مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 444 نيسان 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

في التجربة الشعرية رؤية سير ذاتية ـــ د.محمد صابر عبيد

يدخل حديث الشاعر النثري عن تجربته الشعرية في إطار ما اصطلحنا عليه السيرة الذاتية الشعرية (1)، إذ إنه يقدّم في كتابته هذه رؤية سير ذاتية خاصة بتجربته الشعرية تتفتح على آرائه وقناعاته وحساسية تجربته وطبيعتها وخصوصيتها وتاريخها وجغرافيتها، على النحو الذي يكشف فيه عن التاريخ الشخصي لقصيدته بكل ما ينطوي عليه ذلك من تفاصيل وإجراءات وطبقات وأسرار وخلفيات وأسس ومصادر ومرجعيات.‏

ويشكّل هذا النوع من الكتابة لدى الشاعر مساحة فيها قدر عالٍ من الحرية والحيوية والانفتاح للقول على حافة المناطق الحساسة والنوعية للكلام الشعري، الذي ينهض على فعالية التشكيل المنضبط داخل رؤية أجناسية تحتِّم على الشاعر التقيّد بقوانين الجنس الشعري وقواعده وأساليب تكوّنه، بحيث تصبح مساحة الحديث عن التجربة أكثر حرية ومرونة وحركية في استلهام روح القصية وسيرتها وفضاء تكوّنها.‏

عتبة العنوان‏

يقدّم الشاعر شوقي بغدادي هذا النوع من الكتابة الداخلة في الفضاء الاصطلاحي للسيرة الذاتية الشعرية في مقدمة ديوانه ((ليلى بلا عشّاق)) (2)، ويعنون هذه المقدمة المهمة بـ ((الشعر هذه اللعبة الخطرة))، ولاشك في أن هذا التعريف المركّز والمكثَّف والعميق في صياغة حاشدة على الصعيدين المفهومي والدلالي ((اللعبة الخطرة)) يحيل أول ما يحيل على آلية اللعب التي هي جوهر الفعل الشعري ولحمته وسداه، فضلاً على أن فضاء اللعب بمفهومه الفلسفي والجمالي فضاء شعري بامتياز، ولا يمكن للشعر أن يبلغ أقصى جنونه التعبيري والأدائي من دون أن يتمتَّع بطاقة لعب خلاَّقة، تدفع به إلى مستوى الإنجاز النوعي المختلف الذي يتمظهر فيه داخل فعالية بكر تحدث في الفضاء الكتابي والكلامي وكأنها تحدث للمرّة الأولى. وحين تضاف هنا إلى صفتها ((الخطرة)) المكتظّة بدلالة ساخنة فإنها تذهب بالموصوف الشعري العميق ((اللعبة)) إلى فضاء أكثر عمقاً وفلسفة وسيميائية، على الرغم من أن فضاء اللعب أساساً يقارب فضاء الخطر ويتماهى معه دائماً، ويأخذ منه الكثير من الدلالات والصفات والمعاني والقيم.‏

إلا أن حصر الدلالة النعتية وتبئيرها في سياق التكوّن المتمركز المتمثِّل بمفردة ((الخطرة)) إنما يضفي الكثير من القوّة التدليلية على ((اللعبة))، ويدخلها في سياق تعبيري جديد نابع من حساسية التلاؤم والتضافر والتداخل والتعاشق بين حدود الصفة وحدود الموصوف، على النحو الذي يرتفع بالمهمة التعريفية والتوصيفية لـ ((الشعر/اللعبة)) إلى أعلى صياغة ممكنة تجيب على أسئلة التعبير، وفضاء التشكيل، ورغبة التعريف.‏

عتبة الاستهلال‏

يستهل الشاعر شوقي بغدادي سيرته الذاتية البغدادية المكثّفة بعتبة استهلالية يحكي فيها السبب الرئيسي الذي دعاه إلى اللجوء إلى هذا النوع من الكتابة وفي هذا السياق بالذات، متحرّزاً من إشكالية حديث الشاعر عن نفسه ـ كما يقول ـ، ويمثل ذلك حساسية أنوية (شرقية) مبالغ فيها، لأن الحديث عن التجربة الشعرية هنا لا يمكن أن يدخل في باب الدعاية والترويج والتبجح والغرور، بل يدخل في سياق إبداع يمثِّل نوعاً جديداً من الكتابة السير ذاتية، له أهميته الكبرى على صعيد النوع الكتابي أولاً، وعلى صعيد الكشف عن منابع وأصول وخلفيات وجذور التجربة الشعرية للشاعر. وإذا ما استطلعنا ما استهلّ به بغدادي سيرته الذاتية الشعرية هنا سنكتشف فوراً سلطة الخوف من القارئ المتربّص، الذي يمكن أن يحيل الأشياء على غير حقيقتها الاصطلاحية والعلمية، فهو يقول في مطلع تسويغه للتوجّه نحو هذا الفضاء الكتابي:‏

((أريد أن أقول منذ البداية إن هذه المقدمة كتبت بتكليف من دار "الكلمة" التي تفضلت بنشر هذه المجموعة وأردت أن يكون موضوعها حول تجربتي مع الشعر. أقول هذا حتى لا يتبادر إلى ذهن أحد أنني مغرم بالحديث عن نفسي إذ ليس أشد إحراجاً للإنسان من أن يتحدث عن نفسه)).‏

ولاشك في أن قوله الصريح المعبّر عن موضوع كتابته ((حول تجربتي مع الشعر)) ينفي تماماً خوفه من الآخر، الذي يمكن أن يفهم على أنه مغرم بالحديث عن نفسه ويتداول كلامه في هذا الإطار، فالحديث هنا ـ وكما هو محدّد بشكل علمي أجناسي ـ يشتغل حول التجربة الشعرية حصراً، على النحو الذي يبعدها عن الحديث الذاتي الأنوي الصرف ويدخلها في إطار الحديث عن نوع أدبي سير ذاتي معروف.‏

يبدو أن هذه الشهادة الشعرية بما انطوت عليه من وعي في هندسة رؤيتها وترتيب أولوياتها لم تأتِ استجابة سريعة وعفوية لطلب دار النشر ـ كما عبّر الشاعر عن ذلك صراحة ـ حسب، بل ذهبت إلى تمثّل هذه الفرصة التحريضية من طرف دار النشر للقيام بإنجاز نص سير ذاتي شعري، يتمثل التجربة الشعرية للشاعر شوقي بغدادي تمثّلاً ممنهجاً على وفق أهداف معينة، لاسيما وأن التجربة قد بلغت شأواً كبيراً على مستوى الزمن الشعري والإنجاز على حدّ سواء، بحيث تتاح له فرصة استرجاعه رؤيته وتمثّلها والحديث عنها ومقاربة رؤاها العميقة، من خلال ذاكرة نشطة تتوقف عند المحطّات والمساقات الأكثر حيوية وجاذبية في تاريخه الشعري.‏

على الرغم من أن الذات الإنسانية والذات الشعرية تتداخلان في شخصية الشاعر تداخلاً يصعب فكّ اشتباكه والتباسه، إلا أن إمكانية الفصل الرمزي بينهما ـ منهجياً ـ يمكن أن يحقق معاينة نقدية تنظر إلى الذات الإنسانية على أنها تشكيل إنساني وطبيعي يتحرّك في فضاء الواقع، في حين تنطوي الذات الشعرية على فضاء حلمي وتخييلي يتحرك في فضاء الخيال، بحيث إذا أنتج التشكيل الإنساني الطبيعي في فضاء تجسيد الواقع الإنساني للشخصية ((سيرة ذاتية)) صرف، فإن إمكانية محاكمة التغنّي بأمجاد الذات ومناقبها وعشق الحديث عنها يمكن أن تؤخذ بوصفها غروراً وتبجّحاً إذا لم تتناسب بطبيعة الحال مع واقع الحال في نظر الذات والآخر معاً.‏

أما إذا أنتج التشكيل التخييلي للذات ما اصطلحنا عليه بـ ((السيرة الذاتية الشعرية)) التي تنشغل بالحديث عن الذات الشاعرة لا الإنسانية الطبيعية، وهي محكومة عادةً بتجربة شعرية منشورة ومعروفة ويمكن تداولها وفحص قيمتها، فإن الحديث هنا يخرج من بؤرة الحديث عن الذاتي والشخصي ليدخل في فضاء الشعري والثقافي والفكري، على النحو الذي لا يبّرر مثل هذا الخوف، وهو ما حصل فعلاً في هذه الشهادة.‏

إن هذا الاحتراز يفتح باب الحديث عن إشكالية الخاص والعام، الذي يمكن أن يتحول في ظلّ هذه الرؤية إلى جدل الأنا والتجربة، وهو حديث لا يخلو بطبيعة الحال من مشاكل بحكم استغلال الشعراء للعبة الكامنة في بؤرة هذه الإشكالية، والتحرّك القناعي بالعام للتعبير عن الخاص أو العكس، مما قد يصعب الفصل بينهما أحياناً، أو قد يتداخل الخاص بالعام ويصبحا شيئاً واحداً عند بعض الشعراء الذين يترسّمون هدفاً خاصاً للعمل الشعري، ولا يفرّقون بين ما هو خاص وما هو عام في تجربتهم.‏

فضاء التكوّن‏

على الرغم من أن سيرة شوقي بغدادي الذاتية الشعرية هنا ذهبت إلى تفاصيل في الحياة قد تكون زائدة في سياق البعد المفهومي لمصطلح ((السيرة الذاتية الشعرية))، ويمكن التعامل معها على أنها توضيحات وتفصيلات وأفكار ذات قيمة تقريرية أكثر من قيمتها السردية السير ذاتية الشعرية، ويمكن أن تدخل في إطار السيرة الذاتية الصرف لا الشعرية، إلا أن المفاصل الأساسية الأخرى تشكّل سيرة ذاتية شعرية مكثّفة وعميقة وكاشفة عن جوهر فضاء التكوّن الشعري في قصيدة الشاعر ورؤيته الشعرية.‏

بوسعنا النظر إلى فضاء التكوّن الشعري عند شوقي بغدادي بحسب ما قدّمه في سيرته الذاتية الشعرية بوصفه عمارة فنية ـ موضوعية تتألف من مجموعة من المراحل، المرحلة الأولى تبدأ من مسافة الشعر بوصفه لعبة مسلّية ثم ينتهي إلى لعبة خطرة.‏

إن هذه الرؤية تكشف عن الوعي الابتدائي المتشكّل من طبيعة القراءة وحساسيتها ووعي الفضاء الكتابي وكيفيته:‏

((يبدأ الشعر لعبة مسلية، ثم ينتهي إلى لعبة خطرة يكاد الشاعر يدفع حياته ثمناً لها. عندما يصبح الشعر قضية حياة أو موت)).‏

إذ تتداخل حدود التسلية وحدود الخطر في إدراك البنية العميقة لخاصيّة التكوّن الشعري، الذي لا يتوقف تأثيره عند مستوى النص في نطاقه التداولي والميثاقي بين المؤلّف والقارئ، بل يبلغ مستوى شخصية الشاعر الإنسانية في مستواها الواقعي والوجودي، حين يصرّح بغدادي استناداً إلى فهمه الخاص لوظيفة الشعر بأنها (قضية حياة أو موت)، في السبيل إلى الارتفاع بمهمة الشعر والشاعر إلى صعيد موضوعي فضلاً على الصعيد الفني.‏

أما المرحلة الثانية فتتكشّف عبر استقرار النظر الموضوعي إلى الشعر بوصفه قضية حياة أو موت، وتبدأ مع الإنسان منذ بداية حياته كشاعر وعلى نحو سير ذاتي محفّز لعمل الذاكرة:‏

((يبدأ الإنسان حقاً حياته كشاعر، ومن دون هذا الشعور الكاسح نبقى مخدوعين عن أنفسنا مطوفين أما عتبات المملكة المخفية بجمالها، لا نسمع سوى أصداء التراتيل، والصرخات التي تمزق الروح)).‏

تتركز هنا الرؤية الموضوعية ذات النزعة الإنسانية التي تعاين الفعل الشعري بوصفه فعلاً قادراً على التأثير والتغيير والثورة، خارج آلية التمترس خلف الجمال الفني المنشغل ببهاء اللغة ومهاراتها وجماليات الصورة وتقاناتها وأسلوبية التشكيل وفضاءاته، من دون أن يكون لكلّ هذه الفعاليات التقانية والأسلوبية والسيميائية تأثير حيّ وحيوي في مسار الفعل الإنساني وهو يستجيب للحراك الاجتماعي والثقافي البشري. وتنشغل المرحلة الثالثة بقضية مهمة تتمثّل في علاقة ((الشعر والجسد))، أو ((المرأة والقصيدة))، وما تقوده هذه العلاقة إلى مسارات في الوصول إلى مفهوم ((اللذة))، الذي يتشكّل شعرياً بوصفه همّاً ثقافياً وحسيّاً يشغل الشاعر ويؤسس لعلاقة نوعية ما مع تجربته:‏

((بدأت اللعبة تصبح خطرة مع أول امرأة لامست جسدها الدافئ المخملي وشعرت لأول مرة أن هناك لذة أخرى تعادل لذة الشعر أو ربما خيل لي وقتها أنها اللذة الأولى في الحياة. يومها صار الشعر خطراً لأنه بدلاً من أن يعوضني عن السراب صار يضعني في مواجهته ليل نهار كي أتحدى وأغامر وأشقى وأسعد، هكذا تبدأ الصداقة الحقيقية وتشرع العيون تعرف الدموع المختلسة، لا لأن الحبيبة سافرت أو هجرت حقاً وإنما لأن الشعر أرادها أن تسافر وتهجر)).‏

إذ يدخل الشعر في فضاء حيوي جديد يعزّز قيمته الإنسانية ويضاعف من وظائفه، بعد أن ينفتح على قيم أخرى تجعل منه ضرورة على نحو أكثر عمقاً وأوسع مدىً، ويتداخل الروح الشعري مع مناطق وأمداء وصيغ ومسارات تجعل منه لعبة أكثر خطورة، وتشرع في تحوّله إلى مشروع لا يتوقف عند مجرّد الرغبة في إنتاج كلام فني مختلف، عبر فضاء تكوّن يتَّجه نحو العمل على اكتشاف صيغ جديدة للتعبير باستمرار.‏

أما المرحلة الرابعة فيمكن معاينتها من خلال العلاقة الفلسفية الجدلية ذات البعد المصيري بين ((الشعر والموت))، وما تنفتح عليه هذه العلاقة في المنظور الإيديولوجي الذي اعتمده شوقي في التعامل مع مفردات القصيدة وقوة تعبيرها عن الكفاح والنضال مما يتَّصل على نحو ما بالموت، وهو يأخذ هنا شكلاً مجيداً على الشعر أن ينجح في التوصّل به والتعبير عنه.‏

وتتدخّل هذه المرحلة تدخلاً صريحاً وواضحاً في منطقة السيرة الذاتية ذات الصلة بالموت، في درجة تعبيره عن الفكرة النضالية ذات المناخ الإيديولوجي المحدد من أجل الحرية:‏

((صارت اللعبة أكثر خطورة في المراحل الأخيرة من المدرسة الثانوية حين واجهت الموت لأول مرة في حياتي وجهاً لوجه مع شرطي يحمل مسدساً حقيقياً مصوباً نحوي ونحو رفاقي المتظاهرين قرب مدرسة التجهيز الأولى في دمشق والمسماة الآن "ثانوية جودة الهاشمي". كنا نرمي الحجارة غير مصدقين أن الموت ممكن ولكن الموت صار ممكناً جداً في ذلك اليوم الذي لا ينسى حين أصابت الطلقة أحد رفاقنا في صدره وكان اسمه "نسيب خطار" فهوى يتخبط بدم الشباب وكان أول شهيد تقاسمت معه الخبز واللهو والعراك ثم رأيته يموت أمامي)).‏

فتجلّي الموت الحقيقي على هذا النحو الذي أصبح فيه ممكناً وقريباً ومنظوراً إليه عن قرب، حرّض الهاجس الشعري على تلقّيه على وفق صيغ جديدة لا علاقة لها بالفكرة المجردة، ونشأ مفهوم الشهيد وصورة الشهادة لكي تغني الشعر بأفق مختلف للموت خارج الإطار التقليدي المجرّد.‏

المرحلة الخامسة تنشغل بمنطقة أثيرة وخاصّة وحيوية وفعّالة من مناطق التعبير الشعري يمكن وصفها بـ ((نهاية اللعبة وبداية الاحتراق))، وهي تتحرّى السبل المتنوعة من أجل خلق حياة جديدة يحكمها الشعر، بوسعها محاربة كل فساد العالم ومضاعفة مسرّات البشر وسعاداتهم، والذهاب شعرياً إلى جدلية قاسية وممتعة بين ((النشوة والعذاب)) تقود الشاعر إلى مزج سيرته الذاتية بشعره وشعره بسيرته الذاتية، من خلال تطوير مفهوم اللعبة وتوسيعه وإثراء قيمه وإغناء صورته في الأشياء:‏

((لم يعد الشعر بعد ذلك اليوم لعبة. لقد صار احتراقاً يطمح إلى أن يحارب كل فساد العالم لكنه كان يأكل صاحبه قبل أي شيء وصار نشيداً يحاول أن يتغنى بأعذب مسرات البشر ولكنه كان يبهج مغنيه قبل أن يبهج أي إنسان آخر. لقد امتزجت الآن الأفراح والآلام الصغيرة والكبيرة، وبدا العالم يصبح خاصاً وكما يكون موعد الحب صار موعدي مع حصاد الحقول وإضراب المصانع والمدارس وحروب الوطن، بقدر ما صارت البهجة أكبر كان الثمن يصبح أفدح فأدفعه مرة في بلادي ومرة خارج بلادي، وأعرف أكثر فأكثر معنى أن تصبح الكلمة هاجساً وقدراً وطلقة وضريبة لابد من أدائها في معارك الشرف)).‏

إذ يجنح فضاء التكوّن هنا إلى الدخول الحارق في عمق الواقع بمشاغله الإيديولوجية والشعبية والجماهيرية، على النحو الذي يعزل الشعر عن المفهوم السابق للّعب عزلاً لافتاً ويفتحه على مشهد الاحتراق، بعد أن يتنكّب الشعر عند الشاعر مهمة نضالية مصيرية لها علاقة دائمة وموعد متجدّد مع الموت.‏

وتتحوّل السيرة الذاتية للشاعر والقصيدة إلى سيرة كفاح ونضال وتعبير عن آلام مجتمعية وسياسية، يصبح فيها الشعر سلاحاً للحرب من أجل حرية الإنسان واستقلاله وكرامته.‏

وهنا يرتفع فضاء التكوّن الشعري إلى مرحلة سادسة يكون الشعر فيها مغامرة حقيقية مجدية معبّرة عن روح الجماعة:‏

((وقد لا يكون الفن للفن الهاجس الأول في تلك الأيام ولكن الناس كانوا يعلمونني أكثر مما كانت تعلمني الكتب وكانت الحياة تدفعني باستمرار إلى أن أتطور ولكن دون أن أفقد صلتي بهؤلاء الناس الذين ربطت مصيري الشخصي بمصيرهم)).‏

بحيث تتألف التجربة الشعرية للشاعر من أدوات الفن وأدوات الواقع المعيشي معاً، وتصبح السيرة الذاتية المتجوهرة في مفهوم المصير مصدراً أساسياً من مصادر تكوّن التجربة وتعميق صورتها الشعرية، على النحو الذي تُلهب فيه حرارة الحياة المليئة بالبشر الهاجسَ الشعريَ وتوجهه وتخصبّه، باتجاه تحقيق وظيفة مركزية (خارج ـ شعرية) للشعر قد تجور على غيرها من الوظائف، لكنها تنطوي في جوهرها على مهمة يراها الشاعر مصيرية في تجربته، تكون عنده وبصيغة ما موازية لوعيه السير ذاتي الممعن في تعبيره عن فكر الشاعر وفهمه للشعر والحياة.‏

بنية القصيدة‏

ينظر الشاعر شوقي بغدادي إلى قصيدته بوصفها بنية تتشكّل من تفاعل أدوات التعبير مع الجماهير، ولاشك أن هذه الموازنة قد تنطوي على قدر كبير من الصعوبة ولا يمكن أن تتحقق من دون خسائر وتضحيات في منطقة معينة من هاتين المنطقتين.‏

إن فاعلية الاستجابة للشعر من جمهور القرّاء تعدّ واحدة من أكبر أزمات الشعر في كلّ تاريخه وعلى أكثر من مستوى، فكيف إذا تجاوزت رغبة الشاعر ذلك لتدخل في سياق تثويري وتغييري وانقلابي في وعي الجمهور وثقافته وتطلّعاته الوطنية والقومية والأيديولوجية.‏

عندها حتماً سيدخل الشعر في مسار خطر جداً حين يكون عليه أن يبقى شعراً من جهة، ويهبط إلى مستوى الطبقات الشعبية معبّراً عن حراكها الاجتماعي والسياسي والثوري ليأخذ بيدها نحو الحرية وتحقيق حلمها في الحياة الحرّة الكريمة من جهة أخرى.‏

وقد وصف شوقي بغدادي هذه الإشكالية بالمغامرة أيضاً لإدراكه بمستوى الخطورة التي يمكن أن تنطوي عليها:‏

((كل قصيدة عندي كانت إذن مغامرة ذات حدين واحد مع أدوات التعبير والثاني مع الجماهير التي أتمثلها باستمرار مصغية أو قارئة. إن اللغة تقاوم الشاعر ومثلها الجماهير ولكل أسبابه ولكن حين يصبح التجديد تمثّلاً مخلصاً حياً للطموح الذاتي وضرورات اللغة ومستويات الجماهير في تناغم وجداني واحد تصبح المغامرة الشعرية فنية حقاً وإنسانية حقاً في العمل الواحد حتى ليصعب التفريق بينهما أو تقديم إحدى الصفتين على الأخرى)).‏

وهو هنا يعاين المسألة معاينة دقيقة وتفصيلية ورؤيوية عبر الإشكال الخطير في ثنائية ((أدوات التعبير/الجماهير))، إذ إن الشعر الذي يقرن فعله الإبداعي بالجماهير قد يتحوّل إلى سلاح تعبوي للدفاع عن حرية الإنسان، وقد ينجح في تحقيق نتائج إنسانية على الأرض لكنه يدخل بعد ذلك في إحراج شديد بشأن قدرته الفنية على البقاء بوصفه شعراً ذا قيمة إبداعية عالية، استغلّ أدوات التعبير في أعلى درجات كفاءتها التعبيرية والجمالية.‏

لكن شوقي بغدادي يجتهد هنا في أن ينجح على المسارين ويمسك عصا التجربة من الوسط، إذ يطمح أن يرتفع شعره إلى مستوى الإسهام في دعم حركة الجماهير نحو التحرر، من دون أن يتنازل عن الشرط الفني الواجب توافره في الشعر، لأنه من دون الشرط الفني يكفّ الكلام عن كونه شعراً ويدخل في باب القول التحريضي المجرّد.‏

وهنا يلتفت الشاعر في إطار مقاربته لهذه القضية الشائكة إلى فعالية اللغة وقدرتها على حمل هذه الإشكالية بنجاح، بوصفها الأداة العضوية المركزية التي قد تحسم نجاح القصيدة أو إخفاقها، لأن أسلوبية الاستخدام الخاص للغة في أنموذجها الخطابي هي ما يحوّل القول العادي إلى كلام شعري، بما ينطوي عليه هذا الاستخدام الخاص من حساسية نوعية بوسعها التعبير عن الحال الإبداعية في أعلى طاقاتها الجمالية.‏

وبهذا فإن بنية القصيدة في تجربة شوقي بغدادي استناداً إلى هذه المعادلة تخضع لامتحان مصيري، ليس من السهل الحكم على مدى نجاحه من دون التحقق من مرجعيات كثيرة لا تتوقف على النص فقط، بل تقارب مجمل التجربة الشعرية عنده وفي المدى الذي يتردد بين القصيدة والسيرة الذاتية، على النحو الذي يجعلنا نطمئن على أن التجربة حققت جدلها، وأفرغت طاقة اللعب فيها بشكل يجعل الشاعر والقصيدة والموضوع والتجربة في سياق واحد، يتعالى على الصيغ التقليدية ويرتفع إلى مصاف الفن الثوري القادر على التجويد في التعبير والتأثير والتحوّل باتجاهات أفضل وأكثر حرية وجمال.‏

الاختتام‏

يختتم الشاعر شوقي بغدادي رؤيته لتكوّن القصيدة بمقولة جان كوكتو الشهيرة ((إن الشعر ضرورة ولكن ليتني أعرف لماذا؟))، التي يسعى من خلالها إلى توكيد الحساسية الغامضة للتأليف الشعري كونه فعالية لا يمكن التقاط حركتها الداخلية الصاعدة إلى منصّة القصيدة.‏

وهو يحاول تقمّص مقولة كوكتو لإنتاج مقولة شخصية تقارب سؤال الشعر في أعلى مناطق غموضه تحدّياً، فيقول:‏

((إن الأشجار تموت واقفة كما يقولون وإن مأثرة الشاعر هي أن يكون تلك الشجرة، ففي هذا العالم المجنون الذي تحاول السكاكين أن تصنع حكمته والوحل الملوث أن يصوغ تيجانه، تبقى النشوة الكبرى في أن يجد الشاعر القدرة على أن يقول كلمة: لا... في وجه المد الطافح بالقذارة والتفاهة والقسوة، وإذا لم يكن ثمة جواب على هذا السؤال الذي طرحه جان كوكتو ذات يوم: "إن الشعر ضرورة ولكن ليتني أعرف لماذا؟" فإن الجواب غير ضروري على الإطلاق يكفي أن يكون الشعر ضرورة وأن يفهم الشاعر هذه الحقيقة وأن ينقل قناعته إلى الناس بواسطة الشعر وحده)).‏

ويوجّه المقولة لتستجيب على نحو ما للفكرة الأساسية التي اشتغلت عليها شعريته في التوغل الحرّ في أعماق الواقع والبشر، من أجل أن يقوم الشعر بدوره الثقافي والرؤيوي والتحرري في المجتمع، من خلال فهم أيديولوجي خاص لوظيفة الشعر داخل مفهوم الجماهير.‏

ولعلّ حساسية الغموض التي تلفّ فكرة جان كوكتو هنا عن ضرورة الشعر لا تتناسب تماماً مع فكرة شوقي بغدادي، ولاسيما في النظر إلى منهج بغدادي الشعري المرتبط على نحو ما بفلسفة التثوير والتحرير والتخليص، التي تفترض أن يكون الشعر ضرورة معروفة لا غامضة، لأن مهمة تحتاج إلى وضوح الضرورة بانتظارها.‏

إلا أن العلاقة تقع في المنطقة الأخرى (الخاصة) التي تذهب فيها التجربة لكي تعبّر عن رؤية سير ذاتية شعرية بالمعنى النوعي، بحيث يتحوّل الفهم لأداء اللغة الشعرية ووظيفة التعبير الصورية والحساسية الإيقاعية إلى مناخ غامض غموضاً منتجاً، لا يمكن أن يحيا الشعر الحقيقي من دون حضورها وتفعيل خصائصها وشيوع إيقاعها.‏

مغامرة اللغة ولغة المغامرة‏

تتمركز اللغة في حديث الشاعر عن تجربته دائماً في بؤرة الخطاب، بوصفها آلة التعبير المركزية التي من خلالها تتفتح معالم الخطاب الإبداعي وتتضح حدوده الأجناسية، وعلى هذا الأساس فإن الشاعر ـ عادةً ـ هو من أكثر مبدعي الفنون الأدبية الأخرى انشغالاً باللغة وطبقاتها وشؤونها وشجونها، بحيث شغلت جزءاً مهماً هنا من سيرة الشاعر شوقي بغدادي الشعرية، إذ ذهب في أكثر من مفصل من مفاصلها إلى مقاربة فضاء اللغة وحساسيتها وروحها، فهو في تناوله للغة التي يعمل عليها شعرياً لا يغادر فهمه لحساسية اللعب بقوله:‏

((أما لماذا كانت اللغة لعبتنا الفضلى، فذلك هو السر الذي لم يجب عليه كل علماء الأرض وفلاسفتها. ولماذا يكون ثمة جواب. هذه ليست مهمتي على الأقل)).‏

مرتفعاً باللغة/اللعبة (الفضلى) إلى مرحلة الأسطرة التي قد لا تستدعي في رأيه جواباً منطقياً وفلسفياً وجيولوجياً عن سؤالها، لأن حضورها الشعري قد يتجاوز الحدود التقليدية الممكنة للسؤال والجواب، فهي ذات عمق عاطفي وانفعالي ووجداني ضارب في أعماق النفس الإنسانية والموهبة الإبداعية والوعي المثالي، الذي لا يمكن أن تحدّه حدود السؤال وتقانات الإجابة في أيّ نحو من الأنحاء.‏

ومن ثم يعترف الشاعر في إطار انشغاله بوصف الحال الشعرية والنظر العميق فيها من دون التدخّل بفلسفتها ومنطقتها، بأن مهمته لا تذهب في أيّ حال من الأحوال إلى ذلك.‏

هنا تتحوّل اللغة إلى مغامرة من نوع خاص لا يمكن التحكّم بآلياتها وفروضها ونتائجها على نحو واضح ودقيق ومحسوب، ويتدخّل فضاء المغامرة لينقل اللغة الشعرية إلى مناطق بكر في صياغاتها وحساسيتها وروحها التعبيرية، على النحو الذي يخلق جدلاً إبداعياً عميق الغور بين مغامرة اللغة ولغة المغامرة.‏

ويفضي ضرورةً إلى مساحة إبداعية حرّة تأخذ من دلالة المغامرة علامة التحدّي والتوغل والجرأة والجنون واللا تخطيط، ومن دلالة اللغة المعرفة والمعنى والقيمة والأصل والمرجع والإشارة والبلاغة والرمز والإيحاء، وصولاً إلى الالتحام بالبشر المنتظر حيث تتحول اللغة إلى مغامرة إبداعية تغييرية خلاّقة، والمغامرة إلى فعل بشري نوعي مختلف يعزّز إنسانية الإنسان ويأخذ بيده إلى الحرية والحياة الكريمة:‏

((أبداً... لا يمكن أن يولد الشعر في فنجان أو في غرفة مغلقة أو بين دفتي كتاب. إنه قبل كل شيء نسمة الروح الطليقة ولكن بين أناس كثيرين ينتظرونك. وحين ينقطع هذا الموعد الكبير يفسد كل شيء الشاعر والجمهور)).‏

إن دلالات الانطلاق والانفتاح التي يمكن أن تتحقق بين منصّة الشعر وقامة الشاعر من جهة، والجمهور المتلقي من جهة أخرى، هي التي تفتح باب المغامرة وفضاء اللغة على تحقق أمثل يغري الشاعر بموقع الشعر ويحقق له مع الجمهور (الموعد الكبير)، الذي من دونه يفسد الشعر وتنقطع اللغة عن أداء مهمتها وتموت المغامرة. لذا فإن المغامرة اللغة الشعرية وشعرية لغة المغامرة عند شوقي بغدادي في هذا السياق إنما تتحقّق دائماً في ما اصطلح عليه إيديولوجياً وثقافياً بـ ((الموعد الكبير))، الذي يتنفس الشعر فيه الهواء ذاته الذي يتنفسه الناس لأن رؤيته الشعرية تشرق من خلال الناس وعبر همومهم وآلامهم وتطلّعاتهم.‏

ولا جدوى من اللعب العقيم بالمهارات اللغوية الشعرية بوصفها مغامرة تقانية لا تصل إلى الناس ولا تسهم في تغيير حياتهم ورؤاهم، على النحو الذي يسجل فيه شوقي بغدادي منهجاً جماهيرياً في تحديد وظيفة الشعر:‏

((وللشعر أن يكون مغامرة وهو مغامرة بالضرورة ولكن ليس في مغارة موحشة، وإنما في أزقة حي حاشد بالبشر، وفي شوارع مدينة حافلة بالصخب، وتكون المغامرة حقيقية مجدية إذا كانت مع الجماعة، ومن دون روح الجماعة تصبح المغامرة نوعاً من الاستعلاء والغرور الذاتي والطيران بلا أجنحة)).‏

فالمغامرة في لغة الشعر وشعرية اللغة عنده مجدية حيث تتلبّث بين البشر أينما كانوا وحيثما وجدوا، وتصبح نوعاً من الاستعلاء والغرور الذاتي والعبث غير المجدي، حين يقتصر أداؤها وفاعليتها على اللعب على المهارات والتقانات والآليات حسب.‏

يمكن القول إن النظرة التي تكشّفت عنها رؤية شوقي بغدادي في سيرته الذاتية الشعرية هذه تنطوي على قدر كبير من الواقعية المنهجية التي تتحلى به فلسفته في النظر إلى الأشياء وتداولها، في سياق حساسية التفكير بالشعر والعمل عليه والكتابة فيه وعنه، بحيث يكشف عن رؤية وظيفية للشعر تتمثل في علاقته بجمهور متلقٍّ ينتظر من الشعر أن يسهم في تطويره وتغييره وتحريره، والانتقال به إلى مرحلة حضارية أرقى وأكثر إنسانية، على النحو الذي تخترق فيه مغامرة اللغة الشعرية الحدود والتقاليد والأعراف ليصبح الشعر عالماً منتجاً يسهم في سعادة البشر.‏

((وللشعر أن يكون تحدياً للغة والقواميس والتقاليد الجامدة، ولكنه لا يكون أبداً معركة مع طواحين الهواء)).‏

إن شوقي بغدادي شاعر رسم لشعره وظيفة جوهرية تدفع لغة الشعر لتكون مغامرة إنسانية منتجة ذات نزعة عميقة التأثير في روح الإنسان وحياته، وهو ما يكشفه على نحو جليّ نصه الشعري الذي لا ينشغل بتحديث الأدوات بمعزل عن التفكير بالآخر (الجمهور) الذي يجب أن تصله حرارة الشعر بكل عنفها وجبروتها واشتعالها.‏

الإحالات‏

1 ـــ في كتابنا السيرة الذاتية الشعرية ــ قراءة في التجربة السيرية لشعراء الحداثة العربية ــ، وضعنا معجماً لمصطلحات السيرة قاربنا فيه ما يقرب من أربعين مصطلحاً في السيرة ومنها مصطلح (السيرة الذاتية الشعرية) الذي نحت بصدد الاشتغال عليه الآن في هذه المداخلة. ينظر الكتاب بطبعته الثانية، دار الكتب الحديث، إربد، ودار جدارا للكتاب العالمي، عمّان، 2007: 110.‏

2 ـ مقدمة ديوان ((ليلى بلا عشّاق))، الأعمال الشعرية الكاملة، ج1، دار الرائي للدراسات والترجمة والنشر، ط1، دمشق، 2006: 225 ـ 235,..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244