|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
المشهد الأخيـر ـــ عمر الحمود ((شرُّ الناس من رأى نفسه خيرهم)). مثل شعبي 1 ـ لقطة أولى: أنباء عاجلة ملأت الدنيا، وشغلتنا. لقد ابتسم لكم القدر، وضحكت لكم الدنيا، فمديركم الجديد يحمل مؤهلات علمية متوجة بدرجة الدكتوراه من جامعة أجنبية، وأُسندت إليه مناصب كثيرة. وعددت الأنباء البلدان التي زارها، واللجان والأندية التي نال عضويتها، أو كُلّف برئاستها، وذكرت المؤتمرات التي شارك بها محاضراً، أو ضيفاً وعناوين الأبحاث التي أعدّها، وإنّ الإدارة قُدّمت إليه، ولم يتقدم إليها. إنه علمٌ على رأسه نار!. ولم نسمع به من قبل. وكثيرون منا ـ لشدة لهفتهم ـ ضخّموا الأنباء، وزادوا حلقاتٍ على سلسلتها. 2 ـ لقطة ثانية: تفاؤل وتهان. فرحنا، وهبّت علينا نفحة طيب من غصنٍ رطيب، فمديرنا القادم يمتلك خبرة إدارية نادرة، وسيحفر لحداً للروتين البغيض، ويدفنه بيديه المباركتين، ويجعل البيروقراطية من مستحاثات عصورٍ مضت. إنه يحترم العهود، ويحفظ الحدود، ويحب البساطة، ويكره الألقاب، طريقه العدل والنزاهة، إنه وميض فجرٍ بعد ليلٍ كئيب، أو هبة إلهية أُرسِلت في لحظة رحمةٍ نورانية. ودخلنا إلى دنيا التخيلات، ورأينا أحلامنا حقائق ملموسة، ودائرتنا دائرة مثالية، تعيش عصراً ذهبياً واقتدت بها الدوائر حتى صارت المدينة مدينة فاضلة، وتبادلنا التهاني، وكأننا في عيد سعيد. 3 ـ لقطة ثالثة: في القاعة. أظهرت الدائرة أحسن ما لديها. وأُعِدّت قاعة الاجتماعات بعناية، دُهِنت، وفُرِشت بأثاث فخم، زُينت، وأُنيرت بمصابيح تدخل المدينة لأول مرة، وتزاحمت في زواياها باقات الورود. وحضرت الصحافة بصحفييها ومصوريها، وحضرت الإذاعة بمراسليها، وجاء فريق التلفزيون بحسناواته وعتاده الإلكتروني. ووزعت أوراق خالصة البياض، وأقلام قزحية الألوان، وبدا كل شيءٍ حولنا يتلألأ ترحيباً بالقادم الجديد. 4 ـ لقطة رابعة: الاجتماع. دخل المدير الجديد إلى القاعة بقامةٍ قصيرة وبدانة ظاهرة ووجه مكتنز ولباس ثمين معطر، وقصة شعرٍ لا غربية ولا شرقية. مسحته أبصارنا بفضول، وعادت بسحبٍ من الخيبة والأسئلة. وأسرع زميلٌ لنا، نهض في وجهه، وحثّنا على النهوض مستعيناً بيمينه، أذعنّا لإشارته، ولم نجلس حتى استقر المدير على كرسيٍ مذهب في صدر القاعة المكيّفة. حرّك ربطة عنقه ذات اليمين وذات الشمال، وتورّم على كرسيه، وكأنه ساد الإنس والجن، أو عُلّم منطق الطير. وفرش أوراقه، وأمسك قلمه الفضي بأناقة، ونقّل بصره بيننا، وكأنه يتفقدنا واحداً واحداً. واقترب الزميل المذكور من مكان المدير مستعملاً يديه الطويلتين وقوة ساعديه محاولاً أن يجعل من تصرفه تصرفاً عفوياً، وصار بجانب المدير، ورحّب به باسمنا دون أن نكلفه بذلك، وعرّف به، وأكمل بأننا حظينا بمعلم ـ ويقصد المدير الجديد ـ يصغي، ويتعلم، قبل أن يفرض رأيه، ويتكلم، يتفهّم، ولا يتجهّم وحين ينظر يرحم، وحين يفصل يعدل. ورحنا في تصفيق حاد. وذمّ زميلنا المدير السابق، ووضع عيوبه على المشرحة، ونظر إليها بمكبر يظهر الذرة مجرة، وأسهب في بيان أخطائه الجسيمة التي سببت للدائرة كوارث على حد تعبيره، وذكر عدد الشقق السكنية التي كسبها من خيرات الدولة، وأمام تعجبنا حدد مواقعها بدقة. وأردف: ومعلمنا يريد قصراً في الجنة، تطوف فيه الحور العين. ((الجنات للصالحين، ولن يشم رائحتها هذا المتكبر المترهل)). قال كثيرون منا لأنفسهم. ((أريدكم عجينة طريّة بين يدي، أخبزها كما أشاء)). قال المدير لنفسه. وابتسم لعدسات التصوير التي ركّزت عليه بإلحاح صارخ. ومن كوثر بسماته يستمد الصحفيون طاقة، فيدوّنون الكلمة قبل النطق بها. ضجرنا، وتسرّب الخدر إلى بعضنا. تثاءبنا، وأخذ أحدنا غفوة قصيرة، وكأن الخدر بسط إليه فراش النعاس. وآخرون دلكوا أطرافهم التي تصلّبت، وغيرهم رسم أشكالاً على الأوراق، أو حلَّ الكلمات المتقاطعة في جريدة الصباح. طالت الكلمة، وتطعّمت بمدائح غير مألوفة ومعلومات غير معروفة. ((هذا المتملّق المغفّل أدى ما عليه بجدارة، ولكن لا مكان عندي لأمثاله)). قال المدير لنفسه. ((هذا المدير لا يشبع من اثنين: مال وسلطة)). قال المتملّق لنفسه. وتصاعدت أسئلة في داخلنا: ـ هل زار الزميل عرّافاً، فأطلعه على المخفي من الأخبار، وكشف له الحجاب عن الأحوال..؟ ـ أم هو من أهل الحقائق، فأحاط بما لم نُحِط به، وخصّه الله بأسرار...؟. ـ أم هي لعبة أتقن قوانينها، وصال، وجال في حلبتها بمهارة..؟. وتكلّم المدير. حاول أن يكون قريباً من القلوب، بعد أن نغّصته مشاعر غامضة، تعلن أن هذه الدائرة محشوة بالغامض والمجهول، فأظهر ليناً، وتحدث عن عناوين عريضة في وقتٍ قصير كعزمه على محاربة الإهمال وإيقاف الهدر ومكافأة المجد ومحاسبة المقصّر واتخاذه المشورة سبيلاً لاتخاذ القرار. وفي دورنا رفعنا الأيدي، فلدينا المفيد من الكلام. اختار المدير زميلنا المتملّق. ((أنت شريك في معمل الرخام، وتملك محلات للديكور والأثاث، وأنت مسنود من فوق، وستوافق على ما أقول قبل أن يرتد طرفي إليّ وستكون أجور من قاضي سودوم إن اعترض هؤلاء الجهلة)). قال المتملق لنفسه. واقترح تسمية الدائرة تسمية عصرية، وتوسيع مكتب المدير، ورفده بكاميرات مراقبة لها عيون في المكاتب وتغيير أثاثه وديكوره الكلاسيكي، وإكساء جدران الدائرة بالرخام. اعترضنا بوشوشات تعالت تدريجياً، وتحولت إلى رفضٍ علني، اعتبره المدير اختلافاً في الرأي، وجرأة في محلها، وأصلاً من أصول الشورى والحوار. وصارت ملامحه ملامح مهادن مناور يستعرض قدراته في المناورة، وحوّل اقتراحات المتملق إلى قرارات، مستبيحاً ما أثنى عليه منذ لحظات، ومطبقاً أوامر المستبد القابع تحت صدره في القمع والمصادرة، وأعاد توزيعنا على الأقسام كقطع شطرنج خرساء بيد لاعب مبتدئ، ولم يمهلنا للرد، وموعد الانصراف من الدوام قد حان. 5 ـ لقطة خامسة في الاستراحة خرجنا من الاجتماع قذفنا طابور المراجعين الذي ينتظر إنجاز معاملاته بعيونٍ فارغة مستجدية، وتفرق قانطاً حالما رأى مرافقي المدير يهرعون إلى السيارة الفارهة الرابضة، وجفل القريبون منها حين دار محركها قبل أن تلمسها يد السائق عبر جهاز تشغيل عن بعد. راجعنا ما تم في الاجتماع. انقلبت موازيننا، وضيقٌ لبّد يومنا، وجفف جنائن تفاؤلنا، وامتص قطرات الفرح المنثورة على أفنانها، فزميلنا المتملّق الفدّاح المدّاح هو الذي رحّب بالمدير السابق، ومدحه، وأولم له، وتحول إلى جابٍ له، فارتفعت أسهمه لديه وجعل له النصيب الأوفر من قسمة الكراسي وتوزيع المكافآت والعلاوات والهبات، والقرارات المتخذة لا تختلف عن قرارات الاجتماعات السابقة إلاَّ في شكلها. لم نمتثل لها، وأوفدنا وفداً بهذا إلى من يحل ويربط. 6 ـ لقطة سادسة إعلان هام خصصت صحف المساء صفحة كاملة للاجتماع، وفي أعلاها صورة المدير، وأشادت بنتائج الاجتماع، ووازى هذه الإشادة تحقيق صحفي عن دائرتنا، وأعلنت في صفحة أخرى إعلاناً، أطّرته بتشكيلاتً هندسية: ستبث رسالة المدينة التلفزيونية وقائع من الاجتماع. صُدِمنا. لم نتوجع، أو نحكي، بل ضحكنا بمرارة. قاطعنا تلك الصحف. واحتجاجاً على إعلانها دفع نصفنا بأجهزة التلفزيون إلى سوق الجمعة، وأقسم النصف الثاني أن لا ينظر إلى التلفزيون إلاَّ بعد بث رسالة المدينة. وتبرع المتملّق بإيصال الخبر إلى المدير بصياغةٍ طريفة: ((لقد بيعت عشرات الأجهزة التلفزيونية في سوق الجمعة ليتسنى للناس رؤية الاجتماع، وسيشغّل العشرات أجهزتهم يوم الغد من شارة الافتتاح إلى شارة الختام لحرصهم على رؤية مشاهد الاجتماع)). وفي الصباح لم يعدم المدير من يخبره بالحقيقة، وأضاف إليها أقوى ما عنده: وفد الدائرة في طريقه إلى الوزارة. شبَّ سعار بين ضلوعه. جمعنا، وغضبه يتلولب، ويضجّ كزوبعة عجاج جامحة. هددنا، ولم نعتذر كما كان يتوقع. شحذ أسلحته واستعان بهواتفه الأرضية والجوّالة لتسمعه صوت سنده! لم نجبن ولم نتراجع. خذلته هواتفه، ورجمته بجمرٍ مستعر: ((أحدث الوزير تغييرات جذرية ولم يثبت فيها من كان يغدق عليه ستراً ودعماً)). فقد عنفوانه، ولم يعرف بأي ركنٍ يلوذ. تلاحقت أنفاسه، وتلّون وجهه بصفرة باهتة، وانفجر كبالونٍ منفوخ ولم يبقَ منه اسم أو رسم. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |