|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
جبرا إبراهيم جبرا: الرؤية النقدية من أفق الإبداع ـــ ماجد صالح السامرائي قد لا نجد تجربة نقدية لناقد معاصر متصلة بجوهر العملية الإبداعية عنده كما نجدها متحققة في كتابات جبرا إبراهيم جبرا. فهو في نقده يجعل من قرائته عملاً ما "أدبياً" كان أم "فنياً" عملية مزاوجة بين تجربتين قائمتين ومتحققتين عنده، هما: التجربة الإبداعية بما هي عملية خلق تكويني ـــ والتجربة النقدية ـــ بمعطى التفاعل الذاتي والموضوعي فيها. فإذا كان العمل النقدي، كما هو في ممارسته له، يتحدد بالإبداع مجالاً وبالأعمال الإبداعية اقتران موقف ورؤية، فإن النفاذ إلى المعاني الكبيرة والخطيرة هو ما يجعل من نقده صورة أخرى من صور إبداعه الشخصي. ومن قراءة(1) كتابات جبرا النقدية، أو ما ينتظم منها في مدار النقد نجد أن ما يهمه هو أن يجعل للأدب الجديد وللأديب العربي المجدد كياناً معاصراً وفاعلاً في حركة العصر متفاعلاً مع ما للثقافة من آفاق إنسانية جديدة. ولم يكن هذا التوجه منه ليكون إلا بفعل وعيه وعصريته من جانب، وتجديده دور الأدب في حركة الزمن من جانب آخر... هذا الدور الإبداعي الذي يحققه الأديب (والفنان) بفعل حركة الذات الخلاقة فنظرة جبرا إلى الفنان من خلال النظر إلى الفنان في دوره الريادي إذ يرى في الفنان (قائد الذوق بين الناس) بل هو (قائد الذوق ومغيره ومحدد الرؤيا بين الناس في كل مجتمع)(2) فالرائد هو الذي يكون (في الخضم مما يريد تغييره)(3) بقدر ما يكون معنى الريادة متمركزاً عنده في البحث والاكتشاف والتمرد البطولي... وأما (القلق الإبداعي) ـــ أو ما يسميه بـ(القلق المبدع) فهو في نظره من طبيعة الخلق عند الفنان. فـ(من طبيعة الخلق أن يعاني الفنان توتراً وقلقاً وشدة فيكون حينئذ في حالة من الوعي الحاد بموقعه الوسط المشدود بين متطلبات الجمهور، من ناحية، ومتطلبات ذهنه من ناحية أخرى. والفنان الذي لا يحس هذا التوتر وهذه الشدة لن ينتج، على الأرجح، ما يستحق التأمل والبقاء)(4). فهو في هذا إنما ينظر إلى العمل الأدبي (أو الفني) باعتبار ما له من طاقات قادرة على إحداث التغيير في بنية الواقع كما في بنية الفكر. وهذا بالذات هو ما جعل عمله النقدي قائماً على ضرب من الحساسية الفنية فريد، وهي حساسية لها مصدران تكوينيان، هما: تجربته الإبداعية، وإحساسه الفني وتكوينه المعرفي... ـــ فإذا كانت تجربته الإبداعية تقوم على ما أكد عليه، بشكل دائم من أن كل قول ينبغي أن يبنى على ما يهم العصر من قضايا، مؤسساً ذلك على (الرؤيا) بما هي استشراف للآتي من أزمنة الإنسان ـــ و(التجربة) باعتبارها محك الصدق في كل عمل فني ـــ فهي اكتشاف وكشف ودهشة تخلق هذا (الجديد) من (القول) و(العمل)... فإن ما هو إحساس ومعرفة يمثل عنده/ ويتمثل في ما هو أساس في التاريخ الثقافي والإنساني... متضمناً سعيه إلى تطوير الوعي بالماضي، إلى جانب عمله الذي واصله بمزيد الدأب على تكوين وعي جديد، والاستمرار في تنميته وتطويره موقفاً ونظرة. فكان كما يرى إلى الطريق تتقدم به في الحياة والفن، كان شديد الحرص على تأكيد تقدمه، هو، في الطريق التي اتخذ مساره عليها. ومن هنا مغامرة التجديد التي خاضها وجيله باندفاع حقيقي ارتبط بما هو وعي إيجابي لكل من حركة التاريخ وحياة المجتمع ووجود الإنسان فرأى أن عملية التحول من القديم المألوف إلى الجديد المبتكر، وتأسيس كيان واضح المعالم لهذا الجديد في حياتنا المعاصرة لا يتم إلا من خلال/ وبفعل تلازم حر وحركي عميق بين: وجود الإنسان، وحياة المجتمع، وحركة التاريخ. إن نظرته هذه تتواصل في مستويين غالباً ما نجدهما متلازمين في فكره وتفكيره، وهما: ـــ مستوى التواصل العمودي الذي يستقصي ما للفكرة من أعماق ويكشف عما لها من دلالات متصلة بالوجود التاريخي والذاتي ـــ الحضاري للإنسان. فهو إذ ينظر إلى التراث، كل تراث ذي بعد إنساني متحرك، ينظر إليه نظرة كاشفة عما له من روح يرى فيها الحقيقة ويدرك الجوهر... ثم يأتي البحث عما فيه من قيم إيجابية، ويتم له هذا كله من خلال رؤية نقدية شاملة. وهذا هو الأساس الذي قامت عليه (جماعة بغداد للفن الحديث)(5) (1951) التي كان جبرا أحد أعضائها الفاعلين. فقد رأت هذه (الجماعة)، أن التراث عنصر أساسي، ومكوّن مهم في بناء الرؤية الجديدة التي دعت إلى تبنيها. فقد نظروا ـــ ونظر جبرا نفسه ـــ إلى التراث باعتباره جزء من الحياة بتيار الخلق الفعلي فيها.. وقالوا: إذا كان التراث، في واحد من وجهيه، تاريخياً فإنه، في الوجه الآخر له، معاصر ومستقبلي فقدموا، بهذا تأويلاً جديداً للتراث من خلال إدخاله في (الرؤيا المعاصرة)، ولم يكن هذا الاتجاه/ التوجه إلا محاولة في العمق لتشكيل أزمنة الرؤيا الإبداعية الجديدة عن طريق إدراك الأساس المهم الذي لها أن تقوم عليه... بتعبير آخر: إن سؤال التجديد عند جبرا كان سؤالاً يعتمل في/ ومن خلال ما هو تاريخي. فهو لم يكن يدور في إطار المفهوم، وإنما كان يبحث في ما يمكن أن يكون لهذا المفهوم من تحققات. أي أن مفهوم التجديد، والجديد عنده كان يتعقب حضوره في ما هو منجز فعلي في سياق هذه الجدة الفاتحة للمعاني الجديدة في شكل وتعبير جديدين. ـــ ومستوى التواصل الأفقي المنطلق مما يرى (أو يجد) للكينونة من تأسيس فعلي يقيم عليه ما يريد تحقيقه من تجاوز (ينبغي أن يتحقق) بفعل الرؤية التجديدية، وبعامل التجديد الفعلي الذي يوحد الواقع بدلالته والزمن باستمراريته ـــ التي هي ليست استمرارية الإعادة والتكرار، وإنما الخلق والإضافة. فالتجديد عنده إنما هو في بناء الرؤيا الجديدة، واللغة الجديدة، والمعنى الجديد... ـــ ومن خلال ذلك تم له ولأبناء جيله من المجددين، تجاوز جميع القوانين التقليدية في الفكر والنظر كما في الإبداع. وقد وجدوا في ما يحملون من رؤية ويعيشون من تجربة ويمتلكون من أساليب فنية ما يشكل إضافة حقيقية إلى ضمير العصر. فإذا كانت الأرض معدة للوجود فإن فسحة هذا الوجود، وحركة الذات المبدعة فيه أوسع من كل تعيين. وهنا ستكون (الحرية) هي المبدأ الذي يدافع هذا الجيل عنه، وبها/ ومن خلالها واقعاً فكرياً ومفهوماً متصلاً بوجود الإنسان، سيعمل جبرا و(الجيل) على تجاوز أزمة الوعي العربي وإطلاق العقل العربي المبدع من إسار (النموذج) و(المرجع) واضعين حركة التجديد في أفق الحداثة، على النحو الذي وعوها فيه حركة، ووضعوا بأنفسهم الأسس الفعلية لقوانينها. إن بدايات جبرا الثقافية، الأدبية والفنية، بدايات موصولة بالرومانسية رؤيا وموقفاً فنياً(6)، إلا أن وجهة النظر الرومانسية لم تكن متغلبة، لا على موقفه الفني ولا على رؤياه الإبداعية التي ستتصل بحركة النقد الجديد لنجده يركز على تربية العقل الناقد وموقفه الإبداعي. ومن هنا فإن أسئلة النقد عنده هي ذاتها أسئلة الإبداع. فالناقد فيه هو المبدع، وهي أسئلة مرتبطة بفكرته عن الفن، وبعلاقته بالمدينة العربية مجالاً وبالحرية فكرة أساسية. لذلك فهو إذ يكتب عن عمل ما، إنما يكتب تحت ضغط إحساس النشوة الخلاقة التي يحركها الفن عنده. فهو لا يتحرك نقدياً في نطاق نظرية جامدة، وإنما يبدأ مما هو تساؤلات تحتم هذه العلاقة الخاصة بالعمل المنقود... مقيماً نقده على ما ندعوه (قراءة) ـــ بالمعنى الذي حدده (تودروف)، فهو مسار في فضاء النص وجوهراً فنياً. وهو في قراءته هذه إنما يفكر بما يعنيه إبداعياً، ولذلك من السهل علينا الربط بين قراءاته النقدية وما يصوغ به/ ومنه عمله الإبداعي. بل يمكن القول: إن قراءاته النقدية جزء حيوي من قلق البحث الإبداعي عنده(7). إلا أن قراءة جبرا ناقداً، ووضع رؤيته النقدية في سياق إبداعه الشخصي تستحضر مفهومين أجراهما في كتابته مجرى البنية المكونة، والسؤال الذي يصل الفكرة بتحققاتها، وهذان المفهومان هما: ـــ التجديد بما هو موقف يتجلى من خلال صلة اللغة(8) بما تعبر عنه، والرؤيا بما هي فسحة استشراف. ـــ ثم الإبداع بما هو عملية خلق تتم من خلالها إعادة تكوين الوجود، وتجديد الصلة بالوجود، بما هنالك من موقف إنساني شامل. فالتجديد عند جبرا تعبير عن حقيقة يعيشها المجدد ويؤمن بها، وكذلك هو ارتباط بجوهر. فأما الحقيقة فهي في أن المجدد حامل رؤيا، ومعبر عن هذه الرؤيا. وأما الجوهر فنابع من طبيعة السؤال الذي يطرحه المجدد على نفسه وعصره، من خلال عمله. ومن هنا فإن الإبداع كشف واكتشاف، وهو الخلق الذي يؤسس مثاله وينزل منزلة الوجود المتحول. ويتحقق في كتابات جبرا النقدية انكسار النموذجين: الكلاسيكي والواقعي ـــ كما هما في مفهوم النقد المعاصر: ـــ فمن ناحية، نجده يتجاوز معايير النقد الكلاسيكي ومعياريته. إذ الكتابة النقدية عنده تولدها حوافز استجابة ذاتية ـــ إبداعية، وهذه الحوافز تتحقق بفعل ما يكون له من اكتشاف يحمله على الدهشة، فإذا النقد يصدر عن وجود فني متمركز صيغة ورؤيا في ما يحدد موقفه من العمل المنقود. ـــ ويحقق من ناحية أخرى تجاوزه (بل مفارقته) للنقد الواقعي في ما يتخذه هذا النقد من (نموذج) وباعتماده الحياة والواقع (مرجعاً) مؤسساً بذلك لسؤاله الخاص الذي انفرد به، منذ مطلع الخمسينات ـــ والذي كان، أيضاً سؤال المرحلة ـــ وأعني به سؤال التجديد: كيف تكون مجدداً؟ ولماذا ينبغي علينا أن نجدد؟(9). يقترن هذا السؤال عند جبرا بنوع من الصيرورة التاريخية... فهو ليس سؤالاً انتقائياً أو توفيقياً، وإنما هو سؤال يمتلئ بمعناه، ويفصح عن هذا المعنى ويؤكده. وقد مرَّ هذا السؤال بمرحلتين في حياة جبرا النقدية/ الإبداعية: ــ الأولى، هي التي كان هذا السؤال فيها على تماس مباشر مع ما هو إنساني ثقافة ـــ من موقف التلقي فالحوار، أو التلقي فالتمثل ـــ لنجده ينظر إلى قوانين التطور في الحياة والأدب والفكر كونها حركة تحكم مسار الإنسانية، أو يجب أن تحكمه، إذا ما أرادت هذه الإنسانية الانتقال من حياة التقليد والاجترار إلى واقع التجديد والإضافة. وفي هذا كان يرى فتح أبواب المعرفة الإنسانية على بعضها، من غير استلاب أو إحساس بالدونية، السبيل الذي ينبغي على ثقافتنا الحديثة أن تأخذ بها (ونجد التمثيل على هذا في أكثر صوره وضوحاً في كتابه: (الحرية والطوفان) الذي يضم أهم كتاباته النقدية الأولى بين العام 1949 والعام 1960) ففي هذا الكتاب ينطلق من اللحظة الكبرى للتجديد، بمعنى النظر إلى حياتنا في ما تضم من معاني التطور، ومن توجه إلى أحداث التغيير وتحقيق المغايرة مع السائد والمألوف، لنجد المبدع العربي (في هذا الكتاب) متمثلاً في شخص المؤلف وفي الآخر (الذي يقدمه في قراءاته النقدية له) منغمراً في لجّة المبثوثة في صفحاته تتجه إلى تحديد نفسها على نحو تصبح أفكاراً ومبادئ لحركة تغني نفسها بما تحمل أو تدعو إليه من حقائق جديدة، ورؤى مغايرة، إن معظم الأعمال التي يتناولها هذا الكتاب، تتصل بحقيقة كبيرة وشاملة، هي: التجديد منجزاً، والجديد مفهوماً متحققاً (أو منظور إليه من زاوية تحققه). ـــ وأما في الثانية فإن السؤال يأخذ بمبدأ تأكيد الذات المبدعة، في وجودها الحضاري وفي وجوه إبداعها، وكأ، المسألة عنده أصبحت تمثل ذلك الانتقال، الحي والحيوي، إلى المجال الإبداعي كلية ليصبح همه الأكبر متمركزاً في أن يرينا ما يرى هو نفسه في الأدب، وفي فنون الإبداع بعامة، مما يحمل روح هذا (الخلق الجديد) الذي كان جبرا واحداً من آبائه الكبار. وكان في هذا كلّه يصغي إلى صوت نفسه، كما كان يصغي لأصوات الآخرين تأتيه عبر ما يكتبون وينتجون ـــ وإن كان لم يؤمن إلا بما كان يحسه نابعاً من أعماقه هو. فقد كان المنبع لكل ما كتب من أدب أراده مغايراً لما عرف عصره من أدب هو: شخصيته الأدبية والإنسانية التي لم تكن تتشبه إلا بوعيها، ولا تستجيب الاستجابة الإبداعية العالية إلا لحسها الإنساني والحضاري العميق. وإذا كنا نجده في قراءته النقدية تحديداً عميقاً في ما يستقصي من إبعاد الأعمال الأدبية والفنية، نافذاً في رؤيته ورؤياه، فذلك لأنه في هذا التوجه منه إنما كان يقدم شهادة: لا على (الآخر) الذي يكتب عنه فقط، بل وعلى نفسه أيضاً: فناناً مبدعاً، وموقفاً مجدداً(10)... وفي المرحلتين كان سؤال التجديد عنده ينفتح على ما نستطيع اعتباره معاني كبرى تمثلت أكثر ما تمثلت في المدينة العربية، التي نجده يقابس في الصورة التي يريدها لها جوهراً، صورة (المدينة اليونانية) حيث فضاء العلم وعالم المعرفة وأقنية البناء الحضاري، تمتزج فيها الصورة الإيجابية للمدينة الأوروبية الحديثة التي أدرك تحولاتها وعرف عن كثب أهمية هذه التحولات في مسار الفكر الإنساني وفي عمليات الخلق والإبداع الجديدين. لقد توجه إلى المدينة العربية بمثل هذه الفكرة البانية لجوهرها وحقيقة وجودها التاريخي. فبوجود هذه المدينة يرتبط التجديد حركة وواقعاً وبما يكون له من تأثير منتظر في البيئة الإنسانية، التي يفتح أمامها أفق الحياة من زاوية خلق الحياة، أو إغنائها بالرؤى الجديدة. وإذا كانت الكتابة عنده ترتبط بتاريخها، فهي من جانب آخر مرتبطة بلغتها وأساس هذه اللغة، هي الحرية التي نجد ما كان يهمه منها ليس معناها مجرداً، وإنما إطار العلاقة الذي يجمع الفكر إلى الكتابة، والرؤيا إلى الإبداع، ويجعل للتقدم حركيته. ونجد همّ جبرا الأدبي ينصب في محاولة بلورة وعي فني يقوم على: 1 ـــ تمييز عالم الرؤية الأدبية الجديدة بما هو خلق وإضافة... 2 ـــ مفارقة جميع أشكال الاستعارات النظرية، وعدم الاحتكام إلى ما تقدم من أشكال وصيغ جاهزة. 3 ـــ البحث في قدرة العمل النقدي على توليد رؤية محفزة على تحقيق التجاوز للأنماط الفنية السائدة، بنفس الوقت الذي تتم الاستفادة فيه من منجزات التيارات الحديثة في النقد والعلوم الإنسانية ـــ من غير أن ترهن موقفها، الفني والنقدي، لأي معنى من معانيها (بمفهوم التبعية والاتباع)... 4 ـــ وإذا كنا نجده يتوجه في نقده، أكثر ما يتوجه، إلى المعنى فذلك لأنه إنما يبحث عن هذا المعنى في ما تؤكد به الأشكال الفنية حيويتها وعناصر الابتكار في ما تقول، اقتراباً من طبيعة الأدب والفن كما يراهما. فالعمل الأدبي أو الفني هو بما يشكل من بنية تعبيرية تتميز بغنى ما للغتها من دلالات، إذ يتمثل فيها وعي المبدع بأهمية الرمز. ونجده في قراءاته النقدية، يؤكد على الصلة والترابط بين الأسطورة والمعنى في العمل الأدبي أو الفني، حيث انبثاق الرؤيا التي يتحول العمل الأدبي بها/ ومن خلالها من النمط التقليدي إلى الأنماط الجديدة الحية. إن جوهر هذه الرؤيا هو قضية الإنسان الأزلية ـــ التي هي بدورها قضية الإبداع والفكر المبدع في كل زمان ومكان: (حرية الإنسان وتمرده، حبه، تجاوز موته) وكل تغير في هذه الرؤيا إنما يمثل في (التحليل الأخير، محاولة جديدة للتأكيد على خطورة هذا الجوهر وروعته)(11). وإذا كان (من طبيعة الرؤيا أن تكون غامضة ولغزية إلى حد بعيد) فإن ذلك ـــ برأي جبرا ـــ ينبغي أن لا يكون مدعاة لانغلاقها، لأن (الرؤى إذا استمرت على انغلاقها علينا، مهما حاولنا التغلغل في أعماقها وتلافيفها يتضاءل، في النهاية، مفعولها فينا: فالهزة الجمالية التي تعترينا في بعض غوامض القول البديع لا يمكن أن تلازمنا إلى ما لا نهاية، والصلة بيننا وبين القصائد، إذا اعتمدت الهزة الجمالية وحدها، وهي هزة الدهشة والحيرة المستحبة، لابد أن تهن شيئاً فشيئاً ونحن نتابع القراءة)(12). وعلى مثل هذه الرؤيا يتأسس حس الخلق، ويقوم الهم الخلقي الذي يحدو بالكاتب والفنان إلى الرفض وهو يرى أن الرفض في زمن كزمننا هذا ينبغي ألا يأتي (على غرار رومانسي نفتقد فيه تساميه وكبريائه حس التعاطف الحقيقي مع البشر في تجربتهم الآنية لكل ما يجعل من الحياة أمراً يستحق الصبر والمعاناة)(13). ويتوازى في قراءات جبرا النقدية: الأسلوب التحليلي، واستغوار الرؤيا الإبداعية.. ـــ فهو، في نقده يقف موقفاً يجمع بين التحليل (خصوصاً في ما يتصل بمكونات العمل المقروء) واتخاذ المعيار الذاتي (الذي نجده فيه يقترب كثيراً من مفهوم: تحقيق الذات نفسها عن طريق الكتابة عن الآخر ـــ أو بدلالة أثره)... وهذا هو ما يجعل أحكامه النقدية تستمد مبادئها من موقفه الإبداعي، وفي هذا الموقف يكمن سر العملية النقدية عند جبرا ويتمثل جوهرها... ومن هنا بحثه عن (المشترك الرؤيوي) بينه وبين من يكتب عنهم، حتى لنجد في ما يكتبه عن شاعر أو روائي، أو رسام تأكيداً لما يراه هو، ويؤمن به من خصائص فنية، وأخرى موضوعية، يعمل على تحقيقها في منجزه الإبداعي الخاص. وهذا (المشترك) بينه وبين (الآخر) لا يكون إلا جوهرياً. وهذا ما يجعل جانباً من تأويلاته النقدية تأويلاً لذاته الإبداعية من خلال ما يتحقق ـــ في عملية القراءة هذه ـــ من مقاربة فنية وموضوعية بين النص، أو العمل المقروء، وما تنطوي عليه/ أو تتفجر به ذاته الإبداعية. وهذا ما يجعل عمل جبرا النقدي محققاً دلالتين في آن واحد: دلالته بالنسبة للنص المقروء... والدلالة الأخرى هي الدلالة الذاتية للناقد (في أنه، في عمله النقدي، إنما يكتب نصاً موازياً للنص المنقود...). ومن هنا فإن قراءات جبرا النقدية مبنية على رؤية فنية. وهذه الرؤية يمكن استخلاصها، جوهراً، من أعماله النقدية (هي ذلك الجهد الذي ننفذ به إلى باطن الموضوع لكي نعرفه من الداخل). إن أهم وأبرز ما تقوم عليه القراءة النقدية عند جبرا هو تأسيسها على أسئلة الإبداع وصولاً إلى ما يعد كشفاً عن المسارات الكبرى للعمل الأدبي أو الفني بالنظر إليه من زوايا محددة تتعين، أكثر ما تتعين في إبداعية هذا العمل ومغزاه بالنسبة لحركة العصر ومدى فعاليته الفنية والإنسانية والموضوعية. ومن خلال هذا التوجه نجد البحث في الذات الإبداعية للكاتب والفنان تتوازى عنده مع التأكيد لذات الناقد الإبداعية الكاشفة لتتجذر في هذه العملية النقدية، وتبرز من خلالها رؤيتان: رؤية المبدع في تجربته الإبداعية، ورؤية الناقد في حركية قراءته(14). وأن العلاقة بين قراءات جبرا النقدية وبين أعماله الإبداعية (في الشعر والقصة والرواية على نحو خاص) ليست علاقة تجاوز حسب، وإنما هي، أيضاً، علاقة تداخل ومشاركة: ـــ فإذا كان في أعماله الإبداعية يثير/ أو يطرح عديد الأسئلة (فمن هذه الأسئلة ما يتصل بالواقع، ومنها ما يتوجه مباشرة إلى الإنسان في موقفه الوجودي، ويؤكد عمق إشكاليات العلاقة الإنسانية في مستويات تحققها). ـــ فإن النقد عنده هو الصياغة الفكرية لهذه الأسئلة، بما يساعدنا، متلقين، على المعاينة وتبين حركية الرؤية الإبداعية في مجاليها الواقعي ـــ التاريخي، والفني ـــ التخييلي، بما يجعلنا، من جانب آخر، قادرين على صياغة سؤالنا الخاص ـــ الذي هو سؤال الرؤية والكشف. فهل هو، في هذا المنحى/ التوجه منه، كان قد فتح أفقاً جديداً للقراءة النقدية. أقول، جواباً: لقد جعل للعمل النقدي إمكانات كبيرة تحققت له من خلال توظيف عناصر التجديد ذاتها في العمل النقدي، وذلك بقراءته العمل الأدبي أو الفني، بقوانينه التي يفرزها أو يقوم عليها. ومن هنا جاءت قراءاته النقدية قراءة داخلية يربطها الإحساس وتشدها وحدة العمل التي تضم/ وتعبر عن علاقاته جميعاً. ففي ما قدم جبرا من قراءات نقدية يمكن أن نلامس، بعمق ووضوح، إحساساً بتفوق الفنان المبدع الذي يصوغ موقفه الفني أجلى ما تكون الصياغة وهو يقدم قراءاته للآخر ـــ المبدع. هوامش وإحالات: 1 ــ يمكن وضع كتابات جبرا النقدية في ثلاثة أقسام رئيسية، يشكل كل قسم منها عنواناً مقارباً لتوجه اتخذه فيها/ ومن خلالها: ـــ فأولاً: هناك المقالات التي تؤكد مفهومه للتجديد والجديد، والتي حرص فيها وعمل من خلالها على بناء هذا المفهوم وتأكيد وحدته ـــ في ما له من خصائص، وما ينطبع به من سمات تتجاوز كل تاريخانية، وتشدد على الرؤية/ والموقف من الإنسان والعصر ـــ بكل ما يحمل العمل، الأدبي أو الفني، من أبعاد جديدة... ـــ وثانياً: ما يتصل بما سبق أو ينبثق عنه من كتابات اتخذ فيها منحى نقدياً تطبيقياً لمفهومه التجديدي، وتتركز كتاباته فيها بشكل أساسي في الشعر، والرواية، والرسم... وفيها نجده يولي اهتماماً خاصاً: بمشكلات الشكل، وقضية الأسلوب، والموقف داخل رؤيا الأديب والفنان في عمله (الذي يفترضه قائماً على تجربة، من نوع ما، ومنبثقاً عنها)... وهنا تدخل الأسطورة باعتبارها عنصراً مكملاً لمجالات التكوين الرؤوي للعمل، أدبياً كان أم فنياً تشكيلياً... ـــ وثالثاً: إن ما يجمع الناحيتين السابقتين في شخصية جبرا الناقد هو تلاقيهما وروح المبدع فيه. فمع حرصه على إظهار وعيه النقدي بالعمل المقروء من قبله، وهو وعي ذو قيمة موضوعية ـــ فإنه غالباً ما يمضي في خطواته العملية إلى تحقيقه إبداعياً. إلا أن ما يمكن اعتباره هنا مشاكلة للذات المبدعة (فيه) أنه لا يتعسف في استخدامه مع العمل المقروء من قبله، ولا يلغي ما هو موقف ذاتي، وإن كان في كتابات أخرى يجعل من موقفه الذات هذا دفاعاً عن (طريقته الشخصية) في الكتابة. 2 ــ الرحلة الثامنة ـــ ط1ـــ المكتبة العصرية ـــ بيروت 1967 ـــ ص133-134. 3 ــ الفن والحلم والفعل ـــ ط1ـــ دار الشؤون الثقافية ـــ بغداد 1986 ـــ ص263. 4 ــ الرحلة الثامنة ـــ ص134-135. 5 ــ تشكلت (جماعة بغداد للفن الحديث) العام 1951 لتكون الثانية، تاريخياً، بين ثلاث جماعات فنية كان لها دورها الريادي في بلورة شخصية خاصة للفن العراقي... الأولى كانت (جماعة الرواد ـــ 1950) وقد التفت حول الفنان فائق حسن، والثالثة (جماعة الانطباعيين ـــ 1952) وقد التفت حول الفنان حافظ الدروبي. وأما (جماعة بغداد...) التي التفت حول جواد سليم فقد تألفت (من رسامين ونحاتين لكل أسلوبه المعين، ولكنهم يتفقون في استلهام الجو العراقي لتنمية هذا الأسلوب. فهم يريدون تصوير حياة الناس في شكل جديد يحدده إدراكهم وملاحظتهم لحياة هذا البلد الذي ازدهرت فيه حضارات كثيرة واندثرت، ثم ازدهرت من جديد. أنهم لا يغفلون عن ارتباطهم الفكري والأسلوبي بالتطور السائد في العالم، ولكنهم، في الوقت نفسه، يبغون خلق أشكال تضفي على الفن العراقي طابعاً خاصاً وشخصية متميزة) كما جاء في بيان (الجماعة) الذي قدمت به معرضها الأول. 6 ــ مع أن بدايات جبرا كانت بدايات رومانسية... ومع أن اهتماماته الأولى، أدباً إبداعياً وتوجهات في الكتابة عن الإبداع الأدبي والفني وفي تقديمه (ترجمة عن الإنكليزية) يقع معظمها في نطاق ما هو رومانسي، رؤيا إبداعية وموقفاً وجودياً، ومع أن هذه الرومانسية ظلت خيطاً خفياً أو ظاهراً، ينتظم الكثير من مناحي تفكيره أو يدخل في تشكيل رؤيته وبناء رؤياه... مع هذا كله فإن الحقيقة وبحثاً عنها وتأكيداً لها، كانت مجاله القصي... ـــ فنقدياً نجده مزوداً بحاسة الحقيقة ببعدها الإنساني، وغالباً ما يعمد إلى بلوغها وتأكيدها من خلال التحليل والمقارنة للأعمال التي يقرأ (وحاسة الحقيقة هذه هي ما أكدها ناقد وشاعر كان يحظى باهتمام جبرا، هو: تي.اس.إليوت، الذي رهن بها القدرة على التمييز والاستجابة، والتقويم ـــ عندما يكون العمل أمامنا ـــ وليست في (نظرية النقد) ولا في النقاش المجرد حول الأهداف والمقاييس. ـــ وأما إبداعياً، فيتداخل البحث عن الحقيقة عنده مع عمله في أقصى درجات التطور الفني التي يحرص/ ويعمل على تقديم هذه (الحقيقة) بها، ومن خلالها. وبذلك يكون قد تجاوز من الرومانسية مظهرها المباشر، محولاً معطياتها الذاتية (عنده) إلى وعي تجديدي تمثل في قوتين: قوة الفكرة وقوة التعبير عنها ـــ وفي هذا نجده يعتبر (الحداثة استمراراً معقداً للرومانسية، وليس كما يذهب البعض أحياناً، انقلاباً عليها). فهو يرى أن الفكر الرومانسي (يرفع الذاتية) إلى مكانة جديدة فتصبح الطاقة الأهم في الحياة هي المخيلة الإبداعية في الفرد. وينبري الكاتب، والشاعر بشكل خاص، إلى التعهد بكشف الحقائق والقيم التي تحددها وتنيرها له رؤياه). انظر: تأملات في بنيان مرمري ـــ لندن ـــ ص12. 7 ــ (هل يكون إبداع المرء دائماً تطبيقياً لنظرية مسبقة هي خلاصة دراسة وموقف حضاري معين، أم أن النظرية هي، حقيقتها، دفاع وتعليل وعقلنة لإبداع تفجر من أعماق النفس رافضاً السيطرة العقلانية المسبقة؟). هذا التساؤل طرحه جبرا على نفسه في أحد حواراتي معه، وقال رداً عليه بأن الأمرين واردان و(أنه ليس هناك (تطبيق) واع ومقصود لأمر تبلور ذهنياً في وقت سابق) مؤكداً أن الناحية الواحدة في حياته تتصل بالأخرى، والواحدة منها تغذي الأخرى، انظر: الفن والحلم والفعل ـــ ص103-104. 8 ــ أن اللغة، عند جبرا، هي في ما تتسم به من أساليب الخلق، وبما يكون لها من نضارة رمزية، وعلى هذا فإن ما يهمه في الشعر، مثلاً، هو تظافر (الصور والألفاظ والتجربة) بحيث (تقهر خدر العاطفة وخمول الاستجابة) (النار والجوهر ـــ ص167) وهذا هو ما وجد (تي.إي.هيوم) قد عناه وهو يتحدث عن هذه الملامسة يسبك لغته من جديد في أتون التجربة)، إذ (العبرة، في النهاية، هي في هذا السبك الذي يحقق لنا الملامسة الجدية، ويدخلنا، عن طريقها، في عالم الشاعر المزدحم بتفاصيل التجربة، تفاصيل ملامسة حقيقية على غراره الخاص. (النار والجوهر ـــ ص172-173) وعلى هذه النظرية إلى اللغة القائمة على الوعي المجدد، يقيّم جبرا نظرته إلى الماضي. (فالماضي لدى المجددين ـــ كما يراه ـــ هو جذر ومنبت وجذع تستمد منها اللغة طاقتها، ويستمد منها الإبداع عصارة الديمومة، فيصبح كل جديد فرعاً آخر من دوحة عظيمة دون أن يعيد الفرع شكل الفرع الآخر. وهنا سر حيوية هذا الجديد). /الرحلة الثامنة، ص11/. 9 ــ كما يلاحظ في قراءات جبرا النقدية ما يمكن أن ندعوه بـ(الفكرة المستمرة) وهذه الفكرة التي نجده دائم التأكيد عليها لا تعني الثبات، ولا تدخل في باب التكرار، وإنما فيها التكريس لموقفه مبدعاً. وتتعين هذه (الفكرة) عنده، أكثر ما تتعين، في الجديد رؤية ورؤيا، والتجديد موقفاً في الأدب والفن. 10 ــ يتزامن الخطاب النقدي عند جبرا مع نصه الإبداعي ـــ بكل ما يثيره هذا النص من رؤية جديدة، ومن موقف يتجلى فيه الاتفاق (أو الاختلاف) حول مفهوم التجديد والأدب والفن المجددين. ومن المؤكد، في هذا المجال. أن الشاغل النقدي عنده نابع من /ومقترن بالشاغل الإبداعي من خلال الوعي بما يمكن أن يضع أساساً لفعل أدبي ـــ فني يتجاوز به مسألتين/ حالتين: ـــ الأولى: التأمل أو الموقف المجرد. إذ الكتابة عند جبرا كما نستخلصها من مجمل أعماله هي: في ما تتعين به من أبعاد فنية وموضوعية ـــ ولكن لا لتستقر فيها بنوع من الثبات، وإنما لتتجاوزها إلى ما تحقق به تأسيسها الفعلي في المستقبل. ومن هنا تنبع (الفكرة المستمرة) في إطار من التجديد المستمر. ـــ والثانية: تجاوز (الخطاب التنظيري) في النقد، فهو، في نقده إنما ينطلق من علاقة إبداعية يقيمها مع النص، أساسها (القراءة) التي يدخل فيها: التذوق والبحث في الدلالة الفنية والموضوعية، بالإحالة إلى العمل. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى علاقته بالأعمال الأدبية والفنية التي كتب عنها وترجمها. فهو، كما يقول ويؤكد القول، لم يكتب إلا عن تلك الأعمال التي أحدثت عنده ضرباً من ضروب الاستجابة، الفنية أو الموضوعية. وكذلك هو في ما ترجم من أعمال نقدية أو إبداعية. ويمكن إرجاع هذا الموقف منه إلى حقل الشعور ـــ بحسب ما تذهب فيه (المدرسة اليونغية) التي كان معجباً ومتأثراً بتوصلاتها، فقد كان (كارل يونغ) يقول: إن ما لا يمارس تأثيره عليّ لا يمكن أن يكون موجوداً. 11 ــ النار والجوهر ـــ ط1ـــ دار القدس ـــ بيروت: 1974 ـــ ص5. 12 ــ النار والجوهر ـــ ص79 ـــ وعنده (أن ينطق الشاعر بلسان التجربة الأزلية شرط أساسي للشاعرية، وأن ينطق، في الوقت نفسه، بلسان النصف الثاني من القرن العشرين، شرط أساسي للديمومة). نفسه ـــ ص118. 13 ــ النار والجوهر ـــ ص89. 14 ــ تناول (إليوت) هذا الجانب في شخصية الناقد/ المبدع، فتساءل (إذا كان هناك جانب كبير من الخلق يعد في حقيقته نقداً، ألا يكون هناك جانب كبير مما يسمى بـ(الكتابة النقدية يعد في حقيقته، خلقاً). ويذهب (إليوت) هذا المذهب مع أنه يفترض، بداهة، أن (الخلق، أي العمل الفني، لا يستهدف غير ذاته، في حين أن النقد ـــ بحسب تعريفه له ـــ يتعلق بشيء غير ذاته). ومع ذلك فهو يذهب إلى (أن النشاط النقدي في مجهود الفنان يستوفي أقصى غرضه وأصدقه في نوعية اتحاده وتمازجه مع الخلق)/ انظر: إبراهيم حمادة (مترجم): مقالات في النقد الأدبي ـــ دار المعارف ـــ القاهرة 1982 ـــ ص15-20 وهنا يأتي تأكيد جبرا على أن ما كتبه من نقد إنما هو دفاع عن طريقته في الكتابة. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |