|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
امرأة سوداء، رجل زيتي ـــ رباب هلال أول اللقاءات: قالت، وهي تنظر إلى لباسه الزيتي اللون: ـ يليق بك هذا اللون، تبدو مثل.. لست أدري.. اللون يناسبكَ. قال، وهو ينظر إلى سواد الثوب: ـ يليق بكِ هذا اللون، تبدين مثل.. لست أدري.. اللون يناسبكِ. ويكون آخر الكلام. وتتباعد اللقاءات، مثل كل مرّة، كلٌّ ينسحب إلى سكون أو ضجيج عالمه، كل يتأبط لغته، أو ينثرها على رصيف ما، في شارع ما، في مدينة ما، ثم ينداح في تفاصيل زمنه الخاص. زمنها الخاص: امرأةٌ تكوّم مفرداتها لتركيب عبارة تكثّفها في جمل متزاحمة، تتصل بفواصل غزيرة ونقاط كثيرة وبجمهورية من علامات الترقيم الأخرى. تحاول سبك سردها عبر يوميات، وأسبوعيات وشهريات وسنويات أيضاً. زمناً يصير جسد النص. امرأةٌ مهووسةٌ بامتلاك سلال المهملات، توزّعها في بيتها الكبير الخواء. سلة قرب المكتب، وثانية قرب السرير، وثالثة في الممر، وتحت النافذة، وراء الباب، جانب الثلاجة، وعلى العتبة. المرأة الوحيدة، تُدمِن تمزيق جسد النص. تمزّق سردها ناقص اللغة، فتمتلئ السِّلالُ بنتف السّرد الفارّ. المرأة متعبةٌ من مشاكسة السّرد. تحتاج نوماً كثيفاً، فتتمدّد فراغاً، وتعانق خواء. وقبل أن تغفو، تطوِّف نظراتها الذابلة على الكتب وتفكّر، كم بينها أجسادٌ كاملة اللغة، وكم من أجسادٍ ناقصة اللغة؟ تغفو المرأة، وشوشة وطنين يهوِّمان حولها، مفردة تشاكس جملةً، ونصٌ هاربٌ أبداً من سرده! كثيفة بدت إغفاءة المرأة، كثافة صور زمن عتيق يستيقظ، وسرد لا يكتمل. يُلبس السّردُ المرأةَ بياضاً جمّاً، ثمّ يمدّ لها يديه المشعتين مخاتلة شديدة الغواية. وعلى درج قديم، تنزل المرأة من عليائها، ملكة متوجة تنخفض شيئاً فشيئاً. وعلى إحدى الدرجات، يسقط التاج. وهناك في الأعلى حيث العرش، تختفي الملكة! مراراً حاولت الصعود، والسؤال؛ من ذا الذي أسقط التاج؟ هل رأت المرأة ظلاَّ ما؟! ظلّ رجل؟ أو طفل؟ عبثاً حاولت المرأة التذكّر. بدّد الهبوطُ كل شيء! المرأة المسربلة بالبياض، صارت هناك في الأسفل، ولا عرش في الأسفل، هناك، ستتوه المرأة مديداً، وسط جمهوريات علامات الترقيم، وجمهوريات الحسابات الدقيقة، كدقة رمال الصحارى، حيث ستعبر المرأة، وحيث طويلاً ستناجي تسامق النخيل وجذوعه، وينابيع المياه في الواحات. تتعب المرأة. تبكي بكاءً شاسعاً، إلى أن تحجرت دموعها على وجهها، الوجه الذي سيصير عبر الأزمان أيقونياً تارة، وأخرى صنمياً، وسيتوزع أبداً في الأحلام وفي ريش الألوان والصّلوات! وكي يتلملم حزن المرأة وتضيق شساعة البكاء، يعلِّقُ أحدُهم أو كثيرُهم، على صدرها وسامَ البتولة، يقبِّلُ أطرافَ الأصابع وبياضَ الثوب، يطلب مباركتها! ثم يصعد الدرج! وفي أثناء صعوده يأخذ التاج الذي سقط آناء هبوط المرأة. ويتابع ارتفاعه إلى الأعلى حيث العرش! المرأة المباركة الباكية في بياضها، تغزر دموعها، تتبلل شفتاها، لسانها، يتبعثر الملح في حلقها وجوفها، فتنتفض وتهرع أصابعها إلى كأس الماء جانب السرير، لتبدّد الملح أو الحلم. وعبر النافذة المفتوحة فصولاً أربعة تترامى إلى عينيها بقايا حلم أبيض. وحين تمرّ نظراتها على أشلاء جسد تمزّق مرة أخرى قبل النوم، وتكدّس في سلة المهملات، تبتسم، وتفكر يلزمها سرد آخر لجسدٍ جديد غير ناقص اللغة، جسد يليق باسمها. وغير آسفة ستلقي محتويات السلال في حاوية الشارع. لو أنها تستطيع رمي السلال أيضاً! لكن خواء البيت الوسيع الوحدة يردعها! رجلٌ متكوم بين أجساد يخالها كاملة اللغة، لولا ازدحام خواء البيت بسلال المهملات! ولولا ـ أيضاً ـ علامات الترقيم التي تعجُّ في فضاء وحدته، وتهوم حول مكتبته المتخمة أزماناً وأجساداً طالما خالها غير ناقصة اللغة! مفردٌ هو، يتشتت حيناً، ينفصل، تجزؤه فواصل ونقاط غزيرة. لكنه يرفع العناد سلاحاً يبتر به جسداً يزعمه كامل اللغة، يضعه في غلاف أنيق، ويحفر اسمه عليه. تلزم الرجل العنيد نظاراتٌ كي يرى نصاعةَ اسمه دون ضباب، دون غبش. يعانده الغبش، يقطن روحه وخواء البيت، وأيضاً سلال المهملات، تلك التي لا تني تطفح بشتات أجسادٍ للغة ناقصة! متعب عناد الرجل. يحتاج نوماً. فيتمدّدُ في سريره مفرداً. يقرِّر أنه لن يجانب أي أجسادٍ يفرُّ سردها، وقبل أن يغفو، يشعر أنه ينفرد، ثم ينفرط، يتعدَّد، تسمو أجواؤه، أو يسمو كلُّه، ثم يهوي مفرداً.. مفرداً.. وقبل أن يرتطم بالأرض، يهتزُّ السرير ويئزُّ. بغتة، تنهمر تفاصيل درج قديم، يشعر أنه صعد عليه من قبل. يصعد، يبحث عنها، عن تفاصيل زمن أو أزمان معجونة بالآن، بالأمس، بالغد، بالعتق والقدم. ومعها ينهمر درجٌ قديمٌ، يشعر كأنه صعد عليه من قبل! لن يفكر بذلك! وراح يبحث عنها، عن تفاصيل أصابعها، كفيها، ذراعيها و... يقابلها. امرأة لا سوداء ولا بيضاء، يمسك أصابعها، يقبِّل أطرافها، يقبِّل الكفَّ، والمعصم، والساعد والزِّند، ترتفع قبَله أكثر، سرعان ما تسقط مذعورة.. أين وجهها؟ بلا وجه هي! يبحث عنه، لا هو بصاعدٍ أو بنازلٍ درجاً، ولا هو يريد تاجاً أو عرشاً، سيكون مفرداً في الأعلى! أتراه يصير متعدداً في الأسفل؟ يفرغ الدرج! وفي الأسفل، تبتعد المرأة كأنما يراها بظلِّ رأس، بظلِّ وجه، تدير ظهرها للعرش، للتاج وللقبل. تبدو له بعيدة، كأنما منشغلة بتفاصيل أخرى مبهمة. يربكه عناده؛ أيلحق بها؟ ما الذي تريده؟ ما الذي تخبئه؟ حيرة تبلبل العناد! يا ربَّ التفريد والجمع! يستنجد. ثم يهرول وراء المرأة، وهي تغوص في دربها، يراها لا سوداء ولا بيضاء، لونها ملغزٌ لا يعرف له اسماً! يتذكر طعم جلدها على شفتيه، باهتاً بدا التذكر، والمرأة تروح بعيداً في مجاهيلها. لماذا لا تنظر إليه؟ لماذا لا تراه؟ يفكر. لماذا تركت قليلاً طعم جلدها على شفتيه؟ بإلحاحٍ، وبشدة يبحث لسانه عن طعمها المتبقي، يصدمه اليباس على شفتيه، على لسانه، في حلقه، جوفه، فينتفض مذعوراً. تهرع أصابعه إلى كأس الماء إلى جانب السرير. يحتاج الرجل العنيد ماءً كثيفاً، مثل كافة الظلال التي تغبِّش ذاكرتَه؛ ظلال درج، عتق، عرش خاوٍ، أسفل خاوٍ، قُبلٍ مرميّة، وامرأة توغل في لغزها! يبعثر نظراته على وحدته، في خواء البيت الفظيع، ثم على الأجساد الممزقة وسردها الهارب. يفكر: ليس بوسعه رمي سلال المهملات! زمنها.. زمنه: مثل مفردات وجمل تتقارب لقاءاتهما وتتباعد، ليكون جسد النص أو لا يكون. يتقارب زمنه وزمنهاه، ثم من جديد، يتسكعان مفردين على رصيف ما، في شارع ما، في مدينة ما، متأبطين لغة، ربما ناقصة أو كاملة... أو...! ما خطر لها: كم مرة مزقتُ هذا الجسد، وجع النص/الحلم أنهكني. كم يبدو هذا المساء ثقيلاً! كما النهار الذي مضى. فتحاصرني جحافل تفاصيل الحلم الذي رأيت. المرأة، البياض، البكاء، التاج، العرش والسقوط الذريع. رائحة نقصان تنفث فيَّ الكآبة والضجر، الخواء والخوف. بغتة، يتسع ذهني مثل ساحة، سرعان ما يغزوها اللون الزيتي، يحاصرها، ثم يستبد بها. لماذا أتذكره هذا المساء؟ أنهض، أرمي المزق في سلّة المهملات المركونة تحت المرآة المعلقة. أنظر في وجهي، كم يبدو روتينياً! ملولاً، بلا ألوان، وحيد الوجع بلا أنين! أشفق عليه. أفرد شعري وأبعثره. يخطر لي فجأة، أن ألبس سواداً، السواد ذاته الذي رآني به أول اللقاءات. لماذا تغصُّ به الذاكرة هذا المساء؟ أشعر أن روحي ترتعد لصوت خطوه الذي قد يجيء، قد يصعد الدرج؟ هل.... ما خطر له: آمل أني لن أمزقك، وألقي بك في السلال! أرغب بشرب القهوة. أختار أعتق ركوة عندي. كم امرأة شالتها وحطتها؟ كم امرأة تركت بصماتها عليها أو على الجسد والروح؟ تفور القهوة، مثل فوران روحي. أسكبها في الفنجان، فتنسكب الوجوه والأجساد واللغة الناقصة. أحمل بخار قهوتي وبخار نسائي، جميعهن.. كلهن! أتأمل وجه القهوة الأسود. يا إلهي، امرأة الحلم تلك، كانت لا سوداء ولا بيضاء. بلا وجه كانت! وهذا الفنجان الطافح لا يزال...! النقصان! كل الكتب! كل النساء! يريحني امتلاء الفنجان. أخليه جانباً. فضاء البيت يخلو حتى من امرأة بلا وجه! لماذا يبدو كلّ شيء موغلاً في النقصان هذا المساءُ؟ بغتة، يجتاح ذهني الثوب الأسود. منذ مدّة لم أزرها! من مدّة لم تعد إحداهن، أو بعضهن أو جميعهن لزيارتي! كم أبدو تعساً وبائساً ووحيداً! من جديد، أشعر بطوفان الثوب الأسود ملحاحاً، ترتجُّ الروح به. لماذا لا أزورها؟ أجل، وسأرتدي اللون الزيتي، ملابسي ذاتها التي رأتني بها أول اللقاءات! بابه: أوصده وراءه. صفقه على تفاصيل مزمنة، وعلى وحدة تعربد في فضائه العنيد الخاوي، وعلى رفوف الكتب، وسلال المهملات، والنظارات، وفنجان القهوة الطافح، وأيضاً على جسد النص المنتظر مصيره على الطاولة! للباب أدار ظهره. ويمَّم وجهه شطرها! بابها: ينفتح لضيفٍ قادم. يرتعش الخارج، يرتعش الداخل! دهشة تترامح على الوجهين، الأسود والزيتي. ابتسامتان تخرجان أو تدخلان. وعلى الباب المفتوح تتصادمان، فتنقدح شرارتان: مساء الخير... مساء النور. وبهدوءٍ فرحٍ ينغلق الباب. يصخبُ الخواء. ويمتلئ مقعدٌ آخر. يعبق الفضاء بدخان سجائره، وبأريج قهوتها. يشعرُ الرجل الزيتي أنه يتوه ما بين اخضرار طفوليٍ كان، أحاله كمد العناد إلى لون زيتي، والآن، يبدو محاصراً بالأسود، يهدّده مثل بئر عميقة تبتلع الألوانَ كلها! المرأة السوداءُ، وقد ملَّ سوادها امتصاص الألوانِ كلها، تفكر؛ أن آن لها ألاَّ تظل بئراً عميقة مهجورة! ترتعش العبارات، ترتبك القهوة، فيتسليان برؤية الكتب، يبدوان مثل من يبحث عن لا شيء. فجأة، تلتقي نظراتهما في سلة مهملات طافحة بالأشلاء. تتبلبل الابتسامات، فينشدان الثرثرة الضّاجة خلاصاً! ينهي الرجل الزيتي قهوته متوجِّساً. تنهي المرأة السوداء قهوتها متوجِّسة، ويقبع التوجس حائراً ما بين جسد النص ناقص اللغة، والسرد الذي قد يجيء أو قد... وهذه الـ "قد" أنهضت الرجل الزيتي العناد مستأذناً. بأصابع مغبشة الحيرة، تفتح المرأة السوداء الباب! وعلى الباب المفتوح، ابتسامتان تخرجان أو تدخلان، أو على العتبة تتصادمان، فتنقدح شرارتان مرتبكتان: تصبحين على خير.. تصبح على خير! وقبل أن يفصل الباب الصوت الزيتي عن الصوت الأسود، تنتظره حتى يختفي نزوله على الدرج. وقبل اختفائه في الأسفل، ينظر إليها في الأعلى، واقفة بالباب الذي لا يزال مفتوحاً وممتلئاً بها! |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |