|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
اللامنتمي في أدب هاني الراهب المهزومون أنموذجا ـــ عبد الكريم ناصيف طغت على المكتبة العربية في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين موجة كاسحة من كتب الأدب تنتمي للوجودية، إذ سارعت دور النشر في بيروت خصوصاً والقاهرة ودمشق عموماً، لترجمة كتب كيركجارد، وكولن ولسن، جان بول سارتر، سيمون دي بوفوار، كامو..الخ، ليعرض في أبرز الأمكنة من واجهات المكتبات اللامنتمي، دروب الحرية، المثقفون، الغريب.. الخ. ولينتشر بين بعض الناس، وخاصة الشبان منهم نمط من السلوك يحاكي النمط الوجودي ذاك ويعمل على اقتفاء أثره في كثير من الجوانب والميادين: الفكرية والاجتماعية وحتى السياسية.. فصار بإمكانك أن ترى شباناً يرخون شعورهم كالفتيات ويتخنثون في مشيتهم ولباسهم محاكاة لموجة الهيبيين والخنافس التي انطلقت في أوروبا. لقد كان هناك محاولة للانقطاع عن كل ما يمت للمجتمع القديم بأخلاقه وأعرافه وتقاليده من أجل الإتيان بأخلاق وأعراف وتقاليد جديدة، وكان نتيجة ذلك على الصعيد السياسي ثورة الطلاب في فرنسا سنة 1968 التي أطاحت بجنرال فرنسا الكبير شارل ديغول.. صحيح أن تلك الموجة لم تبلغ لدينا هذا المبلغ ولم تؤد إلى انقلابات وثورات سياسية لكنها كانت فاعلة خاصة بين الشبان مما جعلك تلك الأيام تلتقي بشبان تأثروا كثيراً بها فشاع على نحو ما السلوك الهيبي والعدمي وانتشرت عبارات الوجودية ومصطلحاتها، أفكارها وسلوكاتها ولعل من عايش تلك الفترة يعلم تماماً لماذا بدأت بهذه المقدمة وأنا شعر أنني ملزم بالعودة إلى الوراء لكي نستعيد بعضاً من أجواء تلك المرحلة من الزمن ومناخاتها الفكرية والاجتماعية، فأنا إن أنس لا أنس الحماسة والاندفاع اللذين استقبل بهما جيلنا رواية المرحوم هاني الراهب "المهزومون" بل الكثيرون منا اعتبروها فتحاً في عالم الرواية، خروجاً على كل الموروث الروائي تلك الأيام وفتح باب جديد للإبداع الروائي على الصعيدين: الشكل والمضمون، ولقد كان واضحاً لدينا منذ ذلك الحين كم كان هاني متأثراً بتلك الموجة من الوجودية والانتماء التي جاءتنا من أوروبا وكم استطاع أن يعبر في روايته عن انتشار تلك الأفكار بين طلاب الجامعة خاصة وشبان ذلك الجيل عامة، وهو ما فسر لنا يوم ذاك سبب تلقف سهيل إدريس مباشرة لرواية هاني هذه ونشر دار الآداب لها، مبشرة القارئ العربي بميلاد روائي عربي واعد. ولقد كانت على حق فقد أثبت هاني بعد ذلك أنه معين ثر لا ينضب وأنه عالم من الإبداع قائم بذاته لا يفتأ يتنقل بين عوالم مختلفة يبرع كثيراً في إعادة بنائها جميعاً، هو الفنان والمهندس الماهر في التشكيل والبناء. المهزومون هي البداية ولقد كانت بداية، فتحا كما قلت، سواء من حيث الأسلوب والشكل أم من حيث المستوى والمضمون الذي ابتعد عن الاتباعية والمحاكاة في ميدان الرواية العربية لينفرد هاني بذاته شاهداً "على عصر بدأت فيه تحولات جذرية في المجتمع وانقلابات ثورية في الأفكار تريد أن تطيح بكل ما هو قديم وبال في المجتمع من أجل صنع مجتمع جديد بصيغ وعلاقات جديدة، فها هو "بشر" بطل "المهزومون" وطالب الجامعة الذي يدرس الأدب الإنكليزي يعلن عن أفكاره وفي مقدمتها: 1ــ النقمة على المجتمع والثورة عليه: إنه يعلن في أكثر من مكان أن المجتمع صفر كما يقول لصديقه دريد في الصفحة 243 "سنسافر إلى أمريكا لنكمل دراستنا ونعود لهذه الجامعة.. المجتمع صفر لا تخف عليه. إني أفهم كل ما يدور حولي". أي أن البطل يدين المجتمع ككل، يلغيه باعتباره لا قيمة له كالصفر. لننظر كيف يعبر بشر عن رأيه وبكل جرأة وشجاعة وهو يحاور أحد الزملاء المتدينين "أن المجتمع والدين لا شيء، الشيء الوحيد هو أنا: عني تنبع المثل العليا وبالنسبة لي تقدر الأشياء" (المهزومون ص 150) ألسنا نرى في هذا كير كجارد يتكلم؟ أصداء جان بول سارتر تتردد؟ ثم هو يتابع في الصفحة ذاتها فيقول "الانفصال عن المجتمع ليس معجزة ولا شيئاً خارقاً. إنه لابد لكل من يملك مخاً ومخيخاً وبصلة سيسائية أن ينفصل عن هذا المجتمع الذي نعيش فيه عقلياً وروحياً، وينقلب ضد كل شيء" وهنا أؤكد على هذه العبارة ينقلب ضد كل شيء.. فالانقلاب على مجتمع لا يساوي أكثر من الصفر كانت الفكرة الرئيسية التي تسيطر على عقول ذلك الجيل، سواء بفعل المد الثوري المتصاعد حين ذاك أو بفعل الأفكار الوجودية التي كانت تريد الإطاحة بالبنى الاجتماعية الكلاسيكية القائمة لخلق بنى جديدة، وهاني يؤكد هنا ضرورة خلق بنى جديدة، إذ يقول في الصفحة ذاتها: "ولست أعني بالانفصال الانقطاع السلبي بل الوجه الثاني لمحاولة التغير". هنا يكف البطل عن أن يكون لا منتمياً، فالنقمة على المجتمع والرغبة في الثورة عليه هي من أجل هدف بناء: تغييره نحو الأفضل ودفعه على طريق الحرية والحياة الكريمة. لنستعد معاً ما يقوله صاحب البطل، "بشر"، في مكان آخر وهما يتحاوران: "إذا كان قدراً" أن نستمر دائماً بتعاطي مخدرات مجتمعنا، فلا أقل من أن نحاول الثورة عليه" (المهزومون ص 150) وإذا كان البطل يريد تغيير المجتمع والثورة عليه فذلك لأنه مكبل بالتقاليد البالية والرواسب القاتلة التي يعمل على أن يتخلص منها هو نفسه أولا ثم مجتمعه ثانياً.. فكل ثورة يجب أن تبدأ بالأنا ومن الأنا، إذ لا يجوز للمرء أن ينهى عن عمل ويأتي مثله كما قال المعري.. لذلك يجب أن يبدأ بنفسه فيتخلص من كل ما فيها من رواسب ومعتقدات متحجرة تقف عقبة حيال تطوره وتطور المجتمع ككل. لهذا السبب يعلن بشر لصديقه في حوار آخر "اسمع فايز، دعك من سحاب فأنا أريدها، وإذا افترضنا تخميناتك صحيحة ـ وأنت تحكم عليها بمقاييس لم أعد أقبلها ـ فالمهم في الموضوع أنها تمت بإرادة". هنا تحضرنا مقولة كيركاجارد عن الإرادة الحرة وحرية الإرادة وكذلك ما كان يتردد في تلك الأيام عن حرية الفرد ومشيئة الفرد وقدرته على الاختيار لدى جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار. ثم يتابع قائلاً "وأنا الذي سيجعل سحاب تمتنع عن هذه الأعمار ولكن حباً بي لا بسبب من هذه المقاييس"، أي أن الأمر يعود للأنا وحريتها وخياراتها لا للمقاييس والتقيد بها والرضوخ لعبوديتها. بعدئذ يتابع بشر: "نحن نختلف فائز منبعاً ومصباً... لكنني أعرف أننا يجب أن ننفض هذا المجتمع..." (المهزمون ص 208) إنه هنا لا يستخدم كلمة ننقلب أو نثور بل كلمة "ننفض" ولهذه الكلمة معانٍ بعيدة الدلالات أقلها أن هذا المجتمع بحاجة إلى إصلاح جذري كما تفعل في بيتك حين "تنفضه"، على أن بشر يشعر أن نفض المجتمع هذا صعب وطريقه شائك مع ذلك عليه أن يسير فيه فها هو يتابع لصديقه "لابد من أن يشق أحدنا الطريق الأول بأعصابه.. وقد يكون بكرامته ولكن ينبغي أن نشق طريقاً... ينبغي". إنها الحقيقة التي كان يشعر بها ذلك الجيل تجاه مجتمع ظل مئات السنين حبيس قمقم كله رواسب وتقاليد تحول بينه وبين أي تطور.. الجهل يعشش فيه والتخلف يتغلغل حتى أعمق أعماقه.. المرض والفقر وكل ما تركته عصور الانحطاط من أمية وتحجر وجهالة.. إيمان بالخزعبلات وانقياد وراء الخرافات حتى تعطل المجتمع وبات عاجزاً عن أي حركة أو تقدم.. إن بشرا وأصحابه يرون أن "الحياة لا تطاق في كل مكان" (المهزومون ص 79) مع ذلك هو يفكر "ثمة لابد من وجود مهرب" قلت لنفسي "وإلا فكيف نعيش؟" هذا السؤال لم يطرحه على أحد بل طرحه هو نفسه على نفسه. فالحياة الصعبة التي يعاني منها هو وأصحابه ـ أبناء جيله ـ في المجتمع القمقم الذي أغلق منذ زمن طويل دون أن يسمح لمن فيه حتى بنسمة الهواء، هي التي ينبغي البحث عما يجعلها أسهل، يفتح فيها منافس للهواء الطلق.. منافذ للعالم الخارجي بحيث يمكن استنشاق الهواء وتبادل النظر والكلام، المصالح والحياة. وإذا كان يتاح للرجل بعض الحركة في هذا المجتمع ــ القمقم ولديه هامش ضئيل من الحرية، فإن المرأة تفتقد هذا وتلك افتقاداً شهب تام. إنها تعاني الظلم والقهر والاضطهاد بأبشع أشكاله دون أن تلقى آذاناً صاغية حتى من أهلها أحياناً، فها هي ذي ملك تتحدث مع بشر عن جارتها هامسة "هذه زوجة الحلاق.. إنه يضربها ويعذبها كل يوم ولقد سمعته أمس بعد أن عاد من الجامع يشتمها شتماً فظيعاً لأنها تأخرت في تسخين الرز" (المهزومون ص 22). وإذا ذهبت هذه الزوجة المسكينة إلى أهلها تشكو زوجها، "ردها أبوها كسيرة ذليلة" فالحق عليها دائماً هكذا يقول لها أبوها كما تشكو لبشر. لذلك هي مضطرة لتحمل ظلم زوجها وقهره وهي خانعة قانعة لا حول لها ولا طول.. إنها مراهقة صغيرة بل هي طفلة لم يتجاوز عمرها السادسة عشرة وهي غير مزودة بعلم ولا معرفة، بمال ولا سند، إذن ماذا تفعل؟ تبكي وما أكثر ما تبكي.. فالدموع ملاذها الوحيد في دنيا ضاقت عليها حتى كادت تخنقها وهي مع بشر تبكي فيستغرب لكنها تفسر موقفها قائلة "أعتقد أني ضايقتك ببكائي.. أنت ثاني رجل أحتك به قريبة منه في حياتي، وقد لا تدعو الأول رجلاً، فأنا لا أعرف معه معنى الرجولة.. كان دائماً يغتصبني.." (المهزومون ص 34) وأي شعور أشد إيلاماً ووجعاً من شعور المرأة وهي تغتصب من قبل رجل هو في عينيها كالوحش؟ إن الاغتصاب هو الذروة التي يبلغها ظلم الرجل وقهره للمرأة. هنا تشعر المرأة أنها مظلومة مرتين: المرة الأولى بسبب رواسب المجتمع وتقاليده وعاداته والثانية بسبب الرجل ذاته الذي بدلاً من أي يخفف عنها عبء ذلك الظلم باعتبارها صنوه وقرينته يعمل على ممارسة كل ما لديه من عقد عليها وإفراغ كل ما في صدره من حقد وكراهية لتلك التقاليد فيها.. هاهي نوال، الزميلة الجامعية تعبر عن ذلك، وبكل صراحة، في أحد الحوارات التي كثيراً ما كانت تجري في رحاب الجامعة، فتقول: "يعني أن البشر لم يتعودوا حتى الآن على الحرية، بينما تعودوا على أربع زوجات وملاءة سوداء تصبغ الدنيا أمام المرأة بلون قاتم لا تراه أبيض إلا عندما ينحصر في جدران أربعةً (المهزومون ص 152). فأية مرارة تقطر من هذه الكلمات؟ تعود الرجل على أربع زوجات.. وعلى المرأة أن ترضى بل هل يحق لها أن تحتج؟ في نطاق هذا المجتمع ليس من حقها حتى أن تشكو.. يأتي الرجل بضرة واثنتين وثلاث، مالها؟ هذا من حقه وعليها هي السكوت والخضوع.. العدالة.. هذه العدالة وئدت حية، وإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة لا أحد يأتي على ذكرها أو يشير إليها.. المساواة، ذهبت أدراج الرياح وعلى المرأة أن ترضى بقدرها في مجتمع ذكوري حتى شحمتي أذنيه.. مجتمع يمنعها الرجل حتى من رؤية الضياء، يشوه لها نظرتها للحياة بإلباسها ملاءة تجعل هذه الحياة قاتمة سوداء إلا إذا كانت حبيسة بين أربعة جدران لا ترى ولا ترى، حينذاك فقط ربما يسمح لها برؤية الحياة بيضاء. ولأن بشرا ونوالاً وجيلهما كانوا يرغبون في الخروج من ذلك القمقم، قمقم الجهالة والتخلف الذي شد ما عانوا وتعذبوا فقد كانوا يتوقون كل التوق لـ: 2ـ الحرية والتحرر من القيود: هذه الحرية التي كانوا يسعون إليها بكل ما لديهم من طاقات مضحين في سبيلها بكل غال ورخيص علهم يتحررون من قيود قاتلة تشدهم إلى السكونية والجمود. إنها مشكلة المشاكل فماذا يقول بشر عن حل هذه المشكلة؟ "لا تفترض حلاً ميتافيزقياً، هذه مشكلة لا تعرف حلها، ليس من الضروري أن تعرف سر خلق الإنسان.. الضروري أن تعرفه هو: أن هناك زوجات تجلط رقابهن، أمهات يشلهن الروماتيزم.. المهم أن تعرف أن في العالم أحراراً يحاكمون وشعوباً تذل وفي الجزائر أبطالاً يموتون باسم الحرية.. (المهزومون ص 152). إنها الحرية المفقودة، فالعالم كله مليء بالظلم والاضطهاد والاستبداد، بشر يرى ذلك، ويرى أن أثمن ما في الدنيا الحرية وأن أبشع ما فيها العبودية والاستبداد. "كانت ليلى تدور في البيت بنوع من العبودية الذليلة لفراغ أيامها، فراغ لا تعرف له سبباً ولا نهاية.." (المهزومون ص 194)، كما أن سحاب، زميلة بشر المطلقة، وجدت نفسها ذات يوم عبدة حقيقية لدى زوجها في الكويت، ذلك الزوج الذي جعل حياتها جحيماً فطلبت الطلاق. "فرفض زوجها" ومن حق الزوج أن يرفض وأن يبقي زوجته حبيسة بيت الزوجية أو حتى بيت الطاعة يعذبها ويضطهدها إلى أن تخضع وتستكين. لكن سحاب الباحثة عن حريتها رفضت أن تستكين وراحت تدافع عن حريتها مضحية بالغالي والرخيص، مع ذلك أصر على عدم الطلاق أي أصر على استعبادها لكنها "أصرت فأصر. عادت إلى دمشق وذهبت إلى بيت أبيه لتعطيهم وليدتها وتخبرهم أنها تريد الطلاق فرفضوا استلام الطفلة أتدري ماذا فعلت؟ رمتها على رصيف الحديقة ورفضت أن تقابل زوجها". (المهزومون ص 77). هاهنا أم تضحي بابنتها من أجل حريتها وهل أغلى على الأم من ابنتها؟ بالنسبة إلى سحاب الحرية أغلى.. إنها الهواء الذي تعيش به، لذلك عليها أن تفعل المستحيل للحصول على ذلك الهواء. على أن شدة تأثر هاني بالأجواء التي سبق وذكرنا يجعل حب الحرية يصل حد الإفراط والمبالغة فيتحول بشر معه إلى ذلك النوع من اللامنتمي الذي تحدثنا عنه وأهم صفاته. 3 ـ فوضى الروح: إذ يغدو بشر وأصحابه مسكونين بحب الفوضى إلى درجة تصبح نوعاً من الانفلاش والانفلات، إنه لا يريد أن يتطوع في الجيش، بل يتخلى عن التي أحبها والتي كانت تريده ضابطاً ترفع رأسها به أمام لداتها. ذلك الرفض لسبب وحيد هو أنه لا يستطيع "التطبع بحياة الجيش وأن نظامه فوق مستوى فوضى الروح التي تعيش بي" (المهزومون ص 182) ولهذا تجده فوضوياً في غرفته، في علاقاته، في حبه، في دراسته.. فالفوضى تعم الغرفة إن لم تجئ ثريا وترتبها، وعلاقاته متشابكة متداخلة صورة للفوضى والاختلاط، بل سلوكه مع رفاقه أحياناً صورة لعدم الالتزام بقواعد أو تقاليد المجتمع. لنقرأ ما انتهت إليه سكرة من سكرات بشر ورفاقه. "هيا بنا نمسح الشوارع "اقترح دريد" دفعنا الحساب وانطلقنا في شارع بيروت.. في شارع ما سألني صالح.. ــ ألديك الشبابة؟ ثم تحسس إبطي الأيسر فأخرجها.. ـ هات فالوقت مساء.. ولتبدأ بالشيطان ولكن أسمعني بعد ذلك مقطوعتي، بعد دقائق وقفت عن النفخ وقلت لدريد.. ـــ ما بك؟ فأجاب مطرقاً. ـــ نحن تافهون (المهزومون ص 64) إذن حالة الانفلاش التي توصلوا إليها جعلتهم يشعرون بالتفاهة وهي حالة تتكرر أكثر من مرة في "المهزومون". إذ ينطلق الأصحاب ليلاً يسكرون ثم يتسكعون في الشوارع أو بالأحرى يهيمون، يغنون، يعزف بشر على الشبابة وهم يدبكون ويرقصون، يشاكسون النساء ويلطشونهن بل يدخلون أحياناً في مشاجرات مع رجالهن، كما يدخلون إلى الحدائق يتدحرجون على العشب الأخضر ويتبادلون النكات البذيئة والسباب والشتائم.. هذا نوع من الانفلاش يصل إلى حد العدمية أو الهيبية التي كانت سائدة تلك الأيام. لنقرأ ما كان يفكر به بشر في لحظة من اللحظات وقد سألته امرأة أخيه. "أنت غاضب، ماذا جرى؟ ضحكت.. حياة فقيرة ياست الملوك.. استلقيت على السرير، وتأملت المئذنة الرمادية العتيقة. تنطلق دقات في الفضاء الخارجي الفارغ مكفهرة إلى الأبد. كانت الساعة ترتمي فوق صدري ثقلاً كبيراً حائراً. امرأة نهدة الكفل والصدر، ضعيفة الخصر والإرادة، ساحرة الملقى والمبسم تجتث أصول الفراغ والعدمية من دقائق الأيام" (المهزومون ص 95). إذن هو مفعم بالشعور بالفراغ والعدمية، يود التخلص منهما بأي شكل وعلى يد امرأة ذات صفات معينة. لم لا وهو الذي يعيش كبتا مزمناً وحرماناً أزلياً؟. سحاب أيضاً تشعر الشعور ذاته فها هي ذي تقول له وقد جاءت معه إلى غرفته "إني أشعر دائماً أن كل ما جاء به البشر حتى الآن ليس إلا تفاهة مغرقة في الضحالة. لقد قضى المفكرون أجيال الزمن الغابر وهم يحاولون أن يقيدوا البشر بلغات سموها أخلاقاً ولكن أحداً منهم لم يحاول أن يفهم أن البشر دوافع وكتل عاطفية تقيدت جسداً ولا ترغب في أن تتقيد روحاً، لا تريد هذه السجون الحمقاء أن تكبلها.." (المهزومون ص 290) إذن المشكلة هنا: الحياة تفاهة وضحالة، ذلك لأنها قيود وسجون، لأنها تكبل روح الإنسان وتمنعه من أن يعيش حريته هو الذي لا يتوق إلا للحرية، هو الذي خلق بالأساس ضد كل ما يكبل يديه ويقيد رجليه.. هو روح حر يريد الانطلاق في الفضاء الرحب، مثله مثل طيور السماء لكنه لا يملك جناحين فحكم عليه القدر أن يظل مشدوداً إلى الأرض موثقاً إلى الأوتاد بالحبال. لنقرأ أيضاً ما تقوله سحاب في حوارها ذاته مع بشر: "إن حياتي مضيعة بين أشداق الزمن المرهق والمسافات المتقعرة. وهذه الأيام التي تمضي فيزداد تثاقلها بالألم والتعب واللايطاق. أراها تجرجر أثقالها على حسابي.. إني أعيشها بأعصابي ودمع عاطفتي وشجن أفكاري والبقية من طاقتي.." (المهزومون ص 291). ونظراً لما يشعر به بشر من عدمية وفراغ وتفاهة، فإنه لا يجد مانعاً من أن يجلس، إذا ما تعب، في أي مكان، وأن يتسكع في الشوارع إلى أن يتعب، تأخذه الأفكار يمنة ويسرة، وهو في حال يشعر بها أن رأسه يكاد يتهاوى عن كتفيه وأن في جبهته احتداماً يكاد يشق عظامها ويفجرها، وحين يصل به الضياع والتعب غايته يجلس حيثما كان... "جلست على عتبة عمارة ضخمة، تنهض في شارع مترو واستندت إلى الجدار مرهقاً.." (المهزومون ص 279). 4ـ الميل للهو والعبث: رغم الضنك والحرمان والبؤس الذي يعيشه أبطال "المهزومون"، فإن رغبتهم بالتحرر من القيود الاجتماعية والضرب عرض الحائط بكل ما هو مفروض عليهم من قيود، خاصة في مجال السلوك الاجتماعي، كانت تدفعهم لأن يحطموا تلك القيود ويخترقوا الحواجز المنتصبة في وجوههم وذلك بأن يلهوا على هواهم وأن يعبثوا بطريقتهم الخاصة. هاهو صاحب صالح يريد أن يفلت من جو الجد والرصانة، فتقدم إليه ضاحكاً ثم مد أصابعه تحت إبطي وأخرج الشبابة ووضع مقدمتها في فمي "يا الله، أبا البشر" وأخذ يرقص الدبكة. ونهض دريد فتأبط يده وأخذا يدوران في الغرفة ونهضت بدوري فرقصت منفرداً وفم الشبابة في فمي ولا أدري كم مضى من الوقت قبل أن ننطرح على الكنبات ثانية ورؤوسنا تدور، نلهث ونتأمل بعضنا بإمعان" (المهزومون ص 78). إنه ضرب من الاحتجاج الذي كان هاني الراهب يريد أن يسجله على كل أشكال التزمت والرصانة التي تفرضها القيود الاجتماعية على الإنسان، فلا يرقص ولا يغني ولا يعزف على الشبابة. ربما لأنها أمور لا تليق، حسب المقاييس الاجتماعية، بالإنسان المحترم. هذا المشهد يتكرر كثيراً في الرواية، مما يؤكد أن الكاتب كان يريد أن يؤكد على حالة ومبدأ أكثر مما يريد أن يعرض عمل الرقص والغناء نفسه.. ففي الصفحة 250 مثلاً يقول: "هناك أمسك صالح بيد دريد قليلاً وصاح "علا" ثم أخذ يرقص دبكة جنوبية وشرعنا نرقص معه فتقدمنا حتى مدخل النادي ثم نزلنا درجاته حتى الساحة وهناك تابعنا الرقص، وفي دقائق تملكته النشوة فصاح "إلى متى يصمت الشعب العربي؟" وعلا صوته بأغنية "عّلا" فجعلنا من أنفسنا كورساً وصرنا نردد مقاطعه"، وبالطبع من يعرف جو الجامعة تلك الأيام يعمل أن أموراً كهذه لم يكن بالإمكان أن تحدث على أرض الواقع، فالطلاب جديون كل الجد والرصانة مطلوبة إلى أقصى درجة وأي نشوز عن آداب اللياقة والسلوك تودي بالطالب إلى التهلكة، لكن هاني كان حريصاً على أن يقدم أبطاله وفق نموذج معين وصورة محددة هي أقرب ما تكون إلى صورة اللامنتمي الخارج على المألوف الضارب عرض الحائط بالأعراف والتقاليد. من صفات هذا النموذج التي ركز الكاتب عليها أيضاً شعور البطل بأنه: 5 ـ بلا هدف: فالحياة جوفاء خاوية لا معنى لها كما أنه ليس للإنسان هدف فيها.. فلماذا يا ترى يحيا الإنسان؟ ما الغاية من وجوده كله؟ ما الهدف الذي ينبغي أن يسعى إليه؟ إنه لا يشعر بأي شيء يستحق أن يؤمن به أو يضعه هدفاً نصب عينيه يعمل من أجل تحقيقه، هاهو ذا يقول لأخيه هلال بعد حوار في العمق عن الوحدة العربية وإسرائيل والجزائر "أعتقد أنه لن يكون لي هدف.. أي هدف، إن الوحدة لا تكفي.. ومع ذلك فإني ما زلت أوثر أن أؤمن بشيء (المهزومون ص 24) لكنه بالحقيقة لا يستطيع أن يؤمن بشيء أو يضع هدفاً له.. هذا البطل الذي تعاني أمه من الروماتيزم، ويغرق أخوته في المشاكل وهو نفسه يعيش في بيت أخيه، لا يستطيع أن يؤمن بالنظام الذي يؤمن به البشر، لا لشيء إلا "لأنني أثور لأقل مضايقة وألوي خط سيري أمام أية عقبة أو ما يخيل لي أنه عقبة ولا أستطيع أن أغفر لإنسان إلا إذا أحببته، هذا شيء من طبيعتي لا يناله النظام" (المهزومون ص 25). ولكونه بلا هدف يطيب له أن يتيه في بيدائه حيث الكثبان والسراب دون أن يكون معنياً كثيراً، إنه واثق من أنه سيجد في تلك البيداء بين الفينة والفينة الواحة التي يستظل فيئها ويشرب ماءها وكفى!! وإذا ما تمعنا جيدا في حياة البطل وأصحابه نجد أن من الطبيعي ألا يكون لهم هدف وألا يؤمنوا بشيء فهم كما يقول صالح "شلة غرانق ستجدد هذا العام. وبدلاً من العمل السياسي سنتحول إلى العمل العاطفي. هدف الشلة مناصبة الفتيات العداء ظاهراً والحب باطناً وملاحقتهن بالشاتو (نحت جديد لكلمتي شاي: وكاتو) (المهزومون ص 62) وطالما هذا هو هدف الشلة فهذا يعني بعبارة أخرى أنها بلا هدف. وذلك بالتحديد لأنهم كما يقول بشر لنفسه هازلا "المشكلة أنه ليس لدينا مشكلة.. لو أن أحداً" منا يعاني.. لا أدري كيف أعبر.." (المهزومون ص 63)، هذا الكلام هو ذاته ما كان يردده اللامنتمي للكاتب البريطاني كولن ولسن وما كان يردده "الغريب" لألبير كامو.. وما كان يعيشه الشباب الأوروبي، أولئك الذين كانوا قد حلّوا مشاكلهم كلها: مستوى معيشة رفيع، تقدم اجتماعي، تقدم صناعي، حلول كاملة للمشاكل الاقتصادية الاجتماعية.. الخ. فلماذا يهتمون بأي شيء؟ لماذا يشعرون بالمعاناة أو يحملون الهموم؟ لكن المجتمع العربي كان وما يزال في خضم المشاكل، سياسياً، اجتماعياً، اقتصادياً، وعلى كل صعيد، وعلى الفرد أن يفكر بهذا المجتمع ويهتم بحل مشاكله.. فقط إن كان هذا الفرد ينتمي لمجتمعه، أما وقد أراد أبطال "المهزومون" أن ينفصلوا عن مجتمعهم ومشاكله كما رأينا في مكان سابق، فإن من الطبيعي ألا تكون لديهم أية مشكلة وألا يكون لهم أي هدف يسعون لتحقيقه.. هكذا هو "اللامنتمي" لكولن ولسن. هكذا هو الوجودي عند جان بول سارتر.. 6ـ سرعة التقلب والنزواتية: من صفات هذا اللامنتمي الذي هو بلا مشكلة وبلا هدف أن يكون سريع التقلب خاضعاً للنزوة والهوى الذي يسيطر عليه في لحظة من اللحظات. إذ سرعان ما يغير موقفه من الطرف النقيض إلى الطرف النقيض ولن يجد أسهل عليه من أن ينقلب من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال أو العكس. هاهو ذا بشر يلتقي بجاره الذي يدعوه للصلاة مغريا إياه بأنه سيربحها وبأن الجامع قريب وأن إمامه هو صهره.. ورغم أنه لا يذهب إلى الصلاة عادة ولا يؤمن بشيء كهذا أصلاً، إلا أنه يوافقه ويذهب معه لكن ماذا يفعل بعدئذ؟ "وصلنا الجامع المستلقي على فرجة متسعة انبثقت أمامنا. ثمة كان رجال بملابسهم العربية وسراويلهم الفضفاضة الطويلة الذيول يتمتمون كلاماً لا يفهم ويمسون شواربهم باتجاه ذلك البناء المعروق القديم. وقفت بعينين ضيقتين فتأملت المئذنة ثم رمقت جاري وأطرقت. هتف بي "ادخل" فأطلقت ابتسامة مذنبة وأمعنت في تأمله ثم قلت فجأة "كلا.. لن أصلي.." (المهزومون ص9) ترى لم هذا التقلب السريع في البداية ثم في النهاية؟ إنها صفة أساسية من صفات اللامنتمي، إذ يعمل بوحي أناه وانطلاقاً من أهوائه الآنية، تهب الريح شرقية فيذهب معها غرباً، تهب غربية فتدفع به شرقاً. إنه غير قادر على الثبات فهو لا ينطلق من مبدأ ولا يسير وفق خطة ولا يلتزم بنظام، بل يعمل بما تملي عليه دوافعه ونزواته، وما أكثر ما تتقلب هذه الدوافع والنزوات!! هاهو ذا بشر يلتقي مع "وديعة" زميلة من زميلاته، ولأنه لم يكن في ذهنه أي تصور عما سيفعله، لاحقها إلى أن ركبت الباص ثم جلس إلى جانبها وراح يحدثها ثم فجأة يقول لها "أيسبب حرجاً أن أذهب معك؟ فترد عليه "أجل فهذه سابقة لم يألف أهلي مثلها" لكنه يقول بإصرار "مع ذلك سأذهب.." (المهزومون ص 14) لكن ما إن اقتربا من المنزل حتى "امتنع علي الكلام فرحت أتأملها بإمعان ثم التفت فجأة وقلت: وديعة، أنا عائد، بخاطرك" (المهزومون، الصفحة ذاتها). في مكان ما، في مكان ما، الأمر خطر بكثير إذ يقرر الأصدقاء الثلاثة: بشر، صالح، دريد الذهاب إلى العراق وقد بدأ الزحف إلى العاصمة، ثم يتخذون كل الإجراءات اللازمة للسفر ويكتبون وصاياهم.. الخ. ثم يذهبون إلى الحميدية فموقف الباصات حيث الركاب يركبون الباص إلى حمص على أساس أن يذهبوا من هناك إلى دير الزور فأبو كمال ليدخلوا الحدود العراقية متخفين.. لكن في موقف الباص تتغير الريح فيتحركون مع الريح وبدلاً من الذهاب شمالاً إلى حلب ثم شرقاً إلى البوكمال يقف الثلاثة ليصف بشر الموقف تماماً: "تزحلقت الدواليب بهدوء وتقدمت السيارة بهدوء.. مسكه.. شوكولا أستاذ.. تمطت السيارة ببطء ثم أطلقت هدرة مشبعة بالدخان وانطلقت.. ومر المحرك من أمامي، فالباب فالنوافذ، الوجوه، المؤخرة.. امتدت من عيني صالح نظرة مبتسمة تفيض حرجاً. هززت رأسي وسرت وسارا معي.." (المهزومون ص 262). لقد اتخذوا قرار الذهاب إلى العراق بسرعة كبيرة ثم تخلوا عنه بسرعة كبيرة.. إنه التقلب والنزواتية.. بعدئذ يأتي تقلبه الأشد الذي ينقلب فيه على نفسه، فهو الذي رفض في السابق الذهاب إلى الكلية العسكرية لأن ذلك يتعارض مع طبيعته ذاتها، طبيعة الفوضى وكره النظام مضحياً بسبب ذلك بحبيبته الأولى منيرة، يغير موقفه مائة وثمانين درجة ليقول "سرت بخطا ثقيلة مطمئنة إلى دائرة البريد، ودفعت في الشباك بمغلف أصفر كبير إلى آنسة وقفت في الجانب الثاني، وسرعان ما نظرت إلي بدهشة ثم قالت: ولكن الكلية العسكرية لم تعلن بعد عن بدء دورة هذا العام. لا بأس.. إنه لم يبق ثمة مجال للانتظار" (المهزومون ص 302) فهو الذي كان يخطط وسحاب للذهاب إلى أمريكا والدراسة فيها والعودة دكاترة وأساتذة جامعة يريد الآن أن ينتسب إلى الكلية الحربية فأي تقلب وأية نزواتية يعمل وفقها البطل؟ ملاحظة أخيرة تذكر قارئ "المهزومون" بغريب كامو هو موقف البطل حين تموت أمه، فكما في "الغريب" يحضر بشر موت أمه لكن على الشكل التالي "فشاركت بالعمل آليا، لم أكن أدرك ماذا يحدث ولست أدري إذا كان من المخجل أن اعترف أن الحزن لم يكن شعوري الغالب في تلك اللحظات.." (المهزومون ص 195) إنه اللامنتمي الذي انفصل بمشاعره وعواطفه عن كل ما يربطه بمجتمعه ليعيش أنا متفردة، ضائعة في بحران الحياة. لقد رسم هاني الراهب شخصية اللامنتمي فأبدع إذ قدم أنموذجاً جديداً من الناس في مجتمعنا العربي تفرد بتقديمه في ذلك الحين، لكنه ليس اللامنتمي تماماً فالكاتب حائر متأرجح بين ما يعتمل في صدره من حب للثورة والانقلاب على المجتمع من أجل تغييره، وهو هنا انتماء لهدف والتزام بمبدأ هو مبدأ التغيير، وبين المؤثرات الخارجية التي جاءتنا من الغرب الذي كان قد حل مشاكله كلها.. هذا التأرجح وإن خف كثيراً رافق هاني ككاتب روائي في معظم أعماله، مضفيا عليها نوعاً من الجدة والفرادة فهو لم يكن يوماً ذلك الملتزم رغم إيمانه الشديد بالثورة على المجتمع وتحطيم قيوده والتخلص من رواسبه.. وفي الوقت نفسه لم يكن إلا داعية للحرية والتحرر ساعياً للتغيير نحو الأفضل.. يشهد على ذلك رائعته الوباء، ألف ليلة وليلتان، التلال.. الخ، حيث غدا الروائي الناضج الذي يعرف ما يريد أن يكتب ويعرف تماماً لماذا يكتب.. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |