مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 444 نيسان 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

مليكة العاصمي صوت شعري متميز من المغرب ـــ د.خالد محيي الدين البرادعي

قد تكون هذه الدراسة فاتحة لمحور أتهيأ لكتابته منذ زمن طويل عنوانه: المرأة في شعر المرأة. إلى جانب محور آخر أتقصى من خلاله الشعر الموزون المقفى في شعرنا المعاصر. والبحث عن النماذج الشعرية التي تلتزم بالإيقاع الأصيل وهي محملة بالجديد من هموم العصر ومواجع أهله. والتي لا نتلمس بها آثار الشعراء الغابرين، لتكون إضافة نوعية إلى تراثنا الشعري. فتكون الشاعر المغربية التي أتابع نتاجها منذ عقود أول من يسهل علي العبور إلى هذه المهمة.‏

إن مشاركة المرأة في الإبداع قديمة قدم الشعر، ومنذ ما وصلت إلينا البقية الناجية من التلف من شعرنا الجاهلي نقرأ فيها قصائد ومقطعات لشواعر جاهليات. قد تكون الخنساء أهم شاهد يحقق لنا هذا الحضور الجيل للمرأة في ديوان شعرنا على امتداد العصور.‏

واستطاعت المرأة الشاعرة أن تواكب الرجل الشاعر وتكون صنواً به في ترجمة الحياة كما يراها ويحلم بتغييرها ويفكر بنهاياتها. فقرأنا شعراً لهن يترجم المواجع ويرصد الهموم ويصف الكائنات. لكن الشعر الذي يترجمهن من الداخل هو الصنف أو الجنس الشعري الذي ظل نادراً لدى بعضهن ولا وجود له لدى بعضهن الآخر. وهو ما حاولت أن أبحث عنه لدى عدد من الشواعر المعاصرات. وخطر لي أن تكون مليكة العاصمي أول من أنقب عنه في ثنايا شعرها كبداية لهذا المحور. وأول ما رسخ هذا المفهوم لدي توالد لحظة قرأت لمليكة في أول دواوينها هو مطبوع عام 1987 تحت اسم: أصوات حنجرة ميتة: وفي القصيدة الأولى نداءها الحميم لرجل لجنس آخر تشتهي أن يمكث لديها. هكذا بلا مواربة أو تصنّع أو افتعال:‏

فاجأني مع المساء‏

يا ليته يزورني في كل ليلة بيضاء‏

يقفز باتجاهي‏

حائط الحديقة القصير‏

مفاجأة وأمنية واشتهاء، تجيدها امرأة شاعرة تترجم ذاتها ترسم بلا مواربة عمقها الأنوثي بلا تحفظ إلا من خلال جمالية اللغة التي غلَفت تشهيها ونورت حلمها. ولا نستطيع ادعاء مثل هذا الرسم الشعري لرجل.‏

لكن قبل المضي في اختيار الصور الأنوثية في شعر مليكة لابد من التأكيد، أنها ترجمت هموم إنسان المغرب ورسمت مواجعه، وصورت قلقه بكثير من الوعي والشفافية والعمق. فأطلعتنا عبر قصائدها على المسحوقين والضائعين والباحثين عن النجاة من جحيم حياة لا يعيشونها بل يعانون تباريحها، وهي تجرفهم بالجوع والعوز والتيه والاغتراب. كما لمسنا صوراً دقيقة تعري الاستبداد السياسي والظلم.‏

هذه الكشوفات الإنسانية تزدحم في شعر مليكة. قبل وبعد كشوفاتها الأنوثية التي نبحث عنها.‏

ولأن ترجمة هموم الناس وتصوير مواجع القوم تشكل الخلفية الأخلاقية لمعظم شعرائنا الرجال فسنرجئ الحديث عن هذه الهموم للتركيز على ما قدمته الشاعرة لذاتها كامرأة في شعرها الموزع على أربع مجموعات(1).‏

في ديوانها الأول إنسان آخر تبثه لواعجها وهي لا تنكر اندفاعها وتشهيها وترجمة عشقها. فهذا الإنسان الذي يفاجئها مع المساء تتمنى أن يزورها لتمنحه ما تكنه الأنثى من سخونة التشهي وصدق المحبة وتناديه: إني أحبك. وهو سيدها هكذا تناديه وربما بأكرم صيغة نداء يحبها الرجل. لكنه يمضي وحيداً لتبقى هي مع وحدتها وذكريات تقض مضجعها. وبعد الافتراق تتعلق به أكثر وتتمنى لو ألقى كفه الباردة كاليمامة البيضاء على جبينها الملتهب ليمنحها الأمان. وسرعان ما تعود من حقل الذكريات إلى أرض واقعها لتؤكد لذاتها أن مدارهما ليس واحداً بل هما يفترقان أو ستغرق السماء جسمه بأدمع الرحيل لتبقى هي وحيدة في سريرها المكهرب النحيل.‏

تخلق مليكة في هذه القصيدة عالماً فسيحاً مزيناً بجميل الأشواق وحميم الأمنيات وصور العشق التي لا يستطيع رسمها وإتقان ألوانها إلا امرأة شاعرة تنطلق وراء أنوثتها دون تحفظ لتترجم ما تحس به وتتمناه وما تحب أن يكون بالآخر الرجل.‏

ولا تنسى أن ترسم ذاتها روحاً وجسداً أمام الإنسان الذي تناجيه حيناً وتتذكره حيناً وتتابع رحيله وأسفاره حيناً ثالثاً، وتعاتبه باستمرار وكأن العتاب إلحاح عليه ليظل قريباً منها يسمع همساتها ويصغي إلى وجيب قلبها. وتسمع رعشة صوته كمكمن للإثارة.‏

وبعد أن تصفه كما تشتهيه، مما يذكرنا بصنيع الشاعر الجاهلي الذي يصف حبيبته كما يشتهيها ويرسمها كما يريدها لا كما هي عليه تعايشه ويعاصرها. هنا يكمن سر التشهي وقدرة الشعرية على اجتراح المعجزات:‏

عيناكَ بركتا حَنانْ‏

كُثِّفتا من غابر الزمانْ‏

عُمِّقَتا بالحب والحنانْ‏

ومن رسمه أو تصويره بالألق الذي تحبه تعكف على ذاتها فتصف أنوثتها من خلال تصويره هو. فشفتاه الثقيلتان تهمسان لها، وتجدل من خيوط الضحى المذهبة جدائلها كشعرها ليراها: كبيلسانة الربيع، كالمنارة الممتدة السمراء، ثم تذوب وتتلاشى في رعشة صوته العميق. الذي تحسه موجة ترجها لترتعش.‏

إن مثل هذا التصوير البهيج العميق الذي يضيء أمام المتلقي حديقة تعبق منها الطيوب وترقص على أديمها الأزهار والألوان، لا يستطيع إبداعه إلا شاعر أتقن اللعب بالمفردات فيحولها من بعدها القاموسي إلى حياة جديدة تُشتَهى وتُحب. أو يحملها حالة الإزاحة. لتخرج من حال إلى حال.‏

***‏

وفي إحدى لوحات العشق والتشهي تلجأ إلى لون آخر من ألوان التعبير عن جوانية الأنثى. فتخاطب أو تحاور جسدها، فتكشف ستاراً عن ذاتها من جانب آخر من جوانب التمني والاشتهاء والكشف عن مكنون المرأة التي تتقصى أعماقها لتترجم ما يختلج فيها ويدور في عتمها فتظهره إلى الضوء الباهر شعراً:‏

يا هذا الجسدَ المهدورَ‏

ترقِّشُ فيه مناقير الأسحارِ‏

وتصلبه بعجات الليل‏

إلامَ أنينَكَ‏

في قلبكَ ماء ينداحُ قراحاً‏

وصبا الشهوة أخرقُ مكسورٌ‏

وزئيرك مهزوم كالنمر الهرمِ‏

وصبوتك أجاجْ(2).‏

هذا هو كامل اللوحة التي أسمتها: صبوة. ومن خلال صبوتها هذه تعرش الأغصان وتتلون الأزهار وتتعدد ألوان اللوحة. فنشاهد للأسحار مناقيرها. والجسد مصلوب على نتوء الليل وينداح الأنين ماء قراحاً وله زئير كالنمر الهرم. بينما صبوته مالحة هكذا تراها لأنها لا تحقق شيئاً من تشهِّيها. ما قصدت تفسير لغة اللوحة أو شرحها، بيد أنها إشارات إلى تحول اللغة بعد أن تغتسل بحوض القريض.‏

***‏

ومع تقدم الزمن بالشاعرة تتقدم تجربتها وتتألق نزعة الأنوثة في شعرها. فتقدم في ديوانها: شيء له أسماء إبداعاً متوهجاً تتكسر على بواباته جميع المواربات والهروب والتخفي بالأقنعة، لتسمعنا صوت الأنثى المتفجر وترينا صورة الأنثى المتمردة التي لا تروغ عن أنوثتها، بقدر ما تستوحي تلك الأنوثة لترسمها واضحة بهيجة بهية ملأى بالصور الجذابة واللمسات الأنثوية المحببة والمثيرة. فنراها تخلع في الليل عذارها وتفتح كامل شمسها لتصل إلى مرحلة:‏

ويجن جنوني‏

يسكنني وهج أرعن‏

أتموج كالبحر المتلاطم عند المَدّ‏

وتتلاحق أنوائي عارمة‏

ويشعشع نوري‏

أتألق كالبرق الراكض من خلف الغيمه‏

أتوهج كالمشكاة بنور الله‏

وأمعن في غيِّي‏

أتربع سيدة الإبداع‏

على نهد النجمه‏

يكتمل جنوني يزأر في أرجائي‏

يزأر أسدي‏

من وله بالنجم الأحمر‏

يخترق الآفاق(3)‏

صور تتلاحق وصيحات تسرع محمولة على لغة تشعرنا بدفئها وتدفق أضوائها حتى كأننا أما مشهد راكض لا نكاد نلتقط أنفاسنا المتابعة جزئياته. ولو دققنا النظر بالمفردات التي وظفتها الشاعرة في هذه القصيدة الملتهبة لرأيناها منتقاة بعناية فائقة تتسق مع سرعة إيقاع القصيدة: فالجنون. والرعونة. والتموج. والتلاطم. والبرق. والركض. والتوهج. والزئير. واختراق الآفاق. كلها تتجمع كالشهاب الحارق لترسم جوانية الأنثى الباحثة عن ذاتها في حركة العالم.‏

وفي قصيدتها الضخمة: حالات تقف في مواجهة جسدها روحاً وتقف في مواجهة روحها جسداً ومن خلال هذا المنظور المتآلف حيناً والمتعاكس حيناً تتفجر بوصف فاكهة الجسد كما تتفجر بوصف أنسام الروح فتقدم إبداعاً متفرداً مثقلاً بخوصيته وفردانيته.‏

في هذه القصيدة نحن أمام حديقة صاغتها الأنوثة في جسد المرأة، فهي طافحة بالفاكهة والتمور والعنب وشجيرات الكروم. ومعبأة بحالات الخصب والرغبة بالإنجاب، متوقدة كالنجم الساطع، بالإشعاع النفاذ القادر على اختراق الظلمات متدفق بشتى الاتجاهات. وفي هذه الحال تورق الأنوثة وتزهر ويطفح منها النوار. ويتحول الكون كله إلى مرج متورد. ولا تستطيع إخفاء أي من مشاعرها الجياشة الطافحة بالرغبة ومواكبة الحياة متحدية كل معوقات الوصول إلى تحقيق أنوثتها حتى تحديها الموت: لتسجل في هذه الرائعة ما تفاخر أي شاعرة كبيرة أو تتحفظ وهي تترجم تشهيها وترسم المغلق من دفاتر الأنثى لديها حتى:‏

تنبثقُ أغاريدي‏

وأناشيدي‏

ويضوع الفجر بعيني‏

وهي تتمرد على كل معوق يقف بينها وبين ما تريد فلا الصمت ولا الليل ولا الموت ليظل رحيقها يسيل وشهدها يقطر في الأرض، ومن ألق الرغبة تسأل هل تضمر فاكهتها فتجف ولم يجن لماها من تحب؟(4).‏

***‏

ولمليكة نمط آخر في رسم الأنثى والتعبير عن لواعجها عندما تثور أمام من تحب لتقدم لمتلقيها صورة من صور التعبير نتحسس في ألوانها القهر والتحفز للوصول وليس للقنوط أثر في تعرجات خطوطها وصخب ألوانها.‏

فتوصل لمتلقيها من خلال ثورة الأنثى مواقع الإثارة في جسد الأنثى. فتقول له إن عطره يغرد في خصلات شعرها. وإن نهديها زمجرة من لهيب. وفي داخلها نداء المحبين. وإن بقدرتها أن تعجن الدنيا بيديها وفي عروقها فراشات ترفرف حباً وأن فوح تبغه يصبح نكهة لجسدها ممزوجاً بدمائها:‏

فتشربه كل ذَرَّهْ‏

وتكرعه كل شعرهْ‏

وتمضي توزعه كالشذى في المروج‏

وأسبح فيه كشلال نور‏

وتناديه ليأتي ليعود لتشده وتشم صدى زفراته وتفنى فيه وتقلب جسمها كالأفعوان وتعانق نهديها فتتفجر فيها حديقة نار. أليس بها لهب وأوار؟(5)‏

إن مثل هذه الصورة الغارقة في دافئ الألوان والباهرة بأضوائها والحارقة باندفاعها، لا يمكن أن تصدر إلا عن امرأة شاعرة، تسلحت بالجرأة المشرقة، وألقت وراءها كل تقليد خاطئ بَلَعَ أنوثة المرأة في حياءٍ مفتعل.‏

***‏

وفي توجه آخر تتفجر الشاعرة بلون جديد من التعبير عن ذاتها نستطيع أن نطلق عليه صفة التطهير من خلال التحول من كيان إنساني إلى كيان آخر، ربما هو أكثر نقاء من الإنسان وأكثر صفاء وأنقى طهارة في بنائه إنه المطر. هكذا أحبت مليكة أن تسمو فوق الكيان البشري لتصبح مطراً في قصيدة أسمتها: مطر.‏

تعلن مليكة أنها غيرت اسمها منذ حين. ومتى؟ عندما تثور العواصف وتسوق الرياح كتل السحاب. آنئذ تختار أن تصبح كالمياه تنظف كل ما تلقاه في طريقها حتى تكنس الدرن من القلوب وتغسل الثياب والحجارة. فتدعى: مطر. وهذا التحول الانقلابي على واقعها يجيئ عندما تدرك أنها مغتربة بين الأحباب والأصحاب. وأنها لا تملك إلا بكاء طفولتها وكآبتها. لهذا قررت مليكة أن تكون مطراً ينقلب على الحزن واليأس والكآبة ليسقي تربة يعيش تحتها جسد تراه بحلمها. ولأنها تسقي التربة لينبت العشب ويعبق الزهر تدعى صفتها الجدية خصباً سعيداً، كل هذا:‏

هرباً من الإنسان والأغلال‏

سأصب قطراتي الندية في التراب‏

وسأنبت الباقات أفرشها على الجسد الحبيب‏

لكي يظل مع الزهور(6)‏

فهي تغضب وتحزن وتثور لكنها لا تيأس بل تصر على أن تظل العاشقة المعشوقة المتمردة المرتفعة فوق المعوقات والمحبطات وتسمي نفسها كما تتشهى لكي تعيش كما تتشهى، فتجمع باقات الزهر وتنثرها في كل الأركان.‏

ومليكة تتماهى أحياناً في كائنات أخرى أبعد من المطر الذي التصقت به وتحولت إلى ماء فرات. فتعيش تحت اسم العذراء مريم عليها السلام في حالة تحمل كثيراً من الخداع الفني الجذاب فلا نعرف من هي التي تتكلم وتسرد هذا النص الكثيف القصير مليكة أم مريم. فعندما تبدأ قصيدة مريم بهذا التوسل اللذيذ أو هذه المناجات المثيرة:‏

يا من يقطفني في هذا الليل الماطرِ‏

كالكرز المترعرع في الأغصان النديانهْ.‏

يحس على الفور بدفء الأنثى الناضجة التي تناجي الآن وهو العاشق أو المعشوق أو المشتهى. فالمرأة هي التي تضع أنوثتها في موضع المشتهى المتحسس مواضع اللذة فيه. وبشوق تتابع نجواها لكنك تصدم بالمفاجأة، وتندهش بالتحول الذي يطرأ على النجوى عندما تسمع أو تشاهد:‏

قالوا:‏

يا مريم هزي بالسعفة‏

كي يتساقط رطب الأطفال‏

فهزت مريم نخلة والدها آدم(7)‏

تحتمل هذه القصيدة الدهشة عَددَاً من طبقات التفسير والتأويل والأوجه، لتتحول على قصرها إلى إسفنجة مغمّسة بماء الشعر من حيث تعصرها تقطر شعراً. شهياً ولذيذاً. ولعل أهم ما يميزها هو قدرتها على الاختفاء في دوامة الخداع الفني الذي يوصل متلقيها إلى أفق اللذة السامية التي تتوالد من خلال النماذج الشعرية المتقدمة التي أشار إليها (إدغار آلن بو) ومن أجل وصول الرأي الذي فردناه آنفاً حول هذا اللون من الإبداع أرى ضرورة تثبيت القصيدة القصيرة مريم كما جاءت في ديوان: شيء له أسماء. وكما دونتها الشاعرة:‏

يا من‏

يقطفني في هذا الليل الماطرِ‏

كالكرز المترعرعِ‏

في الأغصان النديانَهْ‏

يا من‏

يتمشى بين الأغصان‏

يلامسني‏

أتساقط بين يديه‏

فيكتشف الجذبَ‏

ويكتشفُ‏

القانون الحق لهذا الكونْ‏

قالوا:‏

هزي يا مريم بالسعفةِ‏

كي يتساقط رطبُ الأطفال‏

فهزت مريم‏

نخلة والدها‏

آدم‏

يا من يهتز‏

إذا ما الريح تهب بهدب العين‏

وترتعش الأفلاك‏

لو تعمل ما في القلبْ‏

لا يستطيع المتلقي أن يفلت من جاذبية هذه القصيدة الكثيفة بشعريتها على بساطة لغتها وشفافية صورها، من غير أن يتلمس أكثر من وجه وأكثر من تفسير لها.‏

***‏

في قصيدة تسميها مليكة (تشكل العفريت) يظن المتلقي أنه مقبل على رؤية مخلوق يتشكل سواء كان هذا المخلوق من الطين كما تشكل الإنسان الأول. أم من النار كما تشكل الشيطان. أم من النور كما تشكلت الملائكة. أي نحن متلقين مقبلين على تنظيم ولادة لكائن نعرفه من خلال تراثنا الإنساني.‏

لكن الشاعرة تضعنا في قلب المفاجأة منذ الكلمة الأولى. بدأتها بكلم: لغَّاءُ. من هي اللفاء؟ ونعلم أن الشجرة اللفاء هي المتشابكة المزدحمة الأغصان. والمرأة اللفاء هي المتلاصقة الفخذين. لتبدأ بحرف عطف وراء اللفاء: وبي من حر الشمس شعاعات النور الساحر. أعشق قرص الشمس. ونخوض في مخادعة فنية جديدة المتحدثة أنثى. والمقصود تشكل العفريت. وتسترسل هذه المتكلمة لتضيء أمامنا تعاستها وكيف تضيع وتهوي مثل جذع النخلة المنخور وتشرب ماء المستنقع وتجوس بكف العفريت، وبعد رحلة في حزمة من الصور المثيرة الفاقعة الألوان حيناً والداكنة حيناً. تخبرنا أنها صلت لتنبذ أحلام العالم وتشرف على عالم أجمل وأكمل.‏

في نومي الأبدي الأسعدْ‏

في أعماق بحيرات الأحلام‏

لكن‏

ظلت صلواتي‏

في سعف النخل‏

وفي أوراق الصفصاف(8)‏

من غير أن تصعد تلك الصلوات إلى قلب الرب. هكذا تنتهي قصيدة تشكل العفريت التي نلهث وراء صورها من غير أن ينتهي بنا المطاف إلى شكل العفريت الذي أسميت القصيدة باسمه.‏

وربما نتساءل من جديد. من هي الأنثى التي بنيت القصيدة بلسانها هل هي الشاعر أم زوجة العفريت أم رمز أنوثي لقضية أخرى.‏

***‏

وفي لحظات الوعي الحارقة والصحو الثقيل الوقع تتلفت الشاعر حواليها لترى نفسها محطمة الأحلام مغتربة وحيدة، والرياح الشديدة تذرو أمانيها وهي تترجم كل ما تختزنه المرأة من حب مذبوح وحنان معتم عليه. ولا تخلو معظم قصائدها من شكوى المرأة التائهة الضائعة في زحام العالم. لنراها أو لترينا نفسها أنثى يعصف بها القلق.‏

ففي إحدى اللحظات تحمل انكسار حلمها إلى طائر النار فترى في هذا الكائن ملاذاً لحمل خيباتها ومستودعاً لخزن قلقها فتقول على لسانه:‏

مالي لا يطفئ غلتي الحرانة‏

هذا العطشُ الباردُ‏

هذا النهل الماردُ‏

مالي ألتحف النار‏

ومرة ثالثة تضعنا مليكة في خضم الخداع الفني الآسر والجذاب فلا نعرف إن كانت هي التي تسرد قلقها في الصور المتلاحقة أم أنها تترجم عذاب طائر النار. فلا يفصلها عن نومها إلا إغفاءة حلم تتعشقها ولا تستطيع إمساكها. وفي إحدى صحواتها تستطيع أن تمسك بحبال وعيها وناصية قلقها لتكتب شيئاً كأنه الرثاء لكنه رثاء الكائن الحي القوي القادر على ترجمة مواجعه وهمومه، فإذا متُّ ــ هكذا تنادي ــ فلا تسكبوا دمعة على شبح كان يوماً يعيش بوهم كبير. وهذا الوهم تراه صدى لامرأة تموت بها كل يوم مرابع مخضرة زاهية.‏

وتكسرُ في قلبها الأمنياتُ‏

كما يكسِرُ الحجرُ الآنيَهْ(9)‏

وفي قصيدة: الدوحة المعطاء ترى الشاعرة أنها خلفت عمرها وراءها كما يخلف الزهر عبقه ويمضي. وتطلعنا على مرثية لأحد أحلامها المكسرة، فهي في هذه الصورة زهرة تبيت إلى الصبح ترشف حبات الطل، فتزهو بإهابها لتنشر الدفء دفء العطور ومع الصبح تهدي الضوء والطيب لأطفال الحقل.‏

وكل ما في سيرة الزهر حلو وجذاب لكنها تذبل بعد رحلة الصبا وبعد أن تسعد قلب حبيب عابر وتتلفت بعد الرحلة لترى نفسها متآكلة النضرة فاقدة العطر لتمضي الحياة بدوحة عمرها التي تتخبأ الطيور بأغصانها، لتتحول إلى شيء آخر لا يفنى ولا يذوب ولكنه يتخذ تكويناً جديداً له.‏

ويتوج هذا النمط من ترجمة الخيبة والعذاب والقلق نص شعري مفعم بالصور الدامية المحيرة. فهي تتحدث عن غائبة لا نعرف من هي الغائبة إلا أن تكون هي ذاتها الشاعرة التي تأبى أو تأنف من عرض مواجعها أمام متلقيها فحولت الأنا إلى لـ(هي) في قصيدة عذاب(10) التي نراها أنموذجاً حياً متجدداً للعذاب الذي تعانيه الأنثى في هذا العصر وفي هذا الوطن. وتلاحقنا في خداعها الفني المحبب والجذاب والآسر وهي ضمن ترجمة الحلم المكسور والأمل الخائب. فتقول: عذابٌ هواها. وأنسٌ مودتها ورضاها. ومن هي التي يؤذن هواها في بلج الفجر منادياً: حي على صبوتي وحنيني؟ وحيَّ على اسمها في تراتيله وحيَّ على ظله، وبنقلة مفاجئة ترتسم صور لهذه الــ هي التي تظهر كياناً محيراً أو خلقاً أسطورياً يتمازج في تكوينه المعقول وغير المعقول. فموج أنهرها ليلك. ويتحول إلى علقم حين يخبو مذاقها ونداؤها جراح. وتحفر في الروح ذكرى لواعجها وضناها، وأي أنثى أسطورية تلك التي تحتمل الصفات التي راكمتها عليها الشاعرة لتطيب الحياة على نحرها. وهواها رحيق يرش على صفحة القلب طَلاًّ رشيقاً وصداها حفيف يؤجج عاصفة في الدماغ. ويتحول النص إلى لغة الأنا. لتريق الشاعرة أمواه عذابها ولوعتها وانكسار حلمها في أضمومة من الصور:‏

يبابٌ خيالي‏

إذا ما تغيب بأطيافها‏

زمهريرٌ شتائي‏

خرابٌ حياتي ومقبرةٌ بعدها‏

أمانٌ شذاها‏

سرى في حنايا الروح‏

إشراقه وبهاه‏

وتجيء خاتمة القصيدة لتزيح ستاراً عن الخيبة والدمار الذي يحل بروحِ مَنْ؟ هذا هو السؤال الذي لابد للمتلقي من تسجيله ليظلَ الجواب معلقاً في عدد من الاحتمالات التي تكونها الصور الأخيرة في النص:‏

ممضٌ تذكرها‏

ودمار لأيامي‏

هذا الهوى المستحيل.‏

وهكذا تشغلنا الشاعرة وتؤرجحنا بين حبها المحطم وكبريائها التي تستر لواعج الأنثى في أنثى رمز أسطوري يتحرك على طول القصيدة. حاملاً لوعة الأنثى وإثارة الأنثى وأنينها وحزنها وألوان فرحها وعطر خيبتها.‏

وفي (زيارة الفارس القديم) تتضح قصة عشق خاب وحكاية حلم مزقته ضحوة الفراق. ومن خلال ما تركته تلك الزيارة تسترسل الأنثى الشاعرة في استعادة ذكرياتها مع الحبيب الراحل، بقدر ما تستعيد لحظات الإثارة واللذيذة التي تنهال على ذاكرتها. لنرانا أمام حكاية عشق كاملة الفصول قضت عليها ظروف الفراق، وتتمسك أنثى القصيدة بخيط واحد ينسحب من ذاكرتها كلما فردت قطعة منه تباغتها وقفة باهرة من وقفات ذلك العشق المذبوح. هذا الخيط هو رائحة التبغ التي خلفها الفارس الراحل ومن أول هذا الخيط تبدأ القصيدة:‏

تبغك يا صديقي الذي رحل‏

يزورني كنسمة من الحنين‏

إن كنت يا صديقي الذي رحل‏

قليلاً ما تزورني‏

نسمة تنعشني حيناً لحين‏

أبحث عن عطركَ يا صديق غربتي‏

أنا الممزق السجين‏

من خلال استجداء فوح الطيب ورائحة التبغ وقد أضفت عليهما الشاعرة لوناً من ألوان السمو الأسطوري تفاجئنا بصيغة المذكر المتكلم. لتعود إلى صوغ صورها بصيغة الأنثى بعد المقطع الأول، عندما تغوص في لجة حزنها وإحساسها بالبكاء وهزة النشيج. وتظهر بغتة من دوامة الحزن عندما تعود إليها رائحة تبغه. لكنها لحظة فرح عابرة لتغوص في حزنها وخيبتها من جديد بعد اللهاث وراءها. وهي تنتظر لكنه انتظار من يحس بالخيبة وضياع الحلم. وفي مقاطع النص تطالعنا الذكريات بقدر ما تطالعنا الخيبة عن عودتها إلى الوجود. فهي تحلم وتستيقظ خائبة من الحلم وتتذكر وتعود إلى عتم الآن من قبسات الذكرى. وتستجدي كل ما يذكرها وينعشها من فارسها المغترب كما هي مغتربة مثله وكل منهما في عالم:‏

عندما فارقَتْ أنفاسكَ الفضاء‏

أحسست بالبكاء‏

يعصف بي‏

يهزني النشيج‏

فداعبتني نسمة من تبغك الثقيل‏

تمسح عن قلبيَ العويل‏

ونحوها مضيت لاهثة‏

لكنني واخيبتي‏

أطلت الانتظار دونما وصول(11)‏

ويشدها تبغه من جديد لكنها تستيقظ من غفوة عطر التبغ لترى نفسها تنسج الأمل المستحيل، لتخلف لنا نصاً سداه ولحمته الشعر لكنه الشعر السهل البسيط الذي لا تتعب قراءته ولا تغيب عن الذاكرة لذته. والذي لا تستطيع أن تكتبه إلا امرأة شاعرة تتفجر منها أحاسيسُ الأنثى وتتدفق شلالات عواطفها الإنسانية الآسرة.‏

***‏

بعد هذا العرض لمشاغل وهموم الأنثى في شعر مليكة هل يجوز لنا أن ننسى البعد الإنساني الآخر الذي يترجم ويرصد هموم الناس الذين تعيش الشاعرة بينهم؟ وهل يجوز أن نتجاوز تعرية الطغيان السياسي، ورفض الظلم وما يحيط بإنسان العصر من قيود ومضايقات؟ وما يعانيه إنساننا من غربة وفقر وجوع وأذى؟ لكل هذه الموبقات نصيب في شعرها. فهي ابنة هذا العصر وهي شاهدة على مآسيه وحروبه ومظالمه وسيوف سيافيه.‏

وهي ما أظنها بعيدة عن رؤية الطفل المتسول، ولا عن رؤية الطفل الذي يفترش الرصيف، ولا عن مشاهدة الأب الذي يصارع الفقر ليحصل على الرغيف، ولا عن رؤية الأم التي فقدت ولدها في حرب مجانية. وليست غافلة عن الدعاة الذين يتسترون بعباءة الدين وشياطينهم ترشدهم إلى اقتناص الملذات. وكل هذه المواجع احتلت نصيباً وافراً من شعرها ونستطيع أن نضع أصابعنا على بضع قصائد تصلح أن تكون شواهد حيّة على نكبات العصر ومآسي معاصريه.‏

ولعل قصيدتها المترعة بالحزن واللوعة والصور الفاجعة التي تترجم الخيبة والقلق من غيبات الأحلام أقصد قصيدة. الفرحة خارج القلب(12) التي تقطر المرارة من صورتها تشكل إصبع اتهام يرفع في وجه الطغيان والظلم ووحشية الإنسان. كما تصلح شاهدة من شواهد هذا العصر المأزوم والمزدحم بمآسيه ازدحامه بسكانه. ولا يغيب عن متلقي هذه القصيدة أن من أبدعتها امرأة، فتبدأ بتدفق الأسى والخيبة من خلال ذاتها صاحبة الحلم الضائع والآلام الغارقة في الأوهام، أي أنها لا ترسم الحزن والأسى من بعيد بقدر ما يتفجر الحزن من ذاتها أولاً ومن الذات تدخل إلى الآخر المحاصر بمواجعه:‏

جوع في القلب يموء تلاحقني الوحده‏

أغسل ما علق بقلبي من أدران البغض‏

آخر ما صنعته بيَ الأيام المره‏

زجت بي في الحب الباسمِ‏

في أرجاء المهد الوسنانِ‏

غفوت مخدرة بالوهم‏

يؤرجحني عصفور الشرق الأسمرِ‏

في صمت النبلاء.‏

وكما لامسنا خداعها الفني المحبب في قصائدها ذوات الوجع الأنوثي. تطلعنا على لمحة من هذا النمط في هذه القصيدة الإنسانية المتوجهة إلى معاناة العصر، فنظن أنها تترجم حلماً شخصياً وأنوثياً من أحلامها في المطلع الذي توجت به قصيدتها، لتفاجئنا بالنقلة الثانية إلى هموم الناس، فكان آخر ما صنعته بها الأيام أن زجت بها في نوم وردي لا أحلام فيه، وحجبت عنها العالم حتى تحيا في وهم السعادة وتسبح في الآفاق المسحورة، فترى نفسها تملك كنوز سليمان ومال قارون، وصارت تنام وتصحو وفي عينيها لؤلؤتان لتصحو أخيراً متسائلة:‏

من قال بأن الراحة في النومِ‏

ألا أخبركم إن الراحة في اليقظه‏

حين نُفَتِّحُ أعيننا ونصارع هذا العالم‏

حين نخوض بأحشاء الأرض‏

وتنشر مرارة عتابها على الأيام المرة التي عزلتها عن آلام الأهل وعن أحزان الأصحاب. وكيف أقامت تلك الأيام أمام عينيها أسواراً تحجب عنها مأساة الإنسان، حتى قتلت النبض في قلبها. لتتحول أيامها التالية إلى زمن ميت، لتعلن بعد هذه الرحلة حاجتها إلى رنات الألم لتبصر مآسي الآخرين.‏

***‏

وتتجاوز موطنها الصغير وهي محملة بالآلام لتطل على الوطن الأرحب، فتلامس بيروت وبابل ومكة والقدس. وترى هنالك باباً يصر أمام الرياح، ولا يعرف النازحون إليه طريقاً، ويحرسه الموت منذ الأزل.‏

وحينما تضيق بها الأمسيات وتتنقل بين الشمس والريح والنار لترى نفسها جسداً من دخان، وتتصدع بين الأجرام ويدوي صوتها بين الجبلين وبين النهرين وترتد نثار هواء.‏

وليس أخيراً ـــ ولكن في إحدى مراحل رحلتها تصلي ولكن الغم لم ينكشف.‏

ولم تنزل الرحمة الواسعة الأرجاء‏

على هذا الكون المنكود‏

وما زلت أصارع من‏

يختطفون المحراب إذا رمتُ أصلي‏

ويقيمون الحراس بباب المسجد‏

لم يتطهر هذا الكون بصلواتي13.‏

لكنها مصرة بعناد المناضلين المكافحين على السير في دروب الحياة وهي ما زالت تصلي. ربما ليتطهر الكون بعد هذا العذاب.‏

هل هذا كل ما يكتب أو يقال عن شعر مليكة؟‏

لا. ما أظن ذلك أبداً. لكن عذري أني أقدم لمحات من القول على شعر تشارك في إبداعه شواعر لا شاعرة بمفردها.‏

(1) المجموعات الأربع اللواتي بين يدي هن: /أصوات حنجرة ميتة، 2 ـــ دماء الشمس، 3 ـــ كتابان خارج أسوار العالم، 4 ـــ شيء له أسماء ـــ وكلها مطبوعة قبل عام 1997، ولا نعرف ماذا قدمت مليكة منذ ذلك التاريخ.‏

(2) دماء الشمس، ص55-56.‏

(3) شيء له أسماء، ص7-8.‏

(4) شيء له أسماء، ص31-32-33-34-35-36-37-38-39.‏

(5) كتابات خارج أسوار العالم، ص80-81-82-83، القصيدة المسعورة.‏

(6) كتابات خارج أسوار العالم قصيدة: اسمي مطر. ص56-57-58-59-60-61.‏

(7) شيء له أسماء، ص67-68.‏

(8) شيء له أسماء، ص99-100-101.‏

(9) أصوات حنجرة ميتة، ص70-71.‏

(10) دماء الشمس، ص46.‏

(11) كتابات خارج أسوار العالم، ص84-85-86-87-88.‏

(12) كتابات خارج أسوار العالم من ص32 ـــ إلى ـــ 37.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244