|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
ثم استطرد في المجلس إلى بيان الخطر مما تستعمله بعض الأمم الأجنبية في الشرق من إضعاف اللغة القومية وقتل التعليم القومي، والتنفير من آداب الأمم الشرقية، لتحل محلها لغتها وآدابها "مع أنه لا جامعة لقوم لا لسان لهم، ولا لسان لقوم لا آداب لهم، ولا عز لقوم لا تاريخ لهم، ولا تاريخ لهم إذا لم يقم منهم من يحي آثار رجال تاريخهم، فيعمل عملهم وينسج على منوالهم". وكانت محاضراته في مجالسه تدور حول موضوعات هامة تخلقها المناسبة، كلها ترمي إلى الإصلاح في العقيدة وفي الاجتماع وفي اللغة. وبين حين وآخر تثار حفيظة([1]) السلطان عليه بما يدبره أبو الهدى الصيادى وصحبه، فيزور الأستانة ــ مثلاً ــ الخديو عباس ويريد مقابلة جمال الدين، ولا يكون هذا إلا بإذن، فيرفض السلطان ويأمر جمال الدين ألا يقابله، فيقول لرسول الخديو: "إني كضيف للسلطان أسير لمضيفي في منزله، ولكني أذهب كل يوم إلى "الكاغدخانة" فإن شاء أن يحضر الخديو إلى هناك فليفعل فذهب الخديو وقابله على انفراد، فأطرى الخديو السيد وأبدى له إعجابه به، وحياه تحية لطيفة، وهذا كل ما كان فأطار الجواسيس إشاعات في الجو وملأوا التقارير بأن جمال الدين قد تعاقد مع الخديو عباس على تأسيس دولة "عباسية" ووضعوا بيتين نسبوهما إلى جمال الدين هما:
وقامت للدنيا وقعدت، واستدعى السلطان جمال الدين وسأله، فقال: إن الأمر بسيط، فقد كتبت التقارير أنا كنا وحدنا وليس معنا ثالث، فمن سمع هذا القول؟ وهل إذا كان هذا الخبر صحيحاً أقوله أنا أو يقوله عباس؟ ثم أقسم أن شيئاً من ذلك لم يحدث، وأنه في حياته لم ينظم شعراً، وانتهى الأمر، ولو ــ في الظاهر ــ بعد جلبة طويلة، وضجة مفتعلة. وحدث أن الشاه ناصر الدين ــ الذي كان بينه وبين السيد الخصومة التي عرفنا ــ قد قتل، وكان القاتل أحد تلاميذ جمال الدين، وممن كانوا يزورونه في الأستانة، وروى أنه عندما طعن طعنة قال: "خذها من يد جمال الدين". وروى عن جمال الدين أنه لما بلغه ذلك قال كلمات تدل على الإعجاب بالقاتل، فذلك كله أرعب السلطان عبد الحميد، وخاف منه على حياته، فضيق عليه في مقابلاته ومنع زيارته إلا بإذن، فغضب جمال الدين وعزم على الرحيل من الأستانة ووعد بإعطائه التصريح بذلك من المفوضية الإنجليزية، ولكن السلطان كان يخاف منه في الخارج أكثر مما يخافه في الداخل، وهو تحت سمعه وبصره فاسترضاه ورجاه في البقاء واستعان إثارة إبائه العار من الالتجاء إلى دولة أجنبية فعدل. ثم حلت المشكلة نفسها بمرضه بالسرطان في فمه ثم وفاته، وشاعت الإشاعات المختلفة حول موته من إهمال مقصود في معالجته ولاتفاق مع طبيب السلطان للتخلص منه. وأياً ما كان فقد مات وشيعت جنازته كأقل الناس ــ لم يسر فيها إلا أفراد معدودون غلبتهم الجرأة والوفاء، ودفن كما يدفن عامة الناس، ومنعت الجرائد في الولاية العثمانية من تأبينه. ـ 6 ـ ما تعاليم السيد في كلمة؟ وما أغراضه في جملة؟ يقول لوثروب ستودارد الأمريكي Lothrop toddard "إن خلاصة تعاليم جمال الدين تنحصر في أن الغرب مناهض للشرق، والروح الصليبية لم تبرح كامنة في الصدور كما كانت في قلب بطرس الناسك: ولم يزل التعصب كامناً في عناصرها، وهي تحاول بكل الوسائل القضاء على كل حركة يحاولها المسلمون للإصلاح والنهضة. "ومن أجل هذا يجب على العالم الإسلامي أن يتحد لدفع الهجوم عليه ليستطيع الذود عن كيانه، ولا سبيل إلى ذلك إلا باكتناه([3]) أسباب تقدم الغرب والوقوف على عوامل تفوقه ومقدرته". ويقول "جولد زيهر": "إن جمال الدين كان ــ كما يرى براون ــ فيلسوفاً" كاتباً، خطيباً، صحفياً؛ وفوق ذلك كان سياسياً، ويرى فيه محبوه وطنياً كبيراً وخصومه مهيجاً خطيراً؛ وكان له أثر بالغ في النزعات الشورية التي حدثت في عشرات السنين الأخيرة في الحكومات الإسلامية، وكان يرمى إلى تحرير الممالك الإسلامية من السيطرة الأوروبية، وإنقاذها من الاستغلال الأجنبي، وإلى ترقية شؤونها الداخلية بالإدارات الحرة المنظمة؛ كما كان يرمي إلى جامعة تنتظم الحكومات الإسلامية، ومنها إيران الشيعية، لتتمكن بهذا الاتحاد من منع التدخل الأوربي في شؤونها". ويقول السيد جمال الدين عن نفسه: "لقد جمعت ما تفرق من الفكر، ولممت شعث التصور، نظرت إلى الشرق وأهله، فاستوقفني الأفغاني وهي أول أرض مس جسمي ترابها: ثم الهند وفيها تثقف عقلي، فإيران بحكم الجوار والروابط، فجزيرة العرب: من حجاز هو مهبط الوحي، ومن يمن وتبابعتها ونجد، والعراق، وبغداد وهارونها ومأمونها، والشام ودهاة الأمويين فيها، والأندلس وحمراؤها، وهكذا كل صقع ودولة من دول الإسلام وما آل إليه أمرهم. فالشرق شرق، فخصصت جهاز دماغي لتشخيص دائه؛ وتحري دوائه، فوجدت أقتل أدوائه داء انقسام أهله وتشتت آرائهم، واختلافهم على الاتحاد، واتحادهم على الاختلاف. فعملت على توحيد كلمتهم، وتنبيههم للخطر الغربي المحدق بهم". ويقول الشيخ محمد عبده: "أما مقصده السياسي الذي قد وجه إليه كل أفكاره وأخذ على نفسه السعي مدة حياته ــ وكل ما أصابه من البلاء أصابه في سبيله ــ فهو إنهاض دولة إسلامية من ضعفها، وتنبيهها للقيام على شؤونها، حتى تلحق الأمة بالأمم العزيزة، والدولة بالدول القوية، فيعود للإسلام شأنه، وللدين الحنيفي مجده، ويدخل في هذا تقليص ظل بريطانيا في الأقطار الشرقية". فيكادون كلهم يجمعون على أن له غرضين واضحين: (1) بث الروح في الشرق حتى ينهض بثقافته وعلمه وتربيته وصفاء دينه، وتنقية عقيدته من الخرافات، وأخلاقه مما تراكم عليها، واستعادة عزته ومكانته. (2) مناهضته الاحتلال الأجنبي حتى تعود الأقطار الشرقية إلى استقلالها مرتبطة بروابط على نحو ما، لتتقي الأخطار المحدقة بها. كان في حياته يحمل في يديه العلمين معاً. فلما مات تفرق العلمان وتداولهما المصلحون بعد، كل منهم يحمل أحد العلمين ــ هذا أو ذاك ــ لا يجمع بينهما. فالشيخ محمد عبده مثلاً ــ أكبر تلاميذه وأقدرهم، خلفه حمل العلم الثقافي لا السياسي. لقد تبين بعد أن اشتغاله بالسياسة في العروة الوثقى ونحوها إنما كان مدفوعاً إليه بقلب جمال الدين لا بقلبه هو، ولذلك اقترح عليه بدل إنشاء الجريدة إنشاء مدرسة للزعماء كما تقدم. فلما استقل بنفسه كان عمله في بيروت عملاً تعليمياً صرفاً، ولما عاد إلى مصر كان برنامجه التعليم والتثقيف بأوسع ما يستطيع وأتمه، ولذلك اقترح على أولى الأمر بعد عودته أن يعين ناظراً لدار العلوم أو أستاذاً فيها، فخشوا من اتصاله بالتلاميذ لتاريخه الماضي، وعينوه قاضياً أهلياً ليكونوا بمأمن من جانبه، بل رأيناه يلعن في كتاباته السياسة وحروفها ومشتقاتها كراهية لها، بل رأيناه يصرح بأن الواجب الأول على المصلح تثقيف الشعب وتهذيبه، ثم الاستقلال يكون الخاتمة، بل رأيناه يضع خطة إصلاحه بأن يتعاون مع الإنجليز ويصادقهم، ويتفاهم معهم لينال منهم ــ بأقصى ما يستطيع ــ إعانته فيما ينشد من إصلاح داخلي تثقيفي. وهذا سبب ما كان بينه وبين "مصطفى كامل" والحزب الوطني من خصومة، بل ربما كان هذا سبباً أيضاً فيما نلاحظه من بعض الفتور في العلاقة بينه وبين أستاذه السيد جمال الدين، فقد كتب من مصر للسيد ــ وهو في الأستانة ــ كتاباً غفلا من الإمضاء وتلميحاً لبعض الأشخاص من غير ذكر أسمائهم، فهاج السيد وكتب إلى الشيخ محمد عبده جواباً من نار على هذا التصرف، يؤنبه فيه على الجبن والخوف، ويقول: "تكتب ولا تمضي وتعقد الألغاز؟.... أمامك الموت، ولا ينجيك الخوف... فكن فيلسوفاً يرى العالم ألعوبة، ولا تكن صبياً هلوعاً". ولعل هذا آخر ما كان بينهما من تواصل. وما كان بالشيخ محمد عبده من جبن، ولكن الجسم الملتهب يشعر بالجسم المعتدل بارداً، وقد كتب السيد جوابه هذا وقد ملكته الحدة، وكم ملكته ! على كل حال اختط الشيخ محمد عبده لنفسه خطة اقتنع بها كل الاقتناع، وهي رفع أحد العلمين دون الثاني، فأخلص لمبدئه، وبذلك في ذلك جهده وصحته وعقله وماله، واتجه إلى كل نواحي الثقافة يغذيها وينميها ويصلح بقدر ما يستطيع إنسان أن يعمل. أما الذين رفعوا العلم الآخر ــ علم مناهضة الحكم الأجنبي ــ فهم عبد الله نديم، ثم مصطفى كامل وفريد، ثم سعد زغلول، فساروا على مثل دعوة السيد جمال الدين، مستخدمين ما استجد من أساليب. وما استعمله العرب من وسائل. هذا في مصر ومثله في سائر أقطار الشرق، من زعماء حملوا لواء الإصلاح الثقافي، وزعماء حملوا اللواء السياسي مما يطول ذكره، وقد تعرض ــ فيما نكتب بعد ــ ببعضه. ولو انتبه "السيد" اليوم من رقدته لحمد من الشرق سيرته، وإن كان أكبر الظن أنه يحتد عليه لبطئه، فقد كان ــ رحمه الله ــ حاراً حاد المزاج، لا يرضيه من الإصلاح السير على الأقدام ولا ركوب القطارات، بلا لا يرضيه بعض الرضا لا ركوب الطائرات وحرب الدبابات. يقول الشيخ محمد عبده في وصفه: إنه طموح إلى مقصده السياسي، إذا لاحت له بارقة منه تعجل السير للوصول إليه، وكثيراً ما كان التعجل علة الحرمان... وهو شجاع مقدام، لا يهاب الموت كأنه لا يعرفه، إلا أنه حديد([4]) المزاج، وكثيراً ما هدمت الحدة ما رفعته الفطنة". ثم كان أشبه الناس في سياسته بعلى لا بمعاوية، كانت سياسة معاوية عنوانها: "إنا لا نصل إلى الحق إلا بالخوض في كثير من الباطل". أما "على" فلا يريد الخوض في الباطل ليصل إلى الحق، بل لا يريد إلا الحق من طريق الحق، وإلا فلا كان. وهكذا كان جمال الدين. قال الشيخ محمد عبده: "ماذا كان يضر السيد لو مهد لإصلاحه ــ وهو في الأستانة ــ بالسعي عند السلطان في إعطاء أبي الهدى الصيادي خمسمائة جنيه ونيشاناً لابنه أو لأخيه، فإذا رأى أبو الهدى أن "السيد" يخدمه فإما أن يواتيه، وإما ألا يناويه([5]). ولكن أنى للسيد أن يطلب هذا الباطل وهو يعتقد أن أبا الهدى سافل دنيء إذا طلب له شيئاً فالشنق؟ ولما كان السيد يحكي لخاصته إقناعه للسلطان بأن حادثة الخديو عباس دسيسة، وأن السلطان اقتنع بذلك،وأخبره أن هذا من دسائس أبي الهدى، قال له عبد الله نديم: ليتك عندما صرح السلطان بذلك ذكرت له دسائسه وضرره. فغضب عند ذلك جمال الدين، وقال: "أعوذ بالله أن أكون من المنافقين، أو أن أفعل ما أنكره على الغير، أو أن أكون همازاً مشاءاً بنميم([6])". وهكذا يريد الحق غاية، ويريد الحق وسيلة، والدنيا علمتنا أن سياسة معاوية هي التي نجحت وأن سياسة الدنيا تقوم على المصالحة وأخذ شيء بترك شيء. فمن أراد الحق كاملاً وإلا فلا، فلينشد ذلك في المثل الأعلى للخلق لا في السياسة، أو فلينتظر حتى تخضع السياسة للخلق. *** بقيت مسألة هامة في تاريخ السيد، وهي اتهامه بالإلحاد، وقد أشرنا إليها من قبل. ولرمى السيد بالإلحاد تاريخ طويل، فقد رمى به في الأستانة عند زيارته لها أول مرة، إذ خطب في دار الفنون خطبة ذكر فيها أن المعيشة الإنسانية أشبه شيء ببدن الحي، وأن كل صناعة بمنزلة العضو، فالملك كالمخ، والحدادة كالعضد، والزراعة كالكبد... الخ، ولا حياة للجسم إلا بالروح، وروح المعيشة الإنسانية النبوة والحكمة. فاتهموه بالإلحاد لهذا، وشنعوا عليه بأنه يقول إن النبوة صناعة، وشغبوا عليه، حتى نصح له بالخروج من الأستانة. فلما جاء إلى مصر اتهمه بعض العلماء كالشيخ عليش وبعض العامة بالإلحاد، والإلحاد في نظر هؤلاء وأمثالهم شيء هين. يكفي ألا يسير سيرتهم، ولا يلبس لباسهم، وأن يدخن السيجار، ويجلس في المقهى، ويلتف حوله بعض اليهود والنصارى، ليحكموا عليه بالإلحاد، وكما أن عقيدة كل إنسان لها لون خاص، فكذلك تصوره للإلحاد يتكيف بذهنه. ثم لما ترجم سليم بك عنحورى للسيد جمال الدين في كتابه "سحر هاروت" رمى السيد أيضاً بالإلحاد فقال: "إنه برز في علم الأديان حتى أفضي به إلى الإلحاد والقول بقدم العالم، زاعماً أن الجراثيم الحية المنتشرة في الفضاء ترقى وتتحور([7]) إلى ما نراه من أجرام، وأن القول بوجود محرك أول حكيم وهم نشأ عن ترقي الإنسان في تعظيم المعبود على حسب ترقيتهم المعقولات..."الخ. وقد قابله الشيخ محمد عبده وعاتبه على نشره مثل هذا القول من غير تحر وتدقيق، فكتب سليم بك في الجرائد يصحح فيه قوله، ويقول: إني قابلت الشيخ محمد عبده، فأوضح بدلائل ناهضة وبراهين داحضة، أن ما تتناقله الألسن من هذا القبيل ما كان إلا ن آثار الحسد،وأن السيد كان في أثناء مناظراته الجدلية يشرح النحل والبدع وأقوال المعطلين شرحاً وافياً، ثم يقيم الحجج على بطلانها، فلعل سامعاً سمع منه هذا القول في مثل هذا الموقف فنسبه إليه؛ وقال: إنه لم يسمع من السيد هذا الكلام، وإنما تلقاه عن بعض المصريين والسوريين. ونقل كلاماً للسيد اطلع عليه في وجوب الدين، وضرورة الاعتقاد بالألوهية، ومزايا الإسلام، وختم مقاله بقوله: "إننا سارعنا لإذاعة هذا، شأن المؤرخ العادل، وقياماً بحق الأدب، وضنا بفضل هذا الرجل الخير من أن تناله ألسنة من لا يعرفونه خطأ وافتراء. والله يتولى الصادقين". ثم رأينا ما اتهمه به "رينان" بعد ما جالسه في باريس فكتب كلمته التي ذكرناها من قبل، وهذا أدق موقف؛ فرينان فيلسوف واسع الذهن دقيق التعبير، لا يلقي الكلام على عواهنه، خصوصاً وقد ورد في رد السيد جمال الدين عليه ما يفيد أنه سلم للمسيو رينان بأن الإسلام كان عقبة في سبيل العلم. ولكن في رأيي أن السيد عبر تعبيراً غير دقيق في تفرقته بين طبيعة الدين الإسلامي وسيرة المسلمين، خصوصاً أنه أخذ على رينان تقصيره في أنه لم يبحث هل هذا الشر نشأ عن الديانة الإسلامية نفسها، أو عن الصورة التي تصور بها الإسلام، أو عن أخلاق بعض الشعوب التي اعتنقت الإسلام؟ وقراءتنا لرده تشعرنا بأنه وقع في هذا اللبس، وأنه كان يدور حول فكرة أن للدين دائرة، وللعلم دائرة؛ ويجب أن يسبح كل في دائرته من غير طغيان، وأن الدين يجب ألا يعارض العلم فيما ثبتت صحته علمياً ــ وهذه الآراء الواضحة في ذهننا الآن، والواضحة في تعبيرنا، لم ترد واضحة في رده، فكان رداً مهوشاً، كما كانت محاضرة رينان نفسها كذلك. وليس من شك في أن السيد كان حر التفكير قوياً على الجدل، متشعب طرائق الحجج، فمن الممكن جداً أن يكون في مجالسه مع رينان تبجح([8]) في بعض الأقوال التي من هذا القبيل، والتي تحدث الكثير من كبار المفكرين في بعض اللحظات، فحكم رينان عليه هذا الحكم الشامل خطأ. ثم كان "السيد" كما يحكى عنه الشيخ محمد عبده وبعض خاصته، متصوفاً يدين بعقيدة المتصوفة، وهي مبهمة غامضة تنتهي بوحدة الوجود، والتعبير عنها قد يلتبس ــ إلا على الخاصة ــ بالإلحاد، ومن أجل هذا رمى محيي الدين بن عربي وأمثاله بالكفر لعدم الدقة في وزن الأقوال. إن حياة "السيد" مملوءة بالدعوة الحارة إلى الدين، وإلى التوحيد،في كتاباته في "الرد على الدهريين" وفي العروة الوثقى، وفي مجالسه الخاصة. يذكر بعض خاصته أنه سمع رجلاً كبيراً تكلم كلمة في حق النبي. فأمر "السيد" من معه من الأفغانيين بضربه، فضربوه حتى خرج يزحف. وحكى المخزومي مجلساً شهده، إذ زار رجل جمال الدين في بيته في الأستانة وجرى الحديث فقال هذا الرجل: "إني قرأت كتب الفلاسفة فثبت لي ان الله غير موجود ولا يعتقد به إلا حيوان". فضاق صدر السيد ولم يجبه، ودعا الحاضرين إلى حديقة البيت وكان فيها أنواع من الطيور والدجاج، فتصايحت الديكة وغردت الطيور، فقال السيد: "كيف لا يفضل أضعف حيوان أعجم يذكر الله إنساناً ناطقاً ينكر وجود الله؟! كيف يجرؤ على إنكار واجب الوجود من يأكله الدود؟ إذا لم يتعظ الإنسان بما فوقه من أجرام فليتعظ بما تحته من رفات الأجسام!" فخرج الرجل الملحد خجلاً من غير أن يودع. لا يمكن أن تصدر هذه الكتابات وهذه الأقوال وهذه الغيرة من ملحد، إلا أن يكون قد بلغ الغاية في التصنع والنفاق. ولم يكن عيب جمال الدين نفاقه، إنما كان عيبه إفراط في صراحته وعدم استطاعته كتمان ما يعتقد، ويقول: "لا يكون الكمال النسبي في البشر إلا متى كثر إعلانهم وقل كتمانهم". وأكثر متاعبه في الحياة كان سببه جهره بما يصح أن يكتم وإعلانه ما يجب أن يسر، فأخلاقٌ مثل هذه تؤكد أنه لو كان السيد ملحداً يرى الحق والخير في الإلحاد لدعا إليه في صراحة وجرأة وشجاعة من غير ما مواربة ولا إيماء. لقد كان يؤمن بالأصول، ويترك لعقله الحرية في الفروع، ويصل في ذلك إلى نتائج غريبة من أذهان الجامدين المتزمتين، فيُرمى بالإلحاد، فكان ينفر من التقليد ويدعو إلى الاجتهاد، ويذكر في مجلسه قول للقاضي عياض ويتمسك به راووه فيقول (السيد): "سبحان الله! إن القاضي عياضاً قال ما قاله على قدر ما وسعه عقله وتناوله فهمه، وناسب زمانه، أفلا يحق لغيره أن يقول ما هو أقرب للحق وأوجه وأصوب من قول القاضي عياض وغيره من الأئمة؟ إذا كان القاضي عياض وأمثاله سمحوا لأنفسهم أن يخالفوا أقوال من تقدمهم فاستنبطوا وقالوا ما يتفق وزمانهم، فلم لا نستنبط ونقول ما يوافق زماننا؟ "ما معنى باب الاجتهاد مسدود، وبأي نص سد، أو أي إمام قال لا يصح لمن بعدي أن يجتهد ليتفقه في الدين، ويهتدي بهدى القرآن وصحيح الحديث والاستنتاج بالقياس على ما ينطبق على العلوم العصرية وحاجات الزمان وأحكامه؟! "إن الفحول من الأئمة اجتهدوا وأحسنوا، ولكن لا يصح أن نعتقد أنهم أحاطوا بكل أسرار القرآن، واجتهادهم فيما حواه القرآن ليس إلا قطرة من بحر، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء من عباده". ويرى أن التفرقة بين أهل السنة والشيعة أحدثتها مطامع الملوك لجهل الأمة، وجميعهم يؤمنون بالقرآن ورسالة محمد، ففيم الخلاف؟ ولم القتال؟. ويقول: إن الأديان الثلاثة كلها أساسها واحد، وإنما يوسع شقة الخلاف بينها اتجار رؤساء الأديان بها. ويفيض في اشتراكية الإسلام ويقارن بينها وبين اشتراكية الغرب، فيرى أن اشتراكية الغرب بعث عليها جور الحكام وعوامل الحسد في العمال من أرباب الثراء. أما الاشتراكية التي كانت في الإسلام فملتحمة مع الدين، ملتصقة مع الخلق، باعث عليها حب الخير، كما في أعمال عمر وأبي ذر. ويعرض في مجلسه للحديث عن الرجل والمرأة والسفور والحجاب فيطيل القول في ذلك وخلاصة رأيه أن المرأة في تكوينها العقلي تساوي الرجل، فليس للرجل رأس وللمرأة نصف الرأس، والتفاوت الذي بينهما لم يأت إلا من التربية وإطلاق السراح للرجل وتقييد المرأة للبيت ولتربية الجيل، ومهمتها في هذا أهم وأسمى مما يقوم به الرجل من كثير من الصناعات؛ ويخطئ من يطلب مساواة الرجل بالمرأة في كل شيء فلكل وظيفته، وعلى تعاونهما ــ كل في عمله ــ يقوم المجتمع، ولا مانع أن تعمل المرأة في الخارج إذا فقدت عائلها واضطرتها ظروفها إلى ذلك، ولكن بنية صالحة وذيل طاهر. ثم قال: "وعندي أن لا مانع من السفور، إذا لم يتخذ مطية للفجور". ويقول: "إن الدين لا يصح أن يخالف الحقائق العلمية، فإن كان ظاهرة المخالفة وجب تأويله. وقد عم الجهل وتفشى الجمود في كثير من المتردّين برداء العلماء، حتى اتهم القرآن بأنه يخالف الحقائق العلمية الثابتة؛ والقرآن بريء مما يقولون، والقرآن يجب أن يحل عن مخالفة العلم الحقيقي خصوصاً في الكليات". والسيد واسع الصدر، ينقد "شيلي شميل" في آرائه المتحدة التي جاوز فيها مذهب "داروين" ومع ذلك يقدره لصبره على البحث وجرأته في الجهر بما يعتقد ولو خالف الناس. وهكذا وهكذا مما يراه المتزمتون خروجاً من المألوف، فما أقرب ما يقذفون بكلمة الإلحاد!. سنة مألوفة في السكون، لا يأتي مصلح سابق لزمنه إلا رمى بالزندقة أو الكفر أو الجنون، ثم أوذى ممن يسعى في الخير لهم، وممن يضحى بسعادته لسعادتهم، ولا يقدر حق قدره إلا بعد أن يهدأ الحسد بموته، وتتجلى صحة دعوته بعد زمنه. *** لقد قصدت الأستانة سنة 1928 بعد وفاته بإحدى وثلاثين سنة، فرأيت واجباً أن أزور قبر هذا الرجل العظيم، وأستعيد عنده ذكرى عظمته وسلسلة أعماله، فسألت عنه الكثير فلم يعرفه، ورأيت رجلاً أفغانياً يعمل خازناً لمكتبة الشهيد علي، فوصف مكانه لي، فذهبت مع صديقي "العبادي" عصر يوم الأحد 8 يولية إلى "ماجقة" أو "متشكة" فوجدت في ربوة على مدخل البوسفور مقبرة قد انتثرت فيها المدافن، ودلنا شيخ المقبرة على مدفن السيد، فعلمنا أن قبره كان قد تشعث ولم يعن به أحد، وكادت تضيع معالمه، ولم يفكر فيه أحد من أهل الشرق الذين أفنى فيهم حياته، إنما ذكره مستشرق أمريكي حضر إلى الأستانة سنة 1926 ونقب عن قبره حتى وجده، فبنى عليه تركيبة جميلة من الرخام وأحاطها بسور من حديد، وكتب على أحد وجوه التركيبة اسم السيد وتاريخ ولادته ووفاته وفي وجه آخر كتابة تركية ترجمت لنا كما يأتي "أنشأ هذا المزار الصديق الحميم للمسلمين في أنحاء العالم، الخير الأمريكاني المستر شارلس كرين سنة 1926". وقفنا على قبره، وقلت رقد هنا محيي النفوس، ومحرر العقول، ومحرك القلوب، وباعث الشعوب، ومزلزل العروش، ومن كانت السلاطين تغار من عظمته، وتخشى من لسانه وسطوته، والدول ذات الجنود والبنود([9]) تخاف من حركته، والممالك الواسعة الحرية تضيق نفساً بحريته. هنا خمد من كان يشعل النار حيث كان، في الأفغان، في مصر في فارس، في باريس، في لندرة في الأستانة. هنا باذر بذور الثورة العرابية، ومؤجج النفوس للثورة الفارسية، ومحرك العالم الإسلامي كله لمناهضة الحكومات الأجنبية، والمطالبة بالإصلاحات الاجتماعية. هنا من حارب الحكم الاستبدادي في مصر، وناصر الدين في فارس وإنجلترا وفي باريس، وحارب الجهل والأمية والذل في الشرق، والجاسوسية في الأستانة، ولم ينتصر عليه شيء إلا الموت. لقد أجللناه وأعظمناه، والتهبت نفوسنا لذكراه، فكيف كان محضره ومرآه، رحمه الله. بعض ما أثر عنه: جمع محمد باشا المخزومي بعض ما دار في مجالسه واستشار الأستاذ في اسمها، فقال: سمها"خاطرات". فقال المخزومي: إن بعض الأصدقاء نبهني إلى أن هذه اللفظة غير صحيحة في اللغة، والأقرب للصواب أن نسميها "خطرات" أو "خواطر" فقال: قل "خاطرات" ولا تبال بمن فسد لسانهم ولا يصلحون إلا للأجوف والمهموز، ولا يحسنون جملة تنقر حبة القلب أو تطرب السمع. ولما جاء مصر أعجبه برنامج الماسونية من دعوة إلى "الحرية والإخاء والمساواة" فانضم إليها، وعرض عليهم في المحفل يوماً إعانة لأحد الإخوان، فسأل "الأستاذ": هل الأخ مريض؟ قالوا: لا قال: هل هو صحيح البنية؟ قالوا: نعم. فقال "صحة البدن وذو السؤال لا يصح أن يجتمعا الإنسان". ولما أخرج من مصر ذهب بعض محبيه إلى السويس يحملون له مقداراً من المال عرضوه عليه وسألوه أن يقبله قرضاً، فقال لهم: "أنتم إلى هذا المال أحوج، والليث لا يعدم فريسته حيثما ذهب". ولما استدعاه السلطان عبد الحميد إلى الأستانة سنة 1892 ووصل إليها، كان في انتظاره الياور السلطاني، فسأله: أين صناديقك أيها السيد؟ فقال: ليس يعي غير صناديق الثياب وصناديق الكتب. فقال الياور: حسناً! أين هي؟ فقال السيد: صناديق الكتب هنا (وأشار إلى صدره) وصناديق الثياب هنا (أشار إلى جبته). وقد قال: "كنت أول عهدي أستصحب جُبَّة ثانية، ولكن لما توالى النفي صرت أستثقل الجبة الثانية، فأترك التي على إلى أن تخلق([10]) فأستبدل بها غيرها". وكان يجالس السلطان عبد الحميد كثيراً، فسئل عن رأيه فيه، فقال: "إن السلطان عبد الحميد لو وزن بأربعة من نوابغ رجال العصر لرجحهم: ذكاء ودهاء وسياسة، خصوصاً في تسخير جليسه... ولا عجب إذا رأيناه يذلل ما يقام في ملكه من الصعاب من دول الغرب، ويخرج المناوئ له من حضرته راضياً عنه وعن سيرته، مقتنعاً بحجته، سواء في ذلك الملك والأمير والوزير والسفير، ولكن يا للأسف عيب الكبير كبير، والجبن من أكبر عيوبه". وعرض عليه السلطان عبد الحميد منصب مشيخة الإسلام، فأبى إلا أن يعمل عمل أساسي يتغير به النظام الحاضر، وقال: "إن وظيفة العالم ليست بمنصب ذي راتب، بل بصحيح الإرشاد والتعليم، ورتبته ما يحسن من العلوم مع حسن العمل بالعلم". وعاش مجال الدين عزباً طويل حياته، وكان كلما شكا له أحد كثرة العيال وقلة ذات اليد يعينه على قدر استطاعته، فعرض عليه السلطان يوماً أن يزوجه جارية حسناء من قصر يلدز، فامتنع السيد من ذلك، فسئل: هل تؤيد رأي أبي العلاء:
قال: كلا، كيف يصح لعاقل أن يعتبر الزواج جناية وبه بقاء النوع واستكمال حكمة العمران؟ أما أنا فمعرفتي بما تتطلبه الحكمة الزوجية من معاني العدل، وعجزي عن القيام به، دفعني أن أتقي عدم العدل ببقائي عزباً". فقال له طبيب يهودي كان من خاصته فهل تفادياً من الخوف من عدم العدل يجوز أن يخالف الإنسان طبيعته؟ فتبسم السيد وقال له: "إن الطبيعة أحكم منك، فهي تدبر نفسها، ومن ترك شيئاً عاش بدونه". قيل له: إنك تقبل من السلطان عطاءه من المال، فلم لا تقبل عطاءه من الجواري الحسان؟ قال: أما المال الذي يعطينيه فإني أجد له ــ على قدر اجتهادي ــ أكفاء يقومون بأداء الواجب نحوه، وأما الزواج بالجارية الحسناء فما أنا بالكفء لها، ولست بوليها لأتحرى لها كفؤها. وكان السيد جمال الدين كثير الإعجاب بذكاء الشيخ محمد عبده وفضله، وكان كلما ذكره يقول: "صديقي الشيخ، وكان السيد عبد الله نديم في آخر أيامه يكثر من التردد على منزل جمال الدين، فقال له يوماً: قد أكثرت من الثناء على الشيخ محمد عبده كأنه لم يكن لك صديق غيره، وتنعت غيره بقولك صاحبنا، و"فلان من معارفنا، فتبسم السيد جمال الدين وقال، "وأنت يا عبد الله صديقي ولكن الفرق بينك وبين الشيخ أنه كان صديقي على الضراء، وأنت صديقي على السراء، فسكت النديم. وكان جمال الدين يهزأ بمبدأ "داروين" الذي يعنون "بتنازع البقاء"، ويقول: إن المبدأ هو تنازع الفناء، ويقول: إن البقاء الذي ينبغي أن يطلب ولا يعتريه فناء ليس فيه تنازع، ولا نزاع، والتنازع القائم الآن إنما هو على أشياء تفنى، والمنتزع والمنازع والمنزوع منه سواء في المصير إلى الفناء، فكان الأولى أن يقال: تنازع الفناء". قيل له: وهل يُجمع العالم للتمدن كله على مثل هذا الخطأ؟ فقال: وما العالم المتمدن؟ هل رأينا غير مدن كبيرة وأبنية شامخة وقصور مزخرفة ينسج فيها القطن والحرير بأصباغ كيماوية مختلفة ألوانها، ومعادن ومناجم، واحتكار تجارات أتت لهم بثروات؛ ثم هل غير التفنن في اختراع المدافع المروعة والمدمرات والقذائف وباقي المخربات القاتلات للإنسان، وتتبارى فيها تلك الأمم الراقية المتمدنة اليوم؟ لو جمعنا كل تلك المكتسبات العلمية، وما في مدنيات تلك الأمم من خير، وضعناه أضعافاً مضاعفة ووضعناه في كفة ميزان، ووضعنا في الأخرى الحروب وويلاتها، لكانت كفة العلوم والمدنية والتمدن هي التي تنحط وتغور، فالرقى والعلم والتمدن على ذلك النحو إن هو إلا جهل محض، وهمجية صرفة، وغاية التوحش؛ فالإنسان في ذلك أحط من الحيوان. هل سمعت أن ثلثمائة ألف أفعى وقفت تجاهها مثلها وتقلبت بينها الأنياب وقاتل بعضها بعضاً؟ أو هل وقفت الأسود صفوفاً وتناهشت لحومها وسالت دماؤها؟ فليس ثمة مدنية ولا علم، ولكن جهل وتوحش. *** وللسيد جمال الدين كلمات حكيمة كان يقولها في مناسباتها. كان إذا أقسم قال: "وعزة الحق وسر العدل" ــ الحقائق لا تزول بالأوهام ــ من سفه الرأي أن يعتقد الرجل أفضليته على الغير بالعمر والمشيب فقط ــ الفخر بالقول المجرد يبطله المجد بالفعل ــ لا يؤمن بِرُبُوبيَّة القوة إلا شبح الضعف ــ الأكفاء في العصر لا يكونون على الغالب أصدقاء ــ تطويل المقدمات دليل على سقم النتائج ــ من رهب الملوك لغير جريرة فهو الصعلوك ــ صاحب الحاجة إذا لم ينطبق بحاجته أولى بالخرس ــ ألف قول لا يساوي في الميزان عملاً واحداً ــ إسراف الإنسان بصحته أضر من إسرافه بثروته ــ بالضغط والتضييق تلتحم الأجزاء المبعثرة ــ القبة الجوفاء لا ترجع إلا الصدى ــ شر الأزمنة أن يتبجح الجاهل ويسكت العاقل ــ الأديب في الشرق يموت حياً ويحيا ميتاً ــ قيد الأغلال أهون من قيد العقول بالأوهام ــ القوي من الشجر لا يعجل بالثمر ــ (اللغة) العربية وسعها البدو في البراري والقفار، وضيقها الحضر في المدن والأمصار ــ العلم قد يكون في الأحداث، ولكن التجارب لا تكون إلا في الشيوخ. | ||||||||||||||||||