مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 440 كانون الاول 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

أمريكا الإسرائيلية وإسرائيل الإمريكية الدولة العظمى إذ تتحول إلى أداة طيّعة بيد صنيعتها! ـــ جعفر العقيلي

لم يعد خافياً على أحد، خصوصاً في ظل الأحداث السياسية التي تشهدها المنطقة العربية في الوقت الراهن، تحكم اللوبي الصهيوني بصنّاع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أضحت أمريكا ــ دون أن نبالغ في التعبير ــ بشكل مؤكد مستعمَرةً يهودية صهيونية إسرائيلية، لأن حكومتها، بإدارتها وكونجرسها وسائر السلطات فيها وعلى المستويات كافة، رهينةٌ للقرار اليهودي الصهيوني، كما يتبدّى ذلك من التصريحات الإعلامية، والقرارات المتّخذة، والمواقف المعلنة وغير المعلنة. وكل من يعتقد غير ذلك، وبخاصة من الفلسطينيين والعرب والمسلمين، جاهلٌ أو مخطئ أو مضلَّل أو متعمّد للضلال لغاية في نفسه.‏

وفي هذا السياق، يأتي كتاب "أمريكا الإسرائيلية وإسرائيل الأمريكية" للكاتب والباحث الأردني حسني عايش، وهو الكتاب الذي أثار ضجّة كبيرة في الأوساط الثقافية والسياسية منذ صدوره قبل فترة وجيزة، لخطورة المعلومات الواردة فيه، والتي تفضح مدى نفوذ اليهود في الولايات المتحدة الأمريكية، منذ عقود طويلة. حتى أن جناح الناشر (المؤسسة العربية للدراسات والنشر) في معرض فرانكفورت الدولي للكتاب الذي أقيم أواخر العام 2006، تعرّض إلى مداهمة من قبل الشرطة الألمانية، نتيجة بلاغ قدّمته منظمة مناهضة لما يسمّى "العداء للسامية" حول وجود كتابَين مشبوهَين، أحدهما هذا الكتاب الذي يصوّر غلافُهُ تمثالَ الحرية الأمريكي، فيما يعلو الشمعدانُ الإسرائيلي اليدَ التي تحمل الشعلة.‏

يتناول الكتاب الذي جاء في 320 صفحة من القطع الكبير، بدايةً، تبلور الظاهرة الدينية، وما اعتراها من تحولاتٍ داخل أمريكا أدت بدورها إلى ظهور اليمين المسيحي المتصهين، أو ما يسمى "المحافظين الجدد"، وسيطرته على الحكم فيها، وهو تيار لا يفتأ يؤكد دعمه للكيان الصهيوني، ومؤازرته له.‏

ويتحدث الكتاب عن اللاسامية متناولاً النظريات اليهودية وغير اليهودية التي تفسرها على أنها الصيغة التي نشأت في ظل الخلفية التاريخية للجذور الصهيونية، مبيناً كيف تحولت من أداة لاضطهاد اليهود إلى أداة يضطهدون بها الآخرين، ومقدّماً نماذج على قوّة هذا السلاح اليهودي الفتاك الذي يُصوَّب تجاه كل ناقد للسياسة الإسرائيلية أو معارض لها.‏

ويؤكد عايش أن منظّري الصهيونية مغرمون بمقارنة الحركة الصهيونية بالحركات القومية الأخرى، مع أن أسس تلك الحركات وعواملها لا تتفق مع أسس الحركة الصهيونية وعواملها. إذ إن الحركات القومية الأوروبية مثلاً، جاءت تعبيراً عن رغبة البرجوازية الناشئة في خلق قاعدة وطنية قوية للإنتاج، والقضاء على بقايا نظام الإقطاع، وهي مرتبطة بصعود الرأسمالية، الشيء الذي لم يكن موجوداً عند اليهود إبان ازدهار القومية في القرن التاسع عشر. ويشير الباحث إلى أن الصهيونية "انعكاس مشوّه لمصالح الطبقة اليهودية التي كانت متحالفة مع الإقطاع، ثم تهددت بنشوء البرجوازية الوطنية التي أخذت البرجوازية اليهودية تندمج فيها. وعليه فإن الشر لا يزول إلا بالقضاء على مسبباته، ولكن الصهيونية تريد حل المسألة دون القضاء على أسباب (اللاسامية) وعواملها".‏

وفي حديثه عن قوّة حضور اللوبي الإسرائيلي في أمريكا، وتهمة اللاسامية "الجاهزة" دائماً لتُلقى على من ينحاز بالكامل للمشروع الصهيوني، يورد عايش شواهد عديدة بالتفصيل، من ضمنها تعليقٌ على لسان السيناتور الأمريكي السابق جيمس أبو رزق يقول فيه: "لقد أسس اللوبي (الإسرائيلي) منطقة مثيرة للشهوة (الفلوس) عند معظم المرشحين للكونجرس. وهو يمارس الضغط على تلك المنطقة بقوة وفاعلية. وبما أن معظم السياسيين لا يهمهم العرب أو اليهود، فإن المسألة تصبح عندهم وبكل بساطة مسألة إسهام مالي في حملاتهم الانتخابية". واصفاً اللوبيات الأخرى في واشنطن (العاصمة) بأنها باهتة أمام اللوبي الصهيوني الذي يُوصف بأنه أقوى لوبي في واشنطن، وأكثرها فساداً وإفساداً، وهو اللوبي الذي يضع نصبَ عينيه مصلحة إسرائيل أولاً وأخيراً.‏

ويورد عايش بالوثائق والأدلة الدامغة، قصصاً عن جنرالات وقيادات أمريكية سابقة وحالية تدلّ على قوة سلاح اللاسامية الذي تهدد به إسرائيل كل من يوجّه لها انتقاداً. ومن هذه الأمثلة قصة الجنرال براون رئيس هيئة الأركان المشتركة الأسبق، الذي صرّح في مقابلة صحفية عندما سُئل: "هل يمكن عند الكلام عن الشرق الأوسط من وجهة نظر عسكرية بحتة القول إن إسرائيل وقوتها عبءٌ على الولايات المتحدة أم نعمة؟"، بأن إسرائيل وصلت إلى حد يمكن عدّه عبئاً، مضيفاً أنه قد يأتي يوم يصبح لها فيه قوة عظمى. ولم يشر في كلامه إلى أنه يجب على الولايات المتحدة الأمريكية أن تستمر في دعم إسرائيل وتزويدها بالأسلحة. فثارت ثائرة اليهود، وسارع الرئيس فورد إلى الاعتذار نيابة عن براون، وطالبت أصوات كثيرة، بما فيها صوت السيناتور المتعقّل هوارد بيكر، بطرد براون. وهكذا تعرض الجنرال لحملة يهودية إسرائيلية قاسية جداً.‏

كذلك هناك قصة عضو الكونجرس الأسبق بول فندلي الذي كان دائم الدعم لإسرائيل من الناحيتين العسكرية والاقتصادية، والذي صرح في إحدى المرّات قائلاً: "سمعت ولأول مرة في حياتي، وبعد سنوات طويلة من الخدمة في الكونجرس، الروايةَ العربية، وبالذات عن محنة الشعب الفلسطيني، فبدأت أقرأ عن الشرق الأوسط، وألتقي بالخبراء من المنطقة. وبالتدريج أخذ العرب يظهرون لي كبشر عاديين". وكانت نتيجة هذا التصريح أن حشد الأمريكيون المؤيدون لإسرائيل أموالهم في حملة عاطفية لإسقاط هذا النائب الذي لم يفعل شيئاً سوى أنه عبّر عن رأيه ببساطة.‏

ويواصل الكتاب عرض شواهده وأدلّته على هيمنة اللوبي الإسرائيلي على صنّاع القرار في أمريكا من خلال قصص لكل من: عضو الكونجرس الأمريكي ستيفن سولاز، النائب ميرفن ديمالي، جيسي هيلمز، عضو الكونجرس شارل بيرسي، الدبلوماسي المعروف جورج بول، الجمهوري من كاليفورنيا والرئيس الأمريكي المتوقع بيت ماكلوسكي، السفير الأمريكي إدلاي ستيفنسون، الرئيس جيرالد فورد، السيناتور الأسبق وليم فولبرايت، عضو الكونجرس الأمريكي ثوماس داوني، حاكم تكساس الأسبق جون كونالي، ووزير خارجية ريغان جورج شولتز، وسواهم.‏

وتستمر القصص الموثقة لتطال الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب الذي اعترف في أحد اللقاءات التلفزيونية معه أنه هُدِّدَ قبيل الانتخابات الرئاسية الثانية العام 1992، لقوله إنه سيدرس احتمال وقف ضمانات القروض لإسرائيل ليضغط عليها لتجميد المستوطنات وعدم توطين اليهود السوفيات في الضفة الغربية، وكشف أن الذي هدده عميلٌ لـ "إيباك". كذلك قصة الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون الذي تحول خلال فترة رئاسته إلى بوق لإسرائيل في الإدارة الأمريكية، وإلى عضو في الوفد الإسرائيلي برئاسة باراك في مفاوضات كامب ديفيد!‏

أما الرئيس الأمريكي الحالي جورج بوش الابن، فقد تعلم، كما يقول عايش، من تجربة والده، فباع نفسه للشيطان الصهيوني الإسرائيلي والمحافظين الجدد المتحالفين معه. فجعل إدارته يهودية صهيونية (إسرائيلية)، ولذلك فهو "يبصم بالعشرة على كل ما تقوم به إسرائيل في فلسطين وتفعيله، غير محترم لقرارات الأمم المتحدة، وحق تقرير المصير ومبادئ حقوق الإنسان وخارطة الطريق التي تبناها، والتي تنتهكها إسرائيل يومياً دون أن يردعها أحد".‏

ويواصل الباحث قائلاً: "لعل احتلال أمريكا ــ ومن يدور في فلكها ــ للعراق بقيادة بوش سنة 2003 بحجة أو كذبة امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل التي تهدد جيرانه (ويقصد إسرائيل)، ومن ثم تدمير بنيته التحتية والفوقية وتراثه وذاكرته ومؤسساته ووحدة شعبه، واستثناء إسرائيل دون دول العالم غير الذرية عن المساءلة عن امتلاكها لهذه الأسلحة، أسطع دليل على إسرائيلية أمريكا وأمريكية إسرائيل".‏

ويدلل الباحث، على الشراكة أو التحالف الاستراتيجي بين أمريكا وإسرائيل، من خلال إصرار أمريكا على فتح باب الهجرة لليهود السوفيات، حيث ظلت أمريكا تضغط على الاتحاد السوفياتي (المستودع الثاني لليهود بعد الولايات المتحدة الأمريكية) ليسمح لهم بالهجرة إلى الخارج، وإلى إسرائيل بالذات.‏

لقد ظلت الولايات المتحدة، كما يؤكد عايش، تضع هذا الموضوع على رأس كل جدول أعمال قمة أمريكية سوفياتية إلى أن رضخ الاتحاد السوفياتي لمطالبها وفتح باب الهجرة ليتدفق منه آلاف اليهود السوفيات متّجهين إلى إسرائيل، على الرغم من رغبة الكثيرين منهم بالهجرة إلى أمريكا. وهو ما يعني انتزاع المزيد من الأرض الفلسطينية والعربية، وتعظيم قوة إسرائيل البشرية أو الديموغرافية لمواجهة القوة الديموغرافية الفلسطينية والعربية.‏

ويختتم عايش كتابه بمثال شديد الوضوح على الشراكة الأمريكية الإسرائيلية، وهو تصريح كوندليزا رايس، وزيرة الخارجية الأمريكية الحالية، لجريدة "إيديعوت أحرونوت" الإسرائيلية (13 ـ 14/ 8/ 2005) قائلة إن أمن إسرائيل هو مفتاح أمن العالم كله. وإنها تشعر برباط عميق مع إسرائيل. وعندما سُئلت فيما إذا كانت مشاعرها نحو إسرائيل تنبع من قناعات دينية، أجابت: "إنه لَسؤال عميق. لقد زرت إسرائيل للمرة الأولى عام 2000، وقد شعرت حينئذ أنني أعود إلى بيتي على الرغم من أنني لم أزر هذا المكان من قبل. إنني أشعر باتصال روحي عميق مع إسرائيل، وقد كنت معجبة دوماً بتاريخ إسرائيل وصلابة الشعب الذي أسسها وتصميمه. وإنني أعتقد أن لإسرائيل والولايات المتحدة قيماً مشتركة، وأن إسرائيل هي الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، وهو أمر مهم جداً".‏

لقد حاول عايش إثبات رؤيته عبر مجموعة من الحقائق الدامغة وذات الدلالة، كوجود السفارة المسيحية في القدس منذ العام 1980، مورداً وثائق، تُنشر للمرة الأولى، حول هيمنة اللوبي الصهيوني واستغلاله للنواب والشيوخ في الكونجرس الأمريكي ولشخصيات إعلامية وسياسية من خلال منحها بضع حفنات من الدولارات..‏

ويُعدّ هذا الكتاب أطروحة فكرية سياسية جديدة، تمتلك منطقاً نقدياً وتحليلياً لا يركن للمألوف أو القارّ من الأفكار. يحاول الباحث من خلالها، بجدّية وإصرار، إثبات أنه من المستحيل أن تقف أمريكا موقفاً ناقداً لإسرائيل. لذا يدعو إلى ضرورة عودة المجتمعات العربية إلى ذاتها، وإعادة النظر في إدارتها ووسائلها المعرفية وطاقاتها المادية، وتسخيرها من أجل تحقيق أهدافها في الحرية والاستقلال والقضاء على "إسرائيل". وهو يؤكد في سياق متصل، أن تحرير فلسطين من إسرائيل والصهيونية يعني تحرير أمريكا والبشرية منهما. ومن هنا فإن الشعب الفلسطيني يخوض أشرف معركة تحرير عرفتها البشرية وأصعبها. وبما أن المعركة أكبر منه، فإن على كل إنسان شريف ـ فكراً وضميراً في هذا العالم ـ أن يكون فلسطينيوياً (Palestiniaist) ليفوز، وإلا فإن المعركة قد تنتهي بإبادته سياسياً، أو باستئصاله جغرافياً من وطنه إذا خسرها، وباستمرار الاستعباد اليهودي الصهيوني الإسرائيلي لأمريكا والعالم.‏

وقد أدرج عايش في نهاية الكتاب: خطاب السيناتور هيوبرت همفري في اللوبي الإسرائيلي في واشنطن (3 أيار 1976)، وخطاب للرئيس جورج دبليو بوش في اللوبي الإسرائيلي في واشنطن (18 أيار 2004)، وإعلان يهودي صهيوني ضد "الإرهاب الإسلامي العالمي" (1 تموز 2003)، وقائمة بالفيتوات الأمريكية ضد قرارات مجلس الأمن التي بدت أنها تصبّ في صالح الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244