|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
الفكر اليهودي... تاريخ سياسي سفر إستر نموذجاً ـــ فؤاد سليم أبو زريق لابد لنا قبل الولوج في دراستنا هذه حول الفكر اليهودي أن نستعرض جملة من المقدمات شكلت البنية الفكروية للقبلي اليهودي منها: التناخ- توراة- نفيئيم- كتوفيم- تلمود- سنهدرين- جمارا- مشناه ومنه ناشيم المتفرع إلى يباموت، كتوفوت- نداريم- نازير- شوطاه- غيتين وكدوشين. لقد عمل إدوين. م. رايت في قراءته السياسية للفكر اليهودي المنشورة بعنوان "التضليل الصهيوني البشع" والتي ترجمها إبراهيم الراهب على استكناه أغلب المعطيات الفكروية اليهودية في لبوسها السياسي. فقد استطاع علم المعرفة والدراسات الحديثة أن تحلل هذه المراجع وتنتقد الخرافات والأساطير التي وجدت فيها، مما شكل خطراً على استمرارية اليهودية، الأمر الذي دفع بالحاخاميم إلى محاولات لتخليد الثقافة اليهودية وترسيخها بأن يتم تدريسها لكل جيل من أجل الحفاظ على المجتمع اليهودي منفصلاً عن المجتمعات الأخرى. لقد تعرض الفكر اليهودي لحقبتين هددتا استمرار طقوسه: أولاهما: كانت المرحلة الهلينية تحت حكم السلوقيين والحكام الإغريق، لقد وجد كثير من اليهود في الأقطار اليونانية والإغريقية الأكثر انفتاحاً وعالمية، فرصة للهروب من الأفكار والعادات اليهودية الاستبدادية والصارمة، لهذا تبنوا اللغة والأسماء والملابس اليونانية واندمجوا في المجتمع اليوناني الروماني، وجاء رد الفعل اليهودي على ذلك في ثلاثة أشكال: -فريسييم: أكدوا بدرجة عالية على طاعة اليهودية وانفصالهم عن مجتمعات العالم. -تساديكيم: شكلوا نوعاً من نخبة يهودية تشاركت وتزاملت مع حكامها اليونانيين- الرومانيين لكنها ظلت محافظة على ما توارثته من معتقدات دينية. -حريديم: طوروا التزمت اليهودي. في هذا الوقت بالذات ظهر سفران من التوراة: سفر دانيئيل الذي كتب بين 165-163 ق. م، خلال حكم أنطوخيوس الرابع الذي حاول إخماد الطقوس اليهودية، وكان لهذا السفر مغزىً أخذ مكانه في العودة إلى الحقبة الفارسية لكنه في الحقيقة يعود إلى الأيام الأخيرة للسيطرة السلوقية، تقوم فكرته على أساس "التمسك باليهودية.. وأن الله سيرسل مسيحه، مرة ثانية، ليعيد الأمة اليهودية إلى قوتها وهويتها". وبالتالي يكون دانيئيل رمزاً لليهود، الذي قاوم الاندماج في التجربة اليونانية؛ مما حدا بالحريديم أن يتخذوا هذا السفر مثلاً لهم نحو حل عسكري واحتقار الإمبراطورية الرومانية، الأمر الذي أنتج رد فعل روماني بقيادة "فاسبتيان" بين عامي 64-70م إلى عصر باركوخفا. وثانية كانت عام 130 ق. م عندما ظهر سفر آخر أصبح تعبيراً عن وجهة نظر مجموعة من ال"تساديكيم" خدم كنموذج أم لطراز آخر من اليهودية، وهذا النموذج نراه جلياً في أيامنا هذه. لقد أشار سفر (إستر) إلى مفهوم قوموي، يعود فيه الحوار وسياق روايته إلى القرن الخامس قبل الميلاد حيث الملك "أحشفيروش" ملك بلاد فارس من السلالة الأرخيمينية. شخصيات هذا السفر تشكل منهج عمل فكروي يهودياً، وهي بإسقاطاتها تشكل حبل السرة في تعاطي اليهود مع الأغيار (الغوييم): -هامان: يمثل القوى التي تكره اليهود -استرومردخاي: يمثلان المجتمع اليهودي -أحشفيروش: يمثل القوة الأجنبية التي يمكن أن يستخدمها اليهود لتحقيق أهدافهم النهائية. استطاعت إستر أن تسقي أحشفيروش الخمر وتسكره، وهي حالة يكون، من خلالها، قد نسي مسؤولياته تجاه شعبه، ثم تحصل إستر على خاتمه لتصدر مرسوماً تحكم فيه على هامان بالموت وليصبح اليهود ظافرين بذبح عشرات الآلاف من الفرس (إستر 9: 5: 17). إن فن المناورة السياسية بأية وسيلة هي قضية مبررة يهودياً، فقد وضع سفر إستر النموذج أمام ثيودور هرتسل، الذي كان هدفه إبراز مفهوم الدولة لليهود، لذلك أعطى نفسه مظهراً علمانياً على حين كان حريدياً صرفاً، لذلك قرر استخدام فكرة الدولة فقط ليناور بعض القوى العالمية من أجل إقامتها غير مبال فيما إذا كانت هذه الدولة مفيدة لتلك القوى أم لا، فقد كان عليه أن يجعل فكرة الدولة مغرية حتى يستطيع، من خلال ذلك الحصول على الدعم من تلك القوى بعد جعلهم ثملين بفكرة السيطرة على الشرق العربي. ثم أصبحت هذه الفكرة مسكرة نهاية القرن التاسع عشر، حين اشتدت المنافسة بين القوى الأوربية في تلك اللحظة من التاريخ. فقد كانت روسيا منذ عام 1685م قد دخلت 14 حرباً ضد الإمبراطورية العثمانية من أجل السيطرة على الشرق العربي الاستراتيجي مدعية أنها ورثت دور الإمبراطورية البيزنطية في القرون الوسطى. وكانت إيطاليا متلهفة من أجل إعادة الإمبراطورية الرومانية القديمة وتعمل من أجل غزو أثيوبيا. أما بريطانيا العظمى كانت تسعى لتأمين سلامة طرق مواصلاتها إلى الهند، بعد حصولها على قبرص قاعدة للعمليات. إن سفر إستر يضع الأدوار: إستر: هي رمز القبيلة اليهودية وتحتاج إلى مردخاي (هرتسل) ليكمل دورها. القوى الإمبريالية: رمزها أحشفيروش؛ وهامان يرمز للعرب. وهكذا تستطيع إستر الزواج من قوى إمبريالية وتجعلها ثملة بنبيذ السيطرة على الشرق العربي، إذ إن اتحاد الصهيونية مع أمة أجنبية قوية هي قضية مبررة. إن مفهوم دولة يهودية تحكم منفذ هذه الطريق إلى الهند كان هدفاً مراوغاً والذي آمن هرتسل أنه يستطيع بيعه للأوربيين، وإذا ما استطاع إقناعهم بإقامة دولة يهودية في المنطقة-مرجحاً فلسطين- فإنه كان متأكداً من أن اليهود سيستجيبوا للهجرة إليها ولا حاجة لوضع أي اعتبار للعرب، الذين يجب أن يطردوا. ويرسم هرتسل في مذكراته وكتابه (الدولة اليهودية) صورة دولة يهودية كبيرة ترث كل مناطق ممالك داود وسليمان، تسيطر على الشرق العربي، وكسمسار زواج كان عليه أن يزوج فكرة الدولة اليهودية إلى مسؤول أجنبي قوي، متجاهلاً ما يمكن أن يحدث لمثل هذه الدولة الإمبريالية بعد تأسيس الدولة، وعلى هذه الصخرة كانت قد بنيت كافة مخططاته، وهكذا فإنه وعد واحداً من أشد الناس عداوة لليهود وهو رئيس وزراء روسيا "فوت بليغا" سنة 1903 بأن الدولة اليهودية ستحل مسألتين لروسيا، فهي ستخدم روسيا كنقطة أمامية للإمبراطورية الروسية، وستأخذ كل اليهود إلى خارجها، ولقد فشل الخداع، لقد كان مخططو السياسة الروسية الاقتصادية والبشرية واقعين في شكهم من مثل هذه الخطة، وجهود بيع الدولة اليهودية إلى القيصر (ولهلم) فشلت لأن (ولهلم) الثاني كان يأمل بأن يقيم حلفاً مع الإمبراطورية العثمانية، وهذه لا تريد دولة يهودية في منطقتها. وكانت إيطاليا ترى أن هرتسل كان يبيع فكرة لا يستطيع تسليمها... وهكذا فشلت المحاولات. كانت المملكة المتحدة البريطانية أكثر رغبة في إيجاد مستعمرة يهودية في كينيا- أوغندا لدعم غزوها الحديث إلى إفريقيا. وفي عام 1904 مات هرتسل ولم يستطع سمسار الزواج هذا أن يزوج فكرة دولته اليهودية المخادعة إلى القوى الإمبريالية في زمنه، ومع موته وفشله كسمسار زواج لم تمت فكرته وانتظرت الصهيونية عشر سنوات لإيجاد ظروف أفضل وسمسرة أنجح، إلى أن أتى عام 1914- في أثناء الحرب العالمية الأولى؛ وكان السمسار حاييم فايتسمان، والوقت كان الحرب بين بريطانيا من جهة وألمانيا والإمبراطورية العثمانية من جهة أخرى. لم يكن فايتسمان قادراً على بيع فكرة الدولة اليهودية إلى المملكة المتحدة، فالزواج بين الاثنتين يضع المصاعب أمام المملكة المتحدة، ولكن وضع فايتسمان محظية يهودية فيه كان مغرياً، ذلك أن دولة يهودية تعني ربط معاهدات والتزامات، ومن هنا بدت فكرة الوطن القومي مغرية لأنها يمكن أن تصبح لعبة بريطانيا لتحقيق خططها في الشرق العربي والتي من الممكن إلغاؤها إذا ما برهنت أنها وقعت في عجز مالي وأنها تستدعي طلبات مكلفة وغالية. كانت المعضلة التي تواجه بريطانيا هي أنها تلعب مع محظيتين هما: الوطن القومي اليهودي، والدولة العربية أو الدول العربية، آملة أن تحصل على مكاسب من الطرفين دون أن تصبح ملتزمة لأي منهما. وهكذا اتكأ فايتسمان على محظية الوطن القومي اليهودي في وعد بلفور آملاً أن يتمكن أخيراً، كمحظية، من طرد المنافس العربي من الخطة الإمبريالية البريطانية، وتستطيع المحظية اليهودية، مع الزمن، أن تصبح زوجة للإمبريالية البريطانية. إلا أن كل من المحظيتين طالبت بطرد الأخرى كما جاء في قصة إبراهيم وسارة وهاجر (سفر التكوين 21). وكان أن تم تفضيل الزوجة العبرية على المحظية المصرية، الفكرة التي حفرت في عقل كل طفل يهودي منذ مولده. وهكذا قبل فايتمسان المساومة عبر اعتقاده بأن القضاء والقدر سيفضل اليهود. إن أثر الأساطير التوراتية على اليهودية، قضية لم يبالغ فيها، وكانت الطقوس الدينية هي ما أوجده وتمسكوا به. وقبل أن تحصل بريطانيا على محظيتيها (الوطن القومي اليهودي والانتداب على العرب) بوقت قصير، التحمت المحظيتان معاً وخاضتا صراعاً مميتاً. وإثر ذلك قامت بريطانيا بإرسال لجان متواصلة من أجل أن تهدئ الصراعات المتناقضة التي أخذتها على عاتقها؛ وفي عام 1939 كان الكتاب الأبيض الإنكليزي قد وجه ضربة قاتلة لحلم التجمعات اليهودية في طرد العرب في ظل الحكم البريطاني، لذلك كان لابد من قوة أخرى تؤدي دور (أحشفيروش)؛ وبينما كانت بريطانيا عام 1917 نشوانة لتلعب بالطموحات اليهودية، تأكدت عام 1939 أن مصالحها تقع عبر علاقات طبيعية مع العالم العربي. تطلع سماسرة الزواج، لذلك، نحو قوة أخرى يمكن أن تصبح زوجاً لفكرة الدولة اليهودية، وكان لدى الدول الأوربية تاريخ طويل في دفع الثمن الغالي في اللعبة الإمبريالية، لذلك لم توافق أي منها على اللعب في فكرة الدول اليهودية. كان هناك قوة عالمية نامية وساذجة تماماً، وغير مدركة أو مضطلعة في قضايا الشرق العربي، هي الولايات المتحدة. أرسل الرئيس ولسون عام 1919 مندوبين إلى سورية هما: تشارلس كراين وهنري كنغ ليتحققا من رغبات العرب المتحررين حديثاً. ولقد أشارا في تقريرهما أن العرب موحدون ضد الصهيونية لأنها خططت لطرد الفلسطينيين عبر إقامة دولة يهودية مطلقة. وأنه إذا ما قبل هذا المشروع فإنه يحتاج إلى 50.000 عسكري أميركي من أجل فرض هذا المشروع على العرب. لقد حقق الصهيونيون نجاحات في أثناء مرحلة الانتداب، فقد أصبح عددهم في فلسطين عشرة أضعاف عددهم عام 1919 واستطاعوا تنظيم أنفسهم، وتجهزوا بإمدادات عسكرية وقيادية عبر نمو الهاغاناه. كانت المملكة المتحدة ضعيفة كقوة إمبريالية. ومن أجل طردها كانت هناك الولايات المتحدة القوة الناهضة مع تجمع يهودي عدده خمسة ملايين ونصف داخلها يشكلون حصان طروادة اليهودي الذي يمكن أن يوظف ويناور لتحقيق الحلم الصهيوني. كان جهل الولايات المتحدة عن الشرق العربي تاماً. ولم يكن الأميركيون جاهلين فقط بل كان من السهل خداعهم أيضاً، لقد كان تمركز اليهود في المناطق الانتخابية الأساسية: نيويورك وبنسلفانيا، اليونز، أوهايو، كاليفورنيا، لذلك أدّوا دوراً في النتائج المستقبلية. كان عام 1948 عام انتخاب قومي ومحلي، لقد بدت هذه السنة وكأن إله إسرائيل قد هيأ الولايات المتحدة عريساً (لإستر)؛ عام 1948 الدولة اليهودية تزوجت الدبلوماسية الأميركية- وهنا برز فريق قوي من سماسرة الزواج ليزوجوا دولة إسرائيل المقبلة مع السياسة الخارجية للولايات المتحدة. لقد قام بهذا الدور كل من حاييم فايتسمان، دافيد بن غوريون، الحاخام هللر سيلفر في كليفلاند، فليكس فرانكفورتير، الحاخام ستيفن وايز وعدد من الاستراتيجيين العاملين في الدولة والشؤون القومية، كانت لهم علاقات حميمية مع رجالات الكونغرس والسيناتورات وحتى مع الرئاسة. في أيار عام 1942، وفي خندق بلتمور في نيويورك خرجت هذه المجموعة من سماسرة الزواج ببرنامج لتزوج إستر إلى حكومة الولايات المتحدة في علاقات وثيقة ثابتة. ومن خلال جهلها في إدراك النتائج تورطت الولايات المتحدة في دعم إقامة دولة يهودية بحيث لا تستطيع بعدئذ الانسحاب، لأن التجمع اليهودي في الولايات المتحدة سيشكل الضمانة لمثل هذا الحلف الثابت، وهكذا في عام 1946، وفي الاجتماع الأخير للمنظمة الصهيونية العالمية في سويسرا تم إبعاد فايتسمان كنموذج للعلاقات الصهيونية- البريطانية وتم انتخاب الحاخام هللر سلفر من الولايات المتحدة رئيساً جديداً للمنظمة. لقد وضع صهيونيو الولايات المتحدة ضغوطاً كبيرة على كاهل البيت الأبيض والكونغرس الذين استسلموا بدورهم إلى إغراءات الزواج بين إستر (الدولة اليهودية) والملك أحشفيروش (حكومة الولايات المتحدة). إن اليهود في الولايات المتحدة يتفاخرون بمواقفهم الليبرالية، ولكن في الموضوعات المتعلقة بإسرائيل يجدون أنفسهم متعصبين في دعم الدولة الصهيونية. هذا التناقض سلط عليه الضوء البروفيسور اليهودي (كلوس. ج هيرمان) من جامعة كونكورديا مونتريال كوبيك عندما قال: "بكل أسف إن وجهة نظر القدامى من اليهود الإصلاحيين حسب بيان مؤتمر بترسبورغ عام 1883 والتي ترى في اليهود مجتمعاً دينياً قد دمرت نهائياً بما أقامه الإصلاحيون في التاريخ المعاصر. إن هؤلاء الحاخامات قد صنعوا تقليداً دموياً، لقد فضلوا إحياء القصص الوهمية القديمة وخرافات العنصرية وأساطيرها وغيرها من العشائرية والرجعية والتعصب القومي". لقد شجع الرئيس الأميركي الأسبق (ترومان) قيام دولة يهودية في منطقة كان يسودها الفلسطينيون العرب، بل ودعمها، الأمر الذي أدى إلى إغراق المنطقة في حروب متواصلة ومذابح وحرب عصابات عدا عن مليارات الدولارات التي قدمتها الولايات المتحدة ثمناً لهذه الحروب. ولنا أن نستشهد بما قاله البروفيسور (مكسيم رودنسون) عام 1973 في كراس كتبه يحمل اسم (إسرائيل دولة كولونيالية استيطانية). إن تحليل رودنسون في هذا الكراس يقوم على أساس مقارنة الأفكار والأساليب الصهيونية كجزء من الممارسات الكولونيالية الإمبريالية الأوربية في القرن التاسع عشر، وكانت نظريته تقوم على أن القوى الإمبريالية كانت مؤمنة بأن الشعوب في المستعمرات التي تحتلها ستقوم بالثورة من أجل الاستقلال كما حدث في المستعمرات الإسبانية التي ثارت على المحتل الإسباني في القرن التاسع عشر وكذلك ثورة البرازيليين ضد المستعمرين البرتغاليين إضافة إلى تجربة الاستعمار في شمال إفريقيا إذ استطاعت الثورة أن تخرجه من الجزائر جاراً أذيال الخيبة، لذلك عمدت، هذه القوى إلى زرع مجموعات استيطانية في أماكن متفرقة من فلسطين، ومن ثم تنميتها لتؤدي مهامها المستقبلية في السيطرة على المنطقة. إن الهدف الصهيوني يؤكد على أن السكان الأصليين يجب أن يطردوا خارجاً اعتماداً على سفر العدد: "وإن لم تطردوا سكان الأرض من أمامكم يكون الذين تستبقون منهم أشواكاً في عيونكم، ومناخس في جوانبكم ويضايقونكم على الأرض التي أنتم ساكنون فيها". لقد نظر الصهيونيون للعرب نظرة المستعمرين الأميركيين للهنود، ونظرة المستعمرين الإسبان والبرتغاليين للسكان الأصليين في أميركا الجنوبية وكذلك نظرة الألمان إلى الهوتنتوس في جنوب أفريقيا. إن المدقق في تاريخ التوراة كفكر يهودي يدرك تلك الخطوط المتوازية بين تعابيرها الثيوقراطية وبين الاستعمار الأوربي في القرن التاسع عشر، مع فارق أن العرب لم يكونوا شعباً متخلفاً، بل كانوا ورثة حضارة وعبقرية عظيمة عانت من التحطيم المعنوي والإهمال تحت الحكم العثماني، لكنها كانت قادرة على الحياة والاستمرار عبر توارثها. إن المرحلة التي استطاع فيها العبرانيون ذبح الكنعانيين وفرض قناعتهم المذهبية كما حدث في عهد السلالة الحشمونية أيام كانيوس والكسندر جانيوس، أو مرحلة الاستعمار الإمبريالي قد ماتت إلى الأبد، ومع ذلك حاول الصهيونيون استخدام كلا النموذجين من أجل إقامة الدولة اليهودية في النصف الثاني من القرن العشرين. صاغ الصهيونيون في الولايات المتحدة شعاراً يقول "ما هو جيد لإسرائيل جيد للولايات المتحدة" وهذا اللحن الإعلامي وصل ذروة التضليل عندما أعلن رئيس اللوبي الصهيوني آي. ل. كين أمام لجنة الشؤون الخارجية لمجلس النواب الأميركي في 22-30 تموز عام 1970 أن: "وجود إسرائيل هو حماية متقدمة لمصالح أميركا النفطية في الخليج والعربية السعودية والكويت والبحرين وإيران". وهذا ما نجده راسخاً في البنية الفكرية لدى الأميركيين بعدما استحوذت عليهم الأوهام الإسرائيلية وأسكرتهم تضليلاً إلى درجة لا يستطيعون معها معرفة ما هي المصلحة الحقيقية لشعوبهم، وهذا ما نجده بالفعل؛ فبقدر ما استمرت بريطانيا في إعطاء امتيازات لليهود كان البريطانيون "جيدين" ولكن عندما ظهر الكتاب الأبيض عام 1939 وأصبح ظاهراً فيه أن بريطانيا أصبحت مهتمة أيضاً بمصالح العرب، هاجم الصهيونيون بريطانيا، وباشروا بحرب عصابات ضدها. الأمر نفسه ينطبق على الولايات المتحدة-فإذا هجرت مصالحها لصالح الصهيونية فهي (جيدة) بينما يكون اتهام الخبراء الذين يجادلون ويناظرون في أن للولايات المتحدة مصالح كبيرة وحيوية في العالم العربي، يكون اتهامهم بمعاداة السامية جاهزاً. وفي الوقت نفسه هناك تقسيم آخر: الصهيونيون الذين يذهبون إلى فلسطين هم (ممتازون، أنقياء، شجعان، مبدعون، أحرار) واليهود الذين تتاح لهم فرصة زيارة إسرائيل من الذين اختاروا البقاء في بلدانهم، يعيشون جواً سيئاً في أثناء هذه الزيارة فيوصفون بالشراهة وحب المال، بل وينظر إليهم على أنهم كفوا عن كونهم يهوداً وبشكل نهائي؛ وهذا ما أكده هرتسل وفايتسمان وثنى عليهما بن غوريون عندما ذهب إلى تسجيل قول عالم يهودي في القرون الوسطى: "إن اليهود الذين يعيشون خارج إسرائيل يعيشون دون إله". فاليهودي لا يستطيع أن يكون مخلصاً وصادقاً في أفكاره وعواطفه وخيالاته في أرض الشتات كما يكون في (أرض إسرائيل)، يقول الحاخام اسحق كوك: "لا يستطيع اليهودي أن يكون مخلصاً وصادقاً في أفكاره وعواطفه وخيالاته في أرض الشتات كما يكون في أرض إسرائيل، بينما يكون خارجها مشوشاً، ملوثاً، غير نقي، وعلى أية حال، فكلما ازداد تعلق الشخص بأرض إسرائيل زادت أفكاره طهارة؛ لأنها حنيئذ تعيش في هواء إسرائيل الذي يحيي كل من يشتاق إلى الأرض؛ إذ ليس لليهودية في أرض الشتات وجود حقيقي، إلا بكونها تحيا بقوة رؤية مستقبلنا، وبذكرى مجد ماضينا، ولكن يجب أن ندرك أن هناك حدوداً لقوة هذه الرؤية لتحمل أعباء الحياة وتوجيه حياة الشعب، ويبدو أن هذه القوة قد استنفدت الآن طاقتها وأصبح يهود الشتات يتحللون بشكل مخيف، ولا أمل لهم بإعادة زرع أنفسهم والاعتماد على ينبوع الحياة الحقيقي المقدس، الموجود في أرض إسرائيل فقط". ويقول الحاخام يهودا أميتال في هذا الصدد، لكن بفلسفة مثالية مغرقة في الارتباط بأفكار مجردة لا علاقة لها بالعقلانية: "إن الصهيونية لا تبحث عن حل لمشكلة اليهود بتشييد دولة يهودية، إنما بتشييد دولة هي أداة في يد الخالق الذي يعد شعب إسرائيل للخلاص.. وليس هدف هذه العملية تطبيع شعب إسرائيل ليصبح أمة مثل كل الأمم وإنما ليصبح شعباً مقدساً، شعب الله الحي" [Rubertstein The Zionist Revisited, P, 104 ] لعلي أسهبت في رسم ملامح تأثيرات عقيدية بذلت جهداً كبيراً في استيضاحها فكروياً مع طرح حر اعتماداً على التاريخ وإنطاقه بحيثياته المختلفة. يتلقى التاريخ، صهيونياً، تجييراً يهودياً، بمعنى: أي تاريخ سياسي قام في العالم يعده اليهود مأخوذاً عن برنامجهم العقيدي. ولعلي أحافظ على موقعي في نقاش سفر استر إذ توصلت معكم إلى تحديدات سياسية اعتمدها قص توراتي أباح سيرورة تاريخية من وجهة نظر صهيونية. عناصر الزواج معروفة ولابد لنا من التعاطي معها بعد طرح التقديم والذي أرجو أن يكون مناسباً- أعيد الآن تشكيل شخصيات السفر: قدم المؤسس الأول لأميركا نصيحة للأميركيين في وصيته التي جاءت في خطابه بالمجلس التأسيسي الأميركي عام 1789: أيها السادة: "لا تظنوا أن أميركا نجت من الأخطار بمجرد أن نالت استقلالها، فهي مازالت مهددة بخطر جسيم لا يقل خطورة عن الاستعمار... وهذا الخطر سوف يأتينا من جراء تكاثر عدد اليهود في بلادنا، وسيصيبنا ما أصاب البلاد الأوربية التي تساهلت مع اليهود وتركتهم يستوطنون في أراضيهم.. إذ إن اليهود بمجرد تمركزهم في تلك البلاد عمدوا إلى القضاء على تقاليد أهلها ومعتقداتهم وقتلوا معنويات شبابها بفضل سموم الإباحية واللا أخلاقية التي نفثوها فيهم، ثم أفقدوهم الجرأة على العمل وجعلوهم ينزعون إلى التقاعس والكسل، بما استنبطوه من الحيل لمنافستهم على لقمة عيشهم، وبالتالي سيطروا على اقتصاديات البلاد وهيمنوا على مقدراتها المالية، فأذلوا أهلها وأخضعوهم لمشيئتهم، ومن ثم أصبحوا سادة عليهم، مع أنهم يرفضون الاختلاط بالشعوب التي يعايشونها، حتى بعد أن كتموا أنفاسها، فهم يدخلون كل بلد بصفة دخلاء مساكين، وما يلبثون أن يمسكوا بزمام مقدراتهم، ومن ثم يتعالون على أهلها وينعمون بخيراتها دون أن يجرؤ أحد على صدهم عنها. ولقد رأينا في الماضي كيف أذلوا أهل إسبانيا والبرتغال، وما يفعلونه اليوم في بولونيا وسواها من البلاد. ومع هذا كله جعلوا التذمر شعارهم حيثما وجدوا، والتشكك ديدنهم، فهم يزعمون أنهم مضطهدون، وأنهم مشردون.. ويطالبون بالعودة إلى فلسطين. مع أنهم لو أمروا بالعودة إليها لما عاد جميعهم ولظل الكثيرون حيث هم.. أتعلمون أيها السادة لماذا؟ لأنهم أبالسة الجحيم وخفافيش الليل ومصاصو دماء الشعوب.. فلا يمكنهم أن يعيشوا مع بعضهم البعض لأنهم لن يجدوا فيما بينهم من يمتصون دمه، ولهذا فهم يفضلون البقاء مع الشعوب الشريفة التي تجهل أساليبهم الشيطانية ليثابروا على امتصاص دماء أبنائها ولينهبوا من خيراتها، وللأسباب التي أوضحتها لمجلسكم الموقر، أتوسل إليكم أيها السادة أن تسارعوا في اتخاذ هذا القرار وتطردوا هذه الطغمة الفاجرة من البلاد قبل فوات الأوان ضناً بمصلحة الأمة وأجيالها القادمة، وإلا سترون بعد قرن واحد أنهم أخطر مما تفكرون، وستجدونهم قد سيطروا على الدولة، والأمة، ودمروا ما جنيناه بدمائنا، وسلبوا حريتنا، وقضوا على مجتمعنا، وثقوا بأنهم لن يرحموا أحفادنا.. بل سيجعلون منهم عبيداً في خدمتهم، بينما هم يقبعون خلف مكاتبهم يتندرون بسرور بالغ بغبائنا ويسخرون من جهلنا وغرورنا. أيها السادة: لا تظنوا أن اليهود سيقبلون يوماً الانصهار في بوتقتكم أو الاندماج في مجتمعكم.. فهم من طينة غير طينتنا ويختلفون عنا في كل شيء. وأخيراً أهيب بكم أن تقولوا كلمتكم الأخيرة وتقرروا طرد اليهود من البلاد، وإن أبيتم فثقوا أن الأجيال المقبلة ستلاحقكم بلعناتها وهي تئن تحت أقدام اليهود. بعد هذا التحذير نشطت الجمعيات البروتستانتية بمختلف ألوانها وأشكالها وبكل كنائسها من معمدانية ومشيخية، ولوثرية، وأصولية، وإدفنتستية، ومورمونية، ومتطهرة ومتطوحة، وأبرشية، وخلقانية، وخمسينية، وميثودستية وغيرها وغيرها، والتي يفوق عددها المئتي مذهباً، لنشر الفكرة التوراتية بين المسيحيين وإقناعهم بقداستها وبأن الخلاص الذي يرجونه هو عودة المسيح الثانية المشروطة بجمع الشتات اليهودي في أرض فلسطين على أمل أن يتحول اليهود بعدها إلى المسيحية إثر معركة هارمجدون المنتظرة بين أعداء المسيح وأتباعه والتي ستجري في منطقة ماشك وتوبال كايين وهي المنطقة المحصورة بين البحر الأسود والبحر المتوسط. أرجو أن لا يفهم من كلامي هذا أن شخصيتي هامان وأحشفيروش تتطابقان هنا- أعني كيما يتم دفع اللبس، لبس فرانكلين بادئ ذي بدء وجه هامان وتحدث إلى الشعب الأميركي المستلب عقيدياً، وبعبارة أخرى لا يستطيع هذا الشعب الأخذ بكل ما يريده هذا الـ (هامان) ذلك أن أحشفيروش- الشعب الأميركي كان قد سكر تضليلاً عقيدياً. أعتقد أنني أمام مفارقة هنا: في الوقت الذي تلعب به التوراة دور إستر، لتضليل الشعب الأميركي أحشفيروش؛ برقصها على حبال الجمعيات إياها تتأتى من التوراة قصتها؛ بمعنى أنه في الوقت الذي تملي به التوراة عقيدياً إملاءاتها على أحشفيروش في لحظة ما، يكون الزمن التوراتي في حالة نكوص ارتدادي في القصة؛ وبعبارة أخرى: كيف يمكن لقصة موجودة تحكي رموزاً بعينها أن تلامس حقيقة موجودة على الأرض أو بالعكس- في أثناء لعب الأدوار: إستر- التوراة- أحشفيروش الشعب الأميركي، هامان- فرانكلين.. أمامنا على المسرح يتوقف الزمن على هذا المشهد ليعود سنوات طويلة إلى الوراء-هذا المشهد بكليته، وحال المشهد الصورة في جمود مطلق محتوى في الكتاب الذي تحدث هو نفسه عن هذه القصة منذ القديم!!. "إن يهوه، إله السموات يدعو الأمة الأميركية أن تهب برسلها سريعاً لإغاثة أبنائه المشتتين، بني إسرائيل، فهبوا يا رسل أميركا وأعدوا أنفسكم لتحملوا أنباء الفرح والخلاص لأقرباء مخلصكم مما هم فيه من ذل وشتات". ثم يتابع الباحث الأميركي بيتر غروس في كتابه "إسرائيل في ذهن أميركا" أقوال القس جون ماكدونالد: "إنه مقضي أن تقود أميركا المسيحية أمم الأرض، وتبعث بنيها وتستخدم ثروتها لتنفيذ مخطط الله على الأرض." وفي الكتاب نفسه يذكر المؤلف أن القس المرموني أورسون هايد أعلن أن فكرة إعادة اليهود إلى فلسطين تزداد قوة وترسيخاً وانتشاراً. فـ"العجلة العظيمة قد بدأت تدور، ويقول الرب القدير على كل شيء، إنه لن يقف في طريقها أي شيء". ثم إن الباحث الأميركي هنري فاينجولد يذكر إن وارد رد كريسون وهو من طائفة (الكويكرز) وهو أول قنصل أميركي عين في القدس عام 1844 قد صرح: "إن الرب يساعد على وجوب إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين". أما أشد دعاة البروتستانت، كما يذكره بيتر غروس فهو وليم بلاكستون من الكنيسة الميثودستية إذ جاء في كتابه: "يسوع قادم"، الصادر عام 1878 ما يلي: "إن الله قد أبقى على اليهود لأنه أرادهم أن يكونوا شعبه المختار، ومن الشذوذ في فلسطين أنها أرض بغير شعب، لذا يجب أن تعطى لشعب من غير أرض، وعلى الدول التي وقعت اتفاقية برلين سنة 1878 وأعطت بموجبها بلغاريا للبلغار، وصربيا للصرب، أن تعود وتعطي فلسطين لليهود الذين أجلاهم الرومان عنها منذ سبعة عشر قرناً." لدعم فكرته هذه قدم بلاكستون سنة 1891 للرئيس الأميركي وليم هاريسون عريضة بهذا المعنى موقعة من أربعماية وثلاث عشرة شخصية من كبار المسيحيين النافذين. وقد ارتكز مؤتمر بال عام 1897 على هذه العريضة. بعد مؤتمر بال وبسبب عدم إصرار ثيودورهرتسل على فلسطين كوطن قومي ونهائي لليهود، قامت عليه قيامة المسيحيين الأميركيين المتهودين ومن بينهم المستر بلاكستون الذي قام بزيارة هرتسل وأهداه نسخة من الكتاب المقدس وقد أشار فيه إلى الفقرات التي تحدد الوعد الإلهي بفلسطين، دون غيرها، كوطن قومي لليهود. ولا تزال هذه التوراة محفوظة في ضريح هرتسل وهي مفتوحة على الصفحات المشار إليها، وذلك تخليداً لذكرى بلاكستون المسيحي، الأشد ولاءً للصهيونية من مؤسسيها أنفسهم. اشتدت المنافسة بين القساوسة من سماسرة اليهودية في قلب الدين المسيحي على رفع أصواتهم في محطات التلفزيون من أمثال: جيمي بيكر، وجيمي سواغرت، وبات روبرتسون، وجيري فالول وغيرهم وذلك لكسب الود اليهودي. ففي كتابه: "اسمعي يا أميركا" [Listen America] الذي عنونه مؤلفه القس التلفزيوني جيري فالول مشابهة لما تبدأ به صلاة الشيمع عند اليهود، دعا فيه المسيحيين لجمع الشتات اليهودي في فلسطين إعداداً لمجيء المسيح المنتظر، وقد جاء في كتاب بول فيندلي [They Dare to Speak out] أن جيري فالول قال في خطبته أمام حشد من اليهود: "إن اليوم الذي سيستحيل فيه انتخاب أي مسؤول أميركي غير موال لإسرائيل يقترب بسرعة". لقد وصل هذا اليوم بالفعل وأصبح قول جيري فالول حقيقة واقعة يعرفها الشعب الأميركي ويعيشها. وبذلك أيها السادة يكون نموذج فرانكلين قد قتل ولم يعد له وجود- دور هامان عبر سيرورة معينة تم تحييده من اللعبة ليعود التضليل الخمر تدار لتحقيق مزيد من المكاسب يهودياً: إن في ترسيخ مقولة إن إسرائيل هي مفتاح أمان بقاء أميركا من شأنها أن تعيد بناء الأدوار من جديد. يذكر القس هال لندسي، عميد منظمة تاف للقساوسة الإنجيليين والصديق الحميم للرئيس رونالد ريغان، في كتابه: [The Great planet, Earth] الصادر سنة 1980 عن دار بنتام في نيويورك: "إن العالم سيفنى في هارمجدون التي أصبحت على الأبواب وستكون نتيجة هذه الحرب اجتماع شمل اليهود في فلسطين، وسيعاد بناء الهيكل وتسود إسرائيل على الأمم". بناء على هذه الأفكار نشرت مجلة ساندييغو ما غازين الحديث الذي جرى بين الرئيس رونالد ريغان ورئيس تحرير المجلة الصحفي جيمس مايلز في أثناء الغداء الذي أقيم في ساكارمنتو تكريماً للرئيس ريغان؛ أعلن ريغان أنه مقتنع أن معركة هارمجدون ستقع حتماً بسبب الأزمة الليبية. وقد أوردت السيدة غريس هالسل هذا الحديث في كتابها: "النبوءة والسياسة"؛ كماإنها تذكر قولاً للبروفيسور فرنكلين ليتل وهو من قساوسة الكنيسة المنهجية أطلقه في مؤتمر القيادات المسيحية الداعمة لإسرائيل وفحواه ما يلي: "كون المرء مسيحياً يعني أنه يهودي وبأن واجبه الأول أن يضع دعم أرض إسرائيل فوق كل وأي اعتبار آخر" [القراءات الملعونة- جود أبو صوان- د. ن- الطبعة الماسية- 2003 ص 73- 74]. وبناء على دراسة منظمة تاف لموقع هذه المعركة ووقتها، عاد الرئيس ريغان عن حربه ضد ليبيا، لأن موقع المعركة المذكور في التوراة هو منطقة ماشك وتوبال كايين، وهو لا ينطبق على ليبيا. هذا الترابط بين الفكر الأميركي المتأثر بالتوراة وبين اليهود يؤكده الكاتب والباحث الأميركي بيتر غروس في كتابه: "إسرائيل في ذهن أميركا"، إذ يقول: "إن كلاً من الولايات المتحدة وإسرائيل يضمهما عناق حميم في سياق علاقة خاصة، وسواء كانت إسرائيل بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية أصلاً استراتيجياً أو مشكلة استراتيجية فهي مثل أعلى مغروس بعمق في الفكر الأميركي منذ السنوات الأولى لظهور أميركا في العالم الجديد". أما عن تأثير التوراة على عقل الشبيبة الأميركية فتقول المؤرخة اليهودية الأميركية باربارا توخمان في الصفحة المئة في كتابها "التوراة والسيف" [The Bible and Sword] الصادر سنة 1984 "إن صهيونية بلفور نتجت عن انكبابه في أيام صباه على دراسة العهد القديم بدفع حثيث من والدته المتدينة جداً." أما الآن، أيها السادة، ونحن في هذه الظروف، التي باتت لا تخفى على أحد نجد أن الولايات المتحدة قد وصلت إلى نتيجة مفادها: أن عصا موسى لم تعد تفي بالغرض نتيجة الرغبة الجارفة لدى العرب الفلسطينيين في التحرر، وتعاطف الرأي العام العالمي مع حقوق الشعب العربي الفلسطيني، الأمر الذي أظهر إسرائيل كمن يجلس على فوهة بركان، وإن هذه الأبخرة المتصاعدة من فوهته، لهي الدليل على نشاط القوى الموجودة داخله والتي من شأنها اقتلاع الفوهة برمتها عند انفجارها. وبعدما أدركت أن هيبتها كقوة عظمى وحيدة في العالم قد تقلصت نتيجة أحداث الحادي عشر من أيلول المدبرة صهيونياً، والتي تم إلباسها بالآخرين، صار لابد للرئيس الأميركي أن ينتصب عصا صهيونية في المنطقة، قادرة على شق البحر متى أرادت إسرائيل، ضارباً عرض الحائط بكل المصالح الحيوية لشعبه وذلك خدمة لمصالح هداسا إستر. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |