مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 440 كانون الاول 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

الرواية عندما تصبح حياة ـــ غسان كلاس

ــ 1 ــ‏

في العام 1960 أصدر ياسين رفاعية (الحزنُ في كلِّ مكان) وهي مجموعة قصصية. وفي العام نفسه أصدر نصوصاً شعرية تحت عنوان (جراح) وهي رسائل بوح. وفي العام 1990، ضمن مذكراته، أصدر (رفاقٌ سبقوا) ويتوج نتاجاته في العام 2006 برواية (الحياة عندما تصبح وهماً).‏

وبالطبع ليست هذه إبداعات رفاعية فقط على مدى خمسين عاماً، وإنما في رصيده ما يزيد على ثلاثة وعشرين عنواناً، ولكن ما أشرنا إليه في البداية يلتئم في سياق واحد، ويندرج تحت عنوان واحد، وإن تعددت أجناسه الأدبية، إنه الحزن الذي يظهر في كل مكان عبر قصصه الاثنتي عشرة. فيتنامى، في السنة نفسها، ومن خلال رسائل بوح، ليخلف جراحاً عميقة في النفس والوجدان، تستثير الذاكرة، بعد سنوات، في ومضات عن رفاق الدرب والحياة......‏

ولكن لا تلبث هذه الأحزان، كما يرى نزار قباني، أن تكبر حتى تصبح أشجاراً بفقدان الأمل، وتغدو الحياة وهماً وسراباً.......‏

ــ 2 ــ‏

فمنذ الإهداء الذي يتصدر رواية (الحياة عندما تصبح وهماً) والموجه للدكتور غازي القصيبي تطالعك كلمة (الرحيل) التي تختصر، من خلال المهدي والمهدى إليه وما بينهما، سنوات من الحميمية والذكريات في لندن.....‏

وكعادته يشدك ياسين ليس من الصفحات الأولى بل من أسطر الرواية الأولى في وصف تصويري معبر:‏

"...فانفجر الماء محدثاً ثقباً في سرتها، وراح يتدفق كما لو أن طفلاً صغيراً ينبثق بوله....."‏

وتعيش مع الكاتب قلقه وحيرته وذهوله فالوقت منتصف الليل، والمصعد معطل، وهو مضطر للذهاب إلى المشفى سريعاً عكس خط السير، وقلب الحبيبة معطوب، وتبرز /صباح/ الجارة الوفية، لتكون العون والسند على امتداد أحداث الرواية، مؤصلة الوفاء وأهميته في العلاقات على اختلافها......‏

"... ليس هناك أروع من الوفاء، لولا الصداقات لخلت الدنيا من المودة والحب، وربما كانت الصداقة أهم من الحب، لأنها تدوم أكثر، إنها ملاذ آمن للبشر"‏

ومن خلال كلمات ثلاث في جملة مفيدة "خفت أن أفقدها" يرسم ياسين حالة من الرعب والفزع مشفوعة بالمحبة وعمق الارتباط......‏

وكالعادة في مثل هذه الحالات والملمات، يحضر شريط الذكريات بحلوه ومره، فيستذكر اكتشاف الطبيب مع ولادة أمل ببكرها "بسام" أن قلبها معطوب، ورغم التوصية بعدم الحمل ثانية تدفعها غريزة الأمومة وحاجتها لأخت "لبسام" أن تغافل زوجها وتراوغه وتحمل "بلينا"......‏

ــ 3 ــ‏

ويضيق الأمل بالانفراج بعد هزيمة الخامس من حزيران 1967. كما يضيق صمام قلب أمل بعد ولادتها الثانية، إلى حدّ بعيد. لم يعد الدم يمشي جيداً في العروق، وأصبحت بحاجة إلى جراحة عاجلة لتوسيع هذا الصمام.‏

ويتبين، فيما بعد، أن هذه المداخلة الجراحية التي أشار بها طبيب ألماني زائر كانت وبالاً على أمل.......‏

وقد أبرز ياسين، من خلالها، ما يسمى بأخطاء الطب والتشخيص، التي تؤلم المرء وتباغته.‏

فجأة........‏

ولكن في غمرة هذه الصعوبات والمشاق برزت بارقة أمل من خلال مبادرة وزارة الإعلام، حيث كان يعمل ياسين، بتحمل نفقات سفر أمل وعلاجها في لا يبزغ..... ويشير ياسين، بحسرة شديدة، إلى أنه لم يستطع مرافقتها لأسباب مادية......‏

ولعله من المفيد هنا الإشارة إلى النقاط التالية:‏

ــ استطاع ياسين رفاعية، الروائيُّ المبدع، ومن خلال ثلاثة أسطر فقط، أن يعرب عن الأسى العربي إبان هزيمة حزيران، التي وصفها بالشنيعة:‏

"....كان يوماً أسود بالنسبة لكلينا، عندما صارت الطائرات الإسرائيلية، تحلق في سماء دمشق على علوٍّ منخفض، تحدياً واستهتاراً بمشاعر الناس، كنا في حالة لا تطاق....."‏

ــ معظم الأسماء التي أوردها الروائي في روايته، أتت كاملة مع ألقابها وصفاتها ومواقفها، مما يدعم مصداقية الرواية، ويجعل منها، في هذا الجانب، وثيقة لها أهميتها.....‏

ــ ضيق ذات يد معظم أصحاب القلم فهم لا يستطيعون مرافقة من يحبون ومؤازرتهم في محنهم.‏

ــ تطعيم الرواية، وبعفوية، بحكايات وأمثال من التراث الشعبي وقد جاءت في مواضع شتى بلغتها ولهجتها المحكية:‏

برضاي عليك عاملها دائماً معامله حسنه، دير بالك على حالك.......‏

ما بتبطل عاداتك يا نسونجي......‏

ــ 4 ــ‏

ويثمن ياسين دور جريدة النهار، التي كانت تنشر شعر أمل، عندما فتحت باب الاكتتاب على صفحتها الأولى لجمع تكاليف العمل الجراحي الذي سيجرى لها، ويصفه بالنبيل، والذي تكرس في نبله من خلال أشخاص كانت لهم مواقفهم التي سجلت لهم "كانت أمل تجد دائماً من يساعدها....."‏

وتطل الحرب الأهلية اللبنانية برأسها، متزامنة مع آلام أمل وآلامه.‏

فقد خربت هذه الحرب العبثية ــ كل شيء، وكانت تداعياتها على الناس قاسية جداً، ولكنها كانت على أمل أقسى من كل شيء، فقد تعطلت حياتنا مثل بقية الناس، إن لم يكن أكثر، وخصوصاً عندما تشتد الحرب، ويجري تبادل قذائف المدفعية بين الجانبين، فتضطر أمل إلى النزول إلى القبو مع ولديها، ثم تهدأ الحالة، فتصعد من جديد، وهكذا على مدار الساعة، صعوداً ونزولاً، نزولاً وصعوداً، فأرهقها ذلك أي إرهاق وأرق صمامها الاصطناعي أيضاً....‏

لقد أخذت حرب لبنان مساحاتٍ واسعةً في كتابات ياسين رفاعية فقد برزت في (الممر) 1978 كأول انعكاس للحرب اللبنانية في الرواية السورية، من موقع الأحداث، وهذا يمنحه ــ كما يقول سمر روحي الفيصل ــ ميزة معايشة الحرب، والاكتواء بنارها. وفي (دماء بالألوان) 1983 وفي (امرأة غامضة) 1993 وغيرها ما يبرز هذه المعايشة.‏

ــ 5 ــ‏

تشكل رواية (الحياة عندما تصبح وهماً) في أبرز معالمها سيرة ذاتية، ليس لياسين رفاعية وأمل جرّاح فحسب، بل لكليهما، في إطار علاقتهما الزوجية، ولهم، مع ولديهما وبعض الأقارب والأصدقاء، في إطار الأسرة.... وفي مواضع كثيرة يذكر ياسين، إن تلميحاً أو تصريحاً، كثيراً ما يكون من الوقائع والمواقف المباشرة وغير المباشرة.‏

ولا ريب أن ذلك أضفى على الرواية رونقاً خاصاً، وإن كان مشوباً بل مسربلاً بالحزن، ولكنه جعلها أكثر غنى وواقعية، كان أساسها الصدق وسنامها الجرأة.‏

"....وإن كنت مقصراً في واجباتي، حيث تركت لها الاهتمام بكل شيء، وحملتها ــ من دون قصد ــ مسؤولية حياتنا جميعاً....."‏

".....تذكرت الآن كيف دخلت هذه المرأة حياتي مصادفة، وتزوجت بها مصادفة، وتآلفت وإياها إلى حدٍ عجيب، تآلفاً أصبح فيما بعد أعمق بكثير من الحب. كنت بحاجة إلى الاستقرار بعد ما عانيت تجارب حب فاشلة......"‏

"......كانت خجولة دائماً، حتى في أدق اللحظات الحميمة.‏

ــ 6 ــ‏

ويفسح لموضوع الغيرة مساحات في روايته:‏

".....ابتسمت، وقالت: أنت تغار!‏

"....لاحظت نظراتي التي زاغت حول الطبيبة الجميلة.... حدجتني بنظرة غاضبة قائلة: ما بتغير عاداتك....."‏

".....تذكرت مريضة السرطان التي عشقت طبيبها المعالج....."‏

ــ 7 ــ‏

وبصراحته المعهودة يقول ياسين:.... في الحقيقة لم يخطر ببالي الموت منذ فترة طويلة..... ويضيف في موضع آخر، على المرء في اللحظات الصعبة أن يترك أمره لله....‏

".....كم هذه الحياة مجرد وهم كبير، مجرد حلم نستيقظ منه على هذه اللحظة، لحظة الموت الذي لا يرحم أحداً، هذا الموت اللغز المجهول، العصيّ على التفسير، الذي يحيطنا بشموله المطلق، ولا نقدر على الاعتراض.... هذا الموت الذي يعرينا في اللحظة الأخيرة، حتى من ملابسنا، ويا للهول....."‏

".....يا ويلَ الإنسان من عقله، يأتي إلى الحياة من دون رغبته ويصبح له أبوان لا يعرفهما، ويختاران له اسماً يفرض عليه، وقد لا يحبه فيما بعد، ويموت من دون أن يسأله أحد لماذا سيموت، ما هذه الحياة؟....."‏

ــ 8 ــ‏

أكاد أجزم، كما ألمحت سابقاً، أن ياسين رفاعية أرخ لحياته وحياة زوجته بما يشبه اليوميات أو المذكرات أو السيرة الذاتية، بغض النظر عن القالب المنهجي في ذلك، وهو ــ بذلك ــ وضع بين يدي القراء ما يرغبون في قراءاته والإطلاع عليه، ولاسيما أن ياسين وأمل علمان من أعلام الأدب والفكر في بلادنا، ونحن أحوج ما نكون للتعرف عليهما وعلى مكوناتهما وتكوينهما، فكيف إذا جاء صادقاً وشفافاً وجريئاً بلسان أحدهما أو نقلاً عنه.....‏

ــ زاغت نظراته حول الطبيبة الجميلة، وكان يتحين لحظاتٍ خاطفةً كي ينظر إلى تلك السيدة الجميلة، وهي بملابس نومها الخفيفة.... وترك يده مشدودة على يدها...... ويطلب، أخيراً، أن تسامحه على كل إساءاته وخياناته وكذبه.....‏

ــ كم صبرت عليَّ أمل، وكم كانت رحيمةً بي ولم أكن رحيماً بها، تتعب لأرتاح، تسهر لأنام، تستيقظ قبلي للاهتمام بالبيت ثم.... كنت لا أقول لها كلمة شكر.....‏

ــ وأنت يا زوجي العزيز: هكذا اكتشفتك وعرفتك من جديد، أنت توجد عند الملماتِ والصعاب، توجد بكل عطفك ومحبتك، كم أنا محظوظة بك.....‏

وغني عن القول، في هذا السياق، تفصيل العلاقة مع شقيق أمل وشقيقتها، وموضوعية أمل وياسين بهذا الاتجاه، فقد استطاع ياسين أن يكون محللاً نفسياً وعالم اجتماع في الوقت عينه.‏

ــ 9 ــ‏

وفي إطار السيرة الذاتية لأمل جراح الشاعرة والإنسانة، غير التي أسلفناها، يقف قارئ رواية ياسين رفاعية عند كثيرٍ من صفاتها وخصالها، فقد كانت محبوبة الجيران، وذكية ، شغوفةً بنفسها إلى حدِّ التطرف، تكره أفلام الرعب، وتحب الموسيقا، وتحتفظ بورقة الروزنامة لتقرأ ما كتب خلفها من حكم وأقوال، وكانت تخاف من الشيخوخة،.... ولها رواية (خذني بين ذراعيك) التي فازت بجائزة مسابقة مجلة الحسناء، وكانت الرواية قد ولّدتْ في نفس ياسين في حينه، مشاعر خاصة في إطار إشكالية العلاقة بين البنت والأب في غياب الأم المتوفاة.... إضافة لمجموعات شعرية خمس......‏

ــ 10 ــ‏

ويصف ياسين رفاعية بمفردات صادقة وشفافة ومختارة، تكاد تشكل معجماً لا نبالغ إذا قلنا (ماركة مسجلة باسمه) يصف المشهد الرهيب، عندما تولى تغسيل أمل إثر وفاتها....‏

لعلَّ كثيرين ظنوا أن ياسين قد استنفد في ثلاثيته (نصوص في العشق) مفردات اللغة وألفاظها، ولكنه أثبت، والألم يعتصر قلبه ويهد كيانه، أن الحب يفعل المعجزات، فهو بهذا المعنى قادرٌ على رفد نصوصه بالمزيد من العبارات الموحية والجمل المؤثرة.........‏

".....هذه المرة الأولى في حياتي أراها عارية بهذا الوضوح، لم تتعر أمامي بهذا الوضوح قط..... هاهي أمامي كما خلقها الله، بكل جمالها الآسر، وبكل بياضها...... لم أظن أن جسدها أبيض كالثلج، كأنها جوهرة بيضاء ممددة أمامي، بيضاء كالورد الأبيض، بيضاء كالورق الذي كتبت عليه قصائدها، بيضاء كالزنبق الذي كانت تحبه، بيضاء كالياسمين، بيضاء كالقرنفل، بيضاء كالأمنيات الجميلة، كالنفس الطاهرة....."‏

ــ 11 ــ‏

ولعل ياسين رفاعية، دون سواه فيما أعلم من الروائيين، خصص لموضوع المقبرة والأموات في مقاربة ومباعدة للخيال صفحات، أدار الشخوص على مسرحها، وهو منهم، ببراعة لافتة، وطرح ــ من خلالها ــ تساؤلات مختلفة: الخوف (من يخاف مِنْ مَن)، ارتفاع أسوار المقابر، حكاية الذي مات في كفنه، سرقة جثث الموتى،..... ولكن، بالمحصلة، المهم أن نؤمن.... الإيمان بالله هو النجاة دائماً.......‏

ــ 12 ــ‏

فلا غرابة، وقد جمعهما هذا العشق، أن يتوهم أن لوثة من جنون قد أصابته فهو ــ وكما وصفه خليل الخوري منذ خمسين عاماً ــ شديد الحساسية يعاني في حياته معاناة فتنعكس صورها على إنتاجه وفي كل كتاباته، إنه واحدٌ من جيل القلق والمأساة، يحمل في نفسه كل خصائصه وكل تناقضاته، قلق، حزين، باحث أبداً عن القيم في عصر أكثر الأشياء فيه تبدلاً هي القيم، فهل بات ياسين، رغم كل ذلك، يرى بعين أمل، على مرضها، أن الحياة ليست وهماً وأن العالم كله رجاء وأمل يتجدد كل يوم، وأن الإنسان يتوازن بالحب؟......‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244