|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
إلغاء الاحتفال ـــ مصطفى الولي (1) اقتراحات عندما حطت ذبابة على الشفة السفلى للسلطان، كان وزير البلاد يشير إلى ثلة من الجنود لترفع اللبن والعسل عن المائدة، وتحضِّر القهوة المرة. هبَّ وزير الشرطة واقفاً، فاستل الحراس سيوفهم، لكنه أمرهم بإغمادها. وطلب فرقة طوارئ متخصصة، مزودة بأسطوانات غاز استوردت خصيصاً لإنعاش هواء القصر. حين وقعت الذبابة تحت كرسي العرش، أمر السلطان الجميع عدم التدخل رأفة بها. مكتفياً بقص جناحيها فقط. لتُكتب لها حياة جديدة لابد ستمضيها مؤدبة، لا تخرج عن حدودها، مقلعة عن العبث خلال فترات العمل الجدية. قال خبير البيئة: ـ بعد إذن مولاي اقترح إرسالها إلى المختبر حتى تطمئن قلوبنا، ربما كانت أجنحتها محمَّلة بمكروبات خطيرة، مصدرها جهات معادية. ـ اقترح وزير الشرطة وضعها في القفص. ـ طالب وزير البلاد بتحنيطها وإبقائها عبرة للآخرين. زحفت الذبابة، تسلقت ساق كرسي لوزير تأخر عن الحضور. تناول السلطان من طبيبه حبات دواء متعددة الألوان، مختلفة الأشكال، متفاوتة الأحجام. ابتلعها على التوالي وأمر بافتتاح الاجتماع. تلا وزير البلاد جدول الأعمال. ـ تغيير الأحصنة. ـ استبدال الأسلحة. ـ التدقيق في اللغة المكتوبة والمحكية. بدّل مهندس الإضاءة توزيع الحزمات، وكثّفا في بؤر وزعها على وجوه المجتمعين، فبدت خطوط بيضاوية ومثلثة، مربعة أو مستطيلة، انمحت داخلها أية ملامح، باستثناء آذان واقفة خارج مساحة الوجوه. وما لبث أن تردد صوت يتبعه صداه كأنه آت من خارج القصر: ـ الأحصنة في اصطبلاتنا شابة وجديدة. ـ الأسلحة طورناها وهي بين أيدينا. ـ أما اللغة لا تزال خارج السيطرة. سنتابع بذل الجهود للقبض عليها. (2) فرمان إلى كل القائمين على تعليم النشء وإعدادهم في أرجاء البلاد، عليكم الشروع بالحال، لتحضير امتحان عاجل وهام في درس اللغة. على أن تكون الأسئلة واضحة ومركزة ومختصرة، رأفة بعقول التلاميذ ومساعدة لهم في النجاح الأكيد. وعليه نأمركم بتوجيه سؤالين فقط. وصححوا أوراقهم وفق سلم علامات منصف وعادل، مع ضرورة تقيدكم بقسط من التساهل في الأخطاء النحوية والإملائية، حتى وإن كان الخط غير واضح لا ضير. العلامة تُوضع حسب ما ترد في الامتحان من أفكار أفصح عنها التلاميذ. وإن التبست عليكم تعبيراتهم المكتوبة عليكم إثبات جدارتكم في إزالة كل غموض وإبهام للتعرف إلى القصد لما خطْو بأقلامهم. ونأمركم أيضاً: موافاتنا بنسخة طبق الأصل عن كل ورقة امتحان. وسنصرف لكم من حساب الخزينة ثمن الأوراق كما سنزودكم حالاً بآلات تصوير حديثة تصلكم وقت وصول هذا الفرمان. يتم التنفيذ فوراً. وخلال ثلاثة أيام من تاريخه تُرسل إلى البلاط النسخة المصورة عن أوراق الامتحان. سؤالان للامتحان: 1 ـ شكّل ثلاث جمل مفيدة. اسمية أو فعلية لا فرق، ولك حرية الاختيار والتنويع. 2 ـ املأ الفراغات التالية: * هطلت أمطار غزيرة... الزرع. * غنَّى الأطفال... الأمهات. * واظب التلميذ على دروسه... آخر العام. * شاهد الطفل حجراً في الطريق..... * أطلقوا سراح أخي من الأسر.... وتمنينا لو.... يُعمم هذا النموذج على كافة مدارس البلاد. ويتم التقيد به. وكل ورقة امتحان تشذ عن المطلوب يُعتبر صاحبها فاشلاً في الامتحان، وتُؤخذ بحقه الإجراءات التي تناسب مصلحة الوطن. نجاح التلاميذ دليل صلاحيتكم لمهنتكم المقدسة وإخلاصكم للسلطان. بانتظار النتائج على أحر من الجمر. حاشية: الطباشير التي طالبتم بها لعملكم شكلنا لجنة متخصصة لدراسة النوع الأفضل. وسينبثق عنها لجنة مشتريات عامة، تتفرع منها لجنة استيراد كفؤة وستسعد للسفر بعد تعيينها على أن تستكمل أوراقها الثبوتية اللازمة. (3) ابتهاج رفع خبير التربية تقريره إلى مولاه يزف له بشراه بالنتائج المشرفة للامتحان. طيّر وزير البلاد بأمر من السلطان برقيات عاجلة إلى كل رؤساء الدول وسلاطينها وملوكها، يبلغهم فيها عن سلامة اللغة في عقول النشء في الدولة الفتية. ويدعوهم إلى احتفال عالمي في قصره، تضامناً مع تحضِّر رعيته وتشجيعاً للعلوم في ظلاله. كما احتفظ البلاط بنسخة من أوراق الامتحان في القصر، على مقربة من مجلس السلطان. وأمر القلم بتنفيذ رغبة سيد البلاد في مكافأة القائمين على إعداد النشء، فأعد مسودة القرار برفع مرتبات المعلمين. وأخرى بتثبيت وزير التربية وزيراً وأوعز لوكالات الأنباء وأجهزة الإعلام بشطب كلمة "مؤقت" عندما يُذكر وزير التربية. التلاميذ طفقوا يغنون ويلعبون في باحات المدارس، واندفعوا خارج أسوارها، نحو الشوارع للتعبير عن بهجتهم بعلاماتهم العالية. وراحت وكالة الأنباء الوطنية تكرر إذاعة خبر الفرحة الغامرة في ظلال السلطان المفدى، وأرفقته بصورة حية أعدها متخصصون بفن التظهير المناسب. أبدى عدد من مندوبي الصحف، ومراسلي الوكالات، حاجتهم لتغطية الاحتفالات بشكل حي، بكاميراتهم ومسجلاتهم، مدَّعين رغبتهم في توسيع دائرة الاهتمام بالحدث، ومشاركتهم في واجب التأييد والدعم للسلطان. فاعتبرت الجهات المختصة بهذا الشأن، في البلاط، ما هو مطلوب لعبة خبيثة، تفوح منها رائحة دسيسة للتشكيك بحقيقة الوضع في ظلال صاحب السيادة. ولم تُجب على طلباتهم بالرفض، بل اكتفت بتوظيف خبراتها لطلي الموضوع، فقامت بإبلاغ الصحفيين والمراسلين والمندوبين، ضرورة تجديد أوراقهم الثبوتية، لإعادة اعتمادهم في مهمتهم، فانشغلوا بمراجعة الدواوين والإدارات، التزاماً بالقوانين والأعراف المتبعة. وفي اليوم التالي كذّبت الوكالة الوطنية للأنباء ما نشره مراسل فضَّل عدم ذكر اسمه، بعد أن غادر البلاد، مترفعاً عن تقديم طلب اعتماد جديد، منوهاً بأن الغرض منه ثني المراسلين عن القيام بالتعبير عن الحقيقة، بإلهائهم أو تخويفهم. وصلت الوفود تباعاً، للتحضير الأكمل للاحتفال، قبل وصول أصحاب السيادة والجلالة. واستأذن بعضهم من وزير البلاد للاطلاع على ما كتبه التلاميذ في أوراق الامتحان، معللين ذلك برغبتهم نقل التجربة إلى بلادهم، ولإتاحة الوقت اللازم لمشاركة سادتهم سلطان البلاد بالفرح ومعالجة القضايا الكبرى. (4) الكمبيوتر ارتسمت خطوط، وظهرت جداول بيانية. تقلبت المخططات على شاشة الجهاز. وكان الضيوف يرمقون الأرقام والحواشي والناتج. تبادلوا النظرات، وأخذ أحدهم فتح ملفات أوراق الامتحان من ذاكرة الجهاز. توقف عند أوراق كثيرة، ليسأل بعدها مندوب البلاط في الأرشيف: لماذا كل جمل التلاميذ في الامتحان فعلية؟ طلب ضيف آخر تصنيف الأفعال حسب دلالاتها وليس حسب أزمنتها أو أنواعها. بدأ الكمبيوتر يستعرض واستقرت سجلاته البيانية: ـ أفعال الشدة والقوة 35%. ـ أفعال الخوف والقلق 45%. ـ أفعال العبث 15%. ـ أفعال تتعلق بشخص السلطان 5%. عبر أحد أعضاء الوفود التمهيدية، التي سبقت وصول أصحاب الجلالة والسيادة، عن رغبته في الاطلاع على عينات حرفية من أفعال الخمسة في المئة. أعطى عامل الجهاز أمراً للحاسب، جاء الرد أن فتح الملف يحتاج إلى شيفرة لا يعرفها إلا السلطان. (5) في حضرته أمسك سيد البلاد ورقة التلميذ الواقف بين يديه وقرأ الجملة التي ملأ التلميذ فراغها: ـ هطلت أمطار غزيرة فمات الزرع. نعم أستاذ ـ أستاذ بعينك قال السلطان. اشتعلت عينا وزير الشرطة. انتفخت صدور الحرس الخاص، واندفعت إلى الأمام بانتظار إشارة. ـ كيف يموت الزرع من المطر يا بني؟ سأل السلطان. هو ينمو أولاً، يكبر، يثمر، يمتلئ بالسنابل وينضج الحب فيها. قبل الحصاد يحدث شيء فيندفع جنود من خارج المدينة. يحطمون أبوابها، يجتاحون الحقول بأقدامهم، فيموت الزرع يا سيدنا. التلميذ الثاني: غنّى الأطفال فبكت الأمهات. نعم يا مولانا. صارت معي. كنت أغني أجمل الأمهات التي انتظرت.." فرفعت أمي عينيها إلى الصورة على الجدار وانبجس الدمع من مقلتيها. التلميذ الثالث: في العام المنصرم كان فؤاد أشطرنا. يجد على دروسه ورسب في نهاية العام، لأنه لم يحضر الامتحان. اضطر للاختفاء لأنهم يطاردونه بتهمة تعريض الأمن للخطر والإساءة للحاكم العسكري. وجاء وقت الامتحان وهو متوار عن الأنظار خوفاً منهم. التلميذ الرابع والله يا مولاي شاهدته بعيني. شاهدته أم أنت الذي خبأت الحجر في حقيبتك؟ أردف سيد البلاد: افترض أنك شاهدت حجراً في الطريق، ماذا تفعل يا بني؟ واقترب منه مطبطباً له على كتفه. رد التلميذ: ـ في قريتنا أحجار كثيرة نعمرّ بها منازلنا، ونترك الباقي لوقت الحاجة. السلطان: وفي المدينة حيث توجد مدرستك، إن عثرت على حجر في الطريق، ماذا تفعل أيها الشاطر؟ عندما أراه يا مولاي سأتصرف. اتركني أذهب وابحث عن حجر وسترى ما سأفعل به عندما أحضر إليك. وأنت أيها الخامس ـ كيف تتمنى لأخيك الموت، بعد أن أطلقوا سراحه من الأسر، ثمرة جهودنا الشاقة معهم؟ هل لك أخ خرج من الأسر؟ كلا يا مولاي. حصلت لابن جيراننا. أطلقوه مشلولاً. فاقد البصر. هنَّأتُ أخاه بالإفراج عنه فردّ علي: ليته مات أو بقي في الأسر أفضل. (6) طوارئ إلى كل أصحاب الجلالة، والسيادة، والسمو، المدعوين إلى حضور الفرحة البكر في "دولتنا" الفتية. نعلمكم تأجيل مهرجاننا العظيم، مع اعتذارنا الشديد. لقد صادف انشغال السلطان بأمر طارئ، وستقدرون المهمة التي شغلته بكل تأكيد. حيث اضطر للقيام شخصياً باستقبال شحنة من حليب الأطفال، وصلت إلى ميناء دولتنا الفتية. كما يسرنا إعلامكم أنه سيتابع إشرافه شخصياً على توزيعها، للتحقق من المساواة والعدالة، خاصة وأنه كان سعيداً بذكاء أجيال الدولة الجديدة، الذي لمسه واضحاً في أوراق امتحان الأطفال في مدارس بلدنا. وكلنا ثقة أن هذه المهمة التي شغلته عن إقامة المهرجان وتأجيل استضافتكم لوقت لاحق، ستلقى تفهمكم، بل وترحيبكم. انتهى القلم من كتابة بلاغ السلطان. وانتقل لكتابة أوامر جديدة لوزرائه وخبرائه وأعوانه: حفظ أوراق التلاميذ الذين أساءوا استخدام اللغة. لكنه ما لبث أن غير الصيغة، وهو ينظر إلى أكداس مكدسة من الأوراق، فهرش كرشه بأظافره، وأمر بعدد قليل من الأوراق للحفظ. والأوراق المتبقية يستدعي أصحابها للتحقيق بالجريمة والإساءة لكرامة البلاد وتهديد مستقبلها الآمن والمستقر. وغمز وزير شرطته. أعاد مهندس الضوء تظليم بعض المساحات، وترقيص حزمات الألوان المختلفة، فعلا صوت مجهول المكان والمصدر: "الآن أحسنت فعلاً يا ... ونحن معك للقبض على اللغة. ولا تصدق أن ابن خلدون سيتهمك، لا سمح الله، أنك مغلوب ومولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره ونحلته وسائر أحواله وعوائده" ثم انفتح باب القاعة ليعبر صهريج نفط سرعان ما أغرق الأوراق المكدسة. في ذلك اليوم استوقف الرعية سؤال عن سحب الدخان المتصاعد من خلف قضبان نوافذ القصر. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |