مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 440 كانون الاول 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

أنهت الكأس... ولكن ـــ زهير جبور

عجيب أنتما لم تلتقيا سابقاً، هكذا سأل المضيف، وهو يقدمهما للتعارف، مدّ يده فمدتها. تصافحا. سحبتها على عجل، بنزق داخلي، ولم تكترث لابتسامته، مشت بعصبية صوب زاوية بالقاعة، تناولت كأس الماء، شربت، شاعرة بقليل من الانقباض، وما قيدها دون شعور، فقد لعبت المصادفة دورها في لقاء مشحون بالطاقة الزمنية، وجدت أن عليها إطلاق روحها لتحمل (شيفرة) خاصة لن يترجمها من الحضور هنا سواه.‏

أضاعت بالكلام سنوات من شبابها، وهمها يكبر ليطغى على الأماني، الأفكار، الأحلام، فانصرفت لشؤونها، حين سماها صغيرة، وتركته لكبائره، منفصلة عنه، مبتعداً عنها، هذا ما جرى.‏

ــ لن أعود لماض لا ينسجم وما أنا عليه الآن، مجرد وهم، كان من المحتم استئصاله، فعلت أنا، وما فعلت.‏

ــ أهكذا تقول؟ استئصاله! وأنت الذي حدد المصير، انظري سأعود بالتابوت أو حاملاً الحقيقة.‏

* وجدت نفسها تندفع إليه، وكانت القبلة الأولى على شفتيها، وما عرفتها أبداً، فعاشتها كما ينبغي، تذوقت طعم تعريها، والذوبان الشهي بين أحضانه، شرف لها أن تقبل شهيداً أو حاملاً للحقيقة، وعلى الحالين اعتبرت أنها قلدته الوسام الروحي عبر الجسد.‏

لم يعد بالتابوت، ولا بالحقيقة، راح هرمها يتحطم، مدهوشة في سر حرب تبدل مفاهيم البشر، وهم يدخلونها من أجلها. سمعت اسمه بالراديو. قرأته بالصحف.‏

كررت ملخص سيرة حياته، وتأملت طويلاً صورته، وصلتها رائحة النفاق، هي تعرف لماذا اختاروه، ففكرت أن تبعث له بوردة حمراء، قد توقظ فيه ما غفا من وطن، أو جرزة (سلق) أكلته، تلصقه بأمه التي ماتت، بها، بالأرض، هكذا كان يقول.‏

*ضحكت بصوت مرتفع قليلاً، لكن موسيقا المكان بددتها، تناولت كأس ماء، شربت، أعادتها لمكانها، هو يمتص من تبغ لفافته، يطلق نظراته متفحصاً الوجوه سواها.‏

ــ كنت متزمته، جليد حقيقي، تريدين أن أبقى على (البسكليت) مرتدياً (أفرولك) الأزرق، مردداً شعاراتك، زمن انتهى عند البشر. بقي عندك، وحين دخلت العصر كان عليّ أن أتقن فن الافتراضات، وأنت صماء وهمك.‏

ــ صماء وهمي يا مفترض، أيبرر هذا مواقفك، اجتمعوا ليحيوك ومن بينهم مجنون الحي، الذي لا يجيد لغتك بالافتراض، صديقي، هكذا كنت تطلق عليه، هرول للقياك فرحاً، ماذا يريد صديقي؟ وتضحك، هم يضحكون لك وله، ويبتهج رجال الساحة بقدومك، يصرخ (البسكليتاتي):‏

ــ حماك الله يا أمير، تصلح أن تكون رئيساً.‏

يتقافز قلبك نشوة، تطير يا أمير، وما كنت تعني إلا أمارة قلبي وقد توجتك على عرشه.‏

طرد مرافقك المجنون، صرخ:‏

ــ ابتعد من هنا.‏

نظر إليك، فتجاهلته، انصاع للصوت السلطوي، بدا وجهه مندهشاً بغموض، وهو يحدق فيك، قفز في الهواء كعادته حين يغضب، راح يجري بلا اتجاه، مردداً:‏

ــ مات.. مات.‏

* لم تضحك بل رسمت على شفتيها ما يشبه السخرية الفاقعة، وقد هزت رأسها أسفاً، وتناولت الكأس، وشربت الماء، ثم أعادتها لمكانها على الطاولة.‏

ــ سألت صديقة أمك، ما به هل ركبه شيطان؟‏

أجابها (البسكليتاتي):‏

ــ بل كرسي يا عجوز.‏

وبالمقهى صفقوا لك، وأنت تحدثهم عن الخبز، وحين داهموه وسحبوك منه هبوا للدفاع عنك، عدت بندبات جسد افتراضية، ليتوجك آباء أطفال الخبز بطلاً، لكنهم وجهوك هناك أن أتقن لعبتك، خذ دورك على أصوله، نجحت، والآن يعودون عاجزين عن مقابلتك، خائبين من شدة فتورها، يتنهدون، قائلين بأسى صدق المجنون، فقد مت.‏

* يتحدث، يمتص تبغه، يحني رأسه بتواضع، وتهذيب، يرفع يده، ينشر ابتساماته، تناولت الكأس، شربت الماء.‏

ــ هذه ليست إدانات، ودفاعك عنهم لا مبرر له، أنت أيضاً كنت تفردين جناحين حين ينادونك بمركيزة الحي، تلوحين بشعرك. ترفرفين برموش عينيك، توقفي عن هذا العرض المهترئ، وتخلصي من سخط أفكارك، وقد سجلوك بقاموس (بوحريد) يا مناضلة.‏

* ما يدور من حولها نزيف، هو خلف دخان تبغه، يجيد اللعبة. يتقن دوره في الاحتمالات، أحاديث، وروائح عطور نساء منتفخات الصدور، يتوددن إليه، يركعن إن شاء الله عند قدميه، يقدمن ما يرغب من شهوة بسيقان مشعة (كالنيونات) ومؤخرات مشدودات حتى حبس الدم، تحمل الكأس ولا تشرب، يقرب اللفافة من فمه ولا يمتص تبغه، تتصادم النظرات، فينطلق ما يشبه البرق، بأقل من لمحة رؤيا، وتبتسم بهزء.‏

ــ يهمك إن تزوجت أم لا، تزوجت، وما أنجبت، اعتبرني صحراء دون واحة، وشمسي لا تطاق، وليلي صقيع، فرحل، وما فتشت عن منصب، ولا لوحت بشعري ورفرفت برموشي.‏

ــ اسمعي، وما كنت تسمعين لو لمرة واحدة، لماذا هذا الانفعال السخيف؟ وكلانا يتهم الآخر، لنفترض بأنك لست الأنت هنا، فما كنت سأنبش في بئر دفنت بجوفه الماضي، وما هو الآن إلا قمامة متأكسدة.‏

* تناولت الكأس، شربت الماء، أبقتها بيدها للحظات، ثم أعادتها بهدوء، وصوت الموسيقا يعلو، وهن يقدمن أمامه أجساداً عارية من تحت الثياب، هو يصفق بإعجاب، واستبسال، ورائحة جنس تطلقها مسام جسده.‏

ــ افهم، لو لم تكن أنت الذي هنا، فما كنت سأسترجع شريط شناعاتك يا مهزوم، لأنني نسيتك تماماً.‏

* ضحك بصوت عال، فضحكوا بصخب لطرفة رواها لهم، منهم من أدمع وجفف بمناديل ورقية.‏

ــ لو لم يجمعنا الحي، والمقهى، والمجنون، و(البسكليتاتي) ولا درست معك بالجامعة، كنت واحدة منهن، ترضخين لملذاتي، وسأفككك قطعة، قطعة، حتى ما بين الساقين.‏

* انتفضت، تكاد أن تقف وتقترب منه لتقذفه ببصقة جديرة بمكانته، فتناولت الكأس. شربت.‏

ــ عليك أن تغادري.‏

ــ بل أنت الذي عليه.‏

ــ إن فعلت سيطلقون الرجاءات لأبقى، أنت لا شيء، أنا كل شيء.‏

ــ إذا غادرت فسوف تعتم المرآة التي أعكس من خلالها وضاعتك، اضحك امتص من تبغك، حرك يديك، رقبتك، عش افتراضاتك، يا إلهي كيف تمكنت من جمع هذا الكم المريع من الوضاعة بشخصك.‏

* توقف فجأة، فصمتت الموسيقا، نهضوا كلهم لوداعه، مستعطفينه البقاء أطول، لم تتحرك من مكانها، كانت نظراتها تشيعه، تناولت الكأس فوجدتها فارغة، لم تشرب، وأعادتها إلى مكانها، اقترب المضيف منها معتذراً فقد شغله الضيف الكبير.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244