|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
مشكلة المعرفة عند الحلاج ـــ رضوان السح إذا كانت المشكلة الأساسية التي شغلت القدماء هي (مشكلة الوجود) فإن مشكلة الفكر الحديث هي (مشكلة المعرفة Epistemology) (1) أو ما يعرف بالمسألة الأساسية في الفلسفة (Fundamental Question of philosophy). تتكون كلمة (Epistemology) من مقطعين، الأول هو (Epistemo) وهو مشتق من الكلمة الإغريقية (Episteme) بمعنى (المعرفة)، والثاني (Logy) بمعنى العلم بوجه عام. وتبحث الإبستمولوجيا في طبيعة المعرفة، أي في العلاقة بين الذات (Sobjet) والموضوع (Objet) (2)، وربما كان (كتاب اللاوجود) للسوفسطائي اليوناني جورجياس أول عرض متقن لمشكلة المعرفة، وفيه الدوائر المتخارجة الثلاث: الوجود ـ المعرفة ـ اللغة (3). لقد ظهرت مشكلة المعرفة، أو مبحث المعرفة منذ أيام اليونان مشكلة في أداة المعرفة وكانت هذه الأداة عموماً هي العقل، وإن كان ثمة استثناءات مثل الرواقية(4)، والأبيقورية (5) أعطت قيمة للحواس. وأول من تحدث في مشكلات المعرفة في إطارها العقلي الإيليون (بارمنيدس، زينون) الذين رأوا أن المعرفة الحقيقية هي الآتية من تصورات العقل وحده، أما المعرفة الحسية الصادرة عن العالم الخارجي فهي معرفة خادعة أو احتمالية (6)، وتوج هذا المنحى المثالي أفلاطون في نظرية المثل من حيث أن المعرفة هي مبادئ عقلية ثابتة لا تتأثر بتغيرات عالم الواقع، وكان في المقابل المدرسة الأيونية أو الطبيعية "طاليس، أنكسمندريس، أنكسمنيس، هيراقليطس) وفي العصر الحديث تنوعت المدارس الفلسفية في نظرية المعرفة من حيث الأداة العارفة فكانت المدرسة العقلية (ديكارت، هوبز....) والمدرسة الحسية أو التجريبية (لوك، هيوم....) وظهرت النقدية مع (كانت) لتجمع بين التجربة والعقل، وتبلور تيار اللاعقلانية أو نقد العقل بشكل صارخ على يدي نيتشه لتبرز بقوة ملكة الحدس كأداة معرفية في المدرسة البرجسونية. صحيح أن الفلسفة الغربية لم تخل في نظريات المعرفة من البحث في وجود الإله وصفاته، إلا أن العالم الخارجي يبقى الموضوع الرئيسي في مبحث المعرفة حتى أن البحث في الله يغدو درجة من درجات التوصل للبحث في العالم، فإذا كان أوغسطينوس قد اتخذ من إحدى آيات سفر اشعيا مرتكزاً له، وقرأها على هذا النحو: "إذا لم تكن تعتقد، فإنك لن تفهم" (7) فإن ديكارت قد قلب القياس الإسلامي الذي يتخذ من الخلق دليلاً على الخالق حين رأى في التأمل من تأملاته في الفلسفة الأولى أن إثبات وجود إله هو الأساس لتحقيق الفهم الصحيح للعالم الخارجي (8). لقد بحث الفلاسفة المسلمون مشكلة المعرفة متأثرين بفلاسفة اليونان، والمتكلمون المسلمون تباينت آراؤهم في أداة المعرفة بين العقل والنص فامتازت المعتزلة بإعلاء مكانة العقل، بينما كانت الأشعرية أو السنة أكثر تمسكاً بحرفية النص، وبالتأكيد لا نعدم قيمة الحواس كمنطلق تقوم عليه الاستدلالات أو الأقيسة عند الفريقين. كما أننا لا نعدم قيمة الحدس أو (المعرفة اللدنية) إذا ما أفسحنا للمتصوفة مكاناً بين الفرق الإسلامية. "يلاحظ الدارس للتصوف في القرنين الثالث والرابع الهجريين أن التصوف أصبح طريقاً للمعرفة بعد أن كان طريقاً للعبادة" (9). وسبيل المعرفة عند جمهور المتصوفة هو ما يعرف بـ (الطريق)، والطريق هو الرياضات والمجاهدات والعبادات التي ينبغي أن يتبعها المريد ليترقى في المقامات وبالتالي في المعرفة، والمقامات تمتاز بأنها مما يكتسب باتباع توجيهات الشيخ المرشد، وهي بذلك بعكس الأحوال التي توهب ولا تكتسب. ومع أن سلوك الحلاج اليومي كما ورد في أخباره، وفي كتب التاريخ التي حملت ترجمته يشهد بإفراط الحلاج في الزهد والتقشف والصوم وإرهاق الجسد.... الخ فإن منهجه في المعرفة لا يأتي على ذكر أهمية السلوك في تحصيل المعرفة إلاَّ إذا استثنينا تأكيده على أهمية مراقبة النفس في تحصيل معرفة بخفايا النفوس، أي ليس بقضايا التوحيد أو معرفة الذات الإلهية، فمثل هذه المعرفة هي حال موهوبة، ومن لم يؤتها لا ينصحه الحلاج بمعاناة تحصيلها (10). وهنا يحسن الحديث عن الجانب السلبي في المعرفة، أي عوائق المعرفة أو ما يعرف عند المتصوفة بالحُجُب، "والحجاب حائل يحول بين الشيء المطلوب المقصود وبين طالبه وقاصده" (11). يتحدث المتصوفة عن حجب عديدة للعقل والنفس والقلب (12)، وعند الحلاج سنتحدث عن ثلاثة حجب هي: 1 ـ حجاب العالم ـ أو السوى ـ 2 ـ حجاب العقل. 3 ـ حجاب الشريعة. فالشهوات واللذات ـ مثلاً ـ لا ترد عند الحلاج كحجاب، فأخباره التي تردُّ واقعة صلبه إلى رؤية امرأة حسناء رؤية خاطفة وهو يمشي مع أحد أصحابه (13)، يمكن أن تقرأ منطقياً كسبب للكشف لا للحجاب لأن واقعة الصلب التي كانت عقاباً ونعمة (14)، إنما كانت تعجلاً (15)في طلب الكشف، فالحجاب قد يكون رحمة, ويكون الكشف ابتلاء، فما يعرف بالحجاب النوراني فهو ظهور اللطف والجمال (16) وبالتالي ستر الروعة والجلال، ولذا يقول الحلاج على صليبه: "ولو سترت عني ما سترت عنهم لما ابتليت بما ابتليت" (17). 1 ـ حجاب العالم ـ أو السوى ـ: إذا كان المتكلمون المسلمون قد اتخذوا من العالم سبيلاً إلى إثبات وجود الله والتأمل في صفاته عبر ما عرف بالاستدلال، فإن هذا العالم عند المتصوفة حجاب من الخلق يعوق معرفة الخالق، وهذا العالم هو الدنيا والآخرة، وهو الأغيار أو السوى... يقول الحلاج: "لا يجوز لمن يرى غير الله أو يذكر غير الله أن يقول عرفت الله" (18) لأن الطبيعة الخاصة لموضوع المعرفة الذي ]ليس كمثله شيء[ تجعل المكان عائقاً لأنها تفتح السؤال بالمفتاح الخطأ وهو (أين؟).
وجاء في أخباره قوله: "حضورك بالعلم لا بالانتقال، وغيبتك بالاحتجاب لا بالارتحال" (20). ثم يلجأ إلى التمثيل الهندسي لتأكيد الطبيعة الخاصة للذات الإلهية في مفارقتها لسائر الأشياء حين يُسأل كيف الطريق إلى الله" (21) فيجيب "الطريق بين اثنين وليس مع الله أحد" (22) فيشير لسائله أن المكان هو ما يسبب ضلال السبيل إلى الله (معرفة الله)، فالمجاز أو التشبيه الذي يفيد البيان في العادة، يغدو مضلِّلاً حين يكون موضوع المعرفة هو الله، فطالما أن الأشياء حاضرة في ذهنك فإن معرفتك لله مستحيلة، فاكسر حضور الأشياء هذا بتصور ذات ليس معها أحد. فالطريق يكون بين نقطتين، والنقطة المرادة لا تكون معها نقطة ثانية. قال أحدهم: "دخلت على الحلاج يوماً فقلت له: أريد أن أطلب الله، فأين أطلبه؟. فاحمرت وجنتاه وقال: الحق تعالى عن الأين والمكان..." (23) فالمكان حجاب، ولذا" لا يجوز لمن يرى أحداً أو يذكر أحداً أن يقول: إني عرفت الأحد" (24) فإذا أضفنا (الأنا) إلى هذه الآحاد كانت حجاباً أيضاً:
وهذا العرض الذي يجعل من الوجود عامة بما فيه (أنا) العارف حجاباً للذات الإلهية إنما يحيل إلى الأفلاطونية في التمييز بين عالم المثل وعالم الأشباح، ونظرية الفيض في الأفلوطينية والفلسفة الإسلامية حيث الموجود الواحد وفيوضاته التي هي صور أقل قيمة في مرتبة الوجود. كما يحيل أيضاً إلى (وحدة شهود) على الصعيد المعرفي (الأبستمولوجي) و(وحدة وجود) على الصعيد الوجودي (الأنطلوجي). 2 ـ حجاب العقل: إذا كان المتكلمون وجمهور المسلمين يستدلون عقلياً بالأشياء لمعرفة الذات الإلهية على مبدأ العلية أو السببية فإن هذا الطريق عند المتصوفة يمكن أن يفضي إلى أيِّ شيء إلا إلى معرفة الذات الإلهية:
وقد أجمع العرفانيون على القول بأن العقل حجاب لأنه في نظرهم يمنع الإنسان من الاتحاد بالله، أو على الأقل يحجب الإنسان عن معرفة الله معرفة حقيقية يقينية (28)، فالعقل عاجزٌ على حد تعبير أبي الحسين النوري (ت 295 هـ)، "والعاجز لا يدل إلاَّ على عاجز مثله" (29) و"حجة تسلسل العلل العقلية إلى علة نهائية يرفضها الصوفية، ويصفها ابن عربي على لسان الحلاج بأنها (قولة جاهل)" (30). إن إخلاص الصوفي في التوحيد هو ما يجعل من العقل حجاباً، لأن العقل يمثل حضور الكثرة، وحضور الأنا الواعية مع هذه الكثرة، وقد رأينا في الفقرة السابقة (حجاب العالم ـــ أو السوى) استحالة أن يعرف الله من يرى غيره أو يذكر غيره، والعقل هو ما يجعل الوجود مجزأ تحكمه الحدود والفواصل، ووحدة هذا الوجود ـ أو شهود هذه الوحدة ـ لا تتحقق إلا بغيابه، أي غياب العقل. إن العقل حجاب أمام السكر الذي يفضي إلى مشاهدة جمال المحبوب (31)، وبالتالي إلى الجمع الذي يعرفه التهانوي بأنه "إزالة الشعث والتفرقة بين القدم والحدث لأنه لما انجذبت بصيرة الروح إلى مشاهدة جمال الذات استتر نور العقل الفارق بين الأشياء في غلبة نور الذات القديمة، وارتفع التمييز بين القدم والحدث لزهوق الباطل عند مجيء الحق" (32). وعند ولوج مثل هذا الحال يقول الحلاج:
ومثل هذا الظن هو ما يجعله يكرر حالة التوهم في ضياع الحدود عندما يتحدث عن المعرفة في (بستان المعرفة) فيقول:
ثم ينتهي إلى تجاوز كاف التشبيه وتقرير المطابقة، ونفي إمكانية هذه المطابقة، وبالتالي الاستقرار على التناقض الذي يعني ـ ببساطة ـ غياب العقل: "لا هي هو، ولا هو هي، ولا هو إلا هي، ولا هي إلا هو" (35). وتتكرر كثيراً مثل هذه المطابقة عند الحلاج في مثل قوله:
ويعلق عبد القادر الكيلاني على قولة الحلاج (أنا الحق) مميزاً بين (عين العقل) و(سكر القلب) بقوله: "تلفت بعين عقله فما شاهد سوى الآثار، فكر فلم يجد في الدارين مطلوباً سوى محبوبه، فطرب فقال بلسان سكر قلبه: (أنا الحق)" (37). ويعلق الجابري بشيء من السخرية على هذه المطابقة في منطق العرفانيين بقوله: ".... والواقع أن العقل حجاب فعلاً يمنع من الانزلاق بالمماثلة إلى المطابقة" (38). أي من النظر إلى المماثلة ــ أو التشبيه ــ كوسيلة من وسائل الإيضاح إلى اتخاذها أساساً للبرهان. بقي أن نذكر أن العقل ــ كمصطلح ــ يبقى حجاباً طالما أنه في مقابل الغريزة والحدس بالمفهوم البرجسوني (39)، وهو ما يطلق عليه عند المتصوفة (عقل المعاش) (40) في مقابل (العقل الأول) الذي هو أول مخلوقات الله وأقرب الحقائق المخلوقة إلى الحقائق الإلهية، والعقل الأول بهذا المعنى يمثل الفيض كما يمثل الحقيقة المحمدية. "ولهذا إذا قيل بأن الله لا يدرك بالعقل فإن المقصود هو عقل المعاش، ومتى قيل إنه يُعرف بالعقل فإن المقصود هو العقل الأول" (40). 3 ـ حجاب الشريعة: يكفي كون الشريعة حجاباً أنها الحدُّ المقابل للحقيقة في الثنائية الصوفية (الشريعة والحقيقة). (في التنظير الصوفي القائم على تقية غير خافية تغدو الشريعة وسيلة لبلوغ الحقيقة" ]والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا[، فالمجاهدة شريعة والهداية حقيقة" (41). فالشريعة تبقى عند الصوفية شيئاً آخر غير الحقيقة، وهذا لا شك يسوء أهل الظاهر، إذ إن الشريعة عندهم إن لم تكن حقيقة كانت باطلاً. يقول الحلاج: "من التمس الحقَّ بنور الإيمان كان كمن طلب الشمس بنور الكواكب" (42). وقال أحد المتصوفة: "إن المعرفة نار والإيمان نور" (43) و"المؤمن ينظر بنور الله والعارف ينظر بالله عز وجل" (44). إن العارف عند الحلاج هو "من رأى" (45)، وبالتالي فإن الشريعة حجاب لأنها اكتفاء "بالخبر دون الأثر" (46). إن "الشريعة هي الائتمار بالتزام العبودية" (47) فالسائر على طريق الشريعة عبد أو عابد وعلى طريق الحقيقة عارف، ولذا أوَّلَ المتصوفة قوله تعالى: ]وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون[ بأن العبادة هنا تعني المعرفة، وذلك في تأكيد على أن أول فرض فرضه الله على خلقه هو المعرفة، وليس العبادات المعروفة من صلاة وصوم (48). إن للشريعة ظاهراً وباطناً، وحين نذكر الشريعة في ثنائية (الشريعة والحقيقة) فإننا نعني ظاهرها، فالحلاج يرى أن باطن الشريعة هو المعرفة بالله (49) أما ظاهرها فهو العبادات، ولذا يقول: "من تحقيقي في ظاهر الشريعة: ما تمذهبت بمذهب أحد من الأيمة جملة، وإنما أخذت من كل مذهب أصعبه وأشدَّه" (50). ويميز
الحلاج بين ثلاثة أطوار للمعرفة، تكون العبادة أدناها: "من لاحظ الأزلية
والأبدية وغمض عينيه عما بينهما فقد أثبت التوحيد، ومن غمض عينيه عن الأزلية
والأبدية ولاحظ ما بينهما فقد أتى بالعبادة، ومن أعرض عن البين والطرفين فقد تمسك
بعروة كي نتوغل أكثر في إظهار الشريعة حجاباً للمعرفة لابد أن ندلف عالم التصوف من بوابة الشطح، "فالمعرفة بالمعنى العالي الدقيق هي التوحيد، والمرء لا يبلغ منزل التوحيد إلا في حال السكر وما يتلوها، والسكر يقتضي بالضرورة الشطح" (52)، يقول الحلاج:
وترد في إحدى الروايات كلمة (العارفين) بدلاً من (العاشقين) وكلا المفردتين تشيران إلى الصوفي الذي بلغ مرتبه في معراجه المعرفي أو الروحي عامة بحيث باتت العبادات التي هي الشق العملي للإيمان تؤدي فعلاً مضاداً للإيمان: "إن ظاهر الشريعة كفر خفي، وحقيقة الكفر معرفة جلية" (54). يدافع د. كامل مصطفى الشيبي عن شطح الحلاج:
بأن الحلاج استعمل هنا كلمة (الكفر) بمعناه اللغوي لا الاصطلاحي، فالدين له شكلان، بسيط يتمثل في الشرائع العملية المعروفة، والثاني جوهري خالص لا يعرفه الناس، بل قد لا يؤمنون به بسهولة، والحلاج إذ يكفر بدين الله هنا فإنما يغطيه (55)، أي لا يبوح به للناس، وهو الشكل الجوهري لاشك. ولا أرى مثل هذا الدفاع موفقاً علمياً لأنه يحيل البيت إلى لعبة لفظية بعيدة عن روح الحلاج المناكفة لظاهر الشريعة. ومثل هذا الدفاع درج عليه بعض المتصوفة والمؤرخون والدارسون للتصوف، فالشطح الذي يأتي تعبيراً عن الضيق بالقوالب الفقهية للشريعة، يعود المدافعون به إلى دائرة الشريعة بتأويل يصل إلى حدٍّ ليِّ عنق المفردة لكي تفيد الدلالة المضادة لها، فالكفر عند الصوفية صار مصطلحاً يعني (الإيمان الحقيقي) (56). والحركة الصوفية عموماً وعبر مختلف مراحلها لم تعبر عن ضيقها بمثل هذا التأويل، لأن الحركة قد سنت لنفسها منذ البدء أن تولد في رحم الشريعة وتنمو في كنفها، وتوسِّع من آفاقها عبر تأويل النصوص وعبر الشطح وإعادة تأويله. كان الحلاج يسعى في شطحياته إلى أن يُكفَّر، فيقتل على أيدي المؤمنين، فيكونون مدافعين عن دينهم، ويكون هو شهيداً. وهذا هو موقف الفتوة الذي وقفه صاحباه أو أستاذاه إبليس وفرعون، فإبليس يقول: "إن سجدت سقط مني اسم الفتوة" (57) وفرعون يقول: "إن آمنت برسوله أسقطت من منزلة الفتوة" (58) والفتوة إذا كانت تعني السخاء في اللغة والإيثار في الاصطلاح (59) فهي على نقيض العبودية في اللغة وكذلك في الاصطلاح من حيث قيام العبودية على الخوف والطمع (يعبدون الله خوفاً وطمعاً). فالحلاج بقي على عناده مخلصاً لإلهاماته مضحياً بحياته كي يبقى متربعاً على بساط الفتوة. ثم إن الكفر يأتي بمعنى (القطيعة) وبذلك يكون العارف في مأمن من الكفر، فالهجويري يرى أنه "لا يصح تكفير إبليس لأنه عارف، فقوله (فبعزتك) وسماعُه الجواب يقتضي المعرفة، والعارف طالما هو عارف فهو آمن من القطيعة، والقطيعة تحصل بزوال المعرفة" (60). ونجمل قولنا في مسألة حجاب الشريعة بأن العبادات التي تمثل منهج بلوغ المعرفة عند المريد تصبح في درجة من درجات الترقي الصوفي حجاباً أمام المعرفة الأكمل، فهذا أبو يزيد البسطامي يقول: "كنت ثلاثين سنة أذكر الله، ثم سكنت، فإذا حجابي ذكري له" (61). * * * وبعد الحديث عن حجب المعرفة، أو الجانب السلبي من المشكلة ما عسانا نجد في الجانب الإيجابي؟ يقول الحلاج في ختام (بستان المعرفة): "العارف من رأى" (62) والرؤية هنا ــ في زعم القوم ــ رؤية حسية، فالقوم أهل حقائق لا أوهام، إلا أننا بأدوات البحث سنقول أنها رؤية غير موضوعية، أي أنها ليست كرؤيتنا للأشياء الحسية المعروفة، ولذلك تدخل في باب الرؤية الخيالية (الرؤيا)، وبسبب قداستها وقوة حضورها فإنها تسمو على الوهم من جهة، ومن جهة ثانية تسمو ملكة الخيال في التنظير الصوفي فوق التصور الشعبي لها لتغدو ملكة الأنبياء مقابل العقل عند الحكماء أو الفلاسفة، فالنبي هو شخص قد بلغت قوة المخيلة عنده غاية الكمال كما يرى الفارابي (63)، وابن عربي في الفتوحات المكية يرى أن حضرة الخيال أوسع الحضرات لأنها تجمع عالم الغيب وعالم الشهادة معاً (64). لم يقدم الحلاج تنظيراً لمشكلة المعرفة وأدواتها، فكل ما بين أيدينا نصوص لها طابع الأدبية والشعرية، وإذا ما قاربت في فِقْرة هنا أو هناك اللغة البحثية التنظيرية جاءت في غاية الغموض. إن العارف عند الحلاج هو من رأى، وهذه الرؤية ــ أو الرؤيا ـــ موهبة لدنية توهب لامرئ دون آخر:
ويشير الحلاج إلى أنها رؤية قلبية بقوله:
وحين يخشى الحلاج أن يذهب الظن إلى أن القلوب هنا هي الآلات التي تضخ الدماء في الصدور يقول: "القلب مضغة جوفانية، فالمعرفة لا تستقر فيها لأنها ربانية" (67)، أو ربما كان يعني عدم استقرار هذه المعرفة حتى وإن حصلت. إشارات الحلاج التي تؤكد استحالة المعرفة كثيرة، لأن موضوع المعرفة هنا هو دائماً بخلاف ما تصوِّره الأوهام (68) لأنه ليس كمثله شيء ولذلك كان الطريق الصحيح هو طريق النفي لا طريق الإثبات، أي طريق التنزيه لا طريق التشبيه: "من طلب التوحيد في غير لام ألف فقد تعرض للخوضان في الكفر" (69) فالله وحده هو الذي يملك المعرفة بذاته، يقول الحلاج: "في القرآن علم كل شيء، وعلم القرآن في الأحرف التي في أوائل السور، وعلم الأحرف في لام ألف، وعلم ألف في الألف، وعلم الألف في النقطة، وعلم النقطة في المعرفة الأصلية، وعلم المعرفة الأصلية في الأزل، وعلم الأزل في المشيئة، وعلم المشيئة في غيب الهو، وعلم غيب الهو ]ليس كمثله شيء[ ولا يعلمه إلا هو" (70). ولكن هذا كله من ناحية، فمن ناحية أخرى يقول: "وأما حقيقة التوحيد فليس لأحد إليها (71) سبيل إلاَّ الرسول r (72)، غير أن الرسول هنا: "أنوار النبوة من نوره برزت.. همته سبقت الهمم، ووجوده سبق العدم، واسمه سبق القلم" (73)، ولو كان كبقية الخلائق لما أدرك حقيقة التوحيد، لأن "أفهام الخلائق لا تتعلق بالحقيقة، والحقيقة لا تليق بالخليقة" (74)، وهنا في (طاسين الفهم) يقدم الحلاج صورة لموضوع معرفته ولطلابها، فالموضوع هو المصباح والوصول إليه هو حق الحقيقة، أما ضوؤه فهو علم الحقيقة، وحرارته هي حقيقة الحقيقة، وأما طلابها فهم الفراش الذي "يطير حول المصباح إلى الصباح، ويعود إلى الأشكال، فيخبرهم عن الحال بألطف المقال، ثم يمرح بالدلال طمعاً في الوصول إلى الكمال" (75) غير أن الفراش إن لم يرضَ بالضوء والحرارة فإنه "يلقي جملته فيه، والأشكال ينتظرون قدومه ليخبرهم عن النظر حين لم يرض بالخبر. فحينئذ يصير متلاشياً متصاغراً متطائراً، فيبقى بلا رسم وجسم واسم ووسم، فبأي معنى يعود إلى الأشكال، وبأي حال بعدما صار؟ من وصل وصار إلى النظر استغنى عن الخبر، ومن وصل إلى المنظور استغنى عن النظر (76)، وهذا يعني أن المعرفة هي الفناء في موضوعها، فهل كان الحلاج عارفاً؟ لقد تحققت المعرفة للحلاج عبر احتراقه وتماهيه بوحدة الوجود أو بشهود هذه الوحدة، ففي طاسين السراج المخصص لمدح النبي يقول: "الحق ما أسلمه إلى خلقه لأنه هو، وإني هو، وهو هو" (77)، فيكون الحلاج هو ذلك الذي سبق وجوده العدم، وسبق اسمه القلم، ويكون حق الحقيقة، فهو الفراش وهو المصباح. الهوامش: 1 ــ محاورات في الدين الطبيعي (مقدمة د. عباس) ص 15. 2 ــ محاورات في الدين الطبيعي (مقدمة د. عباس) ص 23. 3 ــ تاريخ الفلسفة القديمة والوسيطة ص 32. 4 ــ انظر: الفلسفة القديمة والوسيطة ص 20. 5 ــ انظر: الفلسفة الأبيقورية ص 48. 6 ــ محاورات في الدين الطبيعي (مقدمة د. عباس) ص 24. 7 ــ الفلسفة القديمة والوسيطة ص 362. 8 ــ انظر: التأملات في الفلسفة الأولى ص 131 ــ 144. 9 ــ التفتازاني ــ مادة (تصوف) الموسوعة الفلسفية العربية ــ زيادة ــ مج 1 ص 261. 10 ــ انظر: أخبار الحلاج ص 93. 11 ــ معجم المصطلحات الصوفية ص 73. 12 ــ انظر: نفسه ص 73. 13 ــ انظر: أخبار الحلاج ص 33 ــ 34. 14 ــ انظر: نفسه ص 8. 15 ــ انظر: نفسه ص 44 ــ 45. 16 ــ انظر: معجم المصطلحات الصوفية ص 73 17 ــ أخبار الحلاج ص 8. 18 ــ الطبقات الكبرى ــ الشعراني ج1 ص 108 وانظر: أخبار الحلاج ص 50. 19 ــ الديوان ص 22. 20 ــ أخبار الحلاج ص 17، وانظر: ص 31. 21 ــ نفسه ص 75. 22 ــ نفسه ص 75. 23 ــ أخبار الحلاج ص 80. 24 ــ نفسه ص 116. 25 ــ ورد في الديوان خطأ (إنِّي) والصواب لغوياً وعروضياً ما أثبتناه. 26 ــ الديوان ص 67. 27 ــ الديوان ص 74. 28 ــ انظر: بنية العقل العربي ص 314 ــ 315. 29 ــ المقدمة في التصوف ص 38. 30 ــ المعرفة الصوفية ص 137. 31 ــ انظر (السكر) في معجم المصطلحات الصوفية ص 100. 32 ــ نفسه ص 69. 33 ــ الديوان ص 63. 34 ــ الطواسين وبستان المعرفة ص 79. 35 ــ الديوان ص 23. 36 ــ Kitab al tawasin - P 180 37 ــ بنية العقل العربي ص 315. 38 ــ انظر (التطور الخالق) منشور في تاريخ الفلسفة المعاصرة ص 42. 39 ــ انظر معجم مصطلحات الصوفية (الحفني) ص 186. 40 ــ نفسه والصفحة نفسها. 41 ــ كشف المحجوب ص 627 42 ــ الشعراني ــ الطبقات الكبرى ج 1 ص 108. 43 ــ اللمع ص 63. 44 ــ الطواسين وبستان المعرفة ص 78. 45 ــ انظر: نفسه ص 77. 46 ــ كتاب التعريفات ص 143. 47 ــ انظر: الرسالة القشيرية ص 41 ــ 42. 48 ــ أخبار الحلاج ص 91. 49 ــ نفسه ص 50 ــ 51. وانظر: ص 73. 50 ــ شطحات الصوفية (المقدمة) ص 22. 51 ــ شرح ديوان الحلاج ص 196 ــ ورد البيتان بروايات متعددة. انظر: نفسه ص 1479. وانظر: الديوان ص 38. 52 ــ أخبار الحلاج ص 63. 53 ــ انظر: الديوان ص 33. 54 ــ انظر معجم المصطلحات الصوفية ص 147. 55 ــ الطواسين وبستان المعرفة ص 62. 56 ــ انظر كتاب التعريفات ص 188. 57 ــ كشف المحجوب ج 2 ص 514. وانظر: الطواسين وبستان المعرفة ص 61. 58 ــ شطحات الصوفية ص 104. وانظر: ص 109. حتى أن الكرامة يمكن أن تكون حجاباً عند أبي يزيد. انظر: ص 204. و"الجنة هي الحجاب الأكبر" ص 30. ويقول البسطامي: "أشد المحجوبين عن الله ثلاثة بثلاثة: الزاهد بزهده، والعابد بعبادته والعالم بعلمه" ص 155. 59 ــ الطواسين وبستان المعرفة ص 79. 60 ــ انظر: من الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة الإسلامية ص 446 ــ 452. 61 ــ انظر: المعرفة وحدودها عند محيي الدين ابن عربي ص 65 ــ 83. 62 ــ الديوان يليه ص 64. 63 ــ نفسه ص 73. 64 ــ الطواسين وبستان المعرفة ص 78. 65 ــ انظر: أخبار الحلاج ص 31. 66 ــ أخبار الحلاج ص 51. 67 ــ نفسه ص 95 ــ 96. 68 ــ وردت: إليه. 69 ــ أخبار الحلاج ص 95. 70 ــ الطواسين وبستان المعرفة ص 44. 71 ــ نفسه ص 47. 72 ــ الطواسين وبستان المعرفة ص 47. 73 ــ نفسه ص 45. المصادر والمراجع حسب الورود 1 ــ محاورات في الدين الطبيعي ــ هيوم ــ تقديم د. فيصل عباس ــ دار الحداثة ــ بيروت 1980. 2 ــ تاريخ الفلسفة القديمة والوسيطة ــ د. طيب تيزيني ود. غسان فينيانس ــ المطبعة الجديدة ــ دمشق 1981 ــ 1982م. 3 ــ الفلسفة الأبيقورية ــ جان بران ــ تعريب وتعليق: جورج أبو كسم ــ قدم له: د. عادل العوا ــ الأبجدية ــ دمشق ط1، 1992. 4 ــ التأملات في الفلسفة الأولى ــ ديكارت ــ ترجمه وقدم له وعلق عليه: د. عثمان أمين ــ مكتبة الأنجلو المصرية ــ القاهرة ط4، 1969. 5 ــ الموسوعة الفلسفية العربية ــ رئيس التحرير د. معن زيادة ــ معهد الإنماء العربي ــ (د. م) ط1، 1986. 6 ــ أخبار الحلاج ــ تحقيق: ل. ماسينيون وب. كراوس ــ مطبعة القلم ــ مكتبة لاروز ــ باريس 1936, 7 ــ معجم المصطلحات الصوفية ــ د. أنور فؤاد أبي خزام ــ مراجعة: د. جورج متري عبد المسيح ــ مكتبة لبنان ناشرون 1993. 8 ــ الطبقات الكبرى ــ الشعراني ــ دار الفكر ــ القاهرة 1374 هــ ــ 1954م ــ ج1. 9 ــ ديوان الحلاج ــ د. كامل مصطفى الشيبي ــ بغداد ط2، 1984 ــ منشور في كتاب: الديوان يليه كتاب الطواسين ــ الحلاج ــ منشورات الجمل ــ كولونيا ــ ألمانيا ط1، 1997. 10 ــ بنية العقل العربي ــ د. محمد عابد الجابري ــ مركز دراسات الوحدة العربية ــ بيروت ط2، 1987. 11 ــ المقدمة في التصوف وحقيقته ــ السلمي ــ تحقيق وتقديم: يوسف زيدان ــ مكتبة الكليات الأزهرية (د. م) 1407 هــ ــ 1987 م. 12 ــ المعرفة الصوفية ــ ناجي حسين جودة ــ دار الجيل ــ بيروت 1412 هــ ــ 1992م. 13- Kitab al tawasin - AL HALAJ - par: LOUIS MASSIGNON - LIBBAIRIE – PAUL - GETHNER - PARIS 1913. 14 ــ تاريخ الفلسفة المعاصرة ــ قسم الدراسات الفلسفية المعاصرة ــ كلية الآداب ــ جامعة دمشق ــ مطبعة الداودي ــ دمشق 1982 ــ 1983م. 15 ــ معجم مصطلحات الصوفية ــ د. عبد المنعم الحفني ــ دار المسيرة ــ بيروت 1400 هــ ــ 1980م. 16 ــ كشف المحجوب ــ الهجويري ــ دراسة وترجمة وتعليق: د. إسعاد عبد الهادي قنديل ــ راجع الترجمة: د. أمين عبد المجيد بدوي ــ دار النهضة العربية ــ بيروت 1980. 17 ــ اللمع ــ السراج الطوسي ــ تحقيق: د. عبد الحليم محمود ــ طه عبد الباقي سرور ــ مكتبة الثقافة الدينية ــ القاهرة 1998. 18 ــ كتاب التعريفات ــ علي بن محمد الجرجاني ــ تحقيق: د. عبد المنعم الحفني ــ دار الرشاد ــ القاهرة (د. ت). 19 ــ الرسالة القشيرية ــ عبد الكريم القشيري ــ تحقيق وإعداد: معروف زريق ــ علي عبد الحميد أبو الخير ــ دار الخير ــ دمشق ــ بيروت ط2، 1416 هــ ــ 1995م. 20 ــ شطحات الصوفية ج 1 ــ أبو يزيد البسطامي ــ د. عبد الرحمن بدوي ــ وكالة المطبوعات ــ الكويت ط 3، 1978م. 21 ــ شرح ديوان الحلاج ــ د. كامل مصطفى الشيبي ــ مكتبة النهضة ــ بيروت ــ بغداد ط1، 1394 هــ ــ 1974م. 22 ــ من الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة الإسلامية ــ د. محمد عبد الرحمن مرحبا ــ منشورات عويدات ومنشورات بحر المتوسط بيروت ــ باريس ط3، 1983. 23 ــ المعرفة وحدودها عند محيي الدين بن عربي ــ هيفرو محمد علي ديركي ــ تقديم: أ. د. عبد الكريم اليافي ــ التكوين ــ دمشق 2006. | ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||