مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 440 كانون الاول 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

الفكر النقدي لرواد عصر النهضة ـــ أ.د.حسين جمعة

1 ـ إطلالة تاريخية:‏

انشغل الفكر العربي في مراحله التاريخية ـ على الدوام ـ بالعلاقة الحيوية بين المثقف/المفكر وبين الوسط المحيط به، وحاول بيان ما يقوم به في ذلك، في الوقت الذي كان يبحث عن تفسير علاقة الأرض بالسماء وانبعاث فكرة الألوهية المالكة لكليهما، على اعتبار عجزه عن إدراك الماورائيات. ومن ثم تداخلت صورة الإله بالحاكم الذي اصطفاه على شاكلته، مهابة وقوة وطاعة ورحمة ورأفة وعدلاً و... وهو الحامي للرعية من الوحوش واللصوص، ما يعني أن مصلحة الرعية تخضع لراعيها. ولعل من أقدم الأمثلة على ذلك ما ظهر في ملحمة جلجامش(1)، ويبدو أن هذه الرؤية للحاكم مازالت مستمرة حتى اليوم.‏

وحين يشير أحدنا إلى ثقافة الأجداد منذ البابليين والسومريين والآشوريين والفينيقيين و... فلا يعني أنه من الذين يتعبدون لتلك الثقافة وإنما يريد أن يتمثل معطياتها وأبعادها لدراستها دراسة موضوعية، وليفيد منها ويتعظ بدروسها. والتاريخ العربي قبل التاريخ الإنساني يدفعنا دفعاً إلى تمثل حركة النهوض لمشروعنا الوطني والقومي ثقافياً وسياسياً واجتماعياً وتقنياً وعلمياً وفنياً وأدبياً و... في الوقت الذي يدفعنا إلى المثاقفة مع الآخر الأجنبي لنتلقف تجاربه وفق خصائص هويتنا الفكرية والثقافية.‏

وعلى الرغم من هذا فإننا نرى أن كل مرحلة تاريخية انشغلت بالهموم المستجدة في حياة مجتمعاتها وثقافتها، وبالسياسة التي تختارها لنفسها، وظهر الأديب أو المثقف الذي يصطنع لنفسه مكانته الفريدة. ففي العصر الجاهلي كانت سلطة القبيلة ورئيسها هي النظام الشائع، وحينها ظهر الأديب ـ ولاسيما الشاعر ـ الذي يدافع عن قبيلته ومفاخرها وأحسابها وأيامها، لهذا كانت تفخر بمولد الشعراء فيها(2).‏

وفي ذلك كله كان الأدباء أو الفقهاء، أو اللغويون يمثلون أبرز مثقفي ذلك الزمان باعتبارهم جزءاً متكاملاً مع السلطة وقَلَّ أن كانوا مناوئين لها فإذا خالفوها لقوا شراً مستطيراً كما حدث لابن المقفع مع والي أبي جعفر المنصور(3) وهذا لاينسينا ذكر عدد غير قليل منهم شكلوا جماعات متجانسة في خدمة ما آمنوا به، ومنهم من كوّن فريقاً واحداً في الدفاع عن الجماعة التي انتمى إليها كشعراء المذاهب والفرق، فنأى مثقف تلك الأيام بنفسه عن الفردية والأنانية بعكس كثير من مثقفي هذه الأيام، دون أن ننسى أن "مفهوم المثقف لم يرد ذكره في الحضارة العربية الإسلامية بمعناه الحديث..." (4).‏

2 ـ عصر النهضة:‏

إذا تجاوزنا المراحل التاريخية العديدة الأخرى فإننا نتوقف عند مفكري القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين ممن شكلوا ثقافة عصر النهضة العربية. فهؤلاء تناولوا الثقافة في إطار القضايا الكبرى التي مَرَّ بها المجتمع العربي، وعالجها أكثرهم من خلال أطر فكرية اجتماعية ودينية وسياسية في ضوء مفاهيم الإصلاح والتطوير، ما جعلهم ينثرون آراءهم بين يدي المشروع النهضوي التحرري الذي تبنوه في ضوء منهج عقلي مزج بين الأصالة والمعاصرة، إذ استندوا إلى التراث العقلي الذي وجدوه عند ابن المقفع والجاحظ وابن سينا وابن رشد وأبي حيان التوحيدي وأبي العلاء المعري وابن خلدون وغيرهم في الوقت الذي انفتحوا على الثقافة الغربية.‏

وكل من يرجع إلى تراثهم الفكري يجد أن النزعات الفكرية لديهم توضح طريقة التفكير النقدية الجديدة التي تغيرت في مسيرة تطور الفكر العربي... وقد تقاطعت عقلية التنوير في عصر النهضة بالحرص على القياس مع عقلية التنوير في أوربا دون الانفلات من التراث العربي الذي اشتمل على اتجاهات عقلية ملموسة في كثير من المستويات وعند عددٍ من الفلاسفة العرب كما رأيناه عند ابن رشد في القرن الثاني عشر(5)، وعند ابن خلدون القرن الخامس عشر وهو القائل: "العقل ميزان صحيح، فأحكامه يقينية لا كذب فيها"(6). ولعل المسار الخاص للثقافة العربية في عصر النهضة يبرز المناهج والمرجعيات والمفاهيم التي آلت إليها في إطار التفاعل مع الآخر الغربي والانفتاح عليه والحوار معه؛ دون إلغاء أو إقصاء له، أو ذوبان، أو انصهار فيه أو تطابق معه.‏

فالثقافة العربي في عصر النهضة كانت تتجه إلى كل ما فيه صلاح الأمة ونهضتها(7). فهي محكومة بالمبادئ والقيم السامية والحوار الحضاري، ما أبعدها عن الصراع، وأدخلها في مفهوم التفاعل الحضاري بين الثقافات، بعكس ما يحصل لدينا اليوم. فرواد عصر النهضة أيقنوا بأن الحضارة الكونية حضارة واحدة، ولكنها تتعدد في مستوياتها الثقافية والمدنية؛ ما يجعلها تكتسب سمات أهلها طبيعة ووظيفة، فتتخذ لنفسها خصوصية متفردة... وحين آمنوا بذلك كانوا ينطلقون إلى الانفتاح على الثقافة الأوروبية دون أن تخطف أبصارهم وتستلب عقولهم... وحين تركزت رحلاتهم إلى (باريس) فإنهم أفادوا مما فيها ونقلوا ما رأوه مفيداً للأمة.‏

فرفاعة الطهطاوي ـ مثلاً ـ كان واعياً وعارفاً بما يريد، فعُنيَ بنقل الصورة الثقافية الحضارية لباريس، ولم يكن منساقاً غافلاً عن الجوانب التي لا تنسجم مع عقيدتنا وثقافتنا، ما جعله يأخذ بأسباب التقدم والنهوض دون غيره(8).‏

فالتقدم الحضاري مقترن باستثمار العقل واستحضار كل ما من شأنه لنهوض الأمة... ولعل هذا الهدف قد جعلهم يتسابقون للوصول إلى منابع الارتقاء؛ فهم يواصلون العمل بجد وإخلاص، ويلزمون كل مكان زاروه في الغرب لينهلوا منه ما يريدون ويشتهون، وإن أخذتهم في البداية صورة الانبهار بالمدينة الغربية كما حدثنا عنه فرنسيس مراش؛ إذ قال: "وها أنا الآن في مركز العالم وأعجوبته. هوذا تيار البخار قد دفعني الآن إلى مدينة باريس مصب أنهار العجائب، وموقع أنوار التمدن والآداب. وها قد أخذت عيناي ترى ما كان يراه ذاك الذي حفظته أرواح الآلهة إلى السماء الثالثة. فلا ريب أنني أقاسمه حاصل العي والحصر، وأبادله نفس البهتة والحيرة في ميدان الدهشة والانذهال لدى ما يوجد من العجب العجاب الذي يأخذ بكل رشد وصواب"(9).‏

ولست الآن في معرض إثبات الأدلة على استعمال العقل عند هؤلاء المفكرين على اعتبار أنه يكوّن الوعي النقدي الذي يخلّص المثقف من الإذعان للسلطة القاهرة غير الشرعية سواء تمثلت بسلطة الرأي والإيديولوجية، أم تمثلت بالحركات السياسية والفكرية التي ولدت، أو بسلطة الخلافة العثمانية ثم سلطة الدولة أياً كان نوعها، أم بسلطة المؤسسات الفكرية الثقافية أو أي مؤسسة أخرى. فلو رجع أيٌّ منا إلى تراثهم لتبين له صحة ما نذهب إليه، ولكننا في معرض إثبات منهج بعض مفكري عصر النهضة ممن كان لهم باع كبير في إطلاق المشروع النهضوي العربي الجديد الذي أفاد من التراث العربي بمثل ما عني بالمثاقفة مع الحضارة الغربية في صميم الانفتاح العقلي.‏

"وقد وَفَّق كثير من أرباب الفكر القومي والإسلامي بينهم وبين مفهوم القوميات الداخلة في الإسلام، على أساس الجنس قبل الدين؛ بل اعترفوا للآخر الأوربي بقوميته ولم ينكروا عليه مغايرته الفكرية والثقافية والسياسية والاجتماعية، وانفتحوا عليه يتعاونون معه أو يتعلمون منه كما وجدناه في عصر النهضة عند رفاعة رافع الطهطاوي (1801- 1873م) مؤسس الليبرالية الحديثة في الثقافة العربية التنويرية ولا سيما كتابه (تخليص الإبريز في تلخيص باريز) الذي لخص فيه القانون الفرنسي تلخيصاً مفيداً، وكذلك كان خير الدين التونسي (1820 ـ 1890م)في كتابه ( أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك) وأحمد فارس الشدياق (1804- 1887م) في كتابه ( كشف المخبا في فنون أوربا) وعبد الحميد الزهراوي (1855 ـ 1916م) في ( رسالة الإمامة وشروطها) ومقالاته العديدة التي نشرها في (المؤيد، والجريدة) ومحمد الخضر حسين (1870- 1958م) في كتابه (مدارك الشريعة الإسلامية) وكتابه ( نقض كتاب في الشعر الجاهلي) ومقالة ( الخلافة الإسلامية) في مجلة ( البدر التونسية ـ مجلد ـ 1) وأحمد أمين ( 1886 ـ 1954م) في كتبه العديدة مثل (فجر الإسلام) و(ضحى الإسلام) ومحمد الطاهر بن عاشور ( 1879 ـ 1973م). ولا شك في أن كتب هؤلاء الرواد عبَّرت عن فهمهم لطبيعة أوربا، وأظهرت تقدم مدنيتها، بيد أن هدفهم تركز حول نهضة العرب والإفادة فيها من التقدم الغربي مع إقامة توازن بين العقيدة والعروبة من جهة وبينهما وبين الإفادة من الغرب من جهة أخرى، وفق مبادئ اعتماد العقل والحرية والعدل السياسي والاجتماعي.‏

ولم تحقق هذه الحركة الإصلاحية التنويرية في مشروع العرب القومي تقدماً يوازي طموحاتها؛ على شدة الحماسة التي يتصف بها أربابها؛ لأنهم أرادوا إصلاح نهضة الأمة بإصلاح الأنظمة الحاكمة فقط إذ أرادوا ترشيد القرار السياسي قبل أن يقوموا بعملية وعي منهجي يربط بين الأنظمة ومصالح شعوبها. لهذا فإن الخلافات السياسية بين الأنظمة العربية بعد ذلك قد أدت إلى تنازع المصالح، ولم تستطع الجامعة العربية أن تؤدي الدور المنوط بها لتأسيس المشروع القومي، وظلت الآليات التي اتخذتها عاجزة عن إدراك الغاية ابتداءً بمجلس الدفاع المشترك وانتهاءً بالوحدة الاقتصادية؛ وظل التمايز الطائفي قائماً في كل دولة، فضلاً عن تأسيس بعض الأقطار العربية طائفياً ومذهبياً، مثل لبنان الذي شكله الدستور المقر سنة (1923م)"(10).‏

ولعل أكثر ما انشغل فيه المفكرون في عصر النهضة يتركز في أنماط العلاقة بينهم وبين السلطة السياسية والاجتماعية والدينية فأكثروا الحديث عن الوطن والمواطنة والحرية والاستبداد كما وجدناه عند الكواكبي مثلاً الذي رأى أن الاستبداد أس البلاء في كل شيء. ونعتقد بأن هذا المعنى يلاقي مفهوم السلطة الدكتاتورية التي تمارس القهر.‏

ومن ثم لا نستغرب أن يكون الاستبداد والظلم والعنف والبطش أنساقاً لها.‏

ثم تحدثوا عن علاقة المثقف بالهوية الثقافية التي تحمل خصائص الأمة في المراجعة العلمية والموضوعية المستمرة للتخلّص من التقليد والتمثل والخوف والتردّد، والاستنساخ والاستلاب و...، وبمعنى آخر حاولوا التخلص من سلطة الثقافة القديمة المترددة والضعيفة، ما جعلهم يتناولون الوصف الظاهري، للوصول إلى الانفتاح على الآخر بوعي خاص يجعل المستقبل أمامهم. لهذا لم ينشغلوا بالتكتيك الآني الذي ينشغل به المثقفون المعاصرون وإنما انشغلوا بالثقافة وتفعيل أثرها في الحياة، ما جعلهم يتناولون فيها قيمة (القومية/العروبة) بمثل ما تحدثوا عن قيمة الوحدة العربية باعتبارها محركاً للمجتمع العربي لا باعتبارها إيديولوجية ذرائعية تستند إلى فكرة ما أو رأى لفرد أو جماعة، أو حزب أو دولة... إن مثقفي عصر النهضة رأوا أن المثقف محارب ناقد لا يقل قدرة عن السياسي الملتزم بالخطاب السياسي ذي البُعد القانوني والأخلاقي في تحصين الهوية العربية والمحافظة عليها، ما جعلهم يدعون إلى تربيتها وفق مناهج مدروسة، وتربية اجتماعية ثقافية عربية إسلامية ترسخ القيم والمبادئ الأخلاقية المرغوب فيها؛ تربية تؤصل الانتماء للوطن والعروبة، وتنمي الفكر الناقد لتنقية كل ما يصل إلينا من ثقافة غربية تسعى إلى إلغاء ثقافتنا؛ أو تسعى إلى إحلال مفاهيم الآخر الغربي في السيطرة وتبني مشاريع مرتبطة بالآخر على نحو ما حلَّ محلَّ المشاريع الوطنية والقومية؛ ومن تلك المشاريع (حلف بغداد، ومشروع سورية الكبرى، ومشروع الهلال الخصيب، ووحدة بلاد النيل؛ ووحدة المشرق العربي، ووحدة المغرب العربي) أو تلك التي تدعو إلى إحلال اللغة الأمازيغية محل العربية، والفينيقية أو القبطية محل الانتماء إلى العروبة.‏

فالمثقف في عصر النهضة كان مهموماً بالإصلاح العام الذي يتناول جوانب الحياة والثقافة ومحاربة الأحلاف السياسية الضارة، والمشاريع الاستعمارية التي تهدد الهوية القومية، في الوقت الذي كان معنياً بإيجاد الوطن العربي الممتد من الخليج إلى المحيط، سواء كان في إطار النزعة الشرقية أم النزعة العثمانية، أم نزعة الاستقلال الكامل.‏

دون أن نهمل ذكر بعض الاتجاهات الفكرية التي اتصفت بصبغة إسلامية ـ غالباً ـ إذ لبس أصحابها " "أول الأمر لباس حركة دينية وسياسية إصلاحية ومتفتحة" مع جمال الدين الأفغاني (1849- 1902م) المؤسس الحقيقي لها؛ حركة تنادي بالتجديد وترك التقليد وتبني مواقفها على التحرر من السلطة. إن ترك التقليد يكتسي هنا معنىً خاصاً؛ إنه إلغاء لكل الفكر القومي أياً كان زمنه من عصر حمورابي حتى الجاهلية؛ إذ يعيش أربابه في انفصال حقيقي عن واقعهم للعيش في الماضي الإسلامي وحده،((11)) مشيرين إلى أن الأفغاني كان يستند إلى كثير من أفكار أحمد بن حنبل (ت 231هـ ) وابن تيمية (ت 728هـ / 1327م) وابن القيم الجوزية (ت751هـ /1350م). أما التجديد فيعني بناء فهم جديد للدين؛ عقيدة وشريعة، انطلاقاً من الأصول مباشرة، والعمل على تحيينه؛ أي جعله معاصراً لنا وأساساً لنهضتنا.‏

ومن أهم مفكريه في عصر النهضة ـ أيضاً ـ وما بعده ولي الدين يكن (1873- 1921م)، وسليم سركيس (1867- 1926م)، ومحمد عبده ( ت 1905م) ومحمد رشيد رضا (1965 ـ 1935م) وعلي عبد الرازق ( 1888 ـ 1966م) والآلوسي ( ت 1342 هـ / 1924م) ومحمد بن عبد الوهاب (ت 1115 هـ / 1703م) ومحمد علي السنوسي ( ت 1276هـ / 1860م)(12).‏

ولهذا كله نجح المثقفون والأدباء في إسقاط المشاريع التي تريد الهيمنة على الوطن العربي، على حين سقطنا نحن في أوهام ثقافية عديدة أوصلتنا إلى انكسار المشروع القومي الذي صنعوه لنا. وكان المثقفون قبل منتصف القرن العشرين قد عنوا بكل ما أثاره الرواد في عصر النهضة؛ وناقشوا العديد من الأنماط الفكرية والثقافية والفنية والأدبية التي تتركز حول الهوية، وعلاقة المثقف بالسلطة، ومنهم (طه حسين وعبد الله العلايلي وقسطنطين زريق وساطع الحصري وعبد العزيز الدوري وحسين مروة، وإدوارد سعيد ومالك بن نبي، وعلال الفاسي و...) وثمَّرَ هؤلاء المثقفون قيمة العقل وتفاعلوا مع التراث والمعاصرة لتثبيت مكانة المثقف وقدرته على الوقوف في وجه القمع الذي تمارسه سلطة ما على أفراد المجتمع، بيد أن حركة الثقافة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية كانت تسير سيراً بطيئاً، وتقليدياً وربما تعمقت ثقافة التبعية والاستهلاك والاستنساخ لثقافة الآخر ما أدى بنا إلى إنتاج ثقافة عربية مأزومة. فالإنتاج الثقافي ضعيف أو متخلف، أو منقول مستنسخ، والتجارب الوحدوية تجارب شابها الكثير من الأخطاء والمآسي مثل تجربة (الجمهورية العربية المتحدة بين سورية ومصر 1958 ـ 1961)، واتحاد دول المغرب العربي، واتحاد الجمهوريات العربية بين سورية ومصر وليبيا، والمشروع القومي بين سورية والعراق)، ويبقى اتحاد دول مجلس التعاون أحسن حالاً مما تقدم ذكره حتى الآن. ومهما قيل في هذا الشأن أو ذاك فإن المرء يذهب إلى أن المثقف العربي ما زال يعيش في أزمة حقيقية أكبر مما هي عليه أزمة المجتمع العربي وثقافته، وإن وجد مثقفون مهمومون بقضايا أمتهم وكانوا فوق الأزمات. ولعل ذلك كله قد كوّن علاقات شاذة فيما بين الأوساط الثقافية ولاسيما النخب منهم، من جهة، وفيما بينهم وبين غيرهم من جهة أخرى بمثل ما نشأت إشكاليات شتى بين هذه النخب والواقع الراهن وفق تحولاته الكبرى.‏

3 ـ الخاتمة: آفاق ونتائج‏

أخيراً؛ لعلنا نستطيع القول ـ ونحن نقدم ثلاثة من روّاد الإصلاح في القرن التاسع عشر وهم خير الدين التونسي، ومدحت باشا، وجمال الدين الأفغاني: إن ماهية الإصلاح تختلف باختلاف البلدان العربية؛ وكل منها تتسم بدرجات معينة من الإصلاح، لعلّ أعلاه ما شهدناه في مصر وبلاد الشام، علماً بأن هذا الإصلاح كان يصطبغ، بوجه عام؛ بطابع ديني على نحو ما، وإن اتخذ مفهوم المنهج العقلي، فما انتهى إليه (فرنسيس فتح الله المراش) في كتابه (رحلة باريس 1867م) الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، لعام (2004م) بتقديم (قاسم وهب) لا يقل قيمة عمّا وصل إليه الطهطاوي وعلي مبارك؛ ومثله كان ابن بجدته من الشام أحمد فارس الشدياق... وجميعهم سخروا أقلامهم لتبديد الأوهام والخرافات، والقضاء على ملامح الظلم والاستبداد الذي ران طويلاً على المشرق العربي، فقد نشدوا التمدن والتقدم والحرية. بمنهج عقلي سديد. ومما قاله فرنسيس مراش في رحلته: "فلما أدركت رشدي وبلغت أشدي دخلت هذا العالم لأتجسسه وأرى كيف يجب اعتباره مني، وعلى أي وجه، وبالنسبة إلى أي مادة؟ فعندما تبصرته كافياً وانتقدته وافياً، تبلبلت إشعاراتي نحوه، وهمت على وجهي، وما عدت أدري ما أعتبر منه، لأنني رأيته سوقاً عظيماً لا حدّ له"(13).‏

بل هو عالم متقلب يأكل القوي فيه الضعيف(14).‏

ولهذا حين نجح هؤلاء المفكرون في الموقع الذي نشدُوه لنهوض الأمة وتحررها، فقد أخذنا نسقط فيه.‏

ولا شيء أدل على ما نقول من توفيقهم بين العقل والدين، ومن ثم اتفاقهم على التوجه الإيماني غير الطائفي والمذهبي؛ باعتبار تكامل الدائرة الثقافية القومية والدينية في تفكيرهم ومنهجهم وسلوكهم. وهذا ما دعانا إلى اختيار الروّاد الثلاثة الذين ينتمون إلى روح العروبة بعد أن صهرهم الإسلام بقيمه وعقيدته، فكانوا روّاداً من روّاد النهضة العربية، على الرغم من أنهم في الأصل لا ينتمون إلى الجنس العربي.‏

وقد اتفق هؤلاء الروّاد على الانشغال بتحرير الإنسان العربي من جهله وتخلفه وفقره، وعبوديته لينطلق إلى آفاق العلم والتقدم والسعادة والحرية... ما يعني أنهم قد ثمَّنوا فكرة التقدم والانعتاق في ضوء المعرفة العقلية الإيمانية، المتعانقة بالحرية... وبخاصة أن مفكري عصر النهضة قد مارسوا فعل التواصل الحضاري في إطار من التفاعل والانفتاح الصحي، لا الانفتاح المرضي، إذ أخذوا بأسباب الحضارة لا بجزئياتها أو تفصيلاتها. فإذا جالوا في باريس ـ مثلاً ـ فلم يكن جولانهم على أماكن العبث واللهو ـ كحالنا هذه الأيام ـ وإنما كانوا مشغوفين بنهل العلوم والمعارف وزيارة المتاحف والمسارح. ومما أورده فرنسيس مراش في هذا المقام قوله: "ومسارح ومشاهد متقنة الأساليب والتراتيب؛ ينشرون فيها لنزاهة الناس ما دُفن في قبر الزمان من المواقع، ويستحضرون ما طار على أجنحة الأجيال من الحوادث التي لم يعد لها تغريد سوى في وكنات التاريخ، جامعين إلى دست واحد ما تفرقت قطعه في رقاع السنين. وهكذا يُحلّون هذه الاستحضارات والاستظهارات بقلائد الآداب وفصاحة اللغة، ويزحمونها بآلات الطرب وحسن الصوت، بحيث أن المشاهد لا يعود يدري بأي حاسة يستقبل وقوع الطرب؛ أبعينه أم أذنه؟! فيرجع حاملاً في دماغه أنهاراً من الأنوار الأدبية، وفي أعينه انبهاراً من الأضواء الطبيعية، وفي قلبه أنهاراً من ينابيع الطرب والحبور"(15).‏

وفي هذا السياق يمكن أن نعرض لما قاله المفكر العربي فؤاد زكريا: "إنه أمر يدعو إلى الأسى العميق أن يجد المثقف العربي نفسه في أواخر العشرين مضطراً أن يخوض معركة كاد المفكرون العرب في أواخر القرن التاسع عشر أن يحسموها نهائياً لصالح العقل والتقدم"(16).‏

لذلك كله يأتي كتابنا الجديد من سلسلة الكتاب الشهري ليتوقف عند زعماء حركة الإصلاح في عصر النهضة؛ من أجل تثمير العمل العقلي المتكامل بالإيمان والعقيدة لترشيد حياتنا وثقافتنا.. فأي فعل لابدّ له من إخضاعه لمنطق الفكر النقدي، ولآليات المنهج الموضوعي العلمي؛ وإلا ستبقى الأزمة الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والتقنية كامنة في واقعنا العربي إلى مدى غير منظور...‏

(1) انظر جذور الاستبداد 31 و46-48.‏

(2) انظر العمدة لابن رشيق 1/65.‏

(3) انظر كتابنا ابن المقفع بين حضارتين.‏

(4) انظر السلطة الثقافية ـ فخري صالح وعلي أبو مليل ـ مجلة الكرمل ـ عدد 51 ـ ربيع 1997م ـ ص 320.‏

(5) انظر فلسفة ابن رشد ـ دار الآفاق الجديدة ـ بيروت ـ ط2 ـ 1979م ـ ص 20.‏

(6) مقدمة ابن خلدون ـ دار الكتاب العربي ـ بيروت/ ط1 ـ ص 460.‏

(7) انظر الثقافة العربية والمرجعيات المستعارة ـ عبد الله إبراهيم ـ المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت ـ ط1 ـ 2004م ـ ص 5.‏

(8) انظر باريس في الأدب العربي الحديث ـ خليل الشيخ ـ المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت ـ 1998م ـ ص 33، والفكر الليبرالي عند فرنسيس المراش؛ بنيته وأصوله وموقعه في الفكر العربي الحديث ـ كرم الحلو ـ مركز دراسات الوحدة العربية ـ بيروت ـ ط1 ـ 2006م ـ ص 149 ـ 151.‏

(9) رحلة باريس 1867م ـ تقديم قاسم وهب ـ المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت ـ 2004م ـ ص 45.‏

(10 )مشروع القومية العربية إلى أين ـ د. حسين جمعة ـ دار الفرقد ـ دمشق ـ 2006م ص 21 ـ 22.‏

(11) انظر نحن والتراث ـ ص 13.‏

(12) انظر مشروع القومية العربي إلى أين ـ د. حسين جمعة ـ دار الفرقد ـ دمشق ـ 2006م ص 24 ـ25.‏

(13) انظر رحلة باريس 23.‏

(14) انظر رحلة باريس 24.‏

(15) رحلة باريس ـ ص42.‏

(16) خطاب إلى العقل العربي ـ (كتاب العربي: سلسلة قضايا تصدرها مجلة العربي) ـ الكتاب السابع عشر ـ 15 تشرين الأول/ أكتوبر ـ 1987م ـ ص93.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244