مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 440 كانون الاول 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

المزار ـــ سهيل الشّعار

حين بنى أجدادي هذا المزار فوق الجبل، لم يكن أحدٌ منهم يعلم ماذا يخفي الجبل تحته، ولم يخطر على بال أحدهم قط أن يحصل ما حصل!‏

يأتي الناس، وغالبيتهم من المساكين، الفقراء، يأتون لزيارة المزار من أماكن بعيدة، نائية، حاملين الخراف والدجاج لذبحها عند قمة الجبل، للتبّرك، وطلب الدعاء..‏

يأتون إليه طيلة أيام السنة، بمناسبة وغير مناسبة، إذا تزوّج أحدهم يأتي مع عروسه لزيارة قمة الجبل المرتفع فوق الغيم، وإذا وُلد صغير لأسرة محرومة من الأولاد، يأتي الأهل جميعاً ومعهم خراف ودجاج، يذبحونها عند باب المزار، ويشكرون رب العالمين على رحمته الواسعة، وفضله الكبير.‏

كانت المراعي كثيرة حول الجبل وعلى سفوحه.. وكان الجبل كمارد جبّار يقف شامخاً، محدّقاً بصمت مهيب في الجموع الزاحفة عليه.. حتى الغيم الأبيض لم يكن ليفارق قمته، يبقى طوال العام محيطاً بالجبل من كل ناحية، كأنَّه يحميه، ويُقال إن الغيم لم يكن ليتجّرأ يوماً ويرتفع فوق القمة، كان يبقى تحت المزار، وفوق السفوح والسهول القريبة، حتى إذا امتلأ بالمطر ارتفع ليهطل فوق الجبل ويغسله..‏

حتى جاء ذاك اليوم..‏

أحد الرعاة مات كلبه، فبكى عليه كثيراً، حفر له حفرة عند أسفل الجبل ليدفنه، وبينما كان يحفر، لمع شيءٌ ما بين التراب، مدّ الراعي يده وأمسك بقطعة ثقيلة من الذهب، ظنّ الراعي أنها غير حقيقية. لفّ جثّة كلبه بكيس وحمله على ظهر حماره، جمع قطيعه واتجه نحو البلدة..‏

وفي الطريق، رمى الكيس في حفرة وجدها محفورة إلى جانب الطريق، ثم هال بعض التراب عليه ومضى..‏

وفي اليوم التالي، ذهب الراعي إلى المدينة، عرض ما بحوزته على بعض بائعي الذهب، طلب منه أحدهم أن ينتظر قليلاً.‏

لم يعد الراعي إلى البلدة منذ ذاك اليوم.. وما زال ينتظر.. وما هي إلاَّ أيام حتى أُحيط الجبل العالي بأسلاك شائكة، مكهربة، ولافتة كتب عليها:‏

يحذر الاقتراب والتصوير.‏

ثم بدأت عمليات الحفر..‏

نُقل المزار إلى هضبة قريبة. وأُقيم مكانه مفرزة حراسة، وبات الجبل المهيب، المتوّج بالغيم الأبيض الجميل. هيكلاً كبيراً، سقيماً تنهش لحمه أسنان الجرافات ومعاول العمال.. حتى الغيوم غادرته هاربةً من الغبار والضجيج..‏

ومع الأيام، قلّت زيارات الناس إلى المزار، وتحولوا إلى أسفل الجبل للعمل والتنقيب..‏

ونتيجة الحفر المضني، اكتشفوا سرداباً قديماً يصل الجبل بالهضبة القريبة.‏

ومرة أخرى، نُقل المزار إلى مكان آخر. وأُحيطت الهضبة بأسلاك شائكة، مكهربة.‏

واستمرت الأسنان الحديدية تنهش التراب، وتطحن الصخور، وبات المزار وحيداً في السهل، مهجوراً كشجرة يابسة لم تَعُدْ وكراً للطيور، ومتفيّأً للمارّة!!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244