا أعرف ما هو الرَّصَد، ولكنني متأكد من الرصد، فالبعض يجد الرصد في حفرة الكنز، مثل أفعى أم قرون وجرس، والبعض يجلب رصده من مغارة بعيدة، وهو عصيٌّ على التجاوب معهم، تسمع صراخه للسماء العالية، ولكنك لا تراه وهم يجُرّونه بجنازير حديد..! وبعضهم يستأجر رصداً من عند شيخ مفتي غير شكل! والرصد أحياناً يقتل صاحبه، وأحياناً يودي به إلى السجن، وأحياناً تشتعل صراعات ومذابح جانبية، بين الشركاء في التنمية..! فإذا أرادت أن تشتغل في مثل هذه الأرصاد.. يقولون لك: (من رَصَدَ الناس، مات همَّاً!) وأنا لست مسؤولاً عن رَصَدي.. هكذا يقول لك العراف، شيخ الطريقة. شيء لله يا سيدنا الشيخ..! وهكذا تستمر حفرياتنا، حتى نصل إلى الحفرة الأخيرة..! تعرف يا أبو أسعد، خطرت ببالي فكرة، أن ألبس هذا السروال الداخلي المتنازع عليه، وأدور به علناً في هذه الشوارع المكتظة، مؤكداً لهم من طرف واحد أنني (لست للبيع أو المبادلة)!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244