|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
مدحت باشا (1238-1301هـ) (1822-1880م) وهذا مصلح آخر من جنس آخر: محمد بن عبد الوهاب مصلح ديني، وهذا مصلح اجتماعي، ذاك في نجد، وهذا في استنبول؛ ذاك لا شأن له بالسياسة ولا المدينة الحديثة، إنما همّه إصلاح العقيدة؛ وهذا منغمس في السياسة لا مشكلة أمامه غيرها، ذلك برنامج إصلاحه الرجوع إلى عهد الرسول( وصحابته لنعتقد ما يعتقدون، ونعمل ما يعملون، ونترك ما يتركون، وهذا يرى الإصلاح في الرجوع إلى المدينة الحاضرة ومناهجها في الأمم الحية لنختار منها ما يصلح لنا ويتفق وموقفنا، دارسين في إمعان كيف شق الأوروبيون طريقهم إلى الحياة الاجتماعية والسياسية، وكيف تعثروا وكيف نهضوا، فنتعلم من خطأهم وصوابهم، ونقتبس خير ما أنتجته عقولهم. *** لقد ولد في عهد السلطان محمود، ونضج شبابه في عهد السلطان عبد المجيد، وبدأت كهولته في عصر عبد العزيز، وانتهت في عهد عبد الحميد. جاء والدنيا مدبرة عن الدولة العثمانية، وحركة الجزر تلي حركة المد، والمملكة تنقص من أطرافها، ويدب الفساد في داخلها. يقع الظلم على سكانها المسلمين والنصارى على السواء، ولكن المسلمين ينادون بالإصلاح في هدوء وإشفاق، والنصارى من ورائهم أمم تحميهم، وتتخذ ظلمهم وسيلة للتدخل في شؤون الدولة بدعوى حمايتهم، والعمل على تحريرهم، فأصبحت الدولة وكلَّ يوم تُقتطع منها ممالك، وكل يوم تُعقد معاهدات تنقص حقوقها وتُفرَض عليها بالتهديد والوعيد. حكام في كل ولاية لا يحكمون البلاد بعقول ضيقة وشهوات واسعة، تَرَف في المظهر، وسَخَف في المخبر؛ لا يقيدهم قانون ، ولا يردعهم عدل، ولا يرون للشعوب حقاً إلا أن تؤمر فتطيع، وتُنتهب فتصبر، بل لا يكفيهم الصبر، على المصيبة، وإنما يتطلبون المدح والثناء عليهم في ظلمهم وطريقة حكمهم، فمن امتعض من ذلك فهو تأثر، ومن شكا فهو كافر؛ فأورث ذلك الهجرة عند من احتفظ بإبائه، والذل والهوان عند من لَصِق بأرضه. لا عناية بصحة ولا تعليم، فالأمراض فاشية والجهل عميم، والمسلمون في ذلك أسوأ حالاً من المسيحيين، لأن الجمعيات المسيحية في الأمم العربية تعين مسيحيي الشرق بفتح المدارس لهم، ونشر التعليم بينهم، والمسلمون حائرون بين إقدام على التعلم في هذه المدارس مع التعرض لما يمس دينهم، وبين الاحتفاظ بدينهم ومعه الاحتفاظ بجهلهم. والفقر ضارب أطنابه(1) بين الشعوب لضعف وجوه الاستغلال، فلا زراعة صالحة، ولا صناعة ناجحة، فهذه كلها تدار بيد أضعفها الفقر، وعقل أضرَّه الجهل. وعقيدة أفسدها التخريف؛ ثم عدم اكتراث الناس لما تتجه أيديهم وأرضهم، إذ ليس يحميه عدل حكامهم. الجنود في الدولة لا تزال قوية شجاعة على رغم كل ذلك، تحتقر الموت وتستعذ به، وحالتها المعنوية عالية رفيعة، ولكن لا نظام لها على النمط الحديث، ولا نظام في الإمداد بالآلات والعُدد والغذاء، فإن انتصروا في بعض المواقع فبفضل قوّة إيمانهم وسمو روحهم، وعلى الرغم من سوء تغذيتهم، وضعف عدتهم، وتلك حال لا تبشر بخير دائم، والأمم الحية حولهم كل يوم تُعد جديداً من الآلات وتستكمل نقصاً في النظام، وتتخذ الأساليب الخفية والظاهرة في الظَفَر بالأعداء؛ فكيف ينفع بقاء القديم وسير الأمور في مجراها العتيق؟ وهذه الدول من حولها أحست ضعفها، وشعرت بدنو أجلها، فهي كل يوم تنصِب الشباك حولها، وتتقن صنعها في دقة ومهارة، ولكل دولة أساليبها في الحبائل، وطرقها في الصيد، وكل دولة تصطنع من الدولة رجالاً هم عيونها وعُدّتها ووسائلها. والمملكة خليط من عناصر شتى يختلف جنسها، وتختلف لغتها، ويختلف دينها، ولكل عنصر هوى، ولكل جنس أسباب متصلة بأمم أخرى تستهويها وتستنجدها. فلا المالية صالحة، ولا الإدارة صالحة، ولا الجيش صالح، ولا الأمة متحدة النوازع والآمال والآلام. وزاد الأمر سوءاً أن السلطان عبد العزيز جاء ناقماً على الحالة التي وصلت إليها الأمة، وانتقد أخاه عبد المجيد في تصرفاته، وفي إسرافه في شهواته، وفي تبذيره للمال، وعدم نظره إلى شؤون الدولة كما ينظر إلى نفسه، فأعلن أنه آت لإصلاح المفاسد، والأخذِ بيد الشعب، والاقتصار على زوجة واحدة، والاقتصاد في نفقات الحريم، ولكن سرعان ما تبددت هذه الوعود، وخطا في سبيل البذخ(2) والترف والنعيم والإسراف أضعافَ ما كان ينتقده من أخيه! وارتكب في عهده غلطتين كبيرتين: تقويته عواطف رعاياه المسلمين في أنهم أولى بالتفضيل في مزايا الدولة في المعاملة والمناصب ونحو ذلك، وأن ليس يصح أن يساويهم برعاياه المسيحيين في ذلك؛ فأوقد بذلك شعور البغضاء والحقد وحب الانتقام بين عناصر الأمة الواحدة، ومهّد الطريق للدولة الأوروبية أن تتدخل في حماية أهل دينها. والغلطة الثانية: وقوعه في الدّين من المصارف الأجنبية لقلة دخل الدولة وكثرة إسرافه. نعم، إن بعض هذا المال أنفق في إصلاح الجند والبحرية، ولكن كثيراً منه أنفق في بناء قصوره الكثيرة الفخمة وما تحوي من أسباب الترف والنعيم ــ مع أنه لما أراد سعيد باشا والي مصر الإستدانة بعث إليه بكتاب طويل مملوء بكل الحجج التي يمكن أن تقال في سوء عاقبة الاستقراض وضرره بالممالك ــ فكان هذا أيضاً وسيلة من وسائل التدخل الأجنبي، هذا إلى اعتداده بنفسه، واستبداده برأيه، وتركيز أعمال الحكومة كلها في شخصه، فهو مرجع كل شيء، ولا يسمع نصيحة ناصح، ولا رأي مجرّب، ويخشى الذكاء والعلم والثقافة الواسعة ومعرفة بواطن الأمور، لأنها كلّها تؤدي إلى مراقبة أعماله ومحاسبته على إسرافه. وجاء السلطان عبد الحميد فزاد في الطَّنبور نغمة بل نغمات: لقد لعب خوفه على شخصه برأسه، وقد سمع من التاريخ أن كثيراً من أجداده خلعوا أو قتلوا، وهذا بالأمس القريب عبد العزيز خلع وقيل قتل، فليحذر أن يُمثَّل به هذا الدور. ثم ذكاء نادر، ومال كثير، وسلطان كبير، كل هذا يوجّه للمحافظة على شخصه أن يُمس بسوء، فلا تذكر الملة والأمة في الصحف والمجلات، بل تذكر "الذات الشاهانية" متوجه بالألقاب الضخمة الفخمة، فهو السلطان الأعظم، والخاقان الأفخم، وسلطان البرِّين والبحرين، وإمام الحرمين الشريفين، وهو ظل الله في أرضه، المحفوف بألطافه الصمَدانية، وعنايته الربانية. ويصادر الكتاب إذا كان فيه "الأئمة من قريش" وتمنع "العقائد النسفية" من الطبع لأن فيها فصلاً في الإمامة وشروط الخلافة، وكل كتاب يطبع في الشام أو العراق أو الآستانة لابدّ له من "رخصة جليلة"، ويجمع كتاب كان يدرس في "مكتب الحقوق" ويحرق لأنه وردت فيه جملة مضمونها أنه إذا اختلت دولة من الدولة يكون للدولة المجاورة الحق في طلب إصلاحها. وخطيب الجمعة يتحرّى الحديث الذي يذكره في الخطبة، فلا يكون مما ينهى عن ظلم، ولا مما يشير إلى حق رعية على راع، ولا نحو ذلك، ولذلك يغلب أن يكون الحديث: "إن الله جميل يحب الجمال". والجواسيس لا عِداد لها، والجاسوسية سبيل الارتقاء، وعشرة آلاف جندي يقفون للمحافظة على حياة السلطان وإظهار أبّهته وجلاله إذا خرج للصلاة يوم الجمعة، والقصر مملوء بالمشعوذين والدجالين من المشايخ يختلقون رؤيا يزعمون أنهم رأوها، أو يفسرون حلماً، أو يوقعون بمن يقف في سبيل دجلهم. والأمور تدار، والمشاكل السياسية تحل، بمثل هذه الرؤى، وآراء هؤلاء الطّغام(3). في هذه الأجواء عاش مدحت باشا وكافح وجاهد حتى مات. ما أشق الإصلاح على من يعمل فيها؛ فأنفاسه معدودة عليه، وحركاته وسكناته تسجلها الجواسيس. وهم لا يكتفون بما يعمل، بل يزيدون عليه ما لم يعمل. ويؤولون ما يصدر عنه تأويلاً يزيد في ربحهم وقربهم. يخلص في عمله فيقال إنه يرمي إلى أخطر غاية، ويُعزل من عمله فيقال إنه يدبر المكايد، ويبعد لعمل خارج العاصمه فيقال إنه يسعى للاستقلال بولايته، ويعمل للدستور فيقال إنه يريدها جمهورية، وهكذا وهكذا. في كل خطوة عقبة، وفي كل فكرة وساوس، وفي كل حركة دسائس، وليس يحتمل مثل هذا إلا أولو العزم الذين يدأبون مهما عُذبوا، ويعملون مهما اضُطهدوا، عقيدة تتملكهم أنهم ليسوا ملكاً لأنفسهم ولا لأسرتهم، وإنما هم ملك لفكرة استحوذت عليهم. ومبدأ غمر مشاعرهم، أما غيرهم فسرعان ما يعودون من منتصف الطريق، سائلين الله السلامة، مكتفين بأول عذاب نالهم ليستريح ضميرهم، ويلقوا التّبعة على سواهم. وكان مدحت من هؤلاء الذين في خلُقهم حمية، وفي طبعهم تحدٍ للشر، وثبات على الجهاد. وجلد على تحمل الألم، حتى يلفظ آخر أنفاسه وعار عليه أن يتأوه. *** ولد مدحت في استنابول، وكان أبوه "الحاج حافظ محمد أشرف" عالماً دينياً تولى بعض أيامه القضاء الشرعي في بعض الولايات. فأنشأه أبوه تنشئة دينية، فحفَّظه القرآن وهو في العاشرة، ولقب بالحافظ، وهو لقب لكل من يحفظ القرآن من الأتراك. فكان اسمه الحافظ أحمد شفيق؛ أما مدحت الذي غلب عليه فهو اسم ديواني. والتحق بالديوان الهمايوني يتعلم الخط الديواني، وتنقل مع والده في الولايات التي تولى فيها القضاء يتعلم في مكاتبها؛ حتى إذا عاد والده إلى الآستانة ألحقه بأحد أقلام الحكومة يساعد الكتبة ويتعلم منهم بعض الوقت، والبعض الآخر يقضيه في جامع الفاتح. وكانت فيه حلقات الدروس تشبه حلقات الأزهر، لكل شيخ حلقته وتلاميذه. فكان يتعلم هناك اللغة العربية والفارسية والدروس الدينية والنحو والمنطق والفقه والبلاغة والفلسفة التي كانت تسمى الحكمة، وظل على هذه الحال إلى أن ناهز العشرين، تلميذاً في دواوين الحكومة تلميذاً في جامع الفاتح. وهي ثقافة ــ كما ترى ــ ضعيفة، فلا تاريخ ولا جغرافيا ولا رياضة ولا لغة أجنبية، ولكن قد يعلّم الزمن العقل المستعد أكثر مما تعلمه المدارس النظامية والبرامج الثقافية، ولذلك نراه يشعر بنقصه الثقافي إذا كبر، فيطالع بنفسه الكتب. ولما جاوز الخامسة والثلاثين رأى الحاجة الثقافية والسياسية ماسة إلى تعلم لغة أجنبية، فتعلم اللغة الفرنسية، فكان يدرسها وهو يشتغل في (وظيفته). وشيء آخر أفاده فائدة كبرى في ثقافته العلمية، وهو سياحته في أوروبا لدرس النظم السياسية والاجتماعية التي أصلحت من شأنها، وعالجت بها أمثال المفاسد التي تعانيها تركبا؛ فحصل على رخصة للسفر سنة 1274 وسنه إذ ذاك نحو ست وثلاثين، فأنفق في سياحته هذه نحو ستة أشهر، زار فيها باريس، ولندن، وفيينا، وبلجيكا، وكانت زيارته زيارة درس واستطلاع، كيف تنظم الدول ماليتها، وكيف تسوس أمورها، وما نظام الحكم فيها، وما علاقة شعوبها بملوكها، وما أهمّ وسائل العمران عندهم؟ إلى غير ذلك من الأسئلة التي ملأت ذهنه، وأراد أن يتطلب الإجابة عنها من كل مملكة زارها ــ وفي الوقت عينه أراد من سياحته أن يتقن اللغة الفرنسية التي تعلمها على كِبَر، فتمّ له ما أراد بعقله المتفتح، وهمته العالية، واستقامته التي أخذها عن دينه. ولذلك كان مزيجاً غريباً: محافظة على الصلاة وسُبْحة، ومعرفة بشؤون الدنيا، واطلاع واسع على تيارات العالم وأسس المدنية الحديثة، ودَرْوَشة ويقظة. أول ما لفت الأنظار إليه في تركيا أن شبّ صريحاً لا يتقن فن المجاملة، حاداً لا يكظِم، حارّاً في تنفيذ ما رأى في وسط بارد بطيء، مخلصاً لفكرته، على حين أن كثيراً ممن حوله إنما يخلص لشخصه، تربى في مدرسة كيرلي باشا ورشيد باشا وعالي باشا، وتعلّم منهم القوة والتصميم، والقدرة على التنفيذ، فلما خلفهم من لا يملأ كراسيهم اصطدم بهم. تولى محمد باشا القبرصلي "صدراً أعظم" وكان بينه وبين مدحت إحن وأحقاد، واندلع لهيب الثورة إذ ذاك في البلقان، واحتاجت إلى رجل شديد، فرماها القبرصلي باشا بمدحت. لعله يخفق أو يُقتل فيستريح منه، وإن نجح فلا بأس، فأقل ما في الأمر أنه أبعده عن وجهه. فسافر مدحت ومعه قوة عسكرية، وقضى ستة أشهر في قمم الجبال ومغاورها يقبض على أشقيائها، وأثبت إدانة أربعة منهم وأعدمهم، وحبس ثمانين أرسلهم إلى الآستانة، وهدأت الفتنة ووضع مشروع الإصلاح، فكان ذلك مما لفت الأنظار إلى قوته وحزمه. كما لفت الأنظار إلى حسن إرادته عندما عيّن، والياً في الصّرب وبلغاريا، وقضى فيها أربع سنوات كان فيها مجدداً حقاً، يختلف عن سائر الولاة العثمانيين: بث المدارس في أنحاء الولاية، وأنشأ المستشفيات، وأصلح من الطرف نحو ألفي ميل، وبنى نحو 1400 جسر، فإذا أعوزه المال الرسمي حض الأهالي على التبرع فأجابوه، بعد ما لمسوا قيمة الإصلاح في تحسين حالهم، وأهم ما تمتاز به إدارته ــ مما كان جديداً في نظر العثمانيين ــ عدم تفرقته في سياسته وإدارته وعدله بين مسلم ومسيحي، ثم شدته المتناهية على العصاة ومثيري الدسائس، ومعاقبته لهم بما يؤمِّن البريء، ويردَع المسيء؛ فأصبحت بفضله هذه المقاطعة على فقرها وكثرة فتنها مضرِبَ المثل في الغنى والأمن أيام حكمه من غير أن يكلف الدولة مالاً. كل هذا كان إرهاصاً(4) بما سيكون، إذا أسندت إليه شؤون الدولة. ــ 2 ــ إن ضعف الدولة العثمانية الذي ذكرنا، وعدم كفاية السلاطين المتأخرين، صحبهما مشاكل في منتهى التعقيد، فعناصر الدولة متعددة. ويكفي البلقان وحده ــ بما يشمل من البوسنة والهرسك وصربيا وألبانيا واليونان وبلغاريا ورومانيا ــ وما يقطن فيه من أممٍ كثيرة متناقضة المطالب أن يُقضّ مضجع أية دولة مهما بلغت من القوة، وخاصة بعد ما جاءت عدوى القومية فأثارت نوازع كل عنصر من هذه العناصر نحو الاستقلال، فكيف بالدولة العثمانية، وكيف ذلك مع ألاعيب الدول المختلفة وإثارتها لهذه العناصر؟ هذا إلى تعدد المذاهب الدينية النصرانية وما بين كنائسها من خلافات لا تنتهي. فنشأ عن هذا كله ما سمي "المسألة الشرقية" ويعنون بها "النزاع بين عناصر الأمم التركية من جهة، ودخول الدول العظمى في هذا النزاع لتحقيق آمالها المتناقضة من جهة أخرى". وسوء الحالة الداخلية والحالة الخارجية يتمخض ــ عادة ــ عن عدد من المفكرين في هذه المشاكل، يقترحون فيها ما يرون من ضروب الإصلاح، ومن هذا نشأت أنواع من الإصلاح متسلسلة تسمى في عرف الأتراك "التنظيمات الخيرية" ويريدون بها الإصلاحات التي يراد بها إنقاذ الدولة العثمانية من ضعفها. وعلاج مشاكلها في الداخل والخارج، من عهد السلطان محمود. وكان من أشهر هذه الإصلاحات أو التنظيمات، القانون المعروف بخط "كُلْخَانه" الذي صدر سنة 1839 في عهد السلطان عبد المجيد، والذي سعى إليه محمد أمين عالي باشا، وكان أهمّ ما يتضمن هذا "الخط" حماية النفس والملكية من غير تفرقة بين جنس أو دين، وإلغاء نظام الالتزام، ومساواة الرعايا مهما اختلف دينهم أمام القانون، وأن جميع المجرمين يجب أن يحاكموا محاكمة علنية، والمساواة في الفرص أمام الجميع لتولي الأعمال الحكومية، وتجنيد غير المسلمين مع المسلمين، وإصلاح الإدارة والشرطة والضرائب والطرق، وإنشاء المصارف إلخ. ولكن هذه الإصلاحات كان يعترض تنفيذها صعوبات جمّة: أهمها السلطان ــ وأكثر السلاطين كان يرى أن هذه الإصلاحات تحد من إرادته ــ ورجال الدين لغضبهم على التشريع المدني، وبعض الرعايا الأجانب لأن هذه المساواة تحرمهم امتيازاتهم القديمة، وبعض الدول الأجنبية لأنها لا يسرها أن تصلح الدولة. فكانت كل "التنظيمات" التي توضع لا تلبث أن تصبح حبراً على ورق. وفي هذا الوسط الشائك جداً حاول مدحت باشا أن يضع إصلاحه، فرأى أن الإصلاح الذي يجب أن يسود المملكة العثمانية هو الحكم الديمقراطي على نمط ما رأى في إنجلترا وفرنسا، ومظهر هذا الحكم هو الدستور، وإنشاء المجالس النيابية، وتمثيل كل عنصر من عناصر الدولة وكل قطر من أقطارها في هذه المجالس، وبعبارة أخرى أن تحكم الأمة نفسها بنفسها، لا أن يحكمها السلطان بإرادته ونوازعه والمقربين إليه الذين يخدمون أغراضهم ومصالحهم. كان يرى أن كل الأمم الأوروبية مرّت بهذا الدور الذي تمرّ به الدولة العثمانية، ولم ينقذها إلا الحرية، فهي التي تربي الأمم، وتحيي النفوس، وترد للمرء حقوقه، وتشعره بشخصيته، وتضمن له العدل، والحرية هي التي تُوَلّد الدستور الذي يبث الطمأنينة بين أفراد الأمة، ويسوي بين الأفراد على اختلاف دينها وعناصرها، فيؤلف بين قلوبها، وهو الذي يتيح الفرص لكل كفء قادر، ويسد الطريق أمام كل دساس ماكر. لقد عانت إنجلترا وفرنسا ما نعاني، ووقع على الأفراد هناك الظلم كما يقع علينا، ولكن كلاً منهما نجت من ذلك كلّه بتحرير شعبها، ووضع دستورها، والحزم في السير عليه؛ ذلك حال إنجلترا قبل دستورها وبعده، وحال فرنسا قبل ثورتها وبعدها، هدموا الاستبداد، وأحلّوا محلّه حياة الحرية الصحيحة، فلو فعلنا ذلك وأعلن السلطان الدستور، وسرنا عليه في حزم لانتظمت إدارتنا وماليتنا. وشعرت عناصر الدولة المختلفة بالتساوي بينها ومشاركتها في الحكم وتحقيق العدل فاطمأنّت، ولو فعلنا ذلك لم تجد الدول المختلفة وسيلة التدخل في شؤوننا فكفّت يدها، وإذا تدخلت ظهرَ تعنتها فلم تجد رأياً عاماً يساندها ــ بهذا الدستور يصبح الحكام في كل ولاية مسؤولين أمام البرلمان، وبعبارة أخرى أمام الأمة، فيفتح الحاكم عينه، ويُحدّ من شهوته، ويتحرى العدل، وإلا طار من منصبه. الدستور عِلمٌ ينشر بين الشعب، وغنى يسبب طمأنينة الشعب، وعدل بين أفراد الشعب، ويقظة للرأي العام، وتفتح للملكات، ونشاط للقُدَر التي كبتَها الاستبداد. فلا حياة للدولة العثمانية إلا بدراسة النظم الديمقراطية في الأمم الأوربية، واختيار أنسبها مما يتفق وحالة الدولة وظروفها ومركزها، ثم سن تشريع لها، ثم إحاطته بسياج من القوة حتى لا تتلاعب به أيدي العابثين المفسدين. إلى هذا انتهى مدحت بعد طول درسه وتفكيره وتقليبه وجوه الإصلاح المختلفة. لم يكن مدحت باشا وحده هو الذي يفكر هذا التفكير، بل كان حوله شباب أحسّ إحساسه وشعر شعوره، وأنكر الاستبداد، وحاول الخلاص منه، وعكف على قراءة التاريخ والسياسة، والنظم الأوروبية، ووجدت جمعية في باريس على رأسها مصطفى باشا فاضل تنقد الدولة العثمانية، ونظام الحكم فيها، وتجاهد في طلب الإصلاح. ومصطفى فاضل هو صاحب الكتاب المفتوح المشهور الذي ترجمه فتحي زغلول باشا "من أمير إلى سلطان" والأمير هو مصطفى فاضل هذا، والسلطان هو السلطان عبد العزيز، والكتاب هو أول كتاب من نوعه يوجهه أمير عثماني إلى السلطان في مثل هذه الصراحة والقوة. كان رأس هذه الحركة وعقلها المفكر وحكيمها الرزين هو مدحت باشا، وجاء دور التنفيذ، يريد مدحت باشا ورجاله وشبابه الحكم الديمقراطي والدستور والحرية ويصطدمون بالسلطان عبد العزيز وحاشيته وأعوانه، فهم لا يريدون ذلك ــ يرى مدحت أن لا أمل للحياة إلا بالشورى، ويرى عبد العزيز أن الشورى تسلبه سلطانه، يرى مدحت أن الدستور لابد منه، فهو يعيد إلى الأمة حقها في الإشراف على الحكم. ويضمن العدل والمساواة، ويبعث الإخاء، ويحمي الأمة من شهوات الأمراء والسلاطين، ويوحّد بين عناصر الأمة المختلفة؛ ويرى عبد العزيز وحاشيته وكثير من رجال الدين وبعض رجال السياسة أن الحكم النيابي لا يصلح للدولة العثمانية لاختلاف العناصر فيها وعدم التجانس، وميل كثير من الطوائف المسيحية إلى ترويج مصالح الأمم التي ترتبط بها، وعدم بلوغ الأمة حداً من العلم يهيئها لهذا الحكم وتفضيل مصلحة الوطن على المصلحة الشخصية إلخ... إذ ذاك ظهر الصراع بأجلى مظاهره، وانجلى الغبار عن معسكرين متميزين بأعلامهما وجنودهما: هذا معسكر مدحت باشا على رأس حزب كبير من الكبراء والوزراء والأمراء وطائفة كبيرة من الشباب، وهذا معسكر على رأسه السلطان عبد العزيز وحوله الحاشية ومحمود نديم رئيس الوزارة، وهو يُمِدّ السلطان بكل ما يحتاج إليه من أموال الدولة، ينفق منه أقله في المصلحة العامة وأكثره في شهواته، ثم يؤيده كثير من المعمّمين من رجال الدين قد اشتُريت ذممهم بما أغدق عليهم من أموال الأمة، فهم يسمّون كل حركة تدعو إلى الإصلاح فتنة، ويقولون: سلطان غَشوم(5) خير من فتنة تدوم. وكان لكل معسكر أيضاً أدباؤه وكتّابه وشعراؤه، فمع مدحت باشا كتّاب من الطبقة الأولى يحررون في الصحف الفرنسية والتركية والعربية. وأبدع "نامق كمال" أدباً تركياً يتغنّى بالحرية في أسلوب جديد، جميلٍ في بساطة، واضح في قوة، وأدب آخر رجعي يُشيد بذكر للسلطان ويهجو دعاة الحرية والإصلاح، ومنهم صاحب جريدة "الجوائب" وكتّابها. والدولة الأوروبية نفسها تدخل في هذا المعترك؛ فإنجلترا تعطف على مدحت، لأنها بحكم نظامها تميل إلى الديمقراطية وإلى الدستور، ولأن في صلاح تركيا وهدوئها ما يعوق مطامع روسيا، وروسيا تؤيد السلطان ومحمود نديم، وسفيرها في تركيا "ايغنانيف" يثير الفتن والثورات حتى يحقق مطامع روسيا إذ ذاك. ويركز مدحت برنامجه في كلمات فيقول: "إن التبذير في الدولة قد بلغ درجة لا تطاق، فنظارة المالية ترسل الأموال إلى المابين، فيصرفها السلطان في ملذاته، والنظار يبيعون الوظائف بيع السلع؛ فالوالي يشتري وظيفة من الصدر الأعظم ويذهب إلى الولاية فيستغل أهلها بأنواع الظلم، حتى خرجت الولايات، ووقعت الدولة في أزمة شديدة، ولا سبيل إلى الخلاص منها إلا بتبديل الإدارة الحالية، وتبديلها يكون بإنشاء مجلس نيابي، وجَعْل النظار مسؤولين أمامه، وأن يكون هذا المجلس قومياً فلا يفرق في انتخابه بين المذاهب والعناصر ــ وأن يوضع الوُلاة في الولايات تحت الرقابة الشديدة فلا يعبثوا بمصالح الرعية". كل هذه المعاني تركزت في كلمة واحدة اسمها "الدستور". هاهي الدعوة تنتشر، والنفوس تغلي، وأخطاء السلطان عبد العزيز المتتابعة تزيدها غلياناً. تحت ضغط الحوادث أبعد الصدر الأعظم محمود باشا نديم، حبيب السلطان عبد العزيز لأنه يمده بما شاء من أموال الدولة، وحبيب الحاشية كذلك، وحبيب سفير روسيا في الأستانة، وحبيب ذوي المناصب من رجال الدين؛ وعُيّن مدحت باشا صدراً أعظم، وهو المكروه من كل هؤلاء، والمحبوب من الطائفة التي تغلي لطلب الإصلاح. فما استقرّ على كرسيه حتى أعاد المنفيين الذين نُفوا لاتهامهم بمشايعة حركة الإصلاح، وأعاد تأسيس ميزانية الدولة على أساس ثابت لا أساس صوري كما فعل محمد نديم، وضيّق على السلطان عبد العزيز وحاشيته، فلم يمدّهم بالمال الذي يشتهون، وبتّ في المشاكل الخارجية بما أصلحها، وتوجّه إلى الإصلاحات الداخلية، فاهتم بربط البلاد البعيدة بالدولة، فوضع مشروع خط حديدي يربط العراق بالدولة فإنشاء خط بين بغداد وطرابلُس الشام. واختار مهندساً فرنسياً لذلك كلّفه وضع المشروع وتخطيطه واكتشاف أقرب طريق إلى ذلك، ورسم الخرائط له في نظير مائتي ألف ليرة، ودبر المال لذلك المشروع بالإتفاق مع إنجلترا على دفع ثلاثة ملايين من الليرات في نظير نقل بريد الهند على هذا الخط، كما وضع مشروع إنشاء الخطوط التلغرافية في بلاد الحجاز، وإنشاء طريق حديدي بين دمشق وبغداد. ومد الأسلاك التلغرافية بين دمشق والحجاز واليمن، وفعلاً أحضرت الخُشُب والأدوات لإنشاء خط بين القدس وجدّة، ورأى أن ذلك لا يكلف الدولة كثيراً، فتلغرافات الحجاج تعوض النفقات في سنين قلائل. ووضع المكاييل والموازين على أساس عَشري، ووحَّدها بين أجزاء الدولة، وعارض أشد المعارضة في منح الخديوي إسماعيل باشا فرماناً يبيح له عقد قروض من الدول الأجنبية وقال: إنه إذا أبيح له ذلك تدخل الأجانب في شؤون القطر المصري، وضاع استقلاله الإداري والسياسي معاً، وتدخل الأجانب يوماً في شؤون تلك البلاد بحجة حفظ أموالهم"، فعل هذا مع أن السلطان كان قد وعد إسماعيل باشا بإصدار هذا الفرمان. نَمَطٌ(6) جديد في الوزراء لم يألفه عبد العزيز، فقد ألف أن طاعته غُنم وإشارته حكم. ولذلك لم يلبث مدحت في الوزارة إلا خمسة وسبعين يوماً اعتزل العمل بعدها وضاعت كل مشروعاته، وخسرت الحكومة مائتي ألف ليرة للمهندس الفرنسي واضع مشروع خط بغداد من غير أن تستفيد شيئاً. ثم رأيناه وزيراً للعدل في وزارة أسعد باشا، ثم في وزارة شروانى زاده محمد رشدي باشا، فمكنته هذه الوزارة الأخيرة أن يَعكُف على وضع النظم واللوائح لإصلاح الدولة. وكتب مدحت إلى عبد العزيز كتاباً ليناً في مظهره شديداً في جوهره، قال فيه: "لقد صرحتم جلالتكم في خطاب العرش بأنكم تلتزمون خطة الإصلاح المنشود، ومع هذا فقد ساء الحال، وأنتجت كثرة تغيير موظفي الدولة القلقلة والاضطراب. وضلّ أكثرهم الطريق، ولم يسيروا وفق مقصدكم، بل خرجوا عن جادّة(7) الاستقامة وأفسدوا ما أحدثه الإصلاح، واختلت مالية البلاد، وحدا ذلك بالناس إلى نشر الأراجيف(8) في داخل البلاد وخارجها، وخاف الناس أن ينتج هذا انقراض الدولة. وقد اضطرتنا وطنيتنا إلى عدم السكوت والوقوع فيما لا تحمد عقباه، فلجأنا إلى أعتابكم الشاهانية... ولا يخفى على حكمة جلالتكم أن الدواء الشافي لهذه العلة هو اجتثاث أسبابها التي نعرفها حق المعرفة، فإذا أزيلت الأسباب زال المرض.. فإذا أصدرتم خطاً همايونياً جديداً حَتَمتم به اتباع القوانين والنظم والمساواة بين الغني والفقير والكبير والصغير في نظر القانون، وأرجعتم المنشآت الخيرية إلى أصلها (وكان السلطان استولى عليها)، وصرفتم الأموال في سبيل ما خصصها له الواقفون، وأعدتم مرجع أمور الدولة إلى الباب العالي (الوزراء) فيقر قراراته ويعرضها على جلالتكم، ولم تستأثروا جلالتكم بشيء من حقوق الدولة المالية والملكية، ولم تصرف المالية قرشاً واحداً إلا برأي الباب العالي، وحُددت وظائف كبار الموظفين وأصاغرهم، وجُعِل الوزراء مسؤولين عن نتائج أعمالهم، وحتمتم ذلك على خواصكم ورجال حاشيتكم ــ إذا تمّ ذلك كله حصلت النتيجة المطلوبة بعون الله تعالى، ووصلت الدولة إلى الطريق الذي ترجوه جلالتكم. هذه الأقوال هي نتيجة أفكارنا، وربما أخطأنا... ونحن نطلب من جلالتكم تخليص الأمة ــ التي قد أصبحت مصالحها بين يديكم ــ من أزمتها الحاضرة وعلى كل حال فالرأي لكم". في هذا الكتاب مجمل أفكار مدحت باشا ونظرته إلى الإصلاح. أعد مدحت باشا هذا التقرير وهو وزير العدل، وعرضه على الوزراء فاتفقت كلمتهم عليه واتفقوا على أن يرفعه الرئيس إلى السلطان عبد العزيز، فقابله ولم يستطع أن يفاجئه، فحدّث السلطان أحاديث مختلفة، ثم تدرّج إلى ذكر هذا الكتاب، فلما سمع كلمة الإصلاح والشورى والدستور هاج هائجه، وأصدر أمره في الحال بعزل مدحت باشا من الوزارة، وإبعاده بتعيينه والياً لسلانيك، وبعد أيام عزل شروانى وعينه والياً لحلب، وبذلك أبعد الاثنين اللذين يذكران الإصلاح، ولم يمكث مدحت طويلاً في سلانيك فعزل بعد ثلاثة أشهر، وأخذ يصلح في مزرعته، ويفكر في أمته. ــ 3 ــ هذا مدحت باشا ــ في مزرعته ــ يفكر، كل محاولته في الإصلاح ضاعت سُدىً، لصلابة السلطان عبد العزيز الذي يأبى أن يسمع كلمات "الشورى، والدستور، والعدل، والحرية والأمة"؛ وكل من نطق بهذه الكلمات كان عرضة للنفي والتشريد والقتل والعزل كما حدث له. إن السبب الوحيد لتذمر المسيحيين في الدولة هو فقدانهم الحرية، فمتى مُنحوها عَطفوا على الدولة وشعروا أنهم جزء منها. وسَبَب ضعف المسلمين هو فقدان الحرية؛ فمتى شعروا بحريتهم اقدموا على عملهم ونشطوا، وكسبوا، وتعلموا، واستخدموا ذكاءهم ومواهبهم لإسعاد أنفسهم وأسرتهم وهيئتهم الاجتماعية. وفقدان الجميع الحرية يملؤهم خوفاً، ويفقدهم رجولتهم ويخلقهم بأخلاق العبيد: من ذلة وَضِعة، وعدم الالتفات إلا إلى المأكل والملبس ينالونه من أخسّ الطرق. وليس الذي وقعنا فيه من طبيعة الإسلام في شيء، فالإسلام يسوي بين الغني والفقير في الحقوق والواجبات، وبين الوزير وراعي الغنم، ويجعل أمرهم بينهم شورى، وهذا السلطان يكره كلمة الشورى كما يكره الموت. والإسلام جعل من أهم قواعده الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا السلطان لا يسمح لأحد أن يأمر بمعروف ولا أن ينهي عن منكر. إن الشورى الإسلامية نظمت في العصر الحديث بما يسميه الأوروبيون البرلمان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تشكل في المدينة الحديثة بحرية الصحف في النقد، وحرية الأفراد والجماعات في التأليف، وإبداء الآراء في صراحة يستحسنون ما يرون، ويستنكرون ما يرون، ويخطبون كما يشاءون. فلا أحد معصوم، ولا الحكومة معصومة، ولا الوالي معصوم، وإنما الذي يقوِّمهم ويخيفهم ويلزمهم الجادة يقظة الرأي العام وحريته في النقد، وهذا هو ما سمي في القرآن: بالتواصي بالحق. كل هذا واضح جلي ولابد منه، ولكن إرادة السلطان عبد العزيز هي الصخرة تتكسر عندها كل هذه الآراء. أرض الدولة العثمانية أخصب أرض في العالم، وهي مع ذلك أفقر أرض، لهجرة كثير من أهلها بالظلم، وإثقال كاهل من بقي بالضرائب. ولا شركات، ولا مصانع، فالقطن كثير في البلاد، ومع هذا فالمنسوجات القطنية تُجلب من أوروبة، حتى الطرابيش التي نضعها على رؤوسنا، وعلب الكبريت التي نشعل بها نيراننا يجلبها من الخارج، وكل المواد الأساسية متوافرة عندنا، ولكن لا عدل ولا أمن على المال، فلا شركات ولا صناعات، ولا يتأتى العدل إلا بالقوانين العادلة، والمحاكم العادلة، وهذه لا تكون إلا بالحرية، أي الدستور. كل من جاهر بالإصلاح أبعد، ففؤاد باشا مات محتقراً مهيناً؛ وعالي باشا دست له الدسائس حتى عُزل من منصبه، وهُما ما هما في الكفاية والاستقامة، وإنما يقرّب أمثال محمود نديم الشرِه الجاهل الذي يقدم مال الدولة للسلطان، ثم ينتهب لنفسه ما نالته يده. رحم الله فؤاد باشا وعالي باشا، فقد رأيا أن السلطان لا يسمع لقولهما في الإصلاح، ففكرا في حيلة لطيفة: أن يشوِّقا السلطان عبد العزيز لزيارة أوروبة، وينتهزا فرصة زيارته للعواصم الأوروبية فيبيِّنا له ما وصلت إله من النظام والتقدم، ويشعراه من طرف خفي بأن سبب هذا كله حسن الإدارة وصلاحية الحكم، لعله إذا عاد تحفزت نفسه لحسن التقليد، فأصغى إلى المصلحين وشجعهم على الإصلاح، وسار في أمور غير سيرته، والتفت إلى رعيته، ولكن خاب فألهما، فقد عاد أشد إسرافاً وأكثر تبذيراً في ملذاته. عاد ووعد ثم أخلف ما وعد، وكل ما فعل أن حقد عليهما لأنهما أشارا عليه بانتخاب مجلس في كل ولاية يجدد كل سنة لمشاركة الوالي في أعماله وبذل النصح له، فرأى أنها فكرة شيطانية يراد منها التدريج إلى البرلمان أو الدستور، ذلك الشبح المخيف. وكل ما جنته البلاد من هذه الرحلة إنشاؤه مصانع ومتاجر باسم خزانته الخاصة لا باسم الشعب. ثم هذا السلطان يستدين ويستدين، فقد كانت ديون الدولة في آخر أيام السلطان عبد المجيد 25 مليون ليرة فبلغت بعد 12 سنة ــ بفضل عبد العزيز ــ 250 مليون ليرة، فما مصير الدولة إذا استمر الحال على هذا المنوال؟ يظهر أن لا أمل في الإصلاح مع وجود "عبد العزيز"، بل لا أمل حتى لو أصدر لوائح الإصلاح، وأوامر إنشاء القوانين للمحاكم والنظم للمدارس، فقد جربناه فرأيناه يطأطئ للعاصفة حتى تمر، فإذا مرّت عاد سيرته الأولى، وحل ما عقد، ونقض ما أبرم. لم يبق إلا أمر واحد، وهو تهيئة النفوس لعزله، ووضع الخطط المحكمة لإنزاله عن عرشه، ومع الأسف لا يمكن أن يتم ذلك إلا بالجيش، وفي هذا خطره، ولكن قد تعلّمت في جامع الفاتح أن الضرورات تبيح المحظورات، فإذا تمّت الأمور وعزل عبد العزيز، وأقيم مكانه سلطان جديد أقامته الأمة بقوتها، وأعلن ــ يوم توليته ــ الدستور، شعر بأن الأمر بيد الأمة فأطاعها، وأنه مَدين لعرشه بالدستور فاحترمه، وسارت الأمور سيراً حسناً. دستور نافذ، وسلطان مطيع، وبدأنا حياة جديدة كلها خير الأمة، وسرنا في الطريق الذي سارت فيه الأمم الحية، نأخذ محاسنهم، ونتجنب أخطاءهم، فإذا الحياة سعيدة، والعدل شامل، والدستور مكفول، فلنسر على بركة الله. هكذا فكر مدحت، ويشرف على الإصلاح في مزرعته، والفؤوس تضرب في الأرض، والنواعير تبكي بدموع غزار. سارت الأمور أول الأمر كما فكر تماماً، فها هو يدبر الحركة ويتصل بالشبان والشيوخ الذين سئموا هذه الحال، ويتفق معه في الرأي حسين عوني باشا (سر عسكر الدولة). وهما يتصلان بناظر البحرية وشيخ الإسلام، ويتفق الجميع على خلع عبد العزيز في يوم معين. حتى إذا جاء اليوم أتى الأسطول فرسا أمام سراي طولمه بغجة، واجتمعت العساكر فأحاطت بالقصر، ودخل على السلطان من أبلغه خبر العزل، فاستخف بهذا الخبر، فأشهدوه العساكر والأساطيل والجموع المحتشد فاستسلم، وأنزلوه من السراي، ووضعوه في قصر فخم ومعه والدته وثلثمائة أنثى بين زوجات وجوار مملوكات ووصيفات وخادمات، واختصروا حاشيته فاستغنوا عن 1200 سائس و1000 طبلكار (حامل طبليات الطعام) و600 "قواربي" وأمثالهم من الخدم. وقد قطعت مرتباتهم للضائقة المالية التي حلت بالدولة. وبعد بضعة أيام وجد السلطان مقتولاً، فقيل إنه اعتُدى عليه بالقتل، ويرى الأكثرون ويقرر جمع من الأطباء، ويؤكد ذلك مدحت، أن السلطان أخذته العزة فقطع شرياناً من ذراعه بمقراض(9) فمات. مهما كان فقد بويع السلطان مراد فلم تمض عليه أيام حتى ظهر جنونه واختلط عقله، فوُلى السلطان عبد الحميد بعد ثلاثة اشهر، وحمل "مدحت" عبءَ هذه الأحداث الفظيعة والربكة الشنيعة، وهو في أثناء مرض السلطان مراد يجتمع بأعوانه ويدرس قوانين أوروبة ونظمها ويختار أنسبها. وكان في ذلك يضع إحدى عينيه على النظم الأوروبية والأخرى على حالة الدولة، فما كل ما يصلح لأوروبة يصلح لها؛ وفي ذلك يقول: "إن أخذ القانون من أوروبة ووضعه لنا لأنه أفادهم يشبه آخذ آلة من الآلات عندهم للنّسج وجلبها إلى بلادنا وليس عندنا فرد يقدر على إدارتها والاستفادة من سرعتها. "وفضلاً عن ذلك فكثير من القوانين لا يوافق كل الولايات في دولتنا، فالقانون الذي يوافق ولايات حلب وسورية وبغداد لا يوافق ولايات بروسة وأزمير وأدرنة، وقد يكون القانون في بعض الولايات عدلاً، وفي بعضها ظلماً، فيجب النظر إلى هذه المسالة عند تغيير القوانين. "إن مسألة استقلال المحاكم، وأصول جباية الأموال، وقوانين الإدارة وغيرها من القوانين والنظامات قد استعملها الإفرنج فأفادتهم بسبب رقي الأهالي ومدينتهم، فقانون الأراضي مثلاً يقضي عليها بتعيين المهندسين، ومعرفة مقادير أراضي بلادنا وأصحابها ووضع الضرائب اللازمة، وهذا لا يتم بواسطة كاتب واحد يتقاضى 150 قرشاً في الشهر، فالإفرنج يعينون لكل قرية لجاناً ومهندسين يمسحون الأراضي ويقدرون الضرائب، ونحن لا نعرف لليوم عدد سكان بلادنا ولا مقدار أراضينا. "فيجب تدريب الرجال وإلقاء أزمة الأمور إليهم بالتدريج... كما يجب تخصيص الأعمال لكل طائفة، ففي أوروبة للمالية اختصاصها، وللحربية اختصاصها، وكذلك للداخلية والعدل، أما عندنا فالأمور كلها منُوطة(10) بالوالي". وهكذا عكف هو وأعوانه على هذا الإصلاح الذي يتخلص في اختيار خير النظم الأوروبية وأوفقها لحالة الدولة الاجتماعية، والأخذ بيدها تدريجاً، كلما ألِفَت خطوة انتُقِل بها إلى ما بعدها. ويُعِد القانون الأساسي للدولة ويرتب نظام مجلس المبعوثان، فما وُلّى السلطان عبد الحميد حتى كان ذلك كله مُعَداً، وتولى مدحت باشا الصدارة. وبعد أربعة أيام من صدارته بادر السلطان إلى إقرار القوانين، وأعلن الدستور المؤسس على الشورى، والمؤسس على اشتراك جميع الرعايا في شؤون تحسين الدولة من غير تفرقة بين عنصر ودين، ونُظّم للدولة مجلسان: مجلس يُنتخب من الأهالي ويسمى بمجلس المبعوثان، ومجلس تُعيّن الدولة أعضاءه ويسمى مجلس الأعيان. وتُلى هذا الدستور المشتمل على 119 مادة بالأستانة في محفل عام (14 من ذي الحجة سنة 1293هـ) وأمر بأن يكون العمل بمقتضاه في جميع أنحاء المملكة العثمانية، وأطلقت المدافع من القلاع البرية والبحرية، واستبشر الناس خيراً، وأقيمت الأفراح والليالي الملاح. وكان يتضمن هذا الدستور حقوق الدولة وواجبات الوزراء ورجال الإدارة، واختصاص كل مجلس من المجلسين، وتنظيم المحاكم والديوان العالي والمالية الخ، وكل الدلائل تبشر بالخير. هذا مدحت أبو الدستور رئيس الوزراء، وهذا السلطان عبد الحميد أتى بإرادة الأمة وهو مَدين لها بجلوسه على العرش، مدحت يؤيده وهو يؤيد مدحت، والكل يخضع للنظام والحكم الديمقراطي، فماذا ينتظر بعد ذلك إلا الخير!! هكذا قال الناس، وهكذا قال مدحت. لعله أخطأ إذا بالغ في التفاؤل أكثر مما يلزم، وكذلك أكثر عظماء الرجال تسحرهم الفكرة، ويلعب بُلبِهم المبدأ فلا يرون منه إلا النواحي البراقة، كالفنان يرى في شجرة الورد أزهارها ولا يرى أشواكها. استخفّ بقوة الرجعيين. ولم يعرف لطهارته أساليب دسائسهم، واقتنع بالبسمة على وجوههم، ولم ينفُذْ منها إلى الغِلّ في أعماق صدورهم، ولم يقدِّر قوة العدد الجمّ الذي كان يغتني من الظلم وسيفتقر بالعدل، والذي كان يُثرى من كلمة مَلَق أو تسويد سطر بوشاية، فأصبح خائفاً من العدل أن يجرده من ثرائه وينزله عن جاهه، والذين كانوا يبشرون أنفسهم بمواتاة الحظ، لأنهم فقدوا أن ينالوا شيئاً إلا ببذل الجهد. وشيء آخر مهم فاته، وهو أن من عاش طويلاً في ظل العبودية لا يتعلم سريعاً مزايا الحرية، وأن الأمم السابقة إلى النظم الديمقراطية لاقت الأهوال قبل أن تعتدل، وتأرجحت كثيراً قبل أن تتوسّط، والذي نفعها أنها لم يكن يطمع فيها طامع، فقضت مدة التجربة وهي آمنة مطمئنة؛ إما هذه الدولة فلا ينتظر مدّة تجربتها أحد، فإذا بدأت تجرب قالوا لا تصلح، وإذا أخطأت لم يقولون إنه عَرَض مفارِق، بل قالوا طبع ملازم. فهذا مجلس المبعوثان يجتمع فيشتط بعض أعضائه في القول من غير حساب حتى يثير بأقواله مشاكل ومخاوف ما كان أغناه عنها، وكل ولاية تظن أن مبعوثيها نائبون عنها لا غير، وليسوا نائبين عن الأمة، وأن عليهم أن ينفذوا جميع رغائبها ولو كانت غير عادلة، ولو كانت لا تتفق ومصلحة الدولة من حيث هي كل؛ ويحمل البريد إلى كل مبعوث ما ينوء بفتحه بَلْهَ(11) قراءته: هذا يطلب عزل خصمه وتوليته بدله، وهذا يلتمس رتبة ونيشاناً وهذا راغب في وظيفة، وهذا راغب في ترقية، حتى بلغ الحال أن مُكارِياً(12) سُرقت دابته فبعث إلى مبعوث ولايته أن يأمر بإعادتها إليه. وربما كان هذا طبيعياً والنظام جديد، والجهل عريق، ولابدّ من فترة تمر حتى يفهم الناس أن المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة، وأن مبعوث الولاية نائب الأمة أولاً وولايته ثانياً، وأنه كلما خفف ناخبوه مطالبهم زادوه مقدرة على نفع أمتهم؛ ولكن أنَّى لهم بمن يصبر على سخافتهم، ويفسَحَ الصدر لمرانتهم، والأعداء كثيرون في الداخل والخارج وهم لهم بالمرصاد؟! وزاد الأمر سوءاً أن روسيا إذ ذاك لم يرضها هذا الحال، فاحتجت على ذلك وتأخرت في الاعتراف بالنظام الجديد، ولعبت بالبلقان فحركته، وثارت الثورات في أنحائه؛ فثورة في الصرب، وثورة في الجبل الأسود والبوسنة والهرسك، والحروب قائمة، وانتصارات الدولة لا تفيدها عند الدول، وانتصارات عدوها تفيده؛ والدولة فقيرة في المال بما أسرف عبد العزيز، وفقيرة في رؤساء القواد، فقد قتل حسين عوني باشا وغيره معه بيد أثيمة، وروسيا تريد فصل البلغار عن الدولة، ولكل دولة مطامع. ومدحت يتحمل كل هذه الأعباء الداخلية والخارجية في صبر عجيب، فنهاره في تنظيم الشؤون الداخلية، وليله في المشاكل الخارجية، وفي ذلك يقول: "تحملت من المتاعب من يوم جلوس السلطان مراد ما يفوق القدرة البشرية، وكنت أقول ليست هذه الحياة لي بل للأمة، وقد وقع الوطن في مصائب داخلية وخارجية، فواجب أن أسعى في تخليصه من مخالبها". وفيما هو كذلك سلم إليه أحد رجال المابين كتاباً فتحه وقرأه، فإذا فيه عزله وإبعاده إلى خارج الدولة فوراً من غير أن يعرِّج على أهله. وذلك بعد شهرين من صدارته. فألح مدحت على رجال المابين أن يراجع السلطان في بيان السبب؛ فعاد وقال: إن السلطان يقول إن المادة 113 الدستور تخوِّل السلطان حق إبعاد الذين ترى نظارة الضابطة سوء حالهم، وقد قدم ناظر الضابطة إلى جلالة السلطان تقريرين وقَّع عليهما وهذان. ففتح مدحت أحدهما فإذا فيه: "إن جاسوساً سمع ضابطاً يقول لصاحبه في أحد المقاهي إن مدحت سيكون رئيس جمهورية" فاكتفى مدحت بهذا ولم يفتح الثاني، وقال: "إن بلادي التعيسة كمريض حضره نُطُس(13) الأطباء، وعالجوه حتى كاد يُبِلُّ من مرضه، فاندس عدوّ له فسقاه سماً قضى على حياته". وأذعن للأمر وركب الباخرة "عز الدين" لساعته من غير أن يرى أهله. وخاف السلطان من الرأي العام، فطلعت الجرائد ومن ضمنها "الجوائب" ترمي مدحت بأفظع التهم، هذه تقول إنه ضبطت أوراق تدل على خيانته، وهذه تقول إنه أراد أن يجعلها جمهورية، وهذه تقول إنه قد أوقع الدولة في مشاكل خطيرة. وأدى الشعر رسالته، وأنشئت فيه قصائد هجاء بليغة. وأظهر كثير من المعممين ابتهاجهم، وقالوا إنه يريد فصل السلطة الدنيوية عن السلطة الدينية. والذي يقارن بين الجرائد منذ أربعة أيام وبينها اليوم يعجب لهذا الانقلاب الغريب من مديح رنان إلى هجاء رنان. وسكت الناس بين الدهشة والعجب، والشك واليقين، وشرد رجال مدحت ممن أخلصوا له ولمبادئه. ووسط هذه البلبلة الفكرية صدر الأمر الشاهاني بتعطيل الدستور تعطيلاً مؤقتاً. ولكن ألا تعرف ــ أيها القارئ الكريم ــ مدة هذا التعطيل المؤقت؟ ثلاثون سنة!! لم يكن الرأي العام حذراً فخُدِّر، ولا عاقلاً فخدع، ولا قوياً فامتهن. ــ 4 ــ هذه الباخرة "عز الدين" تمخر البحر لتقذف به في ثغر من ثغر أوروبة، وقد ضاعت كل آماله، فكل ما حزر(14) من تقدير الثورة ونتائجها، والدستور وثباته، والسلطان عبد الحميد وخضوعه لإرادة الأمة، قضَى عليه في لحظة. وزال من الوجود في لمحة، وعادت الدولة إلى ما كانت عليه قبل جهاده المتواصل، وكدحه المتتابع، وكل ما في يده الآن غضبُ السلطان عليه وعلى أتباعه، وبعده عن أهله، وتجرده من ماله. لو أن أيّ إنسان عادي آخر مكانه للعن الإصلاح والمصلحين، وترك الدولة تجني جزاء ظلم سلاطينها، وانتظر حتى يتشفى بمنظر الفساد يهد أركانها، ويفتخر بأنه نصح فلم ينتصحوا، وأنذر فلم يصغوا، فارتاحت نفسه بصدق ما تنبأ، وحدوث ما أنذر. ولكن لم يكن مدحت في شيء من هذا، فما مرت هذه الخواطر بنفسه حتى طاردها، وأخذ يفكر من جديد في وسائل إصلاح ما كان، وعجب من نفسه فوصفها بقوله: "إن حب الإصلاح قد اختلط بدمي فكان كالمرض المزمن لا يبرأ منه". فكر سريعاً، ووصل إلى النتيجة سريعاً، فرأى أن روسيا تحارب بلاده وتجمع لها جيوشها الجرّارة، ويذهب القيصر بنفسه إلى ميدان القتال لتحميس الجند، والدول كلها تتنبأ بنصرتها، فواجبه ــ إذاً ــ أن يؤلّب الدول على روسيا ما استطاع، ويبين لكل منها الأضرار التي تنالها من هزيمة الدولة العثمانية، وتعديل خريطتها. فهو في أسبانيا يتصل بساسة إنجلترا وفرنسا، ويحاول إقناعهم بآرائه، ثم يذهب إلى إنجلترا لهذا الغرض. ويبرق إلى المابين يقول: "قد سعيت مدة إقامتي في عاصمة بلاد الإنجليز بما يعود على دولتنا بالنفع ويرفع شأن حكومتنا، وحاولت إقناعهم بعقد صلح يحفظ الدولة وعظمتها، وأفتخر أني وفقت إلى ذلك بعض التوفيق"، ثم يذهب إلى فيينا لهذا الغرض ويبرق فيقول: "أنا اليوم في (فيينا) أبذل الجهد لترويج نفس المساعي... وآمل إخباري بما يوافق مصلحة الأمة لأستعين به على أمنيتي الوحيدة وقد وقفت حياتي لتخليص الدولة من ورطتها، وأنا قادر على القيام بأعباء ما يُطلب مني، ومصلحة الوطن تضطرني إلى ذلك". وكانت تعترضه صعوبة أن بعض الدولة تردُّ عليه بأنه ليس مفوّضاً، ولا له صفة رسمية يتكلم بها، وأنه ليس إلا رجلاً منفياً، فطلب من الدولة تصحيح موقفه لإتمام مساعيه فلم يجد سميعاً! وأغرب ما في الأمر بعد ذلك أن زفّ إليه "ناظر التشريفات" بشرى ذِكْرَتِهِ. بمحضر السلطان، فسأل عنه: كيف يعيش؟ فقال "ناظر التشريفات": إنه في حالة بؤس، ينتقل من بلد إلى بلد، ويعيش بالقرض؛ فظهرت رِقّة قلب السلطان وبكى، وقال: أرسلوا له ألف ليرة؛ ثم يختم الكتاب بأنه يطلب منه شكر السلطان، وتضرعه إليه بالعفو عنه. ظن المسكين "ناظر التشريفات" أن كل النفوس ذليلة كذلّته، ملقة كملقه، ولكن هذا الكتاب وقع من نفس مدحت الأبيّة موقع السهم المسموم في الفؤاد الجريح، فهاج وثار، وردّ عليه فقال: لقد عبرتم للسلطان عن حالي بأنها حال بؤس وفقر وارتحال، تستدرّون بذلك شفقته، وهذا وصف لا يوصف به إلا فاقد الشعور أفّاق(15)، لا رجل مثلي عمل ما عمل، وتولى الصدارة بجدارة. "وأنا كما وصفتم من أسباب عيشي وفقري، فقد اقترضت عشرة آلاف فرنك من خرستاكي في نابلي فنفذت، وأنا اليوم أسعى في قرض جديد أسدّ به رَمَقي ورمق أسرتي في الأستانة، ولكني فخور بذلك، فقد ولدت عاري الجسد، وسأموت عاري الجسد، وأنا ابن الحاج أشرف أفندي ونعم النسب، ومع هذا فلا أنتسب إلا إلى الله، وذخيرتي أني عاهدته ألا أقول إلا الحق، ولو أوصلني إلى مثل ما ألاقيه الآن من الشدائد. وما الذي فعلت من إجرام حتى أطلبَ العفو؟ لقد سعيت في تولية السلطان مراد بعد عبد العزيز، فلما مرِض سعيت أن يجلس مكانه السلطان عبد الحميد، وكان جلوسه مقروناً بإعلان الدستور ووضع خُطط الإصلاح. "ومنذ خروجي من الأستانة وأنا أفكر في الدولة وسبيل إنقاذها من المهالك، ولا أفكر في نفسي، فماذا في هذا مما يُعتذر منه؟ لقد بلغتُ السادسة والخمسين، ولا أمل لي في الحياة، فلم يتجاوز أسلافي الستين فأيامي معدودة، وكل رجائي أن أعيش منفرداً، وأدعو لولي النعم الأعظم". هذه خلاصة كتاب أقل ما يوصف به أنه يعبر أصدق تعبير عن قوة مدحت وعظمته ورجولته وسمو نفسه. لقد وصف "ناظر التشريفات" هذا الكتاب لما قرأه بأنه كالعروس عَطِلت من حَليِها، وعَرِيَت من ثيابها. ولكن أين يكون الجمال إذا لم يكن هذا جميلاً؟ وفي الحق أن هناك عيوناً لا ترى الجمال الحق في الإباء والشّمم، وإنما ترى الجمال المتصنع في النفاق والملَقَ. كان يوماً يصطاف في الريف عند صديق له من دوقات الإنجليز، وإذا بسفير الدولة العثمانية في إنجلترا يقابله ويبلغه أن السلطان سمح له أن يقيم مع أسرته في جزيرة "كريد". فذهب إليها وعاش فيها من أسرته نحو شهرين. ثم عيّن والياً لسورية، ثم لأزمير، ثم كانت مأساته التي ختمت بها حياته كما سنبينه بعد. *** هذا هو العمود الفقري في حياة مدحت، وله بجانب هذا أعمال فرعية في الولايات التي تولاها، وهي أعمال خالدة لا تزال تُذكر من أهل البلاد التي عَمِل فيها بالحمد والثناء. لقد وَلي العراق، وولى سلانيك. وولى الشام، وولى أزمير، وكان له في كل أولئك خطة واحدة، يَعمد ــ أولاً ــ إلى الأشقياء الذين يعبثون بالأمن فيضربهم ضربة تنخلع منها قلوبهم وقلوب أمثالهم، فإذا الأمن شامل والهدوء عام. ثم ينشر العدل بين الناس فيطمئنون على أنفسهم وأموالهم، ويعمل بالشورى فيحيط نفسه بمجلس من خيرة الولاية يستشيرهم في أمورها، ويجرّئهم على قول الحق في صراحة؛ ويعلمهم كيف يعالجون المشاكل؛ ثم يصلح الطرق ويربط الولاية بشبكة محكمة، لأن ذلك يعين على الإسراع في ضبط أمورها، ثم يضع الخُطط لاستغلال منابع الثروة في البلاد على خير وجه، كل ولاية بما يناسبها، حتى يزيد نتاجها على نفقاتها، ويأخذ من المال الناتج لإنشاء المدارس ونشر التعليم، وهو بعمله هذا يضع نواة العلم في بلاد فشا فيها الجهل وكادت تعمّ فيها الأمية. تولى العراق سنة 1275هـ سنة 1870م في عهد السلطان عبد العزيز، فأخضع رؤساء العشائر بعد عنادها، ودوَّخ العصاة وطاردهم في أوكارهم، ثم أصلح أداة الحكومة، فأقبل الزراع على زراعتهم، والعمال والصناع على عملهم وصناعتهم وأنشأ أول مطبعة في بغداد، وشجّع على إنشاء جريدة سمّاها "الزّوراء"، وحثّ الشركات على العمل، فشركة تسيّر البواخر بين بغداد والبصرة، وشركة تسير الترام بين بغداد والكاظمية، وقرّب المسافة بين بغداد والبصرة بتحويل مجرى دجلة، وبثّ المهندسين الزراعيين يدرسون حالة البلاد الزراعية، وأنشأ مُتنزهاً عاماً في بغداد سمّاه "بستان الأمة" (مِلّت باغجه سي). ومن طريف آرائه أنه عرف أن "بالنجف" كنوزاً مدفونة، فيها كثير من الأحجار الكريمة كانت تزيّن بها الأضرحة والمشاهد، قد أخفيت أيام هجوم الوهابيين وهدمهم للقبور، فأخرجها مدحت، وقوّمها الخبراء بما يزيد على ثلثمائة ألف ليرة، فاقترح مدحت بيعها وإنشاء خط حديدي بثمنها بين النجف وإيران (إذ كان قد اشترك في التبرع بها كثير من الفُرس)، فلم يوافقه العلماء على ذلك فبطل المشروع. كذلك من طرائفه أنه ألف مجلساً للشورى في بغداد يرجع إليه في أمور الولاية، ولم يكن الناس يألفون الجهر بالرأي والشجاعة في القول، ولا يعد لهم بجانب رأي الوالي رأي، فجمعهم يوماً وقال لهم: إني أرى الحاجة ماسة إلى استئذان الباب العالي في زيادة الضرائب لتنفيذ ما ترى من وجوه الإصلاح فماذا ترون؟ قالوا جميعاً: موافقون، هذا هو الرأي، وهي الحكمة. فكتب لذلك محضراً وختمه جميعهم، ثم جمعهم في اليوم الثاني وقال: لقد فكرت في أمر زيادة الضرائب فتراءى لي أنها ظلم فادح لا يستطيعه الناس، ولكن محضر أمس أرسل، فإذا رأيتم وهذا الرأي صواباً كتبنا آخر ألحقناه به، وبيّنا الأسباب الموجبة لنقضه، فقالوا: نِعمَ الرأي ما رأيت. ووقعوا على الثاني كما وقعوا على الأول. فأمسك بالمحضرين هذا بيد وهذا بيد، وقال: والله ما أرسلته، ولكن أردت أن أختبركم، فما قيمة المجلس إذا رجعتم دائماً إلى رأيي وحده؟! ثم ألقى عليهم درساً قاسياً في الحرية وفوائدها، والشخصية وتكوينها، والاستقلال في الرأي ومزاياه. وكانت ولايته للشام أصعب، فقد تولاها في العهد الحميدي بعد موقفه من عبد العزيز واتهامه بالجمهورية، وعداء السلطان والمابين والوزراء له. كلهم يتربص به الدوائر. ثم مشاكل الشام أعقد من مشاكل العراق، فهذا مشاكله بدوُهُ وعشائره، وعلاقته بإيران ونحو ذلك. أما مشاكل الشام فأخطر: أمور لبنان تتصل بفرنسا، وأمور الدروز تتصل بإنجلترا، ولكل دولة مصالح ومدارس وكنائس، وغير ذلك. فكان أول ما لفت نظره ما ذكر من "أن مسلميها قد فشا بينهم الجهل... ومدارس الإفرنج تتقدم كل يوم تقدماً ملموساً، وليس للحكومة سوى بعض مدارس ابتدائية يقرأ فيها الأحداث القرآن، فكنت أفكر في أمر تعليم أبناء المسلمين وإصلاح مدارسنا". فشكّل الجمعيات، وجمع الإعانات، وفتح المدارس، واصلح المساجد وجعلها مدارس، ووضع عقوبة لوليّ أمر الطفل إذا بلغ ابنه السادسة ولم يرسله إلى المدرسة، واستعان بأموال الأوقاف في أمور التعليم، وتأسست في عهده "جمعية المقاصد الخيرية" وانتشرت شُعَبها في البلاد. ولما حاول الإصلاح الاقتصادي والإداري اصطدم بالدول؛ فكانت فرنسا صاحبة امتياز لبنان، وكانت الحكومة العثمانية خصصت لها خمسة وعشرين ألف ليرة من إيراد جمارك الشام، فكتب إلى رئيس الوزارة بقطع هذا المبلغ فغضبت فرنسا، وهكذا وهكذا من مشاكل، والدسائس تُحاك حوله، وتشاع الإشاعات بأنه يريد الاستقلال بسورية، ويُستدل على ذلك بأن هاتفاً هتف أمامه "فليحيى مدحت باشا" وأن كاتباً كتب "الخديوي مدحت". فلم يتمكن من الإصلاح في الشام كما تمكن منه في العراق، بسبب ما لاقى من العناء في الداخل والخارج. فيالله للمصلحين! وأخيراً نقل إلى أزمير، فلم يطل بها مُقامه حتى كانت المأساة. فبعد خمس سنين من وفاة السلطان عبد العزيز تحركت مسألة وفاته من جديد، وأشيعت الإشاعات أنه لم ينتحر وإنما قتل بإيعاز مدحت وأصحابه. وبلغ مدحت وهو في أزمير أنه يُراد القبض عليه والتحقيق معه، وكتب إليه صديق له: "فأخرج أني لك من الناصحين". وعرض عليه بعض أصدقائه من الأوروبيين ركوب باخرة معدّة وسفرَه إلى الخارج، فرفض وقال: "كيف أرتكب الفرار لجريمة لا نصيب لها من الصحة؟". وبينما هو نائم في داره إذا بالجنود تحيط به، ويُقبض عليه ويرسل إلى الأستانة لمحاكمته بتهمة الاشتراك في قتل عبد العزيز. من عهد أن تولى السلطان عبد الحميد، وهو لا يأمن جانب مدحت، ومن لفّ لفة، ويخشى جدّ الخشية أن يعيدوا معه تمثيل دور عبد العزيز، وبلغت به الخشية حد الهوس، فكل قوَى المملكة من مال ورجال وسمع وبصر مسخرة للمحافظة على شخصه، ومراقبة مدحت وأمثاله، لأن من قدر على البدء كان أقدر على الإعادة. وأخيراً اهتدى هو وأعوانه ــ للقضاء على مدحت وأصحابه ــ إلى هذه التهمة، فدبّرت محاكمتهم، ورتبت شهودهم، ورسمت خطة الإيقاع بهم. وبعد محاكمة صورية حكم عليهم بالإعدام. فتوسط الإنجليز وبعض سفراء الدولة فاستبدل بالإعدام النفي، ووضعوا في باخرة سارت بهم إلى جدّة ومنها إلى الطائف. وأهينوا من يوم خروجهم من الأستانة بالتضييق عليهم في مأكلهم وملبسهم ومنامهم، وسجنوا في قلعة الطائف ثلاث سنين، وأجرى عليهم العذاب ألواناً، وكلما مر عليهم زمن وهم أحياء زادوهم تضييقاً حتى يموتوا، ومن اشتد من الضباط عليهم رُقي، ومن أخذته الشفقة عليهم أبعد. ومدحت يرسل الكتب إلى أهله يطلب منهم مالاً يقتات به، ويبذل كثيراً من الحيل في إيصالها إليهم، فإذا أرسلوا مالا لم يصل إليه. وثمانية من سادة القوم منهم مدحت يعيشون على صحن من الحساء(16) مصنوع من الماء وورق الفجل في الصباح، ومثله في المساء، يريدون بذلك أن يميتوهم جوعاً، ولكنهم لا يموتون. وأخيراً ضاق ولاة الأمور بهم ذرعاً فقرروا أن يسمّوهم ولكن مدحت وصحبه يكتشفون المؤامرة. فلما أعيتهم الحيل أوعزوا بخنق مدحت فخنق. وكان آخر ما كَتَب كتاب إلى أهله جاء فيه: سيكون هذا المكتوب آخر ما أكتب فيما أظن. "فقد أخذوا منا الأقلام والمداد والورق، وضيّقوا الخناق، وقصدوا تسميمنا واحداً بعد واحد، ولكن ظهرت نيتهم. "ولابد أن يصلوا يوماً ما إلى غرضهم. فإذا جاءكم خبر وفاتي قبل كتابي فلا تحزنوا: وأنا أرجو من الله المغفرة، فقد مت فداء الوطن، وأستودعكم الخالق الباقي". *** قضى مدحت حياته كلها في الإصلاح الاجتماعي، يختار من المدنية الحديثة أحسن ما وصلت إليه في تنظيم الحكم على أساس الشورى التي تتفق وتعاليم الإسلام، ويأخذ خير أساليبها في نشر العلم وتنظيم الحياة الاقتصادية للبلاد، ويراعى في ذلك كله مستوى الأمة ومقدرتها على الامتصاص، فيعجل ما أمكن، ويؤجل ما لم يمكن إلى أن يمكن، ويعدل ما يأخذه حتى يتفق وعقلية شعبه، ويلتذ من العذاب يصيبه في هذه السبيل، لأنه ربط الإصلاح بعقيدته الدينية، فالدين في نظره ليس صلاة وصوماً فقط، لكنه مع ذلك عمل الخير لشعبه، ولا خير أرقى من الأخذ بيد الأمة لتفهم حقوقها وواجباتها، وتثور على من يقف عقبة في سبيل تقدمها؛ ومن أجل هذا كان هادئاً مطمئناً مستبشراً وهو في منفاه، يرتقب الموت من ساعة إلى ساعة، ويقول لأهله في بعض كتبه: إني أقرأ القرآن وأستعيد حفظه وأستعذب تكرار آية "ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه" وأعدّها أكبر عزاء لي، وأهزأ بما أسمع من هجاء وافتراء، فقد سلّمت كل أموري لربي. إن الحياة محدودة وهي كألعوبة، ومحنتنا يكافئنا عليها ربنا، ولنا أسوة في الأنبياء والأولياء الذين قتلوا أو سجنوا فصبروا على ما أصابهم. فإذا فرغ من عباداته،دوّن بعض مذكراته. *** وقد خدمت أفكاره شناعة وفاته، أكثر مما خدمها جهاده في حياته، فقد ألمت النفوس الخيّرة مما أصابه ألماً ممضاً، وتأججت النار في أفئدتهم وأفئدة من يتصل بهم، وكانت أحداث الظلم المتوالية تغذيها بالوقود، فلما التهبت النيران التهمت عبد الحميد كما التهمت من قبل عبد العزيز. بل لعلها أيضاً هي التي التهمت فكرة الخلافة من أساسها فيما بعد. (1) ضارب أطنابه: مطبق. والأطناب: حبال الخيمة. (2) البذخ: التعاظم. (3) الطغام: ضعاف العقول. (4) إرهاص: علامة ودلالة. (5) غشوم: ظالم. (6) النمط: المذهب والنوع. (7) الجادة: الطريق. (8) الأراجيف: الأخبار الكاذبة السيئة. (9) مقراض: مقص. (10) منوطة: متعلقة. (11) بله: بمعنى دع، أي فضلاً عن قراءته. (12) المكارى: مؤجر الدواب. (13) نطس: ماهرون. (14) حزر: خمن وقدر. (15) أفاق: متنقل في البلاد للتكسب والاغتنام. (16) الحساء: ما يحسى، أي يشرب. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |