|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
السيد جمال الدين الأفغاني (1254 ـ 1314هـ) (1839 ـ 1897م) لئن كان محمد بن عبد الوهاب يرمى إلى إصلاح العقيدة، ومدحت باشا يرمى إلى إصلاح الحكومة والإدارة فالسيد جمال الدين يرمى إلى إصلاح العقول والنفوس ــ أولاً ــ ثم إصلاح الحكومة ــ ثانياً ــ، وربط ذلك بالدين. (مدحت) يرى إصلاح الشعب من طريق إصلاح الحكومة، وجمال الدين يرى إصلاح الحكومة من طريق إصلاح الشعب. مدحت يقول: إن الحكومة راع وإذا صَلَح الراعي صلحت الرعية، والغاية (الدستور) فإذا وضع ونفذ فالخير كل الخير للأمة. ويقول جمال الدين: "إن القوة النيابية لأي أمة لا تكون لها قيمة حقيقية إلا إذا نبعت من نفس الأمة، وأي مجلس نيابي يأمر بتشكيله ملك أو أمير، أو قوة أجنبية محركة له، فهو مجلس موهوم موقوف على إرادة من أحدثه" فالعقول والنفوس أولاً؛ والحكومة ثانياً. ماذا تنفع الحكومة الصالحة إذا كان الشعب غير صالح؟ لقد علمنا التاريخ أن الحكومة لا تستقيم إلا إذا كان في الأمة رأي عام يخيفها، ويلزمها أداء واجباتها، والوقوف عند حدها، فإذا لم يكن ذلك فالطبيعة البشرية تملي على الحكام أن يستأثروا بالمنافع؛ وغاية ما يتوقع من الحكومة الصالحة غير المؤسسة على قوة الأمة ويقظتها أن تكون موقوتة بوقتها، فإذا زالت حل محلها من لا يصلحُ، إذ لا شأن للأمة في اختيارها، ولا رقابة لها على أعمالها. يقول سنة 1296هـ: "هَبُوا أن مجلساً نيابياً أنشئ فستجدون أن حزب الشِّمال لا أثر له، وسيفر الأعضاء كلهم إلى حزب اليمين، وسيكونون كلهم آلة صماء... وسيرى كل عضو أن الدفاع عن الوطن، ومناقشة الحاكم الحساب قلة أدب؛ وسوء تدبر، وقلة حنكة، وتهور". لا. لا. العقول والنفوس هي المقدمة، والحكومة الصالحة هي النتيجة. ... أفغاني الأصل، شريف النسب، ينتمي إلى الحسن بن علي (ولشرف النسب في هذه البلاد حرمة وإجلال يفوقان ما في غيرها من الأقطار). جمع إلى شرف النسب عزة السيادة، فقد كان أهل بيته سادة على عمل من أعمال أفغان(1). ولكن ما لنا ولهذا كله، فقد تُنبت النبتة الطيبة في الأرض السَّبِخة، والنبتة الفاسدة في الأرض الصالحة، فإذا نبتت النبتة الصالحة في الأرض الصالحة اكتفينا بالتسجيل. فأسرة جمال الدين لم تنبت إلا جمال الدين، وأسرة محمد عبده لم تنبت إلا محمد عبده. وما أكثر الأسر التي تشبه أسرتيهما أو تفوقهما، ومع هذا لم تنبت شيئاً، فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. تعلم ــ كما يتعلم شباب زمانه في بلاده ــ الفارسية والعربية على طريقة تشبه الطريقة الأزهرية، لا تمتاز عنها إلا بدراسته الواسعة في الفلسفة الإسلامية والتصوف، كما هي عادة الفرس إلى اليوم، فكان ذلك نواة ثقافية، ودرس في الهند الرياضية العصرية، وساح سياحة طويلة في الأقطار الإسلامية إلى مكة، فأكسبه ذلك تجارب علمية واسعة، وخبرة بحياة الشرق. ووقعت بلاده في منازعات سياسية على من يتولى الملك، فانغمس فيها وتشيَّع لجانب منها وقام منه مقام الوزير، وانتصر وانهزم، ولمس تدخل الدول فعلمه ذلك كله السياسة وخصوماتها، ودهاءها وألاعيبها. وتعلم الفرنسية وهو كبير. أنى بمن يعلمه الحروف الهجائية، ثم انفرد بتعليم نفسه نحو ثلاثة أشهر تحفظ من مفرداتها، حتى استطاع أن يقرأ من كتبها ويترجم منها، ثم توسع في ذلك في أثناء إقامته بباريس، ومع هذا فلم يحذقها كل الحذق. كم من الناس علموا أكثر مما علم، وقرأوا أكثر مما قرأ، ورطنوا أكثر مما رطن، ولكن لم يكن لأحد منهم شخصية كشخصيته: ذكاء متوقد، وبصيرة نافذة، وتوليد للأفكار والمعاني من كل ما يقع تحت سمعه وبصره، واستقصاء للفكرة حتى لا يدع فيها قولا لقائل "له سلطة على دقائق المعاني وتحديدها، وإبرازها في صورها اللائقة بها، كأن كل معنى قد خلق هل؛ وله قوة في حل ما يعضل منها كأنه سلطان شديد البطش، فنظرة منه تفكك عقدها. كل موضوع يلقى إليه يدخل للبحث فيه كأنه صنع يديه، فيأتي على أطرافه، ويحيط بجميع أكنافه، ويكشف ستر الغموض عنه، فيظهر المستور منه. وإذا تكلم في الفنون حكم فيها حكم الواضعين لها؛ ثم له في باب الشعريات قدرة على الاختراع، كأن ذهنه عالم الصنع والإبداع، له لسنٌ(2) في الجدل، وحذق في صناعة ا لحجة لا يلحقه فيها أحد إلا أن يكون في الناس من لا نعرفه..." "أما أخلاقه فسلامة القلب سائدة في صفاته، وله حلم عظيم يسع ما شاء الله أن يسع، إلى أن يدنو منه أحد ليمس شرفه أو دينه، فينقلب الحلم إلى غضب، تنقضّ منه الشهب، فبينما هو حليم أوّاب(3)، إذ هو أسد وثاب. وهو كريم يبذل ما بيده، قوى الاعتماد على الله، لا يبالي ما تأتي به صروف الدهر. "أما خَلقه فهو يمثل لناظره عربيَّاً محضاً من أهالي الحرمين، فكأنما قد حفظت له صورة آبائه الأولين من سَكَنَة الحجاز. رَبْعَة(4) في طوله، وسط في بنيته، قمحيّ في لونه، عصبي دموي في مزاحه، عظيم الرأس في اعتدال، عريض الجبهة في تناسب، واسع العينين، عظيم الأحداق، ضخم الوجنات، رحب الصدر، جليل المنظر، هشّ بشّ عند اللقاء، قد وفّاه الله من كمال خَلقه ما ينطق على كمال خُلقه(5)". فهم رسالته وما تتطلب من جهاد، وما تقتضيه من أعباء، فلم يرتبط بأسرة ولم يستعبده مال، وعاش لأفكاره ومبادئه، تكفيه أكلة واحدة في اليوم كله، وإن أفرط في الشاي والتدخين. أعد نفسه للنفي في كل لحظة، فما فيه لا يتعبه إلا شخصه. ملابسه على جسمه، وكتبه في صدره، وما يشغله في رأسه، وآلامه في قلبه. ولقد طوّف في فارس والهند والحجاز والآستانة، وأقام فيها. ولكن لعل أخصب زمنه، وأنفع أيامه، وأصلح غرسه، ما كان في مصر مدة إقامته بها من أول محرم سنة 1288 إلى سنة 1296هـ (مارس سنة 1871 ــ أغسطس سنة 1879). ثماني سنين كانت من خير السنين بركة على مصر، وعلى العالم الشرقي، لا بما أفاد من جمال مظهرها وحسن رونقها وسعادة أهلها، ولكن لأنه فيها كان يدفن في الأرض بذوراً تتهيأ في الخفاء للنماء، وتستعد للظهور ثم الإزهار، فما أتى بعدها من تعشق للحرية وجهاد في سبيلها فهذا أصلها، وإن وجدت بجانبها عوامل أخرى ساعدت عليها وزادت في نموّها. لقد جرّب "السيد" أن يبذُر بذوراً في فارس والآستانة فلم تنبت، ثم جربها في مصر فأنبتت. كان من حسنات رياض باشا أن أُعجِب "بالسيد" ورأى فيه عالماً لا من طراز من عرف من العلماء، يعرف الدين ويعرف الدنيا، ويجيد الفهم ويجيد القول، فتمكن من البقاء في مصر وسعى عند الحكومة فقررت له عشرة جنيهات شهرياً. كانت هذه السنون الثماني من أشق السنين على مصر، إذا كان حالها حال أسرة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان، فلم تكتف بدخلها الذي يسد حاجتها، فاستدانت لرفاهيتها، حتى إذا بلغت الغاية في الدين أخذ الدائنون يحجرون عليها ويتدخلون في شؤونها، ويشرفون على مصادرها ومواردها، ولا يتركون لها شيئاً من حرية التصرف؛ فإذا الأسرة بائسة بعد نعيم، وشقية بعد سعادة، وإذا هي مغلولة الأيدي والأرجل والأعناق، تحاول الخلاف فلا تجده، وتتلمس طريق الحرية فلا تهتدي إليه. فقد توالت القروض التي اقترضتها. ففي المدة الواقعة بين سنة 1864 وسنة 1875 بلغت الديون نحو خمسة وتسعين مليوناً من الجنيهات، فجاءت بَعْثة كيف Cave سنة 1875 لفحص مالية مصر، واقترحت لضرورة إصلاحها إنشاء مصلحة للرقابة على ماليتها، وأن يخضع الخديوي لمشورتها، ولا يعقد قرضاً إلا بموافقتها. وأنشئ صندوق الدين سنة 1876 يتسلم المبالغ المخصصة للديون من المصالح المحلية، فكانت حكومة أجنبية داخل الحكومة المصرية. وأنشئ نظام الرقابة الثنائية في هذه السنة أيضاً، وكان من مقتضاه أن يتولى الرقابة على المالية المصرية مراقبان: أحدهما إنجليزي لمراقبة الإيرادات العامة للحكومة، والآخر فرنسي لمراقبة المصروفات. وأنشئت لجنة مختلطة لإدارة السكك الحديدية وميناء الإسكندرية. وجاءت لجنة تحقيق عليا أوروبية سنة 1878 لمراعاة مصالح الدائنين الأجانب، وتدبير المال اللازم لوفاء الأقساط المطلوبة لهم. وتطورت الرقابة الثنائية إلى تأليف وزارة مختلطة برياسة نوبار باشا يدخلها وزيران أوروبيان أحدهما إنجليزي والآخر فرنسي لوزارة الأشغال. ولا شك أن المال عصب الحياة، فالمشرف عليه مشرف على كل شيء. فتوفير المال لأداء الديون يتطلب الإشراف على جميع الإدارات التي تُغِل المال، وهذه الإدارات تحصل المال من الفلاح، وتقول إنه لابد أن يكون آمناً على ماله، مهيأة له وسائل إصلاح زراعته، يُعَامَلُ بالعدل في تحصيل الضرائب منه، فلابد من الإشراف على هذه الشؤون كلها من أجل المال. وهكذا من أشرف على المال أشرف على كل شيء. كل هذا حدث مدة إقامة "جمال الدين" في مصر، وكان من طبعه الانغماس في السياسة، ونمى هذا الطبع فيه نشأته في بيت حكم، وانغماسه فيها أيام تنازع الأسرة المالكة في الأفغان، فكانت هذه الأحداث المصرية حافزة له على أن يعيد ما بدأ به من الاشتغال بالسياسة، وحافزة للناس في مصر على أن يجاوبوا حركته. *** كان نشاطه التعليمي ذا شٌعبتين. دروس علمية منظمة يلقيها في بيته في "خان الخليلي"، ودروس عملية يلقيها بين زوّاره في بيته وفي بيوت العظماء حين يردُّ زيارتهم، وفي "قهوة البوستة" بالقرب من "العتبة الخضراء"، وحيثما كان في المجتمعات. فأما دروسه في بيته، فكان يلقيها على طائفة من مجاوري الأزهر وبعض علمائه، أمثال الشيخ محمد عبده، والشيخ عبد الكريم سَلْمَان، والشيخ إبراهيم اللَّقَاني، والشيخ سعد زغلول والشيخ إبراهيم الهلباوي. كان أكثر الكتب التي قرأها لهؤلاء وأمثالهم كتب منطق وفلسفة وتصوف وهيئة، مثل كتاب الزوراء للدوراني في التصوف، وشرح القطب على الشمسية في المنطق، والهداية، والإشارات، وحكمة العين، وحكمه الإشراق في الفلسفة وتذكِرَة الطوسي في علم الهيئة القديمة، وكتاب آخر في علم الهيئة الجديدة. هي كتب فلسفة على نحو ما يتصور الفلاسفة القدماء وفي العصور الوسطى؛ فكانوا يعدون المنطق مقدمة الفلسفة أو مدخلها، ومن فروعها الإلهيات والطبيعة والفلك والطب وما إلى ذلك. ويظهر لي أن هذه الكتب لم تكن لها قيمة في ذاتها؛ فقد كان الشيخ حسن الطويل مثلاً يقرأ بعض هذه الكتب في الأزهر ولم يؤثر أثره إنما كانت قيمتها في أن كل فصل من فصولها، أو جملة من جملها، كان تُكَأَة يستند إليها الشيخ في شرح أفكاره وآرائه، والتبسُّط في مناحي الفكر، والتطبيق على الحياة الواقعة، ونظرته إلى العالم كوَحدة، مازجاً التصوف بالفلسفة وبالهيئة وبغير ذلك. وهذا هو ما أقنع الشيخ محمد عبده من الشيخ وطمأن نفسه إذا قال: إنه "بعد حضوره في الأزهر سنين ملّ الدروس المعتادة، وصارت نفسه تطلب شيئاً جديداً، وتميل إلى العلوم العقلية، وكان الشيخ حسن الطويل ممتازاً في الأزهر بعلم المنطق، فحضره عليه ولكن لم يكن يشفى ما في نفسه، بل كانت تتشوَّفُ(6) دائماً إلى علم غير موجود... وقرأ الشيخ حسن الطويل شيئاً من الفلسفة، ولكن لم يكن يجزم بأن المعنى كذا، بل كان درسه احتمالات، حتى جاء السيد جمال الدين فوجد عنده طلبته وأقصى أمنيته. فهذه الكتب التي قرأها إنما قيمتها في نفس جمال الدين، والدنيا تتلون بلون منظار الرائي، والطبيعة كلها مفتوحة أمام أعين الناس، ولكن لا يفهمها إلا القليل. ما هذا الشيء الجديد الذي وجده "محمد عبده" عند "جمال الدين" فاطمأن به واهتدت نفسه إلي؟ هو ما عند جمال الدين من أصول كلِّية هي عماد الفلسفة، يرجع إليها في كل ما يقرأ من صفحات الكتب، وهي الحَكَمُ في صحة ما يُصح، وبطلان ما يُبْطل، ثم شخصية قوية تجزم في الحكم ولا تتردد تردد الشيخ حسن الطويل، ثم ربط جزئيات الحياة العلمية والعملية كلها برباط واحد يفتح النوافذ بعضها على بعض حتى تتألف منها وحدة؛ فالتصوف، والفلسفة، والدنيا العامة، ودنيا الشخص، هذه كلها لا يصح أن يكون كل منها حجرة مغلقة على نفسها، بل لابد أن تتقابل وتتناغم، وتؤلف دوراً موسيقياً واحداً، فإذا تم هذا صح نظر الإنسان وزال عنه كثير من الشك المؤلم والحيرة المضنية، وَبتّ(7) فيما ينفع وما يضر، وما يعمل وما يَدَع، ووضحت أمامه الأعلام، واستنارت السبل؛ أما جملة تصح وجملة لا تصح، ومؤلف أخطأ ومؤلف أصاب، ومنطق في الكتاب ولا منطق في العمل، ونظرية في التصوف تقضها نظرية في الحكمة، وأقوال في الزهد يسلم بها في حينها، وأقوال في الحثّ على الانغماس في الحياة يسلم بها في حينها أيضاً، فهذه كلها نظرة البُدائيين الذين لا يستطيعون أن ينظروا إلا أن السطح دون الأعماق، والأعراض دون الجوهر، والأشكال دون الحقيقة. وفوق هذا كله كان يأخذ بيد تلاميذه فيرفعهم إلى مستوى يسيطرون فيه على الكِتَاب، ولا يستعبدهم الكتاب، ويسمُون عن قيود الألفاظ والجمل إلى معرفة الحقيقة في ذاتها، ولو خالفت الألفاظ والجمل. وكانت طريقته في التدريس عكس طريقة الشيخ محمد عبده. كان جمال الدين يحدّد موضوع الدروس فقط من الكتاب، ثم يُفيض في شرح الموضوع من عنده حتى يحيط به من جميع أطرافه، وبعد ذلك يقرأ نص الكتاب فإذا هو واضح ظاهر بينٌ فيه موضع الخطأ والصواب. أما الشيخ محمد عبده، فكان يقرأ النص أولاً ويتفهمه ويفهِّمه، ثم يفيض في التعليق عليه وفي بسط الموضوع من عنده. هذه هي مدرسته النظامية في بيته. ــ 2 ــ أما مدرسته الثانية غير النظامية فكانت أكبر أثراً وأعمّ نفعاً، وهي التي كان يتلقى عليه فيها زوَّاره في بيته، وعظماء الرجال عند زيارته لهم في بيوتهم، وخاصّة المفكرين والمثقفين عند تحلقهم حوله في "قهوة البوسطة"، وجمهور الناس عد اجتماعهم به في المناسبات. في هذه المدرسة تلقى دروسه أمثال: محمود سامي البارودي، وعبد السلام المويلحي، وأخيه إبراهيم المويلحي. ومن الشباب أمثال: محمد عبده، وإبراهيم اللقاني، وسعد زغلول، وعلى مظهر، وسليم نقاش، وأديب إسحاق، وغيرهم. وفي هذه المدرسة حول "السيد" مجرى الأدب ونقله من حال إلى حال. كان الأدب عبد الأرستقراطية، لا هم له إلا مدح الملوك والأمراء، والتغنّي بأفعالهم وصفاتهم مهما بلغ من ظلمهم؛ لكل حاكم سيد الوجود في زمانه، آت بالمعجزات في أعماله، معصوم من الخطأ فيما يأتي به؛ يبتَزّ(8) مال الناس غصباً، فلا يُلام على ما غَصب، ولكن يُمدح على ما أنفق؛ ويقتل من شاءُ يسأل عَمَّنْ قتل، ولكن يُشاد بفضله إذا عفا الفن والأدب والشعر والنثر موسيقى لَطَرَبِه، وبهلوان لتسليته، وعبيد مُسَخرة لنهش أعدائه، ومدح أوليائه. الأديب الصغير مَدَّاح للغني الصغير والأديب الكبير مدّاح للأمير الكبير ــ فأتى جمال الدين فسخَّر الأدب في خدمة الشعب؛ يطالب بحقوقه، ويدفع الظلمَ عنه، ويهاجم من اعتدى عليه كائناً من كان؛ يبين للناس سوء حالهم ومواضع بؤسهم؛ ويبصرهم بمن كان سبب فقرهم، ويحرضهم أن يخرجوا من الظلمات إلى النور، وألا يخشَوا بأس الحاكم، فليست قوته إلا بهم: ولا غناه إلا منهم، وأن يلحّوا في طلب حقوقهم المغصوبة، وسعادتهم المسلوبة. فخرج على الناس بأدب جديد ينظر للشعب أكثر مما ينظر إلى الحاكم، وينشد الحرية، وتخلع العبودية، ويفيض في حقوق الناس وواجبات الحاكم، ويجعل من الأديب مشرفاً على الأمراء، لا سائلاً يمد يده للأغنياء. وهذه نغمة جديدة لم يعرفها المسلمون منذ عهد الاستبداد. قال الشيخ محمد عبده في وصف حال مصر قبل مجيء (جمال الدين): "إن أهالي مصر قبل سنة 1293هـ كانوا يرون شؤونهم العامة بل والخاصة ملكاً لحاكمهم الأعلى ومن يستنيبه عنه في تدبير أمورهم، يتصرف فيها حسب إرادته؛ ويعتقدون أن سعادتهم وشقاءهم موكولان إلى أمانته وعدله، أو خيانته وظلمه، ولا يرى أحد منهم لنفسه رأياً يحق له أن يبديه في إدارة بلاده، أو إرادة يتقدم بها إلى عمل من الأعمال يرى فيه صلاحاً لأمته؛ ولا يعلمون من علاقة بينهم وبين الحكومة سوى أنهم مصرَّفون فيما تكلفهم الحكومة به وتضربه عليهم. وكانوا في غاية البعد عن معرفة ما عليه الأمم الأخرى سواء كانت إسلامية أو أوروبية ــ ومع كثرة من ذهب منهم إلى أوربا وتعلم فيها من عهد محمد علي باشا الكبير إلى ذلك التاريخ، وذهاب العدد الكثير منهم إلى ما جاورهم من البلاد الإسلامية أيام محمد علي باشا الكبير وإبراهيم باشا، ولم يشعر الأهالي بشيء من ثمرات تلك الأسفار، ولا فوائد تلك المعارف، ومع أن إسماعيل أبدع مجلس الشورى في مصر سنة 1283، وكان من حقه أن يعلِّم الأهالي أن لهم شأناً في مصالح بلادهم، وأن لهم رأياً يرجع إليه فيها، لم يحسَّ أحد منهم ولا من أعضاء المجلس أنفسهم بأن له ذلك الحق الذي يقتضيه تشكيل هذه الهيئة الشورية، لأن مُبدع المجلس قيده في النظام وفي العمل، ولو حدَّث إنساناً فكرُه السليم بأن هناك وجهةَ خير غير التي يوجه إليها الحاكم لما أمكنه ذلك؛ فإن بجانب كل لفظ نفياً عن الوطن، أو إزهاقاً للروح، أو تجريداً من المال". كان الأدب ظلاً لهذا الموقف، وصورة صادقة لهذا المنظر؛ فأدباء مصر أمثال السيد علي أبو النصر. والشيخ علي الليثي، وعبد الله باشا فكري، تتصفح آثارهم فماذا ترى؟ غَزَلاً في حبيب أو رسالة إلى صديق، أو مدحاً لأمير، أو استعطافاً له، أو اعتذاراً إليه، أو وصف سفينة، أو شكراً على هدية. أما مصر وحالة شعبها، وبؤس قومها، وظلم حكامها، وحقوق الناس، وواجبات الحكومة فلا تُعثر منها على شيء. فلما جاء جمال الدين قلب هذا الوضع، وفتح للناس منافذ للقول، وسلك في ذلك مسالك مختلفة: 1 ــ كوّن جماعة من الكهول والشبان حبَّب إليهم الكتابة ورسم لهم خُطتها، وأوحى إليهم بالمعاني الجديدة التي يكتبونها، وشجعهم على إنشاء الجرائد يكتب فيها ويستكتب منهم من توسَّم فيه المقدرة. مثال ذلك أنه شجع "أديب إسحق" ــ بعد أن اتصل به اتصالاً وثيقاً وتَلْمذَ له طويلاً ــ على أن ينشئ جريدة اسمها "مصر"، وكان جمال الدين يرسم له خطة السير فيها، ويكتب بنفسه بعض مقالاتها باسم مستعار هو "مظهر بن وضاح"، ثم عز إليه بالانتقال إلى الاسكندرية، وأنشأ بها صحيفة يومية اسمها "النجارة". وكان جمال الدين يستكتب لهاتين الصفحتين الشيخ محمد عبده، وإبراهيم اللقاني، وأمثالها؛ هذا إلى ما يكتبه جمال الدين بنفسه. وكان مما كتبه مقالان أحدهما في الحكومات الشرقية وأنواعها، والثاني سماه "روح البيان في الإنجليز والأفغان" كان لهما صدى بعيد. ولقيت الصحيفتان رواجاً كبيراً، ولفتنا إليهما الأنظار بروحهما الجديدة، ثم أغلقهما (رياض باشا). وكذلك فعل في توجيه الكتاب إلى الكتابة في الوقائع المصرية وأمثالها، فربَّى بذلك طائفة من الكتاب تُحسن الكتابة؛ وتحسن اختيار الموضوعات التي تمس حياة الأمة في صميمها. فيكتب (أديب إسحق) ــ مثلاً ــ تحت عنوان "أوربا والشرق": "قُضي على المشرق أن يهبط بعد الارتفاع، ويَذلَّ بعد الامتناع، ويكون هدفاً لسهام المطامع والمطالب، تعبث به أيدي الأجانب من كل جانب..."الخ. ويقول الشيخ محمد عبده: "إن الحاكم ــ وإن وجبت طاعته ــ هو من البشر الذين يخطئون وتغلبهم شهواتهم، ولا يردّه عن خطئه، ولا يقف طغيان شهوته، إلا نصحُ الأمة له بالقول والفعل". ويتصل به الكاتب الإسرائيلي الفكه "يعقوب صَنوع" فينشئ مجلة هزلية اسمها "أبو نضارة" ينتقد فيها سياسة إسماعيل باشا. كل هذا كان النواة الأولى في الشرق للصحافة الشرقية والكتَّاب الذين يعالجون شؤون الوطن وحالة الشعوب. وفي الحق أن الظروف التي أحاطت بجمال الدين كانت مساعدة على ذلك؛ فالحال في مصر هي كما وصفنا من قبل، والنفوس جزعة من المراقبة الثنائية ونحوها. وإسماعيل نفسه يشجع نقد التدخين الأجنبي وإن لم يشجع نقد شخصيته، فكان يسره مقالات أمثال "الوقائع المصرية" و"مصر" و"التجارة" ولا يسره أمثال "أبو نضارة" فكان الأمر أن البلاد أصبحت مستودع (بنزين) وجمال الدين (عُود ثقاب)، فلما أشعله اشتعلت البلاد ولولا هذه الظروف لخابت دعوته في مصر كما خابت في فارس والآستانة. 2 ــ ومسلك آخر سلكه جمال الدين في مدرسته الشعبية، وهو أحاديثه التي كان ينثرها هنا وهناك في المُقْهَى، وفي المحافل، وفي بيوت الزيارة. وكان رحمه الله قليل الاحتفال بالأكل، قليل النوم، كثير السهر قويّ الشهوة للكلام تواتيه المعاني ويطاوعه اللسان. فكان يجد مادة للكلام في كل شيء: في "السيجارة" يشعلها، وفي أي منظر يراه، وفي الطفل يسأله فيجب أولاً يجيب، وفي حادثة زواج أو حادثة طلاق. وهكذا يستطيع أن يخلق أمتعَ الحديث من الشيء العظيم والشيء التافه ومن لا شيء. وكانت مصر ــ بحمد الله ملأى بالأحداث في هذا الزمان، فكانت تغنيه أحداثها العظام عن خلق الأحاديث المرتجلة، وكان له القدرة على أن يلهب مستمعيه، فلا يزال يروّح على الفحم حتى يلهبه، فإذا جليسه يرى بعد الجلسة راحة في السير لا في الركوب، وفي العمل لا في السكون، كأنه يريد أن يُجاوب جسمُه قلبه، ويُناغم(9) عملُه نفسَه. وكان له مذهب في الكلام يتفق وشهوته؛ وهو أن يحدث من يفهم ومن لا يفهم، من يستعدّ ومن لا يستعدّ، كالسحاب ينزل الغيث فتنتفع به الأرض الصالحة وتسوء به الأرض الفاسدة، ولا عيبَ على السحاب. يقول الشيخ محمد عبده في هذا: "كان السيد جمال الدين يلقى الحكمة لمريدها وغير مريدها، ومن خواصه أنه يجذب مخاطبه إلى ما يريد، وإن لم يكن من أهله، وكنت أحسُده على ذلك، لأنني تؤثر فيَّ حالة المجلس والوقت، فلا تتوجّه نفسي للكلام إلا إذا رأيت له محلاً قابلاً واستعداداً ظاهراً". وهذا هو السر في وجود مدرسة في مصر عجيبة تحسن السمر والحديث، وتشقيق الكلام وحسن الاستطراد، وتأخذ على السامع لُبَّه، من أمثال محمد عبده، وسعد زغلول، والهلباوي، ولطفي السيد، وكلهم من تلاميذه في هذا الباب. قال سليم بك العنحوري: "كان من دَيْدَن(10) "جمال الدين" أن يقطع بياض نهاره في داره حتى إذا جنَّ الظلام خرج متوكئاً على عصاه إلى مقهىً قرب الأزبكية، وجلس في صدر فئة تتألف حوله على هيئة نصف دائرة، ينتظم في سمطها(11) اللغوي والشاعر والمنطقي والطبيب والكيمياوي والتاريخي والجغرافي والمهندس والطبيعي، فيتسابقون إلى إلقاء أدق المسائل عليه، وبسط أعْوَص الأحاجي(12) لديه فيحل عُقد إشكالها فرداً فرداً، ويفتح أغلاق(13) طلاسِمَها ورموزها واحداً واحداً، بلسان عربي مبين لا يتعلم ولا يتردد، بل يتدفق كالسيل من قريحة لا تعرف الكلالَ، فيدهشُ السامعين، ويُفْحم السائلين، ويُبكم المعترضين، ولا يبرح هذا شأنَه حتى يشتعل رأس الليل شيباً،... فيقُفل إلى داره بعد أن ينقُد صاحبَ المُقْهَى كل ما يترتب له في ذمة الداخلين في عِداد ذلك الجمع الأنيق". ويقول في موضع آخر: "إنه في خلال سنة 1878، زاد مركزه خطراً لأنه تدخل في السياسة، وأخذ يقرب منه العوام، ويقول لهم في أثناء كلامه ما معناه: إنكم معاشر المصريين قد نشأتم في الاستعباد، ورُبيتم في حِجر الاستبداد، وتوالت عليكم قرون منذ زمن الملوك الرعاة حتى اليوم، وأنتم تحملون عِبء نير(14) الفاتحين، وتَعْنونَ(15) لوطأة الغزاة الظالمين؛ تَسومُكم حكوماتكم الحَيف والجَوْر، وتُنزل بكم الخَسْفَ والذل، وأنتم صابرون، بل راضون، وتستنزف قوَام حياتكم ــ التي تجمعت بما يتحلَّب من عرق جباهكم ــ بالعصا والمقرعة والسوط، وأنتم صامتون. فلو كان في عروقكم دم فيه كُريَّات حيوية، وفي رؤوسكم أعصاب تتأثر فتثير النخوة والحمية، لما رضيتم بهذا الذل وهذه المسكنة تناوَبتكم أيدي الرعاة ثم اليونان والرومان والفرس؛ ثم العرب والأكراد والمماليك الخ؛ وكلهم يشق جلودكم بِمِبضع نَهَمِهِ، وأنتم كالصخرة الملقاة في الفلاة، لا حسّ لكم ولا صوت. "انظروا أهرام مصر، وهياكل منفيس، وآثار طيبة، ومشاهد سيوه، وحصون دمياط، فهي شاهدة بمَنَعة آبائكم، وعزة أجدادكم. "هُبّوا من غفلتكم! اصحوا من سكرتكم! عيشوا كباقي الأمم أحراراً سعداء". "ومنذ ذلك الحين طارت شرارة الثورة العرابية". بهذا انقلب "الشيخ" من معلم في حجرة إلى معلم أمة: يخاطب العامة والخاصة، ورجل الشارع والمتربع دَسْت الوزارة. ومن تمام بَرْنَامجِه في هذا الباب أن انضم إلى المحفل الماسوني الاسكتلندي لأنه يضم كثيراً من جليه القوم، لعله بذلك يتمكن من إيصال أفكاره إليهم، ويضم طائفة من المصريين والأجانب، فلعل حرية القول فيه تكون أتم؛ ولكن ما دخلَ "السيد" فيه حتى ثارت ثائرته، وأخذ يهاجمه في تصرفه وينقده بخطبه المتوالية. غاظه من المحفل أنه وجد أعضاءه لا يحبون أن يتكلموا في السياسة فقال: "أول ما شوقني للعمل في "بناية الأحرار" عنوان كبير وراء دَكِّ صروح الظلم ــ تشييد معالم العدل المطلق"، ولكن كنت أنتظر أن أسمع وأرى في مصر كل غريبة وعجيبة، ولكن ما كنت لأتخيل أن الجبن يمكنه أن يدخل من بين اسطوانتي المحافل الماسونية! إذا لم تتدخل الماسونية في سياسة الكون، وفيها كل بناء حر، وإذا كانت آلات البناء التي بيدها لا تستعمل لهدم القديم وتشييد معالم حرية صحيحة وإخاء ومساواة، وإذا كانت لا تدك صروح الظلم والعتوِّ والجور، فلا حملت يد الأحرار مطرقة، ولا قامت لبنايتهم زاوية قائمة". وهكذا نقدها في عدم تدخلها في السياسة، وتنازع أعضائها على الرياسة، ورغبتهم في إغماض أعينهم على ما يقع على الأمة من ظلم. وأخيراً استقال من هذا المحفل، وأنشأ محفلاً آخر تابعاً للشرق الفرنسي؛ وسرعان ما بلغ أعضاؤه أكثر من ثلثمائة عضو من نخبة المفكرين والناهضين المصريين، وكان في هذا المحفل مطلق الحرية، نظم شُعَبه للأعمال المختلفة؛ فشعبة للحقانية، وأخرى للمالية، وثالثة للأشغال، ورابعة للجهادية. وهكذا لكل وزارة ومصلحة شُعبة، وتدرس كل شعبة شئون وزارتها أو مصلحتها، وتعرف ما يقع من الظلم ووجوه الإصلاح فيها، ثم كل شعبة تتصل بالوزير المختص وتبلغه رغباتها في أسلوب حازم صريح. فكان لذلك هزِّة في الأندية والمجتمعات(16). وهكذا اتسعت دائرة نفوذه وأعماله، لقد بدأ يدرّس في حجرة، ثم أخذ يسيطر على عقول مستمعيه في "قهوة"، ثم هاهو ذا يريد أن يسيطر على الوزارات ومصالح الحكومة بمحفلِه. وكان يدرس في بيته كتب الفلسفة والحكمة، فإذا به في مجتمعاته ومنتدياته يشرح حالة الأمة الاجتماعية، ويبين حقوقها وواجباتها، ثم إذا به آخر الأمر يضع يده في صميم الحياة السياسية. خِلْقة فيه ظهرت منذ كان شابّاً يلعب دوره في نصرة أميرٍ على أمير في ولاية الأفغان، لا يقنع حتى يتزعم، ولا يهدأ حتى يضع يده على الأزرار التي تصرف الأمور، ولكنها أزرار مشحونة بالكهرباء مثيرة للاضطراب، وهو لا يعبأ بها ولكنها على رغمه تنال منه. ماذا كان يريد السيد جمال الدين في مصر؟ يريد في درسه النظامي توسيع عقول الطلبة، وتفتيح آفاق جديدة في فهم العالم، وتعليم الحرية في البحث، وإيجاد شخصيات من الطلبة تبحث وتنقد وتحكم؛ خالفت النص او وافقته، خالفت المعروف المألوف أو وافقته. ويريد في درسه العام أن يتحرر الشعب من العبودية للحكام ويفهموا موقفهم من الحاكم، وموقف الحاكم منهم. كل يعرف حدوده ويؤدي واجبه، فإذا تعدى الحاكم هذه الحدود قال له الشعب: "لا" بملء فيه ــ يريد تكوين رأي عام واسع الثقافة قويّ حازم، يفهم الأمور الداخلية والخارجية، ويكون لكل ما يعرض من الحوادث العظام رأياً يقنعه ثم يفرضه على أولى الأمر حتى لا يتلاعبوا به، يفهم أن من حقه أن يعيش عيشة صالحة ينعَم بدخوله وله غَلَّة جهده، فإذا أخذت الحكومة منه الضرائب فعلى قدر ما تستدعيه المصالح العامة لا الشهوات الشخصية، ولذلك كان من حقه الإشراف على وجوه الدخل والخَرجْ. ويريد في السياسة أن يقنع الشعب بحقّه في الحكم؛ فإذا فهم ذلك ــ وهذا ما عمله جمال الدين وصحبه ــ طالب بالمجلس النيابي، فَيُعْطَاه بناءً على فهمه وطلبه وقدرته، لا على أنه منحة تمنح له، فإذا أعطيَه بجهده كان أجدر بالمحافظة عليه، وحرَص عليه حِرصه على دمه، فاستقر وثبت، ولم تستطع سلطة ما أن تلغيه أو تهمله. استدعاه الخديوي توفيق باشا إلى قصر عابدين وقال له: "إني أحب كل خير للمصريين، ويسرني أن أرى بلادي وأبناءها في أعلى درجات الرقى والفلاح؛ ولكن مع الأسف إن أكثر الشعب خامل جاهل، لا يصلح أن يُلقى عليه ما تلقونه من الدروس والأقوال المهيجة، فيلقون أنفسهم والبلاد في تَهلكة". فأجاب جمال الدين: "ليسمح لي سمو أمير البلاد أن أقول بحرية وإخلاص" إن الشعب المصري كسائر الشعوب لا يخلو من وجود الخامل والجاهل بين أفراده، ولكنه غير محروم من وجود العالم والعاقل، فبالنظر الذي تنظرون به إلى الشعب المصري ينظر إليكم، وإن قبلتم نصح هذا المخلص، وأسرعتم في إشراك الأمة في حكم البلاد عن طريق الشورى، فتأمرون بإجراء انتخابات نواب عن الأمة تَسُنّ القوانين وتنفذها باسمكم وإرادتكم، يكون ذلك أثبت لعرشكم وأدوم لسلطانكم"(17) ثم خرج من عنده يخطب في الموضوع، ويستحث تلاميذه وأعوانه على الكتابة فيه في حماسة وقوة. لقد رأيناه أول عهده في مصر يرى أن مجلس النواب لا قيمة له ما دام المصريون على ما هم عليه من قلة التنبه وضعف اليقظة؛ وقلة الشجاعة، ثم رأيناه آخر عهده يلح في طلب الحكم النيابي ويحرِّض عليه، فلعله رأى من الأحداث واستبداد الحكام، ونضج الأمة في السنين الثماني ما غيّر رأيه وعدّل خطته. لقد كان الأمير توفيق في آخر أيام إسماعيل باشا يقدره ويدين بمبادئه، وكان السيد يلتقي به في الحفل الماسوني، ويتوسَّم فيه الخير إذا ولى بعد إسماعيل، ولكن الخديوي توفيق لما تولى الحكم سعى إليه الساعون، ودس له الدساسون، فاجتمع مجلس الوزراء وقرر نفي السيد جمال الدين "لأنه رئيس جمعية سرية من الشبان ذوى الطيش مجتمعة على فساد الدين والدنيا"، فمثلت لنا من جديد رواية سقراط، وقبض عليه وعلى خادمه الأمين الفيلسوف أبي تراب في 6 رمضان سنة 1296، 24 أغسطس سنة 1871، وأودعا باخرةً سارت بهما إلى بمباي. وكان هذا آخر العهد بالأستاذ في مصر، وإن لم يكن آخر عهدها بآرائه ومبادئه. ــ 3 ــ أقام السيد في حيدر أباد في الهند منفياً لا يُسمح له بمفارقتها، ولا يستطيع أن يشترك في عمل إلا حديثاً مع زائر، أو قراءة في كتاب، أو رداً على سؤال. وفي هذه المدة ألف كتابه المشهور في "الرد على الدهريين" وعنوانه "رسالة في إبطال مذهب الدهريين، وبيان مفاسدهم، وإثبات أن الدين أساس المدنية "والكفر فساد العمران" وقد كتبها بالفارسية ثم ترجمت إلى الأردية، ثم ترجمها الشيخ محمد عبده بمعاونة عارف بالفارسية، وهو تابع السيد جمال الدين، عارف أبو تراب. ردَّ في هذه الرسالة على "داروين" ومذهبه في النشوء والارتقاء، وعلى أمثاله ممن ذهبوا مذهبه. وقد يعجب القارئ من تعرضه لمثل هذا البحث، وهو يتطلب ــ كما فعل "داروين" ــ تخصصاً في العلوم الطبيعية من جيولوجيا وفسيولوجيا وبيولوجيا وأمبريولوجيا "علم تكوين الأجنَّة" وغير ذلك. ولكن عذر السيد أن مذهب "داروين" قد أثار موجة من الإلحاد قوية ــ وإن لم يكن داروين نفسه ملحداً ــ وطغا في عصره مذهب المادية القائل بأن العالم له أساس واحد هو المادة، ولا شيء وراءها، وكل شيء في الحياة مظهر من مظاهرها حتى الفكر والعاطفة؛ والمادة لا تتجدد ولا تفنى، وقوانينها أبدية لا تتغير، وهي قديمة أزلية أبدية، وليس في هذا العالم شيء يعتريه الفناء، وإنما تتغير الأشكال وبناءً على ذلك فلا نفس، ولا روح، ولا دين، ولا إله. وهذا المذهب قديم نراه في البوذية، وعند قدماء المصريين وعند بعض فلاسفة اليونان، وظهر في العصور الحديثة في الثورة الفرنسية؛ ودعا إليه كثير من الفلاسفة في إنجلترا، وفرنسا، وألمانيا، وعرفه العرب قديماً وسموا أصحابه "الدهريين" وحكى مذهبهم الجاحظ والشهر شتاني وغيرهما من مؤرخي المذاهب. وبانتقال الآراء الغربية إلى الشرق انتقل مذهب النشوء والارتقاء، ومذهب الماديين؛ فترجم في مصر "شيلي شميل" مذهب بخنر سنة 1884، وأثار حركة كبيرة حوله. وفي الهند ظهرت طائفة تعتنق هذا المذهب وتسمى طائفة "النيتشرية" نسبة إلى نيتشر Nature (وهي كلمة إنجليزية معناها الطبيعية) وترددت هذه الكلمة وقرعت أسماع الكثيرين، كما قرعت سمع جمال الدين أيام إقامته في حيدر أباد. وسأله الأستاذ محمد واصل مدرس الفنون الرياضية بمدرسة الأعزة بحيدر أباد في كتاب يقول فيه: "يقرع سمعنا في هذه الأيام صوت "نيتشر"، ويصل إلينا من جميع الأقطار الهندية، ولا تخلو بلدة من جماعة يلقبون بهذا اللقب "نيتشري" فما حقيقة النيتشرية وما مذهبهم، وفي أي وقت ظهروا؟". فكان من ذلك تأليف هذه الرسالة. ولكن ليس أقوم ما فيها الرد على داروين، وإنما أقوم ما فيها إثبات قيمة الدين، وضرورته للإنسان، وأثره في رقيه، وأثر الإلحاد في انحطاطه. وهذا هو ما يبلغ فيه جمال الدين الذروة. وخلاصة رأيه في هذا الموضوع أن الدين ــ على العموم ــ أكسب عقول البشر ثلاثة عقائد، وأودع نفوسهم ثلاث خصال، كل منها ركن لوجود الأمم وعماد لبناء الهيئة الاجتماعية. العقيدة الأولى التصديق بأن الإنسان ملك أرضي وأنه أشرف المخلوقات والعقيدة الثانية يقين كل ذي دين أن أمته أشرف الأمم، وكل مخالف له فعلى ضلال وباطل. والثالثة جزمه بأن الإنسان ورد هذه الدنيا لتحصيل كمال يهيئه للعروج إلى عالم أرفع وأوسع من هذا العالم الدنيوي، والانتقال من دار ضيقة الساحات، كثيرة المكروهات، جديرة بأن تسمى "بيت الأحزان" إلى دار فسيحة الساحات، خالية من المؤلمات، لا تنقضي سعادتها، ولا تنتهي مدتها. أما الخصال الثلاث فهي الحياء والأمانة والصدق. ويشرح أن هذه الأسس التي بها الأديان هي علة العمران، وعليها تتوقف سعادة الإنسان، وأن الماديين أو الدهريين أو النيتشريين تؤدي تعاليمهم إلى إنكار هذه الأسس، فتنزل الإنسان منزلة الحيوان، وتفقده الباعث على الخير، وتعده لحياة جامدة ضيقة جافة لا قلب لها، ولا سمو فيها، وفي هذا انتكاس(18) لخلقه، وهدم لكيانه، وحرمان مما أعده الله له. وفي الإسلام مزايا على سائر الأديان. أولها: صَقْل العقول بِصقال التوحيد، وتطُّهرها من لَوْث(19) الأوهام. فمن أهم أصوله الاعتقاد بأن الله منفرد بتصريف الأكوان متوحد في خلق الأفعال، وأن من الواجب طرح كل ظن في إنسان أو جماد ــ عُلويّاً كان أو سُفْلياً ــ يكون له في الكون أثر من نفع أو ضرّ. أو إعطاء أو منع، أو إعزاز أو إذلال. أو نحو ذلك من خرافات كل واحدة منها كافية في إعماء العقول وطَمْس أنوارها. وثانيها أن الإسلام فتح أبواب الشرف للأنفس كلها، وأثبت لكل نفس الحق في السمو... ومحق امتياز الأجناس، وتفاضل الأصناف؛ وقوَّم الناس بالكمال العقلي والنفسي؛ فالناس إنما يتفاضلون بالعقل والفضيلة لا بأي شيء آخر. وقد لا نجد من الأدبين الأخرى ما يجمع أطراف هذه القاعدة. وثالثها: أن الإسلام يكاد يكون منفرداً بين الأديان بتقريع المعتقدين بلا دليل، وتوبيخ المتبعين للظنون... فهو كلما خاطب، خاطب العقل، وكلما احتكم، احتكم إلى العقل، تنطق نصوصه بأن السعادة من نتائج العقل والبصيرة. وأن الشقاء والضلالة من لواحق الغفلة وإهمال العقل، وانطفاء نور البصيرة. ورابعها: أن الإسلام أوجب تعليم سائر الأمة وتنوير عقولها بالمعارف والعلوم، وفرض نصْب المعلم ليؤدي عمل التعليم، وإقامة المؤدب الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر، فقال: "ولتكن منكم أمَّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينْهَون عن المنكر" وقال: "فلولا نَفَرٌ من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون". وعلى هذا الأركان الأربعة بُنيَ الإسلام، وكل ركن منها له الأثر البالغ في تقويم المدنية وتشييد بناء النظام، وتدعيم السعادة الإنسانية، وقد دارت حالة المسلمين رقياً وانحطاطاً على حسب تمسكهم بهذه العناصر وتخليهم عنها. هذا ما عمله "جمال الدين" في حيدر أباد. فلما حدثت في مصر "الثورة العرابية" نقلته حكومة الهند من حيدر أباد إلى كلكتا، وألزمته الإقامة فيها مخفوراً مراقباً حتى انتهت الثورة بدخول إنجلترا مصر، فأبيح له الذهاب حيث شاء (في غير الشرق). فيذكر مستر "بلنت" Blunt أنه ذهب إلى أمريكا ليتجنس بالجنسية الأمريكية، وأقام بها أشهراً ولم ينفذ ما اعتزمه ــ ولم يذكر ذلك غير بلنت من مترجميه(20). ثم رأيناه في لندن سنة 1883 ولم يطل الإقامة بها، ثم سافر منها إلى باريس، وكان قد كتب إلى تلميذه وصديقه الشيخ محمد عبده، ليوافيه بها من منفاه في بيروت، ففعل. ما برنامجه؟ ماذا ينوي من العمل بعد ما جرب، وبعد ما نال من الأحداث ونالت منه؟. هاهو ذا والشيخ محمد عبده يتشاوران فيما يصنعانه من الإصلاح. فأما الشيخ محمد عبده فكاد يدب إليه اليأس من الجيل الحاضر، بعد أن خبر الناس في حوادث عرابي ورأى غدرهم، وقلة وفائهم، وتكالبهم على مصالحهم الشخصية، فأشار على السيد جمال الدين أن يذهبا إلى مكان بعيد غير خاضع لسلطان دولة تعرقل سيرهما، ثم ينشئان فيه مدرسة للزعماء يختاران لها التلاميذ من نجباء الناشئين من الأقطار الإسلامية. ومن يتوسَّمان فيهم الخير، ثم يربيانهم على منهج قويم يختارانه، ويعدَّانهم للزعامة والإصلاح، قال: "فلا تمضي عشر سنين حتى يكون عندنا كذا وكذا من التلاميذ الذين يتبعوننا في ترك أوطانهم، والسير في الأرض لنشر الإصلاح المطلوب فينتشر أحسن انتشار". لم يعجب "السيد" هذا الرأي، ورأى فيه خوراً في العزيمة، وجنوحاً إلى السلامة، ومبالغة في التشاؤم من الحاضر، وقال للشيخ محمد عبده: "إنما أنت مُثَبِّط"(21). ووضع "السيد" خطته وهي إنشاء جريدة عربية في باريس، تُنْشر منها في العالم الإسلامي، تفهمه حقوقه وواجباته وتشعل وطنيته، فكان ذلك وكان من هذا جريدة "العروة الوثقى" يكون "للسيد" فيها الأفكار والمعاني" وللشيخ محمد عبده التحرير والصياغة، وميرزا محمد باقر يعرب لها عن الصحف الأجنبية كل ما يهم العالم الشرقي، وكان وراء هذه المجلة جمعية سرية منبثة في جميع الأقطار الإسلامية، اختير أعضاؤها من بين المسلمين المثقفين المتحمسين لدينهم، ووضع لها يمين يقسمها من يدخل فيها ويتعهد "بأن يبذل ما في وسعه لإحياء الأخوة الإسلامية، وإنزالَها منزل النبوة والأبوة الصحيحتين، وألا يقدم إلا ما قدمه الدين، وألا يؤخر إلا ما أخره الدين، ولا يسعى قدماً واحدة يتوهم فيها ضرراً يعود على الدين جزئياً كان أو كليَّا، وأن يطلب الوسائل لتقوية الإسلام عقلاً وقدرة، وأن يوسع معرفته بالعالم الإسلامي من كل نواحيه بقدر ما يستطيع" الخ. وأنشئت للجمعية فروع في البلدان المختلفة، وكل فرع يجتمع للمذاكرة، وفي آخر كل اجتماع يتبرع الأعضاء بشيء من المال في صندوق صغير له ثَقْب ضيق يضع فيه كلُّ ما تيسر خُفيةً، حتى لا يعلم من أدى أقل ومن أدّى أكثر؛ ولعل هذا الباب هو ما كان ينفق منه على الجريدة والقائمين بها، فقد كانت ترسل أكثر أعدادها بالمجان. أصدرا من الجريدة ثمانية عشر عدداً في ثمانية أشهر، ظهر العدد الأول منها في 15 جمادى الأولى سنة 1301 ــ 13 مارس سنة 1884، وظهر العدد الأخير في 26 ذي الحجة سنة 1301 ــ 17 أكتوبر سنة 1884. ماذا كان الغرض من هذه الجريدة؟ لخصت الجريدة أهم أغراضها في أول عدد من أعدادها فيما يأتي: (1) بيان الواجبات على الشرقيين التي كان التفريط فيها موجباً للسقوط والضعف، وتوضيح الطرق التي يجب سلوكها لتدارك ما فات. ويستتبع ذلك بيان أصول الأسباب ومناشئ العلل التي أفسدت حالهم، وعمّت عليهم طريقهم. وإزاحة الغطاء عن الأوهام التي حلت بهم. (2) إشراب النفوس، عقيدة الأمل في النجاح وإزالة ما حل بها من اليأس. (3) دعوتهم إلى التمسك بالأصول التي كان عليها آباؤهم وأسلافهم، وهي ما تمسكت به الدول الأجنبية العزيزة الجانب. (4) الدفاع عما يُرْمَى به الشرقيون عموماً والمسلمون خصوصاً من التهم، وإبطال زعم الزاعمين أن المسلمين لا يتقدمون في المدنية ما داموا متمسكين بأصول دينهم. (5) إخبار الشرقيين بما يهمهم من حوادث السياسة العامة والخاصة. (6) تقوية الصلات بين الأمم الإسلامية، وتمكين الألفة بين أفرادها، وتأمين المنافع المشتركة بينها ومناصرة السياسة الخارجية التي لا تميل إلى الحيف والإجحاف بحقوق الشرقيين. أراد السيد أن يدعو إلى إصلاح المسلمين دينياً واجتماعياً وسياسياً وإذ كان الإسلام تمتزج فيه العقائد بالنظم الاجتماعية وبالنظم السياسية كانت دعوته شاملة لهذه المناحي الثلاثة. كان المثل الأعلى له حالة المسلمين في عهد الخلفاء الراشدين، من حيث العقيدة والصفات الخلقية والنظام السياسي. فيرى أنهم كانوا موحدين حقاً، معتزين بدينهم، لا تفرقهم المذاهب والنَّحَل، مترابطين برباط الأخوة؛ فيهم خلق الإباء والشمم يبذلون أعز شيء في سبيل عقيدتهم وعزتهم، ينشرون بينهم العلم ما استطاعوا، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر في غير هوادة. ثم دخل الفساد على توالي الزمن من خمسة أبواب: من عقيدة الجَبْر والخطأ في فهم القضاء والقدر، حتى صرفت النفوس عن الجد في الأعمال، ومما أدخله الزنادقة على تعاليم الإسلام في القرنين الثالث والرابع، فجعلوا المسلمين شِيَعاً وأحزاباً، وأضعفوا قوة الدين بما أدخلوا من تعاليم فاسدة؛ ومما أحدثه السوفسطائية من أفكار، وعدّهم الحقائق خيالات تبدو للنظر، ومما عمله كذَبَة المحدّثين من واضع أحاديث ينسبونها إلى رسول الله، وفيها السم القاتل لروح العمل والإباء، وفيها ما يستوجب ضعفاً في الهمم وفتوراً في العزائم، ومن ضعف التربية والتقصير في إرشاد الجمهور إلى أصول دينهم، ونشر العلم بينهم. وزاد في بعض المقالات أسباباً أخرى أهمها تفكك الروابط بين أجزاء الأمة، فلا ترابط بين العلماء بعضهم وبعض، ولا بين العلماء والأمراء، ومنها أن الدين الإسلامي جعل أمته أمة مجاهدة قوية محاربة، يأمرها الله بقوله: ?وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة? فلما استهانت بهذا الأمر، ولم تُعِدّ لكل موقف عدته، ذلت بعد عزة وضعفت بعد قوة. وكان يختار بعض هذه الأسباب ويُوسعها تفصيلاً، أو يفردها في مقال، كما فعل في مقال (القضاء والقدر). وكان من عادته أن يلهب النفوس بأسواط التقريع ثم يدخل الأمل عليها بأن هذه عوارض يمكن أن تزول ما سلم الأصل، مذكراً دائماً بحالة المسلمين في العهد الأول، وعزتهم الأولى. وكان مثله الأعلى كذلك حكومة إسلامية واحدة تأتمُّ بالإسلام وتعاليمه. ولما رأى أن ليس في الإمكان خضوعها لأمير واحد اكتفى بالدعوة إلى أن ترتبط أجزاؤها بروابط محكمة، ويكون لها مقصد واحد وتحكم الأقطار كلها بحكومات إمامها القرآن، وأساسها العدل والشورى واختيار خير الناس لتولي الأمور. يقول في ذلك بعد أن دعا إلى اتفاق الأمم الإسلامية: "لا ألتمس بقولي هذا أن يكون مالك الأمر في الجميع شخصاً واحداً، فإن هذا ربما يكون عسيراً، ولكني أرجو أن يكون سلطان جميعهم القرآن، ووجهة وحدتهم الدين، وكل ذي ملك على ملكه يسعى بجهده لحفظ الآخرين ما استطاع، فإن حياته بحياتهم وبقاءه ببقائهم". وكثيراً ما كان يضرب المثل بالإمارات الجرمانية في توحدها بعد تشتتها، ويدعو إلى حِلْف بين الدول الإسلامية يتزعمه أكبرها وأقواها. وخَشِيَ أن هذا النظام الذي يدعو إليه يثير الشقاق بين المسلمين وغيرهم من أهل الديانات الأخرى في الأقطار الإسلامية، فقال: "لا يظن أحد من الناس أن جريدتنا هذه ــ بتخصيصها المسلمين بالذكر أحياناً ومدافعتها عن حقوقهم ــ تقصد الشقاق بينهم وبين من يجاورهم في أوطانهم، ويتفق معهم في مصالح بلادهم، ويشاركهم في المنافع من أجيال طويلة؛ فليس هذا من شأننا، ولا مما تدعو إليه، ولا مما يبيحه ديننا، ولا تسمح به شريعتنا" الخ. وقاد هذا التفكير في نوع الحكومة التي يأملها، والأخلاق التي يرجوها من العزة والشمم والقوة، أن يناهض ــ في الجريدة ــ الاحتلال الأجنبي في الأقطار الإسلامية ــ وخاصة في مصر ــ بكل قوته، ويؤلِّب عليه في غير هوادة. وقد شغل هذا أكبر جزء من الجريدة، من كتابة مقالات ورواية أخبار وتعليق عليها، واستعمل لهذا الغرض أشد أنواع التعبير، وأعنف أساليب التهييج، واستغل حوادث المهدي في السودان لإثارة الشعور وإهاجة النفوس. واستعمل إلى جانب الجريدة رُسُلاً متخفَّين يذهبون إلى الأقطار المختلفة مزودين بالتعاليم التي لا يستطيع نشرها في الجريدة، فرسول إلى موسكو، ورسول إلى الحجاز، حتى أرسل الشيخ محمد عبده مرة ــ وهو محكوم عليه بالنفي ــ إلى مصر وتونُس. كان من نتيجة ذلك أن أحس من بيده السيادة على الحكومات الهندية والمصرية الخطر من الجريدة، فأمر بمنعها من الدخول، وأصدرت وزارة توبار باشا قراراً بالتشدد في منعها. فلما أحست الجريدة شدة المراقبة، واستحالة وصول الأعداد إلى أصحابها إلا في القليل النادر، وفي كثير من التحايل، احتجبت. احتجبت والأسى يحَزُ في نفس القائمين عليها؛ فلا مَن دعوهم لبّوا الدعوة فثاروا يطلبون أن يكون أمرهم بيدهم، ولا الجريدة استطاعت أن تستمر في دعوتها حتى تؤدى رسالتها. وبهذا انتهت مرحلة أخرى من حياة "السيد" مدتها ثلاثُ سنين قضاها في باريس، كلها عناء، وكلها جهاد، انتهت بما أحزنه وخيب أمله، وإن كانت المعاني لا تنعدم كما أن المادة لا تنعدم. ــ 4 ــ حادثان هامان حدثا في السنين الثلاث التي كان فيها "السيد" في باريس، أحدهما اتصاله بالفيلسوف الشهير "رينان" وإعجاب كل منهما بالآخر، ودخولهما معاً في معركة ــ وإن لم تكن حامية ــ حول الإسلام والعرب؛ وقد فتحت صدرها لهذه المعركة جريدة "الديبا" الفرنسية الشهيرة. فقد ألقى الأستاذ "رينان" في السوربون محاضرة دارت حول نقط ثلاث: (1) خطأ المؤرخين في قولهم: علوم العرب، وفنون العرب، وتمدن العرب، وفلسفة العرب، مع أن هذه الأشياء نتاج الأمم غير العربية أكثر منه نتاجاً للأمة العربية، فالتمدن أكثره من نتاج الفرس، والفلسفة أكثرها من نتاج النصارى النسطوريين الوثنيين الحَرّانيين. والفلاسفة الذين ظهروا في دولة الإسلام كالكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد لم يكن منهم من العرب إلا الكندي، فنسبة الحضارة والمدينة والعلم والفلسفة إلى العرب خطأ. وعدم دقة في التعبير. (2) إن الإسلام لا يشجع على العلم والفلسفة والبحث الحر، بل هو عائق لها، بما فيه من اعتقاد للغيبيات وخوارق العادات والإيمان التام بالقضاء والقدر. ومن اشتغل بالفلسفة من المسلمين اضطهد أو أحرقت كتبه أو كان في حماية خليفة أو أمير مؤمن في الظاهر غير متدين في الباطن؛ ومع ذلك فما وصل إليه هؤلاء في الفلسفة ليس له قيمة كبيرة، فهو ليس إلا فلسفة اليونان مشوَّهة، والفلسفة التي أخذها الأوربيون عن المسلمين في أسبانيا كانت فلسفة رديئة الترجمة، مشوهة الأصل، لم تستفد منها أوربة الفائدة الحقة إلا بعد ترجمتها ترجمة جديدة من منابعها الأصلية. ومع هذا يقول "رينان": "إن في دين الإسلام تعاليم ومبادئ عالية القيمة رفيعة المقام، وما دخلت في حياتي مسجداً من مساجد المسلمين إلا شعرت بجاذبية نحو الإسلام، بل تأسفت ألا أكون مسلماً..."، ولكن الإسلام حجب العقل عن التأمل في حقائق الأشياء... وعقول أهل البلاد الإسلامية قاصرة، وما يتميز به المسلم هو بعضه للعلوم واعتقاده أن البحث كفر وقلة عقل لا فائدة فيه. (3) إن العنصر العربي بطبيعته أبعد العقول عن الفلسفة والنظر فيها؛ فالزمن الذي كان يسود فيه العنصر العربي ــ وهو عهد الخلفاء الراشدين ــ لم تكن فيه فلسفة، ولم يظهر فيه البحث العلمي ولا الفلسفة إلا حين انتصرت الفرس ونصروا العباسيين على الأمويين وسلموهم زمام الملك، ونقلوا الخلافة إلى العراق، مهد التمدن الفارسي القديم. وختم محاضرته بالإشادة بقيمة العلم ودعوة الأمم كلها شرقية وغربية إلى الهجوم عليه، "فالعلم روح كل هيئة اجتماعية، وبه تتقدم الأمم، وبه يتحقق العدل، وبه يستخدم العقل القوة... وهو لا يساعد إلا على التقدم المؤسس على حرمة الإنسان وحريته". نشرت هذه المحاضرة في جريدة "الديبا" فأثارت خواطر المسلمين والمستشرقين والباحثين في شؤون المسلمين. فكان ممن رد عليه الأستاذ "مسمر" رئيس البعثة المصرية بفرنسا إذ ذاك، وفي رده كاد يسلم بالمسألة الأولى، وهي أن المدنية العربية ليست مدنية العرب وحدهم، بل مدنية الأمم المختلفة التي دخلت في الإسلام. وفي المسألة الثانية قال إنه ليس في دين الإسلام وتعاليمه ما يمنع المسلمين من التقدم العلمي، وقد تقدم المسلمون في عصور مختلفة ولم يمنعهم دينهم من أن يتفوقوا على المسيحيين في بعض تاريخهم، وكل سائح الآن يسيح في البلاد الإسلامية يشعر بنهضة الشرق وأخذه بأساليب التقدم والإصلاح، من غير أن يصدهم دينهم عن ذلك. ثم قال "ومن الغريب أنه قبل أن يلقى المسيو رينان خطبته بيومين ألقى بعض العلماء العظام أمام المحفل نفسه محاضرة اشتملت على مكتشفات العرب في علم الحياة ــ وقد نشرت هذه المحاضرة في المجلة العلمية ــ ...وهي محاضرة ترشدنا إلى حقيقة التمدن الإسلامي في القرون المتوسطة، فلو اطلع المسيو رينان عليها وعلى ما كتبه "سديو" و"دوزي" في مؤلفاتهما عن العلوم والآداب والفنون والصنائع المنسوبة إلى العرب، وعرف ما عملته هذه الأمة في العلم، مما لا يحصى عدده، على حين كانت اوربة منغمسة في التوحش والجهالة ــ ما نسب إلى العرب ما نسب، وهذا العلم تقدم بمعونة الدين لا برغم الدين. فإذا كان الإسلام سمح للنساطرة والمجوس واليهود في دولته بهذا التقدم العلمي الذي ذكره مسيو رينان، فلماذا لا يكون سبباً في حمل ملايين المسلمين الآن على الأخذ بأسباب العلم". وأما المسألة الثالثة فلم يعرها مسيو مسمر كبير اهتمام في الرد. وقد تحمس الشبان المسلمون في باريس لمقال "رينان" ورد "مسمر" فاجتمعوا وكلَّفوا أحدهم حسن عاصم "حسن باشا عاصم فيما بعد" تعريب المحاضرة والرد عليها فعربها، وقال في أول ذلك: "لما كان الذب عن الدين فرضاً على الإنسان؛ وحب الوطن من الإيمان، اجتمع جم غفير من طلبة العلم المصريين المقيمين بفرنسا وكلفوا أخاهم العبد الفقير "حسن عاصم" بتعريب الخطبة التي ألقاها رينان... طعناً في دين الإسلام والأمة العربية، وبتعريب ما كتبه الفيلسوف الكبير صاحب الفكر الصائب المسيو مسمر... والغرض أن نقف على الطعن والرد كلّ من كان على دين الإسلام أو من الأمة العربية، حتى يمكنهم تفنيد كلام المسيو رينان، فيفعلوا إظهاراً للحق". كما عرب محمد مختار أحد طلبة العلوم الطبية بباريس المحاضرة التي أشار إليها مسيو مسمر. بعد بضعة أسابيع من نشر محاضرة رينان رد الأستاذ جمال الدين عليه في "الديبا" أيضاً، ولكن كان رده هادئاً في بعض نقطه، فلعله لذلك لم يعجب حسن عاصم ولا إخوانه، ولذلك لم يهتموا بترجمته إلى العربية أو نشره، فقد مدح رينان على بحثه وإنصافه، وقال إنه استفاد من محاضرته استفادة كبيرة، ثم قال: "إن المحاضرة تشتمل على نقطتين أساسيتين: (1) أن الديانة الإسلامية كانت ــ بما لها من نشأة خاصة ــ تناهض العلم. (2) أن الأمة العربية غير صالحة بطبيعتها لعلوم ما وراء الطبيعة ولا الفلسفة. "فأما عن النقطة الأولى، فإن المرء ليتساءل، بعد أن يقرأ المحاضرة عن آخرها، أصدَر هذا الشر عن الديانة الإسلامية نفسها أم كان منشؤه الصورة التي انتشرت بها الديانة الإسلامية في العالم، أم أن أخلاق الشعوب التي اعتنقت الإسلام أو حملت على اعتناقه بالقوة، وعاداتها وملكاتها الطبيعية هي جميعاً مصدر ذلك؟ لا ريب أن قِصَر الوقت المخصص للمسيو رينان قد حال دون جلائه هذه النقطة". ثم أخذ يبين أن ما وقع للمسلمين وقع مثله في الأديان الأخرى، "فرؤساء الكنيسة الكاثوليكية المبجلون لم يلقوا أسلحتهم بعد كما أعلم، وهم عاكفون على محاربة ما يسمونه بالتدليس والضلال "يعني العلم والفلسفة". قال: "وأما النقطة الثانية فالكل يعلم أن الشعب العربي خرج من حال الهمجية التي كان عليها وأخذ يسير في طريق التقدم الذهني والعلمي، ويُغِذّ(22) السير بسرعة لا تعادلها إلا سرعة فتوحاته السياسية، وقد تمكن في خلال قرن من التكيُّف بالعلوم اليونانية والفارسية... فتقدمت العلوم تقدماً مدهشاً بين العرب، وفي كل البلدان التي خضعت لسيادتهم. وقد كانت رومة وبيزنطة المدينتين الرئيسيتين لعلوم اللاهوت والفلسفة، بل مبعث أنوار المعارف الإنسانية كلها ثم جاء الوقت الذي وقف فيه علماء هاتين المدينتين عن البحث، وتهدمت فيه نصبهم التي أقاموها للعلم، ودرجت كتبهم القيمة في طي النسيان، وقد كان العرب في ذلك الجهل حين شرعوا يتناولون ما تركته الأمم المتمدنة فأحبوا تلك العلوم المندثرة، ورقوها وخلعوا عليها بهجة لم تكن لها من قبل، أو ليس هذا دلالة بل برهاناً على حبهم الطبيعي للعلوم؟ "صحيح أن العرب أخذوا عن اليونان فلسفتهم كما أخذوا عن الفرس ما اشتهروا به، بيد أن هذه العلوم التي أخذوها بحق الفتح قد رقوها ووسعوا نطاقها ووضحوها، ونسقوها تنسيقاً منطقياً، وبلغوا بها مرتبة من الكمال تدل على سلامة الذوق وتنطوي على التثبيت والدقة النادرين، وقد كان الفرنسيون والإنجليز والألمان لا يبعدون عن رومة وبيزنطة بعد العرب عنهما، وكان من اسهل عليهم أن يستغلوا كنوز علوم تلك المدينتين، ولكنهم لم يفعلوا، حتى جاء اليوم الذي ظهر فيه منار المدينة العربية على قمة جبل النبراس يرسل ضوءه وبهاءه على الغرب، فأحسن الأوربيون إذ ذاك استقبال أرسطو بعد أن تقمص الصورة العربية، ولم يكونوا يفكرون فيه وهو في ثوبه اليوناني على مقربة منهم. أو ليس هذا برهاناً آخر ناصعاً على مزايا العرب الذهنية وحبهم الطبيعي للعلوم؟. "وبينا يسلم مسيو رينان بأن البلدان الإسلامية في غضون خمسة قرون من سنة 775م إلى أواسط القرن الثالث عشر كانت تحتوي علماء ومفكرين عظاماً، وإن العالم الإسلامي إذ ذاك كان يفوق العالم المسيحي في الثقافة الذهنية إذ يقول: إن أكثر الفلاسفة الذين شهدتهم القرون الأولى للإسلام كانوا كنابهى السياسيين من أصل حرَّاني، أو أندلسي، أو فارسي، أو من نصارى الشام. ولست أريد أن أغمِط علماء الفرس صفاتهم الباهرة، ولا أن أغض الطرف عن الدور الجليل الذي لعبوه في العالم الإسلامي، ولكن أرجو أن يسمح لي أن ألاحظ أن الحرانيين كانوا عرباً، وأن العرب لما احتلوا أسبانيا لم يفقدوا جنسيتهم بل ظلوا عرباً، وأن اللغة العربية كانت إلى ما قبل الإسلام بعدة قرون لغة الحرانيين، وكونهم قد حافظوا على ديانتهم القديمة وهي "الصابئة" ليس معناه أنهم لم ينتموا إلى الجنسية العربية، وقد كانت أكثرية نصارى الشام عرباً غسانيين اهتدوا بهدى النصرانية. أما ابن باجة، وابن رشد، وابن طفيل، فلا يمكن القول بأنهم أقل عربية من الكندي بدعوى أنهم لم يولدوا في جزيرة العرب، وخصوصاً إذا اعتبرنا أن لا سبيل إلى تمييز أمة عن أخرى إلا بلغتها. "ثم ماذا يكون لو قصرنا نظرنا على الأصل الذي ينتمي إليه العظيم، ولم نأبه للنفوذ الذي سيطر عليه، والتشجيع الذي لقيه من الأمة التي عاش فيها؟ لو فعلنا ذلك لقلنا إن نابليون لا ينتمي إلى فرنسا، ولما صح لألمانيا أو إنجلترا أن تدعى كلتاهما الحق في العلماء الذين استوطنوها بعد أن رحل أصولهم إليها من بلدان أخرى". ثم تعرض لأسباب انطفاء هذه الشعلة، وختم رده بقوله: "إن العقل لا يوافق الجماهير، وتعاليمه لا يفقهها إلا نخبة من المتنورين، والعلم ــ على ما به من جمال ــ لا يرضي الإنسانية كل الإرضاء، وهي التي تتعطش إلى مثل أعلى، وتحب التحليق في الآفاق المظلمة السحيقة التي لا قبل للفلاسفة والعلماء برؤيتها أو ارتيادها". رد عليه الأستاذ رينان وبادله مدحاً بمدح، وإعجاباً بإعجاب، وقال: "تعرفت بالشيخ جمال الدين من نحو شهرين فوقع في نفسي منه ما لم يقع لي إلا من القليلين، وأثر في تأثيراً قوياً، وقد جرى بيننا حديث عقدت من أجله النية على أن تكون علاقة العلم بالإسلام هي موضوع محاضراتي في السوربون... والشيخ جمال الدين نفسه خير دليل يمكن أن نسوقه على تلك النظرية العظيمة التي طالما أعلناها، وهي أن قيمة الأديان بقيمة من يعتنقها من الأجناس، وقد خيل إليَّ من حرية فكره، ونبالة شيمه، وصراحته ــ وأنا أتحدث إليه ــ أنني أرى أحد معارفي من القدماء وجهاً لوجه، وأنى أشهد ابن سينا، أو ابن رشد، أو واحداً من أولئك الملحدين العظام الذين ظلوا خمسة قرون يعملون على تحرير الإنسانية من الإسار". ثم قال: "ولست أرى في البحث النفيس الذي عالجه الشيخ إلا نقطة يصح أن نختلف فيها حقيقة... فلسنا بالتأكيد ننكر ما لرومة على تاريخ الإنسانية من نفوذ، ولا ما كان للعرب من نفوذ، ولكن هذه التيارات الإنسانية العظيمة في حاجة إلى تحليل؛ إذ ليس كل ما كتب باللاتينية يزين تاج شهرة رومة، ولا كل ما كتب باليونانية من عمل اليونانيين، ولا كل ما كتب بالعربية نتاج عربي، ولا كل ما نشأ في بلد مسيحي من تأثير المسيحية، ولا كل ما ظهر في البلدان الإسلامية من ثمار الإسلامية. "لقد خالني الشيخ غير منصف في أني لم أوفّ الكلام حقه، ولم أقل في المسيحية ما قلته في الإسلام، وأن الاضطهاد بين المسيحيين لا يقل عما كان بين المسلمين؛ وهذا قول حق، فجاليليو لم يلق في الكاثوليك خيراً مما لقيه ابن رشد من المسلمين... وإذا كنت لم أطل القول في هذه الحقيقة فلأن آرائي في هذا الشأن معروفة لا حاجة بي إلى تكريرها على مسمع محفل علم بكل أعمالي وآرائي... ولست أريد من المسيحي ترك عقيدة المسيحية ولا من المسلم ترك الإسلام؛ ولكن أريد من المسيحيين والمسلمين المتنورين أن يهتموا بالعلم اهتماماً لا تعوقه العقيدة، وقد تم هذا في نصف البلدان المسيحية، ونرجو أن يتم مثله في الإسلام. وإن يوماً يتم ذلك فيه لمّا أرحب به أنا والشيخ ونطرب له جميعاً". واستمر في تأييد رأيه الذي قاله في المحاضرة ثم ختم مقاله بقوله: "ويلوح إلى أن الشيخ جمال الدين قد زودني بطائفة من الآراء الهامة تعينني على نظريتي الأساسية، وهي أن الإسلام في النصف الأول من وجوده لم يحل دون استقرار الحركة العلمية في الأراضي الإسلامية، ولكنه في النصف الثاني خنق الحركة العلمية وهي في حظيرته، فكان هذا من سوء حظه". وهذه النتيجة الأخيرة ـ من غير شك ـ فيها كثير من التعديل لآراء رينان السابقة، وهي تؤدي حتماً إلى أن مقاومة العلم ليست من طبيعة الإسلام، ولو كانت من طبيعته ما شجع الحركة العلمية في أوله ولا آخره. وإلى هنا أسدل الستار على هذه الرواية التي سيعاد تمثيلها ــ على وجه أشد ــ بين مسيو هانوتو والشيخ محمد عبده. وما أقوى الردود ولكن أقوى منها رد المسلمين عليها بتبوئهم مكانة عليا في العلم والفلسفة. *** وأما الحادثة الثانية فسياسة، ذلك أن بعض ساسة الإنجليز ــ وقد أحسوا حملة جريدة العروة الوثقى وتهييجها الرأي العام في إنجلترا ــ رأوا أن يتفاهموا مع القائمين عليها، فبعثوا إلى السيد جمال الدين في ذلك، فأرسل مندوبه الشيخ محمد عبده وقال: "رأينا أن يذهب الشيخ محمد عبده (المحرر الأول لهذه الجريدة) إلي لندرة إجابة لدعوة من يرجى منهم الخير لملتنا، ومن يؤمل فيهم حسن النية..." (إشارة إلى مستر بلنت). قابل محرر الجريدة كثيراً من رجال السياسة الإنجليزية وحادثهم محادثات طويلة في المسألة المصرية، ومن هذه المحادثات ما نشر إذ ذاك في الجرائد الإنجليزية، واكتفى السيد جمال الدين في العدد الرابع عشر من العروة الوثقى بذكر محادثات كانت بين الشيخ محمد عبده ووزير الحربية الإنجليزية لورد "هرتنكتن" خلاصتها أن وزير الحربية سأل الشيخ محمد عبده: ألا يرضى المصريون أن يكونوا في أمن وراحة تحت سلطة الإنجليز، وهي خير من سلطة الأتراك ومن جاء على أثرهم، خصوصاً وأن الجهالة عامة في أقطار مصر، وأن كافتهم لا يفرق بين حاكم أجنبي وحاكم مصري؟! ورد الشيخ محمد عبده بما خلاصته: أن في المصريين من يحبون أوطانهم حب الشعب الإنجليزي لبلاده، وأرض مصر من زمن محمد علي انتشرت فيها العلوم والمعارف، وأخذ كل منها نصيباً على قدره، ولا تخلو قرية مصرية من قارئين وكاتبين يقرءون الجرائد العربية ويوصلون ما فيها إلى من لم يقرأ، والنفرة من ولاية الأجنبي من طبيعة البشر، فضلاً عما لتعاليم الإسلام في هذا الشأن. وقد أخذت الجريدة هذا الحديث وسيلة لتهييج وإثارة الشعور. وعلى كل حال فلم تأت هذه الأحاديث بنتيجة من التفاهم، واستمرت الجريدة في خطتها حتى حجبت كما أسلفنا. ـ 5 ـ ماتت جريدة العروة الوثقى، ولكن لم يمت أثرها، فقد أحيت روح كثير من المتنورين في العالم الشرقي، وأيقظتهم من سباتهم، وبصرتهم بسوء حالهم مع الاحتلال، وعلمتهم كيف يكتبون ويخطبون ويدعون إلى الشعور بالقومية الذي سمى بعد بالاستقلال؛ فإن قلنا إنها كانت أول شرارة في الشرق لإلهاب الشعور بالكراهية للحكم الأجنبي لم نبعد؛ فقد كتبت في الجامعة الإسلامية والرابطة الشرقية والمسألة المصرية والسودانية والهندية، وعالجتها كلها في حماسة وتهييج بالغين، ونظرت إلى كل ذلك في ضوء السياسة الدولية العامة والتفتت إلى الشعوب تحركها وتثير شعورها، الحكومات المختلفة تبين لها أضرارها من احتلال الشرق. وهكذا وهكذا. لم تتأثر بالدعوة وقتذاك الشعوب ولا الحكومات الأجنبية ولا المحلية، وإنما تأثرت بها طبقة قليلة من المستنيرين في الأقطار الشرقية المختلفة تأثراً كان نواة للحركات الوطنية بعد، ولست أزعم أنها كانت النواة الوحيدة، ولكن كانت النواة الأولى. على كل حال عطلت الجريدة وانفرط عقد القائمين بأمرها. فالشيخ محمد عبده وميرزا باقر يعودان إلى بيروت والسيد جمال الدين إلى فارس بناء على دعوة من الشاه ناصر الدين. تلقاه الشاه والعلماء والأمراء في حفاوة، ولكن سرعان ما دبت الغيرة في نفس الشاه وأحس خطره فتنكر له، فاستأذن السيد في الرحيل ورحل إلى سان بطرسبرج عاصمة روسيا، وأقام بها نحو ثلاث سنين من سنة 1886 ـ سنة 1889. لماذا اتجه إلى روسيا؟ وماذا عمل في هذه المدة؟ إن معلوماتنا عنه في هذه الفترة قليلة، وأكبر الظن أنه شغل بشيئين: (1) حال المسلمين الروسيين وعددهم نحو ثلاثين مليوناً، وكانوا يعاملون في عهد القياصرة معاملة ظالمة جائرة، فلعله حاول باتصاله برجال الحكم إذ ذاك أن يلطف من ظلمهم ويخفف من جورهم. وقد عرف عنه أنه سعى عند القيصر في طبع المصحف، وبعض الكتب الدينية لمسلمي الروس، فأذن له في ذلك (2) ما كان لروسيا من أثر كبير في سياسة الشرق ومناهضتها للسياسة الإنجليزية في آسية، وضغطها الشديد على الدولة العثمانية، والعمل على إتعابها، وتقطيع أوصالها؛ ومع هذا التنافس والمخاصمة على الشرق بين إنجلترا وروسيا؛ فإن كثيراً من السياسيين يرون أن هذه المنافسة أفادت إنجلترا وفرنسا وإيطاليا أكثر مما أفادت روسيا، فلولا ضغط الروس على الدولة العثمانية ما سهل على فرنسا الاستيلاء على الجزائر وتونس، ولا إيطاليا الاستيلاء على طرابلس، ولا على إنجلترا الاستيلاء على مصر. على كل حال انغمس "السيد" في أثناء إقامته في روسيا في السياسية الدولية حرض روسيا على سياسة إنجلترا، ونشر في الجرائد الروسية مقالا في السياسة الأفغانية، والفارسية، والعثمانية، والروسية؛ ونقد السياسة الإنجليزية، وقابل القيصر فسأله عن آرائه في الشرق، ثم سأله عن سبب خلافه مع الشاه، فقال: إنه الحكومة الشورية، أدعوا إليها ولا يراها. قال القيصر: الحق مع الشاه، فكيف يرضى ملك أن يتحكم فيه فلاحو مملكته؟ قال السيد: أعتقد يا جلالة القيصر أنه خير للملك أن تكون ملايين رعيته أصدقاءه من أن يكونوا أعداء يترقبون له الفرص. فلم يعجب القيصر هذا الحديث؛ وقام: علامة الإذن له بالانصراف. ثم سافر "السيد" إلى أوروبة على نية أن يزور معرض باريس سنة 1889 وفي أثناء سفره من روسيا إلى باريس نزل ميونيخ في ألمانيا، وتقابل مع شاه الفرس ناصر الدين، فعرض عليه العودة معه إلى فارس، واعتذر إليه عما كان، ووعده أن يمهد له طريق الإصلاح الذي يقترحه، فرفض السيد أولاً وقبل أخيراً. هاهوذا السيد في طهران، يلتف حوله جمهور من العلماء والعظماء، يتبلور فيه ما في نفوس الخيرين من ميل إلى الإصلاح، فيسعى هو ومن التفت حوله إلى وضع المشروعات في إصلاح الإدارة، وإقامة العدل، وتقنين القوانين، وفوق ذلك تنظيم الحكم النيابي للبلاد، والحركة تشتد وتمتد، والشاه يظهر الاستعداد لقبول هذه المطالب، والنفوس العاملة تفرح لقرب النصر، والأمل في الخير، ولكن سرعان ما اكفهر الجو وأنذر بالصواعق؛ فقد وسوس الصدر الأعظم للشاه أن الحكم النيابي يسلبه سلطانه، والنظام الإداري والقانوني المقترح أعلى من مستوى الناس، ونحو ذلك من مقالات السوء التي سمعنا مثلها في مصر أيام إقامة "السيد" فيها، وفي تركيا أيام "مدحت" وفي كل مكان وزمان يدور فيهما النزاع بين دعاة الإصلاح ودعاة الرجعية. فتجهم الشاه له وأحس "السيد" الخطر منه، فخرج إلى مقام "عبد العظيم" أحد حفداء الأئمة ــ على بعد نحو عشرين كيلو من طهران ـ والفرس يعدون مقامه حرماً من دخله كان آمناً. اتخذه السيد مركزاً لدعايته وخطبه وتهييج الرأي العام لطلب الإصلاح، وبعض العلماء والوزراء والضباط يحجون إليه ليسمعوا خطبه، ويصغوا إلى آرائه، ويعودوا وقد شحنوا قوة كهربائية بقدر تحملهم للشحنة، وكلهم ثائر هائج يريد الإصلاح، وأقام على ذلك أشهراً والبلاد يزداد غليانها، ومركز الشاه والحاشية يزداد خطراً، والمنشورات تذاع، والكتب الأغفال من الإمضاء تصل إلى الشاه بالعدل أو العزل. وبالحكم النيابي أو تولية غيره. فما راع "السيد" إلا خمسمائة جندى مسلحون يهجمون عليه غير حافلين بحرم الشيخ عبد العظيم ولا بمرض السيد مرضاً شديداً. وكما يصف هو: "سحبوني على الثلج إلى دار الحكومة بهوان وصغار وفضيحة لا يمكن أن يتصور دونها في الشناعة... ثم حملني زبانية(23) الشاه ــ وأنا مريض ــ على برذون(24)، مسلسلاً، في فصل الشتاء وتراكم الثلوج والرياح الزمهريرية، وساقتني جحفلة من الفرسان إلى خانقين" ومنها سافر إلى البصرة يعاني ألم المرض الذي اشتد عليه من هذا الحادث، وكاد يودي به لولا لطف الله. فلو رأيته ثم لرأيت رجلاً أكلت منه حمى الحمية حمى المرض، وقد تجمع دمه في رأسه يحتقن، وفي وجهه يلتهب، وفي عينه تقذف بالشرر؛ كيف يهان هذا الهوان وهو الرفيع النسب، العزيز الحسب، العظيم الجاه، العالي المنزلة في دينه وشرفه وعقله، ورغبته في الخير؟ كيف يرجوه الشاه أن يأتي بلده ويعده أن ينفذ إصلاحه، ويعلي كلمته، ثم يعامله معاملة العبد يطرد والذليل يصفع، والحقير يهان؟. لقد آلى أن ينتقم منه شر انتقام، وألا تهدأ نفسه حتى ينزله عن عرشه، وقد بر فيما أقسم فأخذ يكتب إلى علماء الدين المسموعي الكلمة يهيجهم على الشاه، ولا يتورع أن يصفه بأقبح الصفات، ويبين ضرره على الأمة، ويثير عاطفتهم الدينية، ليشغبوا عليه حتى يخلع. وكان الشاه قد تعاقد مع شركة إنجليزية على احتكارها "التنباك" فانتهز الفرصة وأبان الضرر على الأمة من هذا الاحتكار، وأهاب برجال الدين أن يذودوا عن وطنهم، فاستمعوا إليه؛ وهاجوا على الشاه، وهيجوا عليه، حتى اضطر إلى فسخ العقد، ودفع نصف مليون ليرة تعويضاً للشركة، فكانت هذه أول خطوات الانتقام. ثم لما عادت إليه عافيته سافر إلى لندرة، وحاضر نبلاء الإنجليز وكبراءهم في مصائب الشاه على فارس، وساهم في إخراج مجلة شهرية اسمها "ضياء الخافقين" تصدر بالعربية والإنجليزية، كان يكتب فيها مقالات بإمضاء "السيد الحسيني" يفضح فيها حكومة الشاه، وسوء الإدارة، وانتشار الرشوة وتعذيب الأهالي، ويحرض فيها العلماء على عمل صغير، وهو أن يصدروا فتوى بعدم التعاون مع الشاه فإذا هو طريد، ويختار من الألفاظ والجمل في مدح العلماء وقوتهم أضخمها وأقواها، وفي ذم الحكومة والشاه أهجاها وأقساها. هذه زلة كبيرة من السيد جمال الدين دعاه إليها حدته وحبه للانتقام، إذ كيف أجاز لنفسه التشهير بحكومة شرقية إسلامية في بلاد أجنبية تتخذ من أقواله حجة للتدخل الذي طالما حاربه في "العروة الوثقى" وكيف استباح أن يفضح هذه العيوب، ويغسل هذه الأثواب القذرة على مشهد من كل الناس؟ لقد كان مدحت باشا في موقف كهذا أنبل من السيد وأكرم، إذ نفاه "عبد الحميد" وأخذه رجاله من دست الوزارة إلى السفينة، لا مال ولا ثياب ولا أهل؛ ومع هذا فما وضع قدمه في أوروبة حتى أخذ يسعى في دفع الشر عن أمته، ويكلم الكلام الكثير في فضل الأتراك على أوربة. ولا ينطق بكلمة في ذم عبد الحميد الذي عامله معاملة الشاه لجمال الدين. الحق أنها غلطة من غلطات "السيد" دعا إليها حدة مزاجه. لقد رجاه سفير فارس أن يكف عن الطعن في الشاه، وعرض عليه المال الكثير، فقال: لا، حتى يلقى الشاه ربه. تجمع عند السلطان عبد الحميد من الأسباب ما حمله على أن يدعو "السيد" إلى الأستانة، فهو يخشى أن ينضم إلى حزب تركيا الفتاة، فيكون قوة كبرى إلى قوتهم، خصوصاً وقد كان السيد اجتمع في باريس ببعض رجال هذه الجمعية، وأطلعوه على خطتهم في إصلاح الدولة العثمانية، فراقه مذهبهم، وشجعهم على عملهم، وسمى جمعيتهم "الجمعية الصالحة" وبلغ السلطان ذلك عنه. ثم إن الشاه وسط السلطان في كف أذى جمال الدين. لهذا وذاك رجاه السلطان عبد الحميد أن يزور الأستانة فأبى، ثم سلط عليه حيله ومكايده، ووعده ــ في تنفيذ آرائه في الإصلاح ــ ومناه حتى قَبِل، وما إن وضع قدمه في الأستانة حتى كان في قفص من ذهب أحكم بابه، لقد وعده السلطان أن له حرية الخروج من الأستانة إذا شاء، ولكن كان كل ذلك خدعة. أمر السلطان عبد الحميد باستقباله استقبالاً حسناً، وأجرى عليه 75 ليرة شهرياً. وأنزله بيتاً ظريفاً في نيشان طاش، بالقرب من يلدز، وجعل تحت أمره عربة وخدماً وحشماً، بعضهم للخدمة وبعضهم للتجسس، وأحاطه بكل أنواع الرعاية المادية. لقد خيل إليه أنه بمعونة السلطان يستطيع أن يوسع دائرة إصلاحه، فيضع خطته لجامعة إسلامية، يؤلف بها بين فارس والأفغان وتركيا وولاياتها بنوع من الاتحاد أو الحلف، ثم يرسم منهج إصلاح الإدارة في الدولة العثمانية وإصلاح التعليم، وفاته أن جو الأستانة في عهد عبد الحميد لا يصلح أن تنمو فيه بذرة صالحه، وكان له في مدحت وأشباهه العظة البالغة. ولقد زار الأستانة الشيخ محمد عبده بعد وفاة السيد وفى عهد عبد الحميد، فقال فيها: "إنه لم ير بيئة في العالم ــ ولم يكن يعقل وجود بيئة ــ كالأستانة في سوء تأثيرها في العقل والفكر والقلب، وإن ذهنه فيها كان ممسوحاً كأنه لم يكن فيه شيء من العلوم والآراء، ولهذا كان أحرار الترك معذورين في شرودهم منها، وتوطين أنفسهم على كل ما يمكن أن يلقاه الإنسان من ضروب البلاء والمحن". وقابل السلطان السيد، في يلدز، فرأى منه شخصية غريبة جريئة في القول والحركة جرأة لم يشهدها من أحد قبل. يطلب منه السلطان أن يترك مهاجمة الشاه، فيقول "السيد": إني لأجلك قد عفوت عنه. فيرتاع السلطان لمثل هذا القول ــ والسيد في حضرته يلعب بحبات السبحة، فإذا لفت نظره رئيس "المابين" إلى ذلك بعد خروجه قال له: "إن السلطان يلعب بمستقبل الملايين من الأمة، أفلا يحق لجمال الدين أن يلعب بسبحته كما يشاء" فيفزع رئيس المابين، ويهرب من سماعه هذه الكلمة خشية أن يكون قد سمعها أحد. لقد تحدث إلى السلطان كذلك في الحكم الشوري للدولة العثمانية، فخدعه السلطان بتظاهره بحسن الاستعداد له، وفرح السيد بهذا التظاهر، واتفق معه على العمل لتكوين الجامعة الإسلامية؛ وعرض عليه السلطان منصب شيخ الإسلام، فأبى إلا إذا عُدّل النظام من أساسه أولاً. وكرر مقابلته للسلطان والحديث إليه، وكوَّن أخيراً فكرة عن السلطان عبد الحميد بأنه ذكي واسع الإطلاع على السياسة الأوروبية وألاعيبها، واسع الحيلة في العمل على ضرب بعض الدول ببعض، ولكنه جبان يفسد عليه جبنه ذكاءه ومعرفته. كانت المدة الأولى من إقامته في الأستانة محفوفة بعطف السلطان عليه ولو ظاهراً ــ يزوره السيد ويشير عليه بالإصلاح؛ قال له مرة: "خذ بحزم جدك السلطان "محمود" وأقص الخائنين خاصتك الذين يتكتمون عنك حقائق ما يجري في الولايات، وخفف الحجاب عنك، وأظهر للملأ ظهوراً يقطع من الخائنين الظهور، واعتقد أن نعم الحارس الأجل "فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون". ولكن ذهب كل ذلك مع الريح، ووجد له في الآستانة خصم لدود،هو أبو الهدى الصيادى الذي أتقن من الحيل والدهاء والدسائس والمؤامرات والغلبة على عقل السلطان مالا ينفع معه إخلاص جمال الدين وصراحته ونصحه، ففسدت حياة السيد، وفسد ما بينه وبين السلطان، وضاع كل أمل له في التعاون معه على الإصلاح، وأصبح يقول في مجالس خاصته: "إن هذا السلطان سل في رئة الدولة" واقتصرت قيمة السيد مدة إقامته في الأستانة ــ وهي أربع سنين وأشهر ــ على ما كان يلقيه على زواره وسماره من أحاديث وآراء، إلى دسيسة بين حين وآخر تحاك حوله، ويصرف الزمن في نقضها. وكل تراثنا منه في هذه الفترة بعض من أحاديثه اللطيفة وآرائه الطريفة(25) وتحريكه عقول سامعيه إلى التفكير الحر في الإصلاح وفي الشؤون الاجتماعية. في هذه الفترة كانت تظهر من أحاديثه آثار الأسف والحزن، إذ يعرض ماضيه فيرى ما كان منه من جهاد طويل في تحريك الشعوب الإسلامية ثم لم ينبض لها عرق، وفي رجال عقد عليهم الأمل ثم غدروا، وفي شاهٍ خان، وفي جريدة عطلت، وفي سلطان لا أمل فيه، وفي بيئة خانقة. ماذا في يده بعد حياة طويلة قضاها في الكفاح وفي النفي، وفي الحبس، وفي الطرد، وفي التفكير والتحرير، وفي إيقاظ العقول النائمة والنفوس الخائرة؟ لا شيء إلا أنه أسد في حديقة الحيوان، ينشد حرية نفسه فلا تجدها؛ بعد أن كان ينشد حرية الأمم الإسلامية كلها ويأمل أن يجدها. يزوره شكيب أرسلان، ويدور الحديث حول ما روى من أن العرب عبروا المحيط الأطلانطيقي قديماً، وكشفوا أمريكا، فيقول السيد: "إن المسلمين أصبحوا كلما قال لهم الإنسان: كونوا بني آدم، أجابوه: إن آباءنا كانوا كذا وكذا. وعاشوا في خيال ما فعل آباؤهم، غير مفكرين بأن ما كان عليه آباؤهم من الرفعة لا ينفى ما هم عليه من الخمول والضعة. إن الشرقيين كلما أرادوا الاعتذار عما هم فيه من الخمول الحاضر قالوا: أفلا ترون كيف كان آباؤنا؟ نعم! قد كان آباؤكم رجالاً، ولكنكم أنتم أولاء كما أنتم، فلا يليق بكم أن تتذكروا مفاخر آبائكم إلا أن تفعلوا فعلهم"، "إن المسلمين قد سقطت هممهم، ونامت عزائمهم، وماتت خواطرهم، وقام شيء واحد فيهم هو شهواتهم". "هذا محمود سامي البارودي عاهدني ثم نكث معي، وهو أفضل من عرفت من المسلمين". ولكن أحياناً تنقشع عنه سحابة اليأس، ويعود إلى أمله في الشرق والمسلمين، ويعود على ذكر الداء والدواء، والأمل في العلاج، ككل النفوس البشرية، تتردد بين الحزن والسرور واليأس والأمل، وكالطبيعة تتردد بين الصحو والغيم، والإرعاد والإبراق ثم الإشراق. فها هو ذا في رفقة من صحبة يحللون أدواء الشرق ويستوصفونه العلاج، فيقول. إن الدواء هو ما يسير عليه الغربيون من العزة والجرى على قول الشاعر العربي: "عش عزيزاً أو مت وأنت كريم". فإذا كان هذا بعيد المنال، فلا بد من تربية جيل جديد تربية دينية صحيحة، يتولى أمرها أناس يأخذون على أنفسهم عهداً ألا يقرعوا باباً لسلطان، ولا تضعضعهم الحدثان(26) ولا يثنى عزمهم الوعد، ولا يغرهم الوعيد بالمنصب، ولا تلهيهم التجارة ولا المكسب، بل يرون في المتاعب وتحمل المكاره لنجاة الوطن من الاستعباد غاية المغنم، وفي عكسه المغرم. قيل له: وهل هذا في الإمكان؟ قال: إن الأزمة تلد الهمة، ولا يتسع الأمر إلا إذا ضاق، ولا يظهر فضل الفجر إلا بعد الظلام الحالك ـ وعلى ما أرى قد أوشك فجر الشرق أن ينبثق، فقد أدلهمت فيه ظلمات الخطوب، وليس بعد هذا الضيق إلا الفرج، سنة الله في خلقه". (1) أعمال أفغان: أقطارها وما تحت حكمها من البلاد. (2) اللسن: الفصاحة. (3) أواب: راجع إلى الاستغفار. (4) ربعة: متوسط القامة. (5) من وصف الشيخ محمد عبده له. (6) تتشوف: تتطلع. (7) بت: مضى الحكم. (8) يبتزّ: يسلب. (9) يناغمه: أي يساوقه في نغمته. (10) الديدن: العادة. (11) السمط: العقد. (12) الأحاجي: الألغاز. (13) الأغلاق: الأقفال. (14) النير: خشبة توضح على عتقي الثورين يقرنان بها ويساقان. (15) تعنون: تخضعون. (16) خاطرات جمال الدين لمحمد باشا المخزومي. (17) خاطرات جمال الدين. (18) انتكاس: انقلاب. (19) اللوث: الشوب والتلويث (20) وأنا أستبعد رواية مستر "بلنت" لأن السيد لما خرج من الهند سافر بحراً عن طريق البحر الأحمر، فلما كان في بور سعيد كتب إلى الشيخ محمد عبده كتاباً لا تزال محفوظة صورته الفوتوغرافية يقول فيه. "أنا الآن في "برط السعيد" أذهب إلى لندرة... إن أخبار العالم كانت قد انقطعت عني مدة سبعة أشهر، ولذا لا أدري مستقر العارف (وهو تابعه). أخبره بسفري". (21) ولعل هذه الفكرة هي التي أوحت إلى السيد محمد رشيد فيما بعد إنشاء مدرسة الدعوة والإرشاد في مصر. (22) يغذ: يسرع. (23) الزبانية: رجال الشرطة. (24) برذون: دابة. (25) روى كثيراً منها المخزومى في خاطراته، وشكيب أرسلان في ترجمته. (26) الحدثان: نوائب الدهر وتصاريفه. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |