مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 444 نيسان 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

ثقافة الحوار والتسامح ـــ ندرة اليازجي

مقدمة‏

يتمثل هذا البحث في إقامة تأليف بين المقولات الأربع التالية:‏

أولاً ــ الحوار بوصفه السبيل المؤدي إلى التفاهم وحلّ النزاعات.‏

ثانياً ــ ثقافة التسامح بوصفها تجاوزاً للإدانة والإدانة المضادة.‏

ثالثاً ــ المبادئ التي تتضمن فيها حقيقة الحوار وثقافة التسامح.‏

رابعاً ــ رسالة إلى صديق وضع كتاباً عنوانه "الإدانة والإدانة المضادة".‏

أولاً ــ الحوار بوصفه السبيل المؤدي إلى التفاهم وحلّ النزاعات:‏

يتمثل الحوار، الذي يتحقق بين الإنسان ونفسه على مستوى تبرير اليقين الذي يعتمده لتأسيس معتقده أو وجهة نظره أو محاكمته أولاً، وبينه وبين الآخر، أياً كان هذا الآخر، على مستوى الاعتراف والقبول به وفهم موقفه الفكري ثانياً، في ضرورة تأسيس بنية عقلية منفتحة، مكوِّنة وواعية تصلح لإجراء تفاهم معمق بين أبناء وبنات الإنسان يهدف إلى إرساء قاعدة يتوطد عليها جرح مجتمع إنساني متكامل أبعاده ومستوياته العديدة والمتنوعة في المحبة والحكمة والتسامح والسلام والطمأنينة والازدهار، ويتجاوز الأطر المحددة والمناهج الأحادية البعد التي أشرطت العقل والنفس والروح، وحالت دون تطوير الوجود الإنساني والسمو به إلى مستويات مثالية، وأدت إلى عدم تحقيق المغزى الروحي المضمون والكامن في الوجود على مستوى الواقع الطبيعي والإنساني والكوني، وإسقاط المعنى والقيمة المتأصلين في جوهر الحياة. وفي هذا المنظور، أسعى إلى تقريب وجهات النظر العديدة في إطار التأليف الحواري القائم على أسس عقلية ونفسية وروحية سامية وواعية، وعلى معرفة الطريق المؤدي إلى التلاقي مع الآخر والتفاهم معه على أساس الاعتراف بالتنوع المتأصل في جوهر المبادئ الإنسانية والمبادئ الطبيعية والمبادئ الكونية التي أبدعها الوعي الكوني الماثل في الألوهية، وهدف إلى تحقيق تأليف بينها يشير إلى تكاملها وتآلفها في حقيقة واحدة سامية. والحق إن هذا التأليف واجب ملقى على عاتق الإنسان واجب يدعوه إلى توحيد نطاقات ومستويات المبادئ.‏

لما كان الحوار يتألف من تكامل المواقف الفكرية والنفسية والروحية التي تشير، بدورها، إلى تنوع المبادئ وتوافقها في انسجام يكمن في وحدة تأليفية تجد أصولها في عمق الوعي والحكمة والمحبة، فإني أسعى جاهداً لتحقق ما يوجد في عمق كياني على نحو كمون لأعاين وأحيا الوحدة الضّمنية والجوهرية التي تجمع الإنسانية كلها في حقيقة واحدة متنوعة في ظاهرها وفي مستويات تعبيرها ومتكاملةٍ في جوهر رموزها وتمثلاتها وأسرارها.‏

في هذا المنظور، استطعت أن أتمثل الحضارات والثقافات والأديان وتأليفها في تكامل توحيدي يُبدع مني إنساناً منسجماً في كيانه، ومتوازناً في صميمه ومتفهماً للتنوعات الحضارية والثقافية والروحية ومحباً للإنسانية جمعاء.‏

علمت أنني أمثل ثقافة عقلية وروحية شاملة متنوعة في ظاهرها ومتكاملة ومتآلفة في جوهرها تحيا في داخلي وتُمدني بقوة الحياة الواعية وتوازن الشخصية الحكمية.‏

وحدستُ ببصيرتي ما تشتمل عليه حديقة كياني من مفاهيم وقيم ومبادئ وعقائد لا تتحقق في وحدة ولا تتكامل في انسجام ما لم أكن قادراً على إبداع تأليف بينها، تتناغم في نطاق تنوعات الروعة التي تنطوي تحت كنف الحقيقة الواحدة وبهاء اللقاء المضيء بشعاع المحبة. والحق إن العقل، الذي يزدهي بجمال التنوّع، يتألف في غبطة النور وعظمة الروح. في هذا المنظور، أدركت أن المفهوم السامي والمغزى العميق يتضمنان في الوجود الإنساني ويتجليان في المقولات التالية:‏

أولاً ــ يشير واقع الحضارات والثقافات والأديان إلى تنوع ظاهري وتوافق أو انسجام أو تكامل يتألف في حقيقة واحدة.‏

ثانياً ــ يشير واقع وجودنا، على مستوى كوكب الأرض، إلى التنوع الظاهري والوحدة الباطنية الجوهرية.‏

ثالثاً ــ يشير التنوع إلى الحكمة السامية التي تؤكد بأنه قانون أو مبدأ إنساني ــ اجتماعي، وقانون أو مبدأ طبيعي، وقانون أو مبدأ كوني.‏

إذ بلغت هذا المستوى من التفكير الواعي والمجرد من الانفعال وضيق الأفق الفكري سألت نفسي: كيف أجعل من الحوار سبيلاً إلى تلاقي التنوعات العقائدية ووجهات النظر العديدة والمختلفة؟ كيف تؤدي المحبة والوعي والحكمة إلى لقاء الإنسان مع الإنسان، وتحقيق الآخر في الآخر ليكون لكل إنسان صورة حقيقية لكل إنسان في مرآة الوجود؟ كيف تلتقي التعبيرات المتنوعة لتشكل لوحة الوجود الواحد؟‏

علمت أن الإنسان الحكيم يبحث في المبادئ الإنسانية والطبيعية والكونية ساعياً إلى تمثلها وتحقيقها وتأليفها في كيانه، وهادفاً إلى تجاوز النزاعات الناجمة عن الجهل بحقيقة الوجود ؟ في الحياة وبالمثل، علمت أن الإنسان العاقل يبحث في الظاهر ليعرف الباطن. أما الإنسان العادي فإنه يتحدث عن الأشخاص ليصل إلى فردية حقة يحتمل أن تكون ؟؟‏

في سبيل هذا التحقيق، أود أن أورد بعض النقاط المتصلة بالتفاهم الذي يؤدي إلى اللقاء ضمن نطاق الاعتراف الكامل بالآخر والقبول الكامل به.‏

أولاً ــ المحبة، التي تتجاوز مركزية الأنا، هي السبيل الوحيد والحقيقي لتحقيق الحوار، والأسلوب الذي يشير إلى التّسامح العقلي والروحي الذي يشير، بدوره، إلى الإصغاء التام الرصين والهادئ، ومن ثم الفهم الكامل لما يقدمه الآخر أو يعرضه. في المحبة أفهم ما يقوله الآخر وما يفكر على نحو يجعلني ألتقي معه في نطاق الوعي والحكمة. لذا، كانت محبتي للآخر تمثل الطريق الذي أسلكه باتجاه الحقيقة السرمدية. هذا، لأن الحياة الأبدية لا تفتح بابها إلاَّ لمن كان محباً للآخر، ولأن محبتي للأبدية تتمثل وتتحقق في محبتي للآخر.‏

ثانياً ــ العقل المنفتح والقلب المنفتح اللذان يعتمدان الحوار الواعي وغير المتحيز، ويتجاوزان انفعالات وإشراطات العقل المكوَّن المحتجز داخل قوقعة الأنا المغلقة والقلب المغلّف في نسيج الحب الانفعالي الملازم بعنصرية الأنا التجميعية المتصلبة.‏

ثالثاً ــ العقل المكوِّن الذي يعيد النظر في موروثات الماضي العمودية، ويتحرر من القيود التي فرضتها التفاسير الحرفية والاجتهادات المتصلبة والراسخة في زمانها ومكانها، ويتجاوزها إلى عقلانية روحانية تتأمل الرمز وتستغرق عمق جوهر المعنى والمضمون.‏

رابعاً ــ الاعتراف بأن جميع الحضارات والثقافات والأديان الوضعية وغيرها روافد تصب في نهر الإنسانية الواسع الذي هو كتاب الأبدية وسجل تاريخ الروح على الأرض.‏

خامساً ــ الإرشاد الحكيم الذي يشير إلى استبعاد توطيد أسس القطب الواحد في نطاق معرفة الحقيقة المطلقة أو امتلاكها أو احتكارها وحرمان الآخر من هذه المعرفة.‏

سادساً ــ السعي إلى تحقيق حوار يقوم على عقلانية روحية يتميز بها العرفانيون الذين ينتمون إلى جميع الفئات المستنيرة.‏

سابعاً ــ كما أن الناس يختلفون في ما بينهم بعدد القضايا الروحية، كذلك يختلفون أيضاً بعدد القضايا الأخرى، اقتصادية كانت أم اجتماعية أم سياسية أم فكرية الخ. فما من قضية إلاَّ ويدور حولها الخلاف أو الاختلاف. والحق إن الاختلاف يعد واقعاً طبيعياً يعود إلى وجود التنوع، ولا يُحل إلاَّ بالحوار.‏

ثامناً ــ على هذا الأساس، يتركز اهتمام الحكماء على القضايا الإنسانية التي، وقد بلغت ذروة التفاهم بين الفئات المختلفة، تصبح الغاية المثلى التي أرادته الحقيقة السامية المطلقة. وهكذا، يتجنّب الحكماء البحث في قضية الوجود قبل الموت وبعده لتبقى قضية تعود لنطاق الحقيقة السامية المطلقة.‏

أخيراً، أسمح لنفسي أن أتصوّر ما يحتمل أن تعلنه الحقيقة السامية المطلقة للناس، فأقول: يا أبناء الأرض، لا تتناحروا بشأن قضية الآخر لأنني أطلب منكم، منذ الأزل وإلى الأبد، أن تنبذوا خلافاتكم ونزاعاتكم التي جعلتموها مستعصية على الحل ورافضة للتعديل، وتحبوا بعضكم بعضاً، وتتعارفوا بوعي وتتعاونوا بصدق لكي تستعيدوا الفردوس الذي فقدتموه بعد تفرّقكم الذي أدّى إلى إحداث النزاع والصراع، وبعد وجود الانقسامات المذهبية، وتستعيضوا عنه بفردوس أرضي تحققون فيه محبتي لكم ومحبتكم لبعضكم، وتتثبتون ببركتي التي أمنحها لكم. تلك هي إرادتي: أن تكونوا مسؤولين باتجاه بعضكم، وتنبذوا الإدانات المتبادلة التي تؤدي إلى النزاع والصراع.‏

ثانياً ــ ثقافة التسامح التي تتجاوز الإدانة والإدانة المضادة‏

عندما دخلت إلى عمق كياني باحثاً عن حقيقة مبدئي وأصالة رأيي ومعتقدي، وجدت تنوعاً من الآراء ووجهات النظر تماماً كما وجدت وحدة إنسانية شاملة. أدركت أن عقلي تأليف لثقافات ومعارف عديدة ومتنوعة شكّلت كياني وكوّنت شخصيتي.‏

أدركت أنني أمثل إنسانية متنوعة في ظاهرها ومتكاملة في باطنها. وتتألف في وسطها ثقافتي العربية الخاصة. أدركت أن الثقافات والحضارات والأديان تحيا في داخلي، على نحو متسامح، وتستغرق كياني. وعلمت أن وجودي لا يتميّز بالقيمة والمعنى إن كان كياني يخلو من لقاء الثقافات والحضارات والأديان في تفاهم متسامح، وأن معارفي ومبادئي لا تتشكل بمعزل عن هذا اللقاء المتّسم بالتفاعل وبالحوار المتسامح والحافل بالموقف الفكري الإيجابي.‏

أدركت أن التاريخ الإنساني، الذي يتصف بثقافة التسامح، يتمثل بنهر الإنسانية الذي يحمل، عبر روافده، تراث الحضارة الإنسانية حيث تلتقي الثقافات وتتفاعل العقول البشرية على نحو إيجابي باتجاه المحبة، والوعي، والحرية، والمعرفة وتتكامل ضمن نطاق حقيقة إنسانية متسامحة تتألف بالفهم الحقيقي لمبدئي ومبدأ الآخر ـ‏

بدأت، وأنا ممتلئ في داخلي ومستغرق في تأمل عقلي واع، بدراسة مناهج وجهات النظر المختلفة والمتنوعة، مذهبية كانت أم عرفانية أم سياسية أم اجتماعية أم علمية أم غير ذلك، أدركت أن الانتماء المتطرف والمنفعل يُحتمل ألاّ يساعدني على تحقيق ثقافتي الإنسانية المتسامحة، وبالتالي يُحتمل ألاّ يُمدني بالإرادة والقدرة على تبنّي ثقافة إيجابية ومنفتحة إزاء الآخر. وفي القرار الواعي الذي اتخذته، أصبحت صديقاً مخلصاً، ودوداً، ومحباً ومتفهماً لجميع التيارات العقائدية والثقافية والحضارية، دون أن أضيّق على نفسي وجهة نظر معينة، إذ يُحتمل أن تكرّمني على اتخاذ موقف عدائي، أو نزاعي أو صدامي مع أنصار أو أتباع وجهة نظر أخرى. وفي هذا المنظور، أدركت أن مثالية وجودي تسعى إلى التحقيق في نطاق الثقافة المتسامحة.‏

هكذا، تيقنت أن الغاية الأسمى والمغزى الحقيقي لوجودي يكمنان في الوعي الذي يشمل المعرفة والمحبة والفضيلة. وفي سبيل تحقيق هذه الغاية، اكتشفت طريقي واتخذت قراري الماثل في إرادتي الحرة التي أشارت إلى عملية البحث عن الحقيقة في إنسانية أبعادها ونطاقاتها، والسعي إلى معرفة جوهرها عبر ثقافة منفتحة ومتسامحة.‏

في هذا النطاق الفكري المتسامح، جعلت من عقلي حديقة أزرع فيها أنواع العلوم، والمبادئ، والعقائد والثقافات التي كوّنت ومازالت تكوّن مني إنساناً متميزاً بثقافة التسامح، وأرى الإنسانية كلها في كياني، وأعاين الكون كله في داخلي، وأسعى إلى تحقيق فضيلة عقلانية، إيجابية ومتسامحة وأتميز بوعيٍ يرشد إلى محبة الإنسان دون النظر إلى لونه أو عرقه، أو وطنه، أو مذهبه، أو فكره، أو وجهة نظره أو عقيدته. وهكذا، جمعت المعارف المتنوعة في نسيج واحد متعدد ألوان خيوط الحياكة.‏

في هذا المنظور، أعترف بوجود إنسانية واحدة تنسحب، في مجمل كياناتها، على جميع الشعوب عبر تعدد أنواعها وأعراقها وألوانها وعقائدها وثقافاتها. لذا، توجد إنسانية شاملة تتنوع في مستويات صياغة التعبير عن مفاهيمها المتكاملة في واقع وجودها.‏

هكذا، تتنوع الحضارات والثقافات في نطاق إنساني متكامل. وهكذا، يعترف الإنسان الواعي والمتكامل في كيانه، والمجتمع المتكامل في ثقافته بالتكامل القائم في كيان المجتمعات الإنسانية الأخرى، المعبِّر عنه بالتكاملية الإنسانية الضمنية ولقاء الشعوب في وجودهم مع بعضهم، بحيث يلتقي الآخر مع الآخر في عالم يسوده مبدأ التسامح.‏

في هذا النطاق الفكري المنفتح والمتسامح، تعمقت في دراسة المدارس الفلسفية باحثاً عن الحقيقة. وبالمثل، تعمقت في دراسة مفاهيم علم النفس ساعياً إلى فهم نفسي وهادفاً إلى بلوغ التكامل والتوازن في داخلي. وفي السياق ذاته، تعمقت في دراسة الأديان لأكتشف الحكمة المنطوية فيها. وأخيراً، درست العلوم عامة لأفهم حقيقة القوانين الطبيعية والكونية، وأدرك سر المعجزة الكامنة في جوهر الوجود. وفي هذا المنظور، علمت أنني أسعى إلى تمثل ثقافة متسامحة تتيح لي فرصة الإطلاع على مبادئ الآخرين، وفهمها واحترامها. هكذا، أدخلت الآخر إلى دائرة وعيي، وهدفت إلى تحقيق المشاركة الفاعلة بينه وبيني، وبناء جسر معرفي بيننا.‏

أدركت حقيقة ثقافة التسامح؛ علمت أنها الأساس أو القاعدة التي يتوطد عليها صرح الاعتراف الكامل والقبول الكامل بالآخر والحق إن الآخر يشكل عنصراً مكوّناً رئيسياً وهاماً في بناء شخصيتي عبر العلوم والمبادئ والمعارف المتنوعة التي يُمدني هذا الآخر بها. وفي هذا المنظور، علمت أن جميع الحكماء والمبدعين والمفكرين المثاليين والعلماء الإنسانيين قاموا بدور أساسي في تكوين كياني وشخصيتي. هذا، لأن الآخر، الذي حقق إنسانيته، جعلني ما أنا عليه من معرفة وفضيلة وأخلاق وخير.. إنها إيجابية الشعور والتفكير بأهمية وجود الآخر المتميّز بمبادئ ثقافة التسامح في وجودي.‏

بالإضافة إلى ما ذكرت، أدركت أن ثقافة التسامح تتحقق على مستويين:‏

1 ــ مستوى أخلاقي أحقق فيه سمو كياني الإنساني الممتلئ بالمحبة والتعاطف والمشاركة، وأتجاوز الموقف السّلبي الصادر عن الآخر.‏

2 ــ مستوى عقلي أحقق فيه حكمة منطقي وصدق محاكمتي التي تقضي بفهم الآخر، أي فهم موقفه الفكري، ووجهة نظره، ومبدئه وعقيدته لسبب أصيل يدعوني إلى احترام الاختلاف القائم، والاعتراف بالتنوع أو التعدد الذي يُغني الوضع البشري في كل مجال من مجالات المعرفة وفي كل حالة تتوقف فيها الروابط والعلاقات الإنسانية المتسامحة.‏

يشير هذان المستويان إلى تجرد ثقافة التسامح من الإدانة والإدانة المضادة. والحق إن التسامح لا يشير، من قريب أو بعيد، إلى تعاطي إنساني يعتقد أنه يمتلك الحقيقة المطلقة وإدانة إنسان آخر متّهم باقتراف ذنب أو ارتكاب خطأ أو نقص في المعرفة، أو تعالي إنسان يعتقد، نتيجة لمركزية أناه المضخّمة، بأنه أكثر أهمية أو أكثر فضيلة أو أكثر حكمة، في ناحية معينة، من غيره. هذا، لأن ثقافة التسامح ليست مجرد شفقة أو مجرد مفقرة باتجاه الآخر أو مجرد تغاضٍ عن خطأ مرتكب والترفع الظاهري عنه. وبالفعل، تعد ثقافة التسامح تفاعلاً حقيقياً بين الإنسان والإنسان، وبين المجتمعات البشرية. وتتألف هذه الثقافة في احترام الإنسان للإنسان عبر امتداد كيانه في كيان الآخر. وإذا كان الآخر هو من يساعدني على تثقيف إنسانيتي وتحقيقها بموهبة معيّنة، فإن إنسان ثقافة التسامح كائن يتجاوز الإدانة والإدانة المضادة، ويُمد إنسانيته ويوسّعها بعمق إلى الآخر المتميّز بإنسانية مماثلة.‏

يؤلمني أن أرى الإشراطات والعوائق العديدة التي تحول دون تحقيق ثقافة التسامح. ومن جانبي، أعتقد أنها تنضوي تحت عوامل مأساوية ثلاثة:‏

أولاً ــ ردود الأفعال الانفعالية التي يُحتمل أن تؤدي إلى الإدانة وبالتالي إلى التطرف والعنف.‏

ثانياً ــ القناع الذي يحول دون رؤية الحقيقة أو عدم فهم الآخر.‏

ثالثاً ــ الموقف السلبي المتجسّد بالتفسير الحرفي والنفعي والفهم الظاهري للمبادئ الإنسانية والروحية.‏

أولاً ــ ردود الأفعال الانفعالية التي يحتمل أن تؤدي إلى الإدانة وبالتالي إلى التطرف والعنف‏

أود أن أبدأ بمعالجة موضوع العنف أولاً وموضوع التطرف ثانياً. ومن جانبي، أعتقد أن العنف ليس نزعة أو صفة أصيلة وملازمة لكيان الإنسان. هذا، لأن الإنسان كائن عامل يسعى إلى توطيد دعائم عقلانية المتسامية إلى المزيد من الوعي والحكمة والمنطق. المتماسك في أحكامه، لذا، كان العنف مجرد انفعال مكتسب، ضاغط ومتراكم في اللاّوعي يطيح بملكة العقل والوعي. والحق إن العنف لا يتصل بمفهوم القوة. هذا، لأن القوة تعني التوازن أو التماسك أو التكامل الداخلي في كيان الإنسان. وعلى سبيل المثال، يعد المحب قوياً في محبته، والكريم قوياً في كرمه، والمضحيّ قوياً في تضحيته، والعارف قوياً في معرفته، والمتواضع قوياً في تواضعه، والمتسامح قوياً في تسامحه... هؤلاء جميعاً أقوياء لأنهم متوازنون ومتكاملون ومتماسكون في كيانهم. أما العنف فإنه يشير إلى انفعال طاغ في حال دعمه بوسيلة أو أداة قد تكون مالاً، أو منصباً، أو سلاحاً أو معتقداً الخ.. إنه مجرد انفعالات متراكمة ومكبوتة أو مكبوحة في اللاّوعي، ومهيأةٍ للانفجار في كل لحظة واعية يثيرها انفعال خارجي أو داخلي.‏

في هذا السياق، أسعى إلى معالجة موضوع التطرف الذي يشير، بدوره، إلى الانفعال الفاعل نتيجة لتعاظم الكتب أو الكبح، ويحتمل أن تكون الأسباب الانفعالية الداعية إلى التطرف الملازم للتعصب هي الأسباب ذاتها الداعية إلى العنف. وبالفعل، يعد التطرف ملازماً للعنف، وبخاصة إن كان نتيجة لاعتقاد الإنسان بأنه يمتلك الحقيقة المطلقة أو يختص بامتلاك الحق. وعلى سبيل المثال، يكون الكاره عنيفاً في كرهه لأنه ضعيف، والمعتقد بمطلق جواب معتقده عنيفاً في موقفه لأنه ضعيف، والمنفعل بمركزية الأنا عنيفاً في انفعاله، لأنه يعاني من ضعف يسيطر عليه والمتكبر عنيفاً في سلوكه؛ لأنه ضعيف الشخصية يعوّض عن عقدة النقص بعقدة العظمة، والمنفعل بتفوق عرقه أو عنصره أو أصالته أو فرديته عنيفاً لأنه ضعيف الشخصية، والجاهل عنيفاً في جهله لأنه يدافع عن ضعف معرفته ويرفض كل حقيقة تمس ضعفه الخ. جميع هؤلاء الضعفاء عنيفون لأنهم فقدوا توازنهم أو تكاملهم الداخلي. وعلى هذا الأساس، يتصف العنف، والتصلّب في الرأي، والتطرف في اتخاذ القرار، والموقف السلبي بردود الأفعال السلبية والانفعالية التي هي مجرد إضافات تراكمت في اللاّوعي، ونتجت عن التربية الانفعالية التي تلقاها الإنسان في صغره ونشأ عليها وأدت إلى بروز الأنا العليا المضخّمة التي أضاعت توازنها وتكاملها.‏

ثانياً ــ القناع الذي يحول دون رؤية الحقيقة ويؤدي إلى عمى فكري ينأى عن فهم الآخر والاعتراف به.‏

يتمثل مفهوم القناع في البرقع الذي يحجب عن الإنسان القدرة أو الإرادة الحرة الهادفة إلى معرفة الحقيقة أو معاينتها، ويؤدي إلى عمى فكري يحول دون فهم وجهة النظر التي تبنّاها الآخر. هذا، لأن القناع هو كل ما يحول دون تحقيق المعرفة، ويعرف العقل عن تبنّي المبادئ السامية. هكذا، أدركت أن الجهل، والوهم، والتعصب، والاعتقاد بامتلاك الحقيقة المطلقة وحرمان الآخر من امتلاكها، والأنانية، والتعلّق الشديد، والرغبة الجامحة، ومركزية الأنا المضخمة، وضيق الأفق الفكري، والتكبّر، والاستغلال، والطمع، والظلم، والقسوة، والكراهية، ورفض الاعتراف بالآخر، وعدم القبول به، والتصلّب بالرأي، وسوء الفهم، والتطرف، والموقف السلبي، الخ. انفعالات تشكل الخيوط التي يحاك منها نسيج القناع. الحق إن الحكماء، في أصقاع العالم دعوا الإنسان، الذي يسعى إلى الحياة في الحكمة، إلى إزالة القناع أو الأقنعة العديدة وإلى الخلاص من الإشراطات الكثيرة التي تقيّده، وتخضعه، وتعزله وتقصيه عن معرفة حقيقته الأرضية والكونية, وتحجب عنه حضوره في الآخر وحضور الآخر فيه ضمن تكاملية التعدد والتنوع التي تشير إلى وجود ثقافة التسامح في العلاقات الإنسانية.‏

ثالثاً ــ الموقف السّلبي المجسّد بالتفسير الحرفي والنفعي للمبادئ الإنسانية والروحية‏

في الفهم العقلي المستنير لمبدئي ومبدأ الآخر، يبلغ الموقف السلبي والنفعي والتنكّر للآخر نهايته، ويتحقق البرهان الذي يؤكد أن جميع المبادئ الإنسانية والروحية تمثلت الحقيقة الواحدة في تنوعات التعبير والصياغة. ويؤسفني أن أقول: إن عدداً كبيراً من المفوضين القائمين على تطبيق هذه المبادئ في النطاق الاجتماعي والإنساني، والمسؤولين عن توجيه الناس وإرشادهم عجزوا عن فهم الحكمة المكنونة فيها والعمق المضمون في مثاليتها، الأمر الذي أدى إلى الانحراف باتجاه الموقف السلبي والتنكر للآخر، وتحويلهما إلى عنصرية متطرفة أو عقائدية متصلبة حوّلت سعادة الإنسان إلى تعاسة، ونورَ الحياة إلى ظلام، والمحبة إلى كراهية، والفردوسَ إلى جحيم.‏

لمّا كان أنصار أو أتباع الموقف السلبي يذهبون مذاهب شتى ومتعددة تتناسب مع مصالحهم الفردية والنفعية أو مع مستوى إدراكهم المنفعل والمتدني، فقد تجزأت وجهة النظر المبدئية إلى وجهات نظر متنافرة، أو متباينة، أو متباعدة أو متناقضة أدت، في نهايتها، إلى خلافات تجاوزت حدود الاختلاف. والحق أن الاختلاف مفهوم أساسي في نطاق التنوع الذي تؤكد عليه ثقافة التسامح. وقد انتهت هذه الخلافات، أيّاً كان نوعها، إلى الصراع واندلاع الحروب، وإلى النزاع الدائم الذي لم يسع القائمون على إدارة شؤون الناس وتوجيهها لتكون قوة فاعلة للخير والمحبة وتنتهي في البحث عن حلّ إيجابي. وهكذا، عانت البشرية، ومازالت تعاني بسببهم من ألم سلبي وتعاسة مريرة يُردّان إلى التخلّي عن المحبة الممثلة بلقاء الإنسان مع الإنسان في النطاق الذي تدعو إليه ثقافة التسامح.‏

ثالثاً ــ المبادئ التي تتضمّن فيها حقيقة الحوار وثقافة التسامح‏

تتحقق ثقافة الحوار والتسامح في المبادئ التالية التي تتوطد عليها أسس الحياة الإنسانية الهادفة إلى التحقق في سمو الوجود الإنساني:‏

1 ــ محبة الإنسانية جمعاء بغض النظر عن الجنس، واللون، والعنصر، والمعتقد والدين.‏

2 ــ توحيد نطاقات الفكر الإنساني ووجهات النظر العديدة والمتنوعة في دراسة مقارنة تتضمن في وحدة تأليفية للدين بمفهومه الروحي، وللفلسفة بمفهومها الإنساني والمثالي، وللعلم بمفهومه النظري والطبيعي والكوني.‏

3 ــ تعمق وتوسع في دراسة القوانين الطبيعية، والإنسانية، والاجتماعية والولوج إلى نطاق أو مستوى القوانين الكونية التي تشملها.‏

4 ــ الشعور الكامل بالقيمة والمعنى المضمونين أو الكامنين في الوجود، أي المعرفة بمفهومها العرفاني الذي يشير إلى وجود وعي كوني يشمل جميع القوانين والمبادئ.‏

5 ــ التجربة النفسية أو العقلية المتسامية أو الروحية المختبرة التي تتألق في عرفان يتجلّى في تحقيق الشعور الأسمى بتكامل الوجود الطبيعي والإنساني والكوني.‏

6 ــ واقع الحضارات والثقافات والإنجازات الرائعة المتنوعة مقولة تشير إلى وجود تنوع ظاهري وتؤكد وجود حقيقة باطنية أو جوهرية واحدة، وعقل إنساني جماعي وشامل، ووجود روح فاعلة في التاريخ الإنساني.‏

7 ــ العقل المنفتح والقلب المنفتح سبيل إلى لقاء الإنسانية في حوار يتبنى المحبة والاعتراف الكامل بالآخر والقبول الكامل به، وإلى تفاعل العقل الخاص مع العقل العام في قاعدة واحدة مشتركة بين العقول الفردية تشير إلى احترام التجارب الروحية التي اختبرها حكماء آخرون في أنحاء العالم.‏

8 ــ تمثل الطبيعة والكون والعالم في نسيج واحد متداخل خيوط الحياكة.‏

9 ــ تأسيس بنية عقلية ونفسية منفتحة ومكوِّنة تصلح لإجراء حوار بين أبناء وبنات الناس لقبول الآخر والاعتراف به، وتتجاوز الأطر المحدودة والمناهج الأحادية البعد.‏

10 ــ الإعلان العالمي لواجبات الإنسان الذي يشتمل على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ويدعو إلى تربية إنسانية وإيجابية فاعلة تجعل من الواجب أمراً أخلاقياً وروحياً.‏

11 ــ المثالية بوصفها تطويراً للواقع المُعاش كما يجب أن يكون، أي التحوّل من الوجود إلى الوجوب.‏

12 ــ السعي المثّابر والهادف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية الملازمة لكرامة الإنسان وحريته الماثلتين في الوعي... السعي الدائم لتحسين الأوضاع البشرية في نطاقاتها ومستوياتها العديدة.‏

13 ــ توطيد التفكير المنطقي لبلوغ محاكمة سليمة تنقذ العقل من تحديدات الإشراطات العديدة التي تحول دون تطويره إلى عقل واع متصل بحكمة الروح.‏

رابعاً ــ رسالة إلى صديق وضع كتاباً عنوانه "الإدانة والإدانة المضادة".‏

غمرتني سعادة، بلغت حدود الغبطة، وأن أقرأ بعمق الوعي وحكمة الروح ومنطق العقل المنعتق من كل إشراط وانفعال، كتابك "الإدانة والإدانة المضادة". شعرت، وأنا أتأمل مضامين العبارات والأقوال والآيات التي ذكرتها، أن غايتك تمثلتْ، وأنت تعالج كل عقيدة، أو مبدأ، أو شريعة أو منهج فكري، في التأكيد على الأخذ بالحكمة المضمونة في كل واحدة منها، واتجهتْ إلى لوم أو عتاب الذين حرفوا ديناميكية المعرفة الروحية إلى ميكانيكية التفسير اللفظي والحرفي.‏

في هذا المنظور، يدين أنصار المناهج المتصلبة والمقيدة بحرفية النص بعضهم بعضاً على نحو صراع أو نزاع يؤدي إلى عدم الاعتراف بالآخر وعدم القبول به، وينتهي فيه التنوع الحضاري والثقافي والروحي، الذي أرادته الحقيقة السامية قانوناً شاملاً، إلى الاحتضار والموت.‏

هكذا، يصبح العالم حقلاً تتصارع فيه الإدانات المصطنعة. والحق إن صفحات التاريخ تمتلئ بالكثير من الشعارات الزائفة التي تدين أو تشوه الحقائق الخاصة التي تتميّز بها الحضارات والثقافات والمبادئ الروحية والإنسانية. وفي الوقت ذاته، تدين هذه الشعارات بعضها لسبب هو أنها تعجز عن الامتداد أو الاتساع إلى شمولية الوجود الإنساني. وبالمثل، تدين القيم والمفاهيم الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية بعضها لأنها تتصلّب في إيديولوجيات ومنظورات تؤدي، وهي تتعصب لمواقفها، إلى النزاع والصراع. وفي هذه الإدانة وعدم الاعتراف بالآخر وعدم القبول به، تكمن بذور الشر، وأنواع التعصب، وسوء الفهم وحرمان الآخر من حق التعبير. ويحتمل أن تؤدي هذه الإدانة إلى إنكار العقيدة، أو المبدأ، أو الموقف الفكري الذي لا يخضع لهيمنة العقيدة السائدة التي تدّعي الحق بامتلاك الحقيقة المطلقة. وهكذا، يصبح العالم حلبة صراع تُستبعد فيها الحقيقة، والمحبة والحكمة ويسود فيها الجهل والكراهية.‏

إذ تمثلت ما جاء في كتابك بحكمة ووعي، أدركت أنك تتميز بمثالية أمدّتك بالقدرة والإدارة الفاعلة على التأليف بين أنواع الحقائق المتعددة والمتنوعة في جوانبها التعبيرية والكامنة في الحقيقة الواحدة الماثلة في جوهر المبادئ الروحية وفعاليته والحضارات والثقافات في تكوين الإنسان.‏

في هذا المنظور، رأيتك تتجاوز مفهوم "التعبير اللفظي" إلى مفهوم "التعبير التأويلي" الحافل بالوعي المتسامي إلى مثالية الروح. والحق إن معضلة التعبير اللفظي، والبقاء في نطاق حرفية المبنى والتغاضي عن عقلانية وروحانية المعنى قضية تعيق لقاء العقول البشرية، وتحول دون تآلف النفوس والأرواح في حقيقة واحدة سامية هي الحقيقة السامية والمطلقة المتجلية في تنوعات التعبير والصياغة.‏

يسعدني أن أقول: إن رؤيتك أو معاينتك لما يتألف، على نحو تكامل أو تآلف، في باطن الحقيقة الواحدة الماثلة في تنوعات التعبير اللفظي، على نحو مؤشر، وفي تنوعات التعبير التأويلي على نحو عرفان أو معرفة جوهرية، موضوع يستحق التقدير والاحترام. لقد أعدت الكثرة المتنوعة، التي بلغت حدود التمزّق والانقسام والتجزئة على أيدي الحرْفيين المعروفين بمحدودية تفكيرهم وسوء فهمهم، إلى الوحدة المنسجمة والمتآلفة في تعددات وتنوعات تعبيراتها وصياغاتها.‏

يسعدني أن أقول: إني وجدت فيك إنساناً كونياً مؤمناً بالتنوع الحضاري والثقافي والعقائدي، ومعترفاً بالوحدة الباطنية والجوهرية اللاّحمة لتعددات وتنوعات التعبير والصياغة. وبالإضافة إلى هذا الإيمان المبني على عقلانية منفتحة، رأيتُ فيك مفكراً يدافع بحماسة وشجاعة أدبية عن حق التعبير على نحو تلتقي فيه التنوعات الظاهرية حيث يظل طيف الوعي الإنساني متكاملاً على نحو لا يُقتطع منه جزء أو مرحلة، وحيث يبقى نهر الحضارة والثقافة الإنسانية محتفظاً بوحدة تلتقي فيها الروافد العديدة والمتنوعة على نحو تآلف يشمل التاريخ الروحي للإنسانية.‏

تمثلتك، وأنت تعود إلى الأصول أو الينابيع أو الجذور التي انبثقت منها المبادئ المتنوعة في هذا الشرق، الإنسان الراقي الذي يدعو إلى المحبة والسلام والتفاهم، وإلى اعتبار الإنسانية شجرة واحدة تتأصل في جذور واحدة وتتغذى منها على نحو متساوٍ، وتتميز بفروع، أي بأغصان عديدة ومتنوعة بأشكالها تتمثل ضوء الشمس على نحو متساو سواء بسواء.‏

رأيتك تدعو إلى تمثل الحقيقة الواحدة الماثلة في تنوعات التعبير.‏

رأيتك تُخرج الذين أشرطوا الروح والعقل بصلابة الحرف من دائرة الأصول الجوهرية الواحدة إلى نطاق التجزئة والانقسام حيث تسود أنواع النزاع والصراع المؤدية إلى الحروب.‏

رأيت فيك إنساناً ممتلئاً بقوة الروح، وداعياً إلى إجلال الحياة في عالم إنساني تسوده المحبة والإخاء والسلام.‏

رأيت فيك مصلحاً يناشد الناس ويدعوهم إلى نبذ الإدانة والإدانة المضادة، ويحثهم على إدراك ومعرفة الحقيقة الماثلة في المبدأ الذي يدعو، بدوره، إلى تجاوز سلبية الإدانة ليبلغ إيجابية الحوار المتحمل للآخر والمتسامح معه. والحق إن هذا المبدأ الكوني يشير إلى أن الإدانة تحمل في أحشائها أو في ثناياها الإدانة المضادة، وتسمع صداها الذي يتردد في منعطفات ذاتها.‏

رأيت فيك الإنسان الواعي الذي، في فهمه لقيمة ومعنى وجوده الأرضي والكوني، يدعو الناس إلى التسامح وتجاوز أخطاء بعضهم ومواقفهم العفوية التي قادتهم إلى نوع من التفرد، أو الأنا المغلقة، وإلى عدم تنصيب أنفسهم قضاة يحاكمون بعضهم بعضاً، ويدينون بعضهم بعضاً ليكون الله وحده المرجع الوحيد والحكم الوحيد في قضايا الناس وشؤونهم، والعارف الوحيد بخفايا قلوبهم وعقولهم ومشاعرهم.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244