مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 444 نيسان 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

لأننا أمةُ (اقرأ)... لنقرأ ـــ فادية غيبور

كم من مرة ألقيت رأسي على وسائد الليل طلباً للراحة فانتابني الأرق متفكرة بزمن كان وزمن سيكون؛ مسافرة باتجاهين متناقضين؛ خلفاً وأماماً؛ ماضياً ومستقبلاً محاولة استقراء جدران الكهوف.. والرُّقم الطينية وأوراق البردي والأوراق الصفراء الأولى بغض النظر عن كونها المكتشف الأهم لدى الصينيين أو المصريين القدماء أو سكان وادي الرافدين.. وغالباً ما أرى أوجه شبه بين الرقم الطينية وأقراص الحاسوب المدمجة..فهذه وتلك استخدمت لحفظ المعلومات؛ ولسنا ندري ماذا يكون بين أيدي الأجيال القادمة..‏

اقرأ.. هي مطلع الوحي على نبينا محمد بن عبد الله (ص)، فقرأ؛ وأوصانا ـــ نحن العرب ـــ بالقراءة؛ قراءة التاريخ والأحداث وقراءة الحاضر واستشراف المستقبل من خلال هذه القراءات مجتمعة؛ فهل قرأنا؟!.. قد يجيب بعضنا: نعم؛ ويجيب معظمنا: لا.. نحن لم نقرأ؛ وكم سمعنا أو رددنا جملة " أمة اقرأ لا تقرأ"؛ ولا شك بأن تعميم هذا القول من الأخطاء الشائعة التي أساءت وتسيء إلى أبناء الأمة العربية؛ وما أكثر هذه الأخطاء في عصرنا الراهن!..‏

وإذا كانت القراءة مفتاح أبواب المعرفة المشرعة على آفاق العلم والمعرفة؛ فماذا عن الكتابة وهي توءم القراءة وصنوها ورديفتها في صياغة المعرفة الإنسانية على امتداد العصور؟!.. ولست أرى مشكلة تتعلق بأيتهما كانت الأولى؟!...‏

غير أن القراءة والكتابة كانتا ولا تزالان محصلة نشاط العقل البشري منذ بداية الخلق حتى يومنا هذا؛ فكيف نهدر الثروة التي أبدعها وجناها العقل البشري على امتداد العصور؟!.. وكيف نسمح لعبارات قيلت لهذا السبب أو ذاك أن تظلم حضارة أمتنا العربية وتضعنا في الصفوف المتأخرة من صنّاع الحضارة؛ هذا إن لم تضعنا في الصف الأخير.. الأخير!..‏

والتأمل في حال القراءة والكتابة وعلاقة أمة (اقرأ) بهما يأخذنا من عالم الطفولة إلى عوالم اليفاعة والنضج جسدياً وفكرياً حيث غدت القراءة آخر هموم أجيالنا الناشئة؛ ربما لأن "التلفزيون" ومن بعده "شبكة النت" استطاعا أن يشدّا إليهما أبناءنا الأطفال واليافعي؛ فإذا بهم غارقون حتى رقابهم في هذا العالم أو ذاك منصرفون حتى الغياب عن قراءة الكتاب.. بل إنهم لمنصرفون عن الكتاب المدرسي لولا ضغوط أوليائهم وقوافل المدرسين الخصوصيين التي انتقلت من المدارس إلى البيوت؛ لا لتثقيف هذا التلميذ أو ذاك الطالب بل لمنحه فرصة لنيل بضع درجات تقربه من تحقيق حلم والديه بأن يكون الطبيب المختص البارع أو الصيدلاني الميسور الحال، متناسين ضرورة أن يكون له حلمه الخاص وتطلعاته الذاتية التي تتلاءم مع ميوله ورغباته..‏

ومن ثمّ فإن حال أجيالنا الشابة حال تدعو إلى الأسى والحزن والخوف؛ الخوف من اتساع رقعة الفراغ الفكري والبؤس الثقافي والانعزال عن الواقع لا بسبب الاستغراق في الحلم بل لانعدام هذا الحلم فعلاً مع انعدام أسسه ومسوغاته؛ فالثقافة الحقيقية تتراجع يوماً بعد يوم أمام الثقافة العامة السطحية التي تلبي حاجة جيل المقاهي و"الأركيلة" ومقاهي النت التي تعدّ حالة حضارية أو يجب أن تكون كذلك؛ ولكنها بكل أسف تحولت إلى فرصة لعلاقات إنسانية سطحية تتمثل بحوارات سطحية ساذجة تدور بين أبناء الجيل الشاب الذين يلتقون من خلال المحادثة المباشرة كتابياً أو صوتاً وصورة.. فإذا ما تيسر لك أن تقرأ بعض ما يكتبون لوجدت العجب العجاب من الأخطاء الإملائية والنحوية وتركيب الجملة العربية بطريقة تربك عظام سيبويه في قبره.‏

بصراحة مطلقة لست أنصّب نفسي وصية على جيل تتراجع علاقته بلغته لسبب أو لآخر؛ لكنني أشعر بالمزيد من الخوف والإحباط عندما أسمع قاصّةً لا تحسن قراءة قصتها بأسلوب مشوّق معبر؛ أو شاعراً لا يتقن قراءة نصه الشعري ويبدو كل منهما كالقابض على نصّه من خارج جسده وروحه.. لست وصية على الأدب او الأدباء أو النصوص الأدبية ولكنني قلقة على أجيال قد تصل ذات يوم حدّ الغربة والتغرب عن الورق والقراءة والكتابة.. قلقة على زمن قادم ننسى فيه القراءة؛ ويصدق فينا قول القائلين: (أمة اقرأ.. لا تقرأ).‏

أيها الأصدقاء تعالوا نقرأ... قبل فوات الأوان.. تعالوا نـ...قـ..ر..أ.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244